ألمانيا تسحبت غيداء من جوار فادي النائم وخرجت من الغرفة. شعر فادي بذلك واستيقظ يزفر أنفاسه، هو على يقين أن غيداء نهضت من جواره كعادتها الأيام الأخيرة، وتذهب إلى الغرفة الأخرى وتبدأ بالمذاكرة، تجهد نفسها رغم تحذيرات الطبيبة بعدم إرهاق نفسها لقرب موعد ولادتها، لكن هي لا بد أن تخالف. نهض من فوق الفراش وذهب خلفها.
بينما غيداء دخلت إلى الغرفة الأخرى وجلست تفتح إحدى الكتب، لكن فجأة شعرت بألم يضرب ظهرها لثوانٍ ثم ذهب، أنَّت بهمس وعادت تنظر لصفحات الكتاب، لكن سمعت فادي يزفر نفسه بغضب قائلًا:
"آخر متابعة للدكتورة قالت لازمك راحة وبلاش ترهقي نفسك، والمذاكرة أكبر إرهاق، ومعتقدش إنك هتلحقي تدخلي الامتحانات لأن فاضل عليها عشرين يوم، وأنتِ خلاص ميعاد ولادتك قرب جدًا، ومش هتقدري تنزلي مصر مفيش طيران هيقبلك، ومش هيحصل حاجة أنك تأجلي السنة دي، صحتك وصحة البيبي أهم." ابتسمت غيداء قائلة بتبرير تعلم أنه غير صحيح:
"لأ عادي ممكن أسافر مصر طيران، هما في شركة الطيران هيعرفوا أنا حامل في الشهر الكام، جسمي مش ملان أوي، لو قولت حامل خمس شهور هيصدقوا ويسمحولي أسافر بالطيارة." ذهل فادي من ردها الغبي قائلًا:
"أولًا ممنوع ركوب الطيارة للست الحامل ابتداءً من ست شهور، لأن ضغط هوا الطيارة شديد وسهل تولد بسببه، وأكيد الطيارة مفيش فيها غرفة ولادة ولا حتى إمكانيات تولد ست. ثانيًا حتى فرضًا مش وارد أساسًا بس خليني معاكِ حسب رغبتك للآخر، ووصلتي مصر بخير، هتروحي تولدي في لجنة الامتحان." ابتسمت غيداء وكادت أن تعاند لكن أتاها نفس الوجع السابق لكن أشد قوة، أنَّت بآهة... انخض فادي وهرول إلى مكان جلوسها وانحنى عليها قائلًا:
"في إيه مالك يا غيداء، وشك قلب كده ليه؟ أنَّت غيداء أقوى قائلة: "وجع شديد أوي في ضهري باينى هولد." تعجب فادي قائلًا: "المفروض على حساب الدكتورة فاضل حوالي واحد وعشرين يوم." أنَّت غيداء بألم قائلة: "لأ شكلي هولد الليلة الألم بيزيد." ارتبك فادي في البداية، لكن تمالك نفسه وسند غيداء حتى تقف قائلًا: "تعالي أساعدك تغيري هدومك بسرعة، ونتصل عالدكتورة وإحنا في الطريق، أو يمكن نلاقيها في المستشفى."
بألم نهضت غيداء مع فادي الذي ساعدها في تبديل ثيابها سريعًا، واتصل بأحد أرقام سيارات الأجرة الخاصة. بعد وقت قليل كان في المشفى بغرفة الولادة ينظر إلى الطبيبة بقلق، لكن قالت الطبيبة أن تلك آلام مخاض، وبالفعل وقف فادي بالغرفة ورأى ألم وأنين غيداء أثناء الولادة، حتى سمع بكاء الطفل، لكن لم يهتم بذلك كان نظره منصبًا على غيداء التي بالكاد التقطت نفسها.
بعد دقائق قليلة أتت الممرضة بالطفل ملفوف في بعض الثياب، وأعطته لـ غيداء التي نسيت كل الألم وحملته بشعور خاص به هي، حصلت على أغلى هدية بحياتها، تبسمت غيداء بوهن وهي تنظر إلى فادي قائلة: "بقالنا شهور مفكرناش هنسمي البيبي إيه؟ ابتسم فادي قائلًا: "فعلًا، بس أنا حاسس إن كل الأسماء اتمسحت من دماغي." ضحكت غيداء قائلة: "بس أنا منستش الأسامي." ابتسم فادي قائلًا بجزم: "خلاص أنا موافق عالاسم اللي هتقولي عليه."
ضحكت غيداء بمكر قائلة بمراوغة وهي تسخر من تلك الحالة الذي بها فادي، فهو مثل التائه أو بمعنى أصح مذهول: "مش يمكن الاسم مش يعجبك." رد فادي بعدم صبر: "لأ طالما عاجبك الاسم يبقى هيعجبني... قولي الاسم." ابتسمت غيداء وهي تنظر لطفلها ببسمة قائلة: "جمال، جمال فادي جمال التهامي." تفاجأ فادي مبتسمًا يقول ببلاهة: "ده اسم بابا." ضحكت غيداء بوهن قائلة بسخرية: "كويس إنك لسه فاكر اسم باباك." مسد فادي رأسه بيديه قائلًا:
"فعلًا كويس إني لسه فاكر اسمي، بصراحة حاسس إني زي المذهول، ومنظرك وأنتِ بتتألمي وقت الولادة مش راضي يضيع من راسي." ابتسمت غيداء بحنان وهي تنظر لطفلها الذي بين يديها قائلة: "بس أنا دلوقتي مبقتش حاسة بأي وجع." اقترب فادي وجلس جوار غيداء على الفراش ينظر لطفله بشعور خاص لا تفسير له، غير أنه أصبح أكثر مسئولية، أصبح لديه عائلة صغيرة عليه رعايتها. مدت غيداء يديها بالطفل نحو فادي قائلة:
"على فكرة أكيد محدش أذن ولا نطق الشهادتين في ودان جمال."
أخذ فادي الطفل من يد غيداء وهمس في أذنه بالأذان ونطق الشهادتين، ثم نظر لملامحه التي شبه غير واضحة، ثم نظر لـ غيداء التي تسلط عينيها عليه هي الأخرى، تذكرت للحظة أن هذا الطفل نبت من لحظة حرام، غص قلبها للحظات لكن نفضت ذلك حين بكى الصغير متذمرًا، يبدو أنه ما زال يريد حضنها هي، ربما يفتقد شعور أنه ما زال يسمع نبض قلبها وهو بداخلها، يريد أن يشعر بنبضات قلبها قريبة منه. لندن
امتثل عواد لرغبة صابرين وذهب الاثنان إلى أكثر من مكان خاص لتسوق الفواكه، جالا الاثنان يبحثان عن ما تشتهيه صابرين، وجدوا فعلًا البطيخ لكن توقفت مع البائع تسأله: "أنا مش عاوزة بطيخ مخطط كده، عاوزة بطيخ من اللي لونه كله بيبقى أخضر." نظر البائع نحو عواد الذي يكبت بسمته بخفاء، فبعد أكثر من مكان ما زالت صابرين تصر على نوع معين غير موجود، كانت نظرة البائع بمغزى أن كيف أقنعها بالشراء، فكر البائع بذكاء
يظن أنه سيقنعها حين قال: "لدينا هنا بطيخ أصفر." سخرت صابرين منه قائلة: "بطيخ إيه، أصفر! قالت هذا ثم نظرت لـ عواد باستفسار قائلة: "أنت أكلت البطيخ الأصفر ده قبل كده؟ تعرف بيبقى طعمه حلو." رفع عواد يديه قائلًا بنفي: "عمري ما دوقته، أسمع عنه بس أنا أساسًا ماليش في أكل البطيخ أوي، بس رأيي مش هنخسر جربيها يمكن طعمه يعجبك." هزت صابرين رأسها باقتناع قائلة:
"وماله نجرب البطيخ الأصفر، ورغم إني مش مقتنعة بالبطيخ الكروهات ده بس برضوا ميمنعش يمكن يخيب ظني ويطلع طعمه حلو، وخلينا كمان نشتري شوية فواكه." بالفعل بعد قليل عادوا إلى الشقة بكميات من أكثر من نوع فاكهة. وضعت صابرين تلك البطيخة التي قال لها البائع أنها بطيخ أصفر فوق طاولة بالمطبخ وأتت بطبق كبير وسكين قائلة: "خلينا نكسر البطيخة الصفرا ونشوف كلام البياع صادق، ولا نصاب."
ضحك عواد، بينما قامت صابرين بشق البطيخة إلى قطع كبيرة لحد ما وقامت بقطم قطعة منها بفمها لم تستسغ طعمها في البداية، قامت بقضم قطعة أخرى وأخرى علها تستسيغ طعمه لكن بالنهاية نظرت لـ عواد قائلة: "البطيخ الأصفر ده مالوش طعم، تحسه زي طعم قشر البطيخ." ضحك عواد قائلًا بمزح: "أكلتي أكتر من نص البطيخة وفي الآخر بتقولي مالوش طعم، أنتِ عارفة البطيخة دي تمنها كام؟ نظرت صابرين لبقايا البطيخ قائلة:
"والله ما تستاهل تمنها ده، يلا الأمل بقى في البطيخ الكروهات ده، منظره بيفكرني بالحرامية في الأفلام الأبيض والأسود القديمة كانوا بيلبسوا زي موحد ومخطط أبيض وأسود، بس البطيخة بقى مخططة أخضر في ليموني." ضحك عواد وصابرين تشق البطيخة الأخرى، لم تنتظر تقطيعها وقضمت قطعة، ولم تستسغ طعمها ونظرت لـ عواد قائلة:
"ماسخ ولا ليها طعم، يا خسارة الفلوس، لأ والبياع كان بيوزن على الميزان بالباوند، والله لو في مصر كانوا هيقولوا عليه بيغش في الميزان، أنا أساسًا بعد البطيخ ده بقى معنديش ثقة في السوبر ماركت ده، ولا أقولك أجرب بقية أنواع الفاكهة دي، يمكن لعل وعسى ومحسبش على الفلوس اللي صرفناها عنده." ضحك عواد قائلًا: "لأ بقى مع نفسك جربي اللي أنتِ عاوزاه، أنا مصدع هروح أنام، وأما تخلصي أكل أبقى حصليني على أوضة النوم، تصبحي على خير."
بغرفة النوم بالكاد عواد صعد فوق الفراش لكن في نفس الوقت دخلت صابرين بصينية كبيرة لحد ما. نظرت ناحية الفراش وجدت عواد يعدل الوسادة أسفل رأسه، تساءلت: "أنت هتنام مش هتاكل معايا؟ رفع عواد رأسه ورأى كمية تلك الفواكه الموجودة جوار قطع البطيخ، تبسم وأعاد وضع رأسه على الوسادة براحة وجذب الغطاء عليه قائلًا: "لأ يا حبيبتي أنا قولتلك في المطبخ عاوز أنام، كُلي أنتِ واشبعي، وأنا هنام...
تصبحي على خير بس مكتريش في أكل البطيخ والفواكه الثانية دي لا يجيلك تلبك معوي." نظرت له بغيظ قائلة: "هيجيلي تلبك معوي من عينك إن شاء الله." أنهت قولها وقامت بقذفه بنوى إحدى ثمار الخوخ. أزاح غطاء الفراش وأمسك تلك النوى قائلًا بمزح: "طب كنتِ احدفي الخوخة مش النوى، على العموم مقبولة منك يا حبيبتي." قال هذا وقذفها بالنوى مرة أخرى. شعرت بألم خفيف برأسها وقالت بعناد: "كنت بفكر أحدفك بمشمشة، بس خسارة فيك أكلها أنا."
ضحك عواد واعتدل نائمًا. بعد قليل شعر بـ صابرين التي تسطحت على الفراش والتصقت به، ثم وضعت يدها على كتفه ودفست رأسها بـ صدره. ضمها عواد هامسًا: "ليه مكملتيش أكل البطيخ اللي نزلتينا نص الليل نشتريه، غير الفاكهة الثانية؟ ردت صابرين بوخم: "هبقى أكمل أكلهم الصبح، دلوقتي أنا كبس عليا النوم." تبسم عواد واحتواها يقبل رأسها، ليذهب الاثنان إلى غفوة مطمئنة. صباحًا
أثناء نومها شعرت بنغزات قوية تشبه مغص في بطنها، استيقظت وسلتت جسدها من يدي عواد ونهضت سريعًا تتوجه إلى الحمام. استيقظ عواد حين شعر بحركتها وحين تسحبت من بين يديه، لكن شعر بالقلق حين غابت قبل أن تخرج من الحمام. حسم أمره وكاد ينهض من على الفراش ويذهب للحمام لكن وجدها خرجت من الحمام بيدها منشفة صغيرة تجفف بها وجهها. وجهها الذي يبدو عليه الخفوت، كذلك تضع إحدى يديها فوق بطنها. تبسم بخفاء. لكن لاحظت صابرين
بسمته فقالت بانزعاج: "بتضحك على إيه عالصبح، شكل جالي تسمم أكيد من الفاكهة مسمومة، أنا لازم أبلغ في السوبر ماركت ده، بيبيع فاكهة محقونة بهرمونات مسمومة." ضحك عواد قائلًا: "مش الفاكهة هي اللي مسمومة، أنتِ أكلتي كمية كبيرة ومن كذا نوع، يعني مشمش وخوخ وبطيخ ده غير التفاح والأنواع الثانية اللي اشتريناها من السوبر ماركت، المفروض الكمية دي كانت تقضينا أسبوع أنتِ نسفتي نصها." نظرت صابرين له بعبوس. ضحك عواد.
اغتاظت صابرين من ضحكه، تدور حول نفسها قائلة: "فعلاً أنا بقيت باكل كتير، حتى حاسة إن جسمي تقيل زي اللي معبي ميه، قولي يا عواد أنا حاسة إن في أماكن في جسمي تخنت زيادة عن اللزوم." ضحك عواد وهو يومئ برأسه. فقالت صابرين: "ايه هي الأماكن دي؟ هاقول لك الأرداف صح؟ أومأ عواد رأسه بلا. دارت صابرين بعينيها على جسدها تقول: "لازم أعمل دايت قاسي الفترة الجاية." ضحك عواد وعينيه مسلطة على صابرين التي توهم نفسها.
توقفت صابرين عن النظر لجسدها ونظرت لعواد قائلة: "بتضحك على إيه؟ وبعدين أنت كنت بتبص لجسمي بوقاحة يا عواد، المفروض تبص بأدب." ضحك عواد بهستيريا. اقتربت صابرين من الفراش وصعدت عليه وضربت عواد على صدره بغيظ قائلة: "بتضحك على إيه؟ بعدين افتكر إنك في بلد الإنجليز ودول عندهم أشهر أدب في العالم." ضحك عواد وجذب صابرين من يدها عليه قائلاً: "أنا ماليش في الأدب، أنا راجل عملي يا روحي."
تفاجأت صابرين في لحظة استدار بهم على الفراش، هو بالأعلى وهي بالأسفل، واضعًا رأسه بين حنايا عنقها يقبله قبلات ناعمة. عصفت بمشاعر صابرين قليلاً وكادت تقاوم، لكن اجتاح شفتيها بإعصار قبلات. استسلمت لذلك الإعصار الذي يشتت قلبها وعقلها، وازداد ذلك التشتت حين ترك عواد شفاها وابتعد عنها، فتح أحد أدراج طاولة جوار الفراش وأتى بذلك الخاتم. ابتسمت صابرين قائلة: "آن الأوان." ضحك عواد قائلاً:
"لما كنا في المستشفى قلت لك مش هالبِّسِك الدبلة تاني غير لما أقف على رجليّ تاني والنهاردة وقفت على رجليّ، صحيح لسه ما أقدرش أمشي، بس وقفت تاني على رجليّ، يبقى الدبلة ترجع تاني لمكانها في صباعك اللي موصل بشريان لقلبك." ابتسمت صابرين ومدت يدها له قائلة بأمل: "متأكدة في أقرب وقت هترجع تمشي تاني. بعدين أنت ملكت قلبي وعقلي، أنت الحب الوحيد في حياتي." ابتسم عواد وهو يضع الخاتم ببنصرها ثم قبل يدها قائلاً بمكر وخبث:
"أنا امتلكت قلبك وعقلك بس؟ تلاقت عيني صابرين مع عواد وقالت: "أنت ملكتني قلب وروح وجسد يا عواد." تلك الجملة كانت تفويضًا منها له أنه الوحيد الذي امتلكها قلبًا وجسدًا، جذبها عليه يضمها قويًا، كذلك صابرين عانقت جسده هامسة: "أنا غرقت في عشق المختال عواد زهران." ضحك عواد وقبلها قبلة رقيقة، ثم استلقى على ظهره وجذبها لتنام بجسدها فوق جسده، لكن صابرين لمعت عينيها بمكر وهي تضع يديها حول ذقنه قائلة:
"دقنك كبرت ومحتاجة شوية تهذيب، إيه رأيك... لم تكمل صابرين بقية مكرها، كان عواد أمكر منها واستدار بهم في الفراش وأصبح يعتليها ينظر إلى وجهها الباسم قائلاً: "مش بس دقني اللي محتاجة تهذيب يا حبيبتي." ابتسمت صابرين وهي تفهم نظرات عواد، لكن قالت له بمكر: "براحتك بس لما تنهج في جلسة العلاج الطبيعي ولو الشمطاء أوليفيا قالت لي أنت السبب هاقول لها...
أخرس عواد بقية حديث صابرين بقبلات شغوفة ولمسات حميمية، ليغرق الاثنين معًا برحلة لطيفة. قرارها المكين هو القلب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد مرور أسبوع صباحًا الإسكندرية فيلا زهران تنهدت تحية وهي تغلق الهاتف، نظرت إلى خروج فهمي من الحمام مبتسمة، تسأل فهمي: "إيه سر البسمة دي بقى عالصبح؟ ردت تحية:
"غيداء كنت باكلمها وقالت لي إن صحتها كويسة وهتقدر عالسفر، بصراحة خايفة عليها دي يا دوب والدة من أسبوع، وجاية بكره، ما أعرفش ليه مصرة تنزل علشان تمتحن، كانت أجلت الترم ده." ابتسم فهمي وهو يجلس جوار تحية قائلاً: "مش الدكتورة اللي كانت متابعة معاها الحمل والولادة قالت صحتها كويسة؟ يبقى ليه القلق ده؟ تنهدت تحية قائلة:
"قلقانة عليها هي وابنها جايين لوحدهم، فادي مش هيبقى معاهم، لو ما كنتش ولدت قبل الميعاد اللي كانت بتقول عليه الدكتورة، كنت هاسافر لها وأبقى معاها وقت الولادة، بس أنا حسبتها غلط نسيت إن الشهور بتاخد من بعضها، الحمد لله ربنا جبرها بالسلامة، صحيح نفسي أشوفها وأطمن عليها، بس برضه قلقانة عليها من السفر والطيارة." ضم فهمي تحية بيده ينظر لها بمحبة تزداد قائلاً: "نفسي تبطلي قلق على اللي حواليكِ شوية وتنتبهي لي أنا وبس...
خلاص كلهم كل واحد لقى سعادته فين، الدور علينا إحنا بقى." تبسمت تحية وهي تنظر لفهمي قائلة: "وجودك جنبي دائمًا بيسعدني ويقويني يا فهمي، أوقات بأسأل نفسي لو القدر كان اتغير من البداية وكلمة ما فرقتش بينا سنين يمكن كانت حياتنا هتختلف، بس يمكن مع الوقت كان حبك ليا يبهت أو... وضع فهمي أصبعه على شفاه تحية قائلاً:
"هاتصدقيني يا تحية، إن كنت عايش من غير روح لسنين وأنا بتألم بسببك وأنا شايف جاد ومعاملته القاسية وخلافاتكم، كنت باخاف في مرة تصري عالطلاق وينتهي علاقتك بعيلة زهران، وأتحرم وقتها من أني أسمع صوتك، يمكن ما كانش ليا الحق إني أفكر فيكِ وأنتِ على ذمة راجل تاني، وللأسف أخويا، اللي لو كان عاش مع أحلام كان عرف قيمة النعمة اللي في إيده." تدمعت عين تحية قائلة: "ربنا يرحمهم هما الاثنين." مسح فهمي دمعة تحية قائلاً:
"والدمعة دي لازمتها إيه دلوقتي؟ تنهدت تحية قائلة: "دي مش دمعة حزن، دي دمعة فرح وسعادة، أخيرًا." ابتسم فهمي قائلاً: "السعادة ما لهاش آخر يا تحية، ليها بداية مستمرة." ـــــــــــــــــــــ لندن قبل الذهاب إلى غرفة العلاج الطبيعي قال عواد لصابرين: "لسه وقت على ميعاد جلسة العلاج، خلينا نروح المعمل نشوف نتيجة تحليل الدم اللي عملتيه إمبارح، أكيد زمانها طلعت." أومأت صابرين له برأسها موافقة.
توجه الاثنان إلى ناحية معمل التحاليل، كانت صابرين ما زال شعور الغثيان ملازمًا لها لكن تحاول المقاومة إلى أن شعرت بعدم استطاعتها التحمل، انحنت على عواد قائلة: "وصلنا معمل التحليل، هاسيبك خمس دقايق، هاروح الحمام وأرجع بسرعة قبل الدكتور بتاع التحليل ما يجي." لم تنتظر وقتًا وذهبت مسرعة، مما زاد القلق بقلب عواد من تلك الحالة التي زادت عن الحد وكذلك وجه صابرين المسقوم والواضح عليه الوهن...
لكن نظر إلى الطبيب الذي أتى ومعه مغلف قائلاً: "خير يا دكتور إيه نتيجة تحليل الدم اللي المدام عملته بالأمس؟ ابتسم الطبيب قائلاً: "خير، لا تقلق هذه عوارض طبيعية، ولم يكن هنالك داعي لهذا النوع من التحاليل، المدام تحتاج إلى طبيب نسائي." في البداية لم يستوعب عواد قول الطبيب وطلب التوضيح قائلاً: "وهتحتاج لطبيب نسائي ليه؟ ابتسم الطبيب قائلاً: "تحتاج لطبيب نسائي لمباشرة فترة حملها معه."
رنت كلمة الطبيب بأذني عواد، لكن سرعان ما تبسم بفرحة غامرة يود التأكيد قائلاً: "أتقصد أن زوجتي حامل؟ أومأ الطبيب برأسه قائلاً: "أجل تحليل الدم يثبت ذلك، لكن لا أعلم ما مدة الحمل هذا من اختصاص الطبيب النسائي." بعد قليل عادت صابرين وجدت عواد وحده لكن بيده ذلك المغلف... نظرت إلى ذهاب الطبيب قائلة: "أنا اتأخرت في الحمام والدكتور مشي، قال لك النتيجة إيه؟ راوغ عواد يكتم بسمته قائلاً:
"خلينا نروح لأوضة العلاج الطبيعي عشان أوليفيا بتضايق لما بنتأخر." ردت صابرين قائلة: "فعلاً الشمطاء بتضايق، خلينا نروح وبعدين أبقى قول لي على نتيجة التحليل." بعد لحظات وصل الاثنان إلى غرفة العلاج الطبيعي. تنهدت صابرين قائلة:
"واضح إن إحنا وصلنا بدري الأوضة فاضية، قلت لك قبل ما نجي لسه الوقت بدري، قلت لي عشان نتيجة التحليل بتاعك، مع إني عارفة إنها حالة تسمم بسبب الهرمونات الضارة اللي في الفاكهة، والله لو كنا في مصر كنت بلغت وزارة الصحة يشمعوا السوبر ماركت." ضحك عواد قائلاً: "ما أعتقدش، بالعكس لو عرفتِ نتيجة التحليل كنتِ هتعملي لصاحب السوبر توصية خاصة، ومش بعيد كمان معاها جواب شكر." نظرت صابرين لعواد بتهكم قائلة:
"كنت هاشكره على إني اتسممت بسبب الفاكهة بتاعته؟ غير كمان من يومها وحاسة في معدتي بحموضة تلبك وأقل أكل يوجع معدتي... ده كرهني في الأكل." ضحك عواد بمكر قائلاً: "عشان تبقي تبطلي طفاسة، ويمكن ذنب إنك نزلتيني بعد نص الليل ألف معاكِ في السوبر ماركات على بطيخ." نظرت صابرين بشرز لعواد الذي ضحك وهو يجذب صابرين بمفاجأة ليختل توازنها وتجلس على ساقيه، وسرعان ما أحاطها بيديه واقترب يهمس جوار أذنها: "مبروك يا حبيبتي أنتِ حامل."
في البداية ظنت صابرين أنها سمعت خطأ وقالت: "قلت إيه؟ ضحك عواد ووضع كف يده فوق بطنها قائلاً: "أنتِ سمعتي صح، مبروك يا حبيبتي، بس أنا عاوز بنت بس شبه غيداء أختي هادية ورقيقة." ما زالت لم تستوعب المفاجأة وتساءلت بغباء: "بنت مين اللي عاوزها شبه غيداء يا عواد؟ ضحك عواد قائلاً: "بنتك طبعًا، إيه أنتِ مش مصدقة إنك حامل؟
نتيجة تحليل إمبارح أهي بتثبت إنك حامل، والأعراض دي مش تسمم من الفاكهة زي ما أنتِ مفكرة دي أعراض حمل، مبروك يا حبيبتي." ما زالت الدهشة على وجه صابرين غير مصدقة لكن بسمة عواد تؤكد ذلك، وقبل أن تتحدث جذبها عواد من رأسها مقبلاً، وصابرين لا تعطي أي رد فعل كأنها فقدت الإدراك إلى أن سمعت استهجان أوليفيا التي دخلت إلى الغرفة بالقول بتعسف: "هيا انهضي من فوق فخذي عواد أيتها البلهاء السمينة."
ترك عواد شفاه صابرين التي نهضت من فوق ساقيه تشعر بخزي، لكن استهجان أوليفيا ونعتها لها بالسمينة جعلها تغتاظ ونظرت لعواد الذي يبتسم قائلة: "عارف يا عواد قبل ما ننزل مصر أنا هأقتل الولية دي، وبما إن مصر وإنجلترا ما فيش بينهم اتفاقيات تسليم مجرمين يبقى أنا كده عملت خدمة عظيمة للبشرية في الولية الشمطاء دي." ضحك عواد مما جعل أوليفيا تسأل بفضول: ماذا قالت تلك البلهاء السمينة يا عواد؟ لا تكذب ولا تُجَمِّل قولها.
نظر عواد لصابرين التي لا تهتم، لكن قال ببسمة: صابرين تقول لكِ... قاطعت صابرين حديث عواد: بقول إحنا جينا بدري عن ميعادنا يا ريت تبدأي بجلسة العلاج عشان الوقت بيتحسب بالدقيقة، تعامل إنجليزي. نظرت أوليفيا بفخر لصابرين قائلة: لدي تأكيد أنكِ لم تقولي هذا أيتها البلهاء، بل قولتِ شيئًا آخر، لكن حسنًا لنبدأ بالجلسة لتعلمي نحن الإنجليز مُنَظِّمين للوقت. نظرت لها صابرين بسخرية. بعد انتهاء وقت الجلسة، تبسمت أوليفيا قائلة:
جيد يا عواد، أنت تتقدم كل جلسة عن سابقتها... يبدو أنك ستعود للسير بعد فترة ليست طويلة. ابتسم عواد رغم إرهاق جسده، ونظر نحو صابرين التي تبسمت هي الأخرى. كانت نظرة امتنان لها بسبب مساندتها له، بينما صابرين عاودها الغثيان مرة أخرى لكن حاولت التماسك حتى لا توبخها أوليفيا. لاحظ عواد وضع صابرين يدها على فمها للحظة ثم نحتها تقاوم، فقال بقلق: أشكرك أوليفيا، لا بد أن نذهب أنا وصابرين، لدينا موعد مع طبيبة بالمشفى بعد قليل.
تساءلت أوليفيا بفضول: أي طبيبة؟ رد عواد: طبيبة نساء، صابرين حامل، ولا بد أن أطمئن عليها هي والجنين. تبسمت أوليفيا بانشراح قائلة: مبروك، لكن أخشى أن تأتي لك تلك البلهاء بطفلة أخرى مثلها بلهاء، أتمنى أن تأتي بصبي يحمل وسامتك.
اغتاظت صابرين منها لكن هزت رأسها بتهكم غير مبالية، يكفيها تلك الفرحة التي تشعر بها في قلبها، سواء من تقدم عواد علاجيًا أو حتى حملها الذي كانت تتوقع أن تطول فترة علاجها كما قالت لها الطبيبة سابقًا لكن تفاجأت بأنها حامل، وتلك إرادة ربانية. ــــــــــــــــــ ألمانيا
بفرحة كبيرة، رغم أن الاحتفال بسيط من بعض الأصدقاء المصريين والعرب، كان حفل سبوع مُصَغَّر بشقة فادي احتفاءً بذلك الصغير. كانت مشاعر ودودة بين غُرباء الوطن به يتمسكون ببعض العادات التي يفتقدونها، لكن لا مانع من إقامته حتى لو بشكل ترفيهي، تذكرهم ببلادهم الغائبين عنها. تلقى الصغير ووالداته بعضًا من الهدايا وما يسمى "بالنقوط" يتمنون له حظًا وسعادة ترافقه.
لكن لكل شيء نهاية، انتهت تلك الحفلة ومع نهايتها شعر فادي بغصة في قلبه وهو يدخل إلى غرفة النوم ويرى غيداء تحمل الطفل لكن منظر تلك الحقائب الخاصة بالسفر هو ما غص قلبه، تنهد وهو يأخذ صغيره منها قائلًا له: بص يا جمال يا تهامي، مامتك أمانة في رقابتك، تروح مصر وترجع بيها ألمانيا ثاني، طبعًا مولود بحظ معاك الجنسية الألمانية بقى، تمام تاخد بالك منها وبلاش تغلبها. ضحكت غيداء قائلة: هو مين اللي ياخد باله من الثاني؟
ابتسم فادي قائلًا: الراجل اللي ياخد باله من الست وأنا ابني راجل. ابتسمت غيداء قائلة بسخرية مرحة: راجل، ماشي مش هعارض. ابتسم فادي قائلًا: كفاية معارضة، أنتِ أصريتِ تنزلي مصر بعد أسبوع واحد من ولادتك، وأنا كنت معارض، بس طبعًا وافقتك بس عشان طنط تحية أكدت لي إنها مش هتخليكِ ترهقي نفسك. ابتسمت غيداء قائلة:
أهو أنت قولتها ماما أكدت لك، ماما هتهتم، جمال مش بعيد ينسى أنا مامته بسبب حنانها الزائد، كمان الدلع اللي هيشوفه منها وكمان من عمو جمال ده قال هيستقبلنا في المطار. ابتسم فادي يشعر بغصة في قلبه، بسبب والدته التي لم تُهَنّئ غيداء بطفلهم إلى الآن، فقط كانت كلمتها مختصرة له حين أخبرها أن غيداء ولدت "مبروك يتربى في عزك".
شرد عقله بأول مُشاحنة لها مع غيداء حين طلبت منها مباشرةً دون حياء أن تخف مصاريف دراستها عن كاهل فادي، ووالدها ما زال مُلزَم بها فهو قادر عن فادي الذي يبدأ الطريق ولا يستطيع تحمل فوق طاقته، لا عيب في ذلك بل حق مُستَحَق لها لدى والدها، وقتها فسرت غيداء ذلك أنه سبب آخر لتلاعبه بها والزواج منها، لم يكُن الغرض الانتقام فقط بل كان الطمع أيضًا، لكن فادي للصدفة وقتها عاد من العمل وسمع هجاء غيداء لسامية حين قالت لها أنها لن
تطلب من والدها أي مصاريف إلا في حالة واحدة أن تنفصل عن فادي، ازدادت المشاحنة بينهم وقتها بسبب غيظ وطمع والدته لولا تدخله وقتها قائلًا أنه قادر على تلك المصاريف ليست زائدة على كاهله، كما أنه أتى له فرصة كبيرة للعودة للعمل بفرع المصنع بألمانيا وتلك الفرصة ستزيد من دخله، لكن زاد طمع سامية وقتها
وقالتها صريحة لغيداء: حق عند والدها لما لا يزداد الخير، تفاجأت غيداء ونظرت إلى سامية وقتها بذهول، لكن والدته باغتتها وقامت بدفعها بقوة ارتدت على إثرها للخلف وخبطت بطنها بمسند المقعد، شعرت غيداء بألم وقتها ولم تتحدث ودخلت للغرفة، بينما هو كان رده على والدته حاسم وقتها أنه لا يريد أن يُسمح ويُقلل من شأنه ويُصبح عالة على أهل زوجته، تهكمت عليه وقتها سامية ولولا تفاجأ بعد ذلك بأن غيداء ما زالت تحتفظ بالجنين في رَحِمها
وأنه أوهمته بالكذب أنها أجهضت الطفل انتقامًا منه حتى يزداد شعور الخسارة لديه، ربما كانت طُرُقهم اختلفت لكن ذلك الطفل هو من جمع بينهم مرة أخرى، حتى حين علمت سامية أن غيداء حامل منه من قبل زواجهم الرسمي لامت عليه لما لم يستغل هذا وساومهم وحصل على مقابل لتستره على ابنتهم لكن هو "خائب" كما نعتته وقتها.
والدته رغم ما حدث وطلاقها من والده ولولا أنه ترجى والده أن يُعيدها فقط منظرًا، ما زالت الأموال هي ما تهمها، هو يعلم أنه يُرسل لها ما يكفي مصاريفها شهريًا بل ويزداد لكن هي تود المزيد وتُبرر ذلك بأنها تريد له الخير وعليه الترشيد في نفقاته، وأحيانًا تتذمر له أن ما يُرسله لها لا يكفي بحجة غلاء المعيشة حتى أنها أحيانًا تُلمح له بمصطفى أنه كان يُرسل لها ما يجنيه في الغربة وبالنهاية كل ذلك ذهب إلى زوجته وابنته التي أصبحت من
عائلة زهران، لكن هو يبرها ويرسل لها ما تطلبه، رغم تحذير جمال له، لكن هو لا يود غضبها طالما قادرًا، لكن كان بداخله يتمنى أن تقول له أنها تود رؤية طفله حين أخبرها بعودتهم للإسكندرية لقضاء وقت قصير فترة امتحانات غيداء ثم ستعود لألمانيا مرة أخرى لكن لم تُبالِ بذلك حتى رياءً، حتى والده أخبره أنها أنانية تعيش فقط من أجل نفسها وتستحق تلك الوحدة فهو ساوى معاشه، وترك البلدة وأصبح شبه ويعيش في شقته بالإسكندرية قريب من أخيه
وصابرين وزوجة أخيه يشعر معهم بدفء عائلي...
هي اختارت الطمع الذي أبعد الجميع عنها حتى ابنة أخيها لم تستمر في وهمها واختارت حياة هي فقط من ترسمها، كذلك أخيها الذي أصيب بمرض النسيان لكن يتذكر فعلته الحقيرة بتبديل طفلين ويهذي بها كثيرًا بندم... يخشى على والدته أن تُصاب بذلك الداء بسبب تلك الصومعة التي دخلت إليها بإرادتها، يدعو لها أن تزيل من على قلبها غشاوة حب المال التي أفقدتها ابنها الكبير، أجل كان ابنها لكن هي تود نسيان ذلك.
عاد فادي من شروده على صوت بُكاء صغيره، نظر لوجهه وملامحه التي بدأت تظهر هو قريب الشبه منه نفس الملامح تقريبًا، ابتسم وهو يُعطيه لغيداء قائلًا: واضح إن جمال هيبقى شقي. ابتسمت غيداء قائلة: فعلًا واضح كده من وهو في بطني كان بيرفس كتير ولما سألت ماما قالت لي عادي. نظر فادي لرفقة غيداء لطفلهما على صدرها متنهدًا بصوت. نظرت له غيداء باستفسار قائلة: بتتنهد كده ليه؟ ادعى فادي التذمر قائلًا:
بتنهد عشان بعد كم ساعة هبقى لوحدي، وأنا كنت خلاص خدت على صداع جمال التهامي طول الليل يعيط بلا هدف، هفتقد قلة النوم اللي اتعودت عليها. ابتسمت غيداء قائلة: لأ متخافش شهر ونص بالكتير وهنرجع ثاني هنا والله أعلم وقتها يمكن جمال يزيد شقاوة. جلس فادي جوار غيداء يضمها هي وطفلهما قائلًا: هستناكم بس بلاش تتأخروا عن شهر ونص.
رمقت غيداء فادي بنظرة خاصة وصافية، فادي طوال الأشهر الماضية بالغربة أثبت لها أنه شخص يعتمد عليه، ربما أخطأ في البداية، أو بالأصح أخطأ الاثنان لكن الفرصة الثانية أثبتت وأظهرت المعدن الحقيقي لمشاعر كل منهم، هي كانت تتمنى عالم وردي فتحت عينيها على واقع ليس أسود به كل الألوان تستطيع هي أن تساهم في رسم الألوان التي تريدها بهذا العالم. ــــــــــــــــــــــــ مساءً بيت رائف على طاولة العشاء تحدث صادق يسأل فادية:
ما قلتليش يا فتوش إيه رأيك في الطبيخ النهارده؟ ردت فادية وهي تتذوق الطعام باستمتاع: طعمه لذيذ قوي يا عمو تسلم إيديك. ابتسم صادق قائلًا: تسلم عيونك يا فتوش وتقومي بالسلامة، ما قولتليش، النهاردة كان عندك متابعة مع الدكتورة، ها أكدت لك إنها غلطانة وإنك حامل في بنت مش بأف تاني. ابتسمت فادية وهي تنظر نحو رائف الذي يتعامل ببرود مع تلقيح صادق عليه، وردت بنفي: لأ يا عمو للأسف أكدت إن الجنين ولد.
امتعض صادق وهو ينظر إلى رائف قائلًا: واحد بأف هيجيب إيه غير بأف زيه، عالعموم مش إشكال أهو يتحالف مع باباه البأف الكبير، إنما إنتِ وميلا ملكات البيت ده. ترك رائف الطعام قائلًا: هما ملكات وأنا وابني هنبقى العبيد ولا إيه، ليه التفرقة العنصرية دي، بس يا حاج صادق ده حتى حرام. حرام! قالها صادق بزجر ثم نظر لجواره لم يجد شيئًا سوى طبق الشوربة فقام بقذفه على صدر رائف قائلًا باستهجان:
طالما حرام بقى هتقوم من عالسفرة ومش هتكمل عشاك وعشان عارف إنك بارد وتنح فرميت عليك طبق الشوربة، يلا قوم شوف لك سكة. تبارد رائف ولم ينهض قائلًا بغيظ لصادق: لأ مفيش داعي أقوم شوية والشوربة هتنشف عالقميص هي مش سخنة أوي دافية عادي. قال رائف هذا ونظر إلى ميلا التي كانت تجلس على ساقي فادية تطعمها قائلًا: البت ميلا دي محظوظة عشان أنا باباه مش كده يا ميلا. أومأت ميلا رأسها بلا.
ضحكت فادية وصادق الذي ألقى قبلة في الهواء لميلا التي فعلت مثله وأرسلت له قبلة بالهواء، ابتسم قائلًا: دي النقطة السيئة في حياتها إنت... وكل وإنت ساكت ومن امتى كنت بتتعشى في البيت، طول الوقت كان معظم أكلك في المطعم. نظر رائف لفادية التي تضحك قائلًا بعشق:
بصراحة الأول قبل فتوش ما تيجي للبيت كنت بكسل أجي البيت وكنت باكل في المطعم توفير يعني لكن فتوش بقى عملت للبيت طعم تاني للأكل حتة لو مش هي اللي طابخة، بس نفسها في البيت. ابتسمت فادية، كذلك صادق، الذي عاد يشعر بإحساس افتقده، إحساس العائلة الصغيرة ألفة خاصة تخلقها الأنثى بالمكان الذي تعيش فيه تعطيه دفئًا وسعادة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منزل الشردي ليلًا
بدموع تتساقط من عيني سحر دون إرادة منها ترثي بها حالها، تشعر بخفقات قوية متألمة بقلبها الذي ينتفض بعذاب وهي تتذكر صباحًا. حين ذهبت إلى ذلك الكافيه التي سمعت اسمه من أطفالها أثناء زياراتهم المتكررة لها، كذلك مدحهم في زوجة أبيهم وأنها تتعامل معهم بصداقة مثلما كانت تتعامل معهم فادية أو ربما فادية كانت وما زالت لديهم لها شعور خاص أكثر محبة حتى من زوجة أبيهم التي تتآلف معهم بحياتهم مع فاروق. تذكرت بلوعة. [فلاش باك]
علمت عنوان ذلك الكافيه من إحدى ابنتيها، قررت الذهاب إليه، لكن خشيت أن تتعرف عليها، فكرت في ارتداء نقاب فوق وجهها وذهبت إلى ذلك الكافيه، دخلت لكن تفاجئت بوجود فاروق يجلس خلف إحدى الطاولات يبتسم بمرح وهو يتحدث مع سيدة، شعرت بتبس في ساقيها للحظات قبل أن يأتي إلى مكان وقوفها أحد النوادل بالكافيه مرحبًا بها، أومأت له ثم ذهبت تجلس خلف إحدى الطاولات القريبة من مكان جلوس فاروق وتلك المرأة، تمعنت في ملامحها لم تكن أجمل منها،
لكن بوجهها بسمة بشوشة، ربما اكتسبتها من عملها هنا بالكافيه، لكن ما جعلها تشعر بحسرة هي تلك اللمعة التي بعيني فاروق وتلك البسمة الودودة، لم ترَ هذا يومًا حين كانت زوجته، لم تنكر لحظتها أنها كانت مخطئة حين ظنت أن الود بين الزوجين ليس أهم من المظاهر الخادعة أمام الناس، هي كانت تهتم فقط بالمظهر، زوجة وأولاد، لكن بالحقيقة كانت وما زالت بعيدة عن أبنائها بإرادتها لم تُفرض عليها، أخطأت حين كانت تتعمد الزن والذم بفاروق وأنه
لا بد أن يسايرها في تلك المظاهر الفارغة، هو كان يريد زوجة تحتويه، لم يكن يريد زوجة ديكور أمام الآخرين أنهم سعداء، هي لم تضع لها بصمة في قلب فاروق، ربما كانت محت تفكيره بأخرى، نسيها حين وجد من تشاركه ما كان ينقصه، زوجة تهتم به، يبدو ذلك بوضوح من حديثهم معًا، البسمة لا تفارق وجه الاثنين، بسمة تلمع بعين فاروق عكس العبوس التي كانت تراه سابقًا، كانت تتعمد أن تشعره دائمًا أنه مقصر في حقها هي وأبنائه، كان هذا كذب هو كان
الأقرب لأبنائهم عنها...
تحسر ودموع تسيل من عينيها، تلوم نفسها لما أتت اليوم، لترى هذا الموقف المؤلم لقلبها، أم لتحاسب نفسها على أخطاء الماضي لو كانت تجنبتها ربما ما كان وصل بها الحال إلى ذلك الموقف العسير الذي اعتصر قلبها حين رأت نهوض فاروق وخلفه تلك المرأة وذهبت خلفه إلى أن غادر المكان وعادت للداخل هذا ما كان يحتاجه منها فاروق بسمة واحتواء هي كانت عكس ذلك...
نهضت هي الأخرى يكفي ما رأته اليوم لتشعر بالخسارة المؤلمة لها لكن أثناء سيرها كادت تتصادم مع چوري التي تفادتها ببسمة، كانت تلك البسمة مثل سهم مسموم، غزا جسدها بالكامل السم وانعدم الترياق. [عودة] عادت بدموع ندم، لم يبق منها سوى أنثى شكلًا فقط والجوهر حسرات في القلب. ...... بغرفة وفيق
ألقى بجسده فوق الفراش يشعر بسأم وتهتك في قلبه، هذا الفراش ما جمعه لفترات مع فادية، كان يعتقد أنها ماعون له لا أكثر، كما أخبرته والدته لا تعطِ لها أهمية أكثر فتتمرد عليك، عليك أن تكون حازمًا معها، حتى ذلك العيب الذي لديك كذبة لا تفكر بها. تنهد بدمعة ندم وهو ينظر إلى تلك الوسادة الخالية جواره، فكر عقله بنفس اللحظة وتخيلها جوارها لكن حتى الخيال أصبح محال حين تخيلها لم تكن معه بالخيال بل كان ذلك الآخر الذي تزوجته.
تذكر قبل أيام حين كان يقضي بعض الأعمال الخاصة بالإسكندرية. وصدفة رأى فادية تسير مع رجل يحمل طفلة، لكن هنالك ما جعل قلبه يصبح فتات حين سقط بصره على بطنها المنتفخة تبدو بوضوح... حامل. غيره سيحصل على ما تمناه منها أن تنجب له طفلًا أو طفلة، لكن هو لم يأخذ بالأسباب وأخذ العلاج المناسب له، لكن تكبر ظنًا منه أن هذا ينقص من رجولته، تنهد بسخرية، يتساءل هل القدر هو ما يرسم كل شيء بحياتنا أم نحن ندفع ثمن أخطائنا.
سخر حين تذكر أنه بدأ يسترد مرة أخرى نشاط المصنع وبدأ بترميم الآخر، "ذهب" فادية التي تنازلت عنه كان له نجدة بالوقت المناسب، عاود المصنع مرة أخرى يستطيع العمل حقًا أقل من السابق لكن تلك هي البداية الجديدة التي بدأت تؤتي بعض الثمار، لكن رغم ذلك لا يشعر بلذة بأي شيء فقط إرهاق بالعمل يود أن ينتهي اليوم ويعود لفراشه وحيدًا مكمودًا نادمًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!