بمطعم رائف جلس رائف بالمقابل لـ عواد قائلًا: مالك شكلك متعصب كده ليه؟ أنا لما رجعت إمبارح مع بابا ولقيت البيت هادي قولت عرفت تبلف صابرين. نظر عواد له باستهزاء صامت. ضحك رائف قائلًا: أنا دلوقتي إتأكدت، لا اللي هيتجوز عن حب مرتاح، ولا اللي حكم عقله قدر يعيش سعيد زي ما كان متوقع. نظر عواد له باستهزاء قائلًا: ومين بقى اللي اتجوز عن عقل؟ رد رائف ببساطة: أنا. استهزأ عواد قائلًا: أحب أنبهك انت ما عندكش عقل أصلًا.
ضحك رائف قائلًا: فعلًا كنت غبي واتسرعت، بس يمكن ربنا كان رحيم بيا إن رزان كانت بتحبني وعالاقل قدرت تحتويني الفترة القصيرة اللي عشنا فيها مع بعض، بس ساعات بعاتب نفسي وبسأل إن لو كان القدر اتغير، هل كان ممكن يستمر جوازي أنا ورزان مدة قد إيه؟
ما اعتقدش كنا هنكمل لفترة طويلة، رزان صحيح كانت بتحبني، بس حب من طرف واحد، أنا كنت أناني فيه، لإن ما كانش بيجمعني بـ رزان غير السرير، وقت لطيف يعني، والجواز مش وقت لطيف في السرير بس، لإن بسرعة بتحس برتابة وفتور. الجواز عشرة في كل حاجة في حياتك، مشاعرك، أحلامك، أسرارك، حاجات بتخفيها عن العالم كله بس سهل تتعرى منها قدام مراتك. تهكم عواد قائلًا: ما كنتش أعرف إنك بقيت فيلسوف. ضحك رائف قائلًا:
مش فلسفة يا عواد، أنا قبل رزان ما تتوفى رغم إني كنت عارف إنها مريضة قلب ما كانش ليها الحمل والولادة، بس هي ما سمعتش كلام الدكاترة وقالتلي نفسي لما أرحل يبقى في مني ذكرى. أنا قبلت الموضوع مع إن ده يعتبر موت رحيم، بمعنى أصح انتحار، ما فكرتش إن بنتي ممكن تعيش اليتْم وهي عمرها شهر. أنا وانت عشنا مرار اليتْم، يمكن أنا سبقتك بدري، أمي توفت وأنا عندي خمس سنين حتى ملامحها ما كانتش اتحفرت في ذاكرتي ومع الوقت اتلاشت تقريبًا صورتها من خيالي حتى الصور اللي بابا محتفظ بيها ملامحها بتروح من دماغي بعد ما بشوفها بوقت قليل مش ثابتة في راسي.
رد عواد: بس أنا ملامح بابا مش بتروح من دماغي يا رائف، ومش فاهم رغيك ده لازمته إيه؟ رد رائف بصدمة: لأ فاهم يا عواد، بس بتحاول توهم نفسك، إن صابرين زي أي حد في حياتك، أنت بتحب صابرين. تهكم عواد ضاحكًا: لأ واضح إن مخك لحس، ولا قلبك بقى رهيف من قعدتك وسط الحريم السنتين اللي فاتوا. ضحك رائف قائلًا: انت هتقول فيها؟
أنا بسببك قربت أبقى أسامة منير. بدل ما انت منكد على نفسك وعلى صابرين، اعترف وخليك رقيق شوية، أنا لو مكان صابرين كنت خلعتك، شوف جدك كده إمبارح لف البنتين تحت جناحه بالحنية، وأنا وانت قعدنا نبص لهم ونتحسر. قذف عواد رائف بزهره قائلًا بمرح: هتخلعني ليه؟ مفكرني درس العقل اللي مش عندك وكانت فكرتك سودة؟ أنا قايم. ضحك رائف قائلًا: قايم رايح فين؟ النهارده الجمعة، والدنيا ربيع والجو بديع ما تيجي نروح نعوم في البحر شوية...
وبالمرة كده وإحنا راجعين خد لصابرين هدية، البنات بتفرح بالحاجات دي. فكر عواد لثواني، ثم تبسّم بموافقة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساءً. بـ فيلا زهران دخل عواد إلى الفيلا وتقابل مع الخادمة التي استقبلته بترحيب، قائلًا: الدكتورة فين؟ ردت الخادمة: الدكتورة لسه ما وصلتش. تضايق عواد قائلًا: تمام، اعمليلي قهوة وهاتيها المكتب ولما الدكتورة توصل عرفيني.
دخل عواد إلى غرفة المكتب وجلس خلف المكتب. أخرج من جيبه تلك الهدية الصغيرة وقام بفتحها وتبسّم، هي عبارة عن خاتم ماسي. ضحك باستهزاء لأول مرة يأتي بهدية لأحد منذ زمن طويل، فآخر هدية أهدى بها كانت لـ والداته في عيد ميلادها وكان هذا قبل تلك الحادثة. تبسّم وهو ينظر له فـ هدية كهذه ربما لا تفرق مع صابرين قيمتها المادية، في البداية فكر في أن يأتي لها بسيارة هدية، لكن لديه يقين أن صابرين لن تقبلها منه فلديها اعتزاز خاص بسيارتها، لكن لديه فضول معرفة رد فعلها على ذلك الخاتم المُرصّع بماسة صغيرة بلون السماء على شكل مركب شراعي.
في أثناء ذلك سمع عواد فتح باب المكتب، وتبسّم ظن في البداية أن تكون صابرين، لكن تفاجأ بدخول تلك الوقحة إلى المكتب وأغلقته خلفها. تبدلت بسمته لعبوس وأغلق العلبة الصغيرة ثم وضعها بجيبه قائلًا بحِدة: مش من الإتيكيت إنك تخبطي عالباب الأول وتستني الإذن بالدخول قبل ما تدخلي، عالعموم مش فاضي لتفاهات تقدري تتفضلي تروحي تهتمي شوية ببناتك؟ لاحظت فوزية تلك العلبة المخملية الصغيرة التي وضعها عواد بجيبه، لكن تجاهلت ذلك وجلست
على أحد المقاعد قائلة: بناتي مع الدادة المسؤولة عنهم، و... ولكن قبل لحظات عادت صابرين إلى الڤيلا وتقابلت معها الخادمة قائلة: دكتورة الباشمهندس عواد وصل من شوية، وقالي لما حضرتك توصلي هو مستنيكي في المكتب. أومأت لها صابرين برأسها وهمست لنفسها: خير إن شاء الله، يمكن لسه عاوز نكمل خناقة الصبح.
طرقت على باب المكتب ثم فتحت الباب، تفاجأت بجلوس فوزية مع عواد في الغرفة وحدهم، حقًا لا شيء مُريب وكل منهم يجلس بمكان بعيد عن الآخر، لكن اجتاحها شعور بالغيرة من تلك السفيهة فوزية. حين رآها عواد نهض من خلف المكتب يرسم بسمة واقترب من مكان وقوفها ولف يده حول خصرها وقبلها من إحدى وجنتيها قائلًا بهدوء: أهلًا يا حبيبتي. تهكمت صابرين بغيظ من كلمة حبيبتي كالعادة. بينما شعرت فوزية بالبَغص لـ صابرين. لكن نهضت بغيظ مكبوت قائلة:
حمدلله عالسلامة، كنت لسه داخلة للمكتب أسأل عواد على ماجد، المفروض النهارده الجمعة إجازة، بس هو خرج ولما اتصلت عليه بيخلص شوية شغل. نظرت صابرين لوجه عواد ثم لوجه فوزية وقالت: مش ماجد رد على اتصالك وقالك عنده شوية شغل يبقى ليه عازة تسألي عواد... ولا ما عندكيش ثقة في كلام ماجد؟ ما اعتقدش إن ماجد بيكذب عليكي. حاول عواد إخفاء بسمته من رد صابرين المُفحم على فوزية لكن غصبًا تبسّمت شفتاه. بينما نظرت فوزية بغِل وتلعثمت قائلة:
لأ أنا واثقة في ماجد، بس كنت عاوزة أقول لـ عواد يخف شوية على ماجد، ماجد مشغول أوي الفترة اللي فاتت دي، عواد تقريبًا رامي معظم الشغل عليه من بداية جوازكم، والبنات بيسألوني فين بابي مش بنشوفه غير قليل. نظرة تعجب من صابرين لـ فوزية، تلك الأفاقة والمفضوحة أمامها بالكذب فـ عواد لم يأخذ سوى يوم واحد إجازة منذ زواجهم وثاني يوم كان بين العمال بالمزرعة ويتنقل بين بعض المزارع والمصانع. لكن ادعت البلاهة ونظرت لـ عواد قائلة:
فوزية عندها حق المفروض تشيل شوية عن ماجد عشان يفضى لها هي والبنات. شعرت فوزية بنبرة تهكم في حديث صابرين لكن مثّلت البرود قائلة: فعلًا ياريت، عادل أخويا اشترى يخت وكذا مرة يعزمنا على رحلة في البحر، بس بسبب انشغال ماجد باعتذر له، حتى عيد ميلادي قرب وعادل قالي أعمله عاليخت، وكمان قالي اعزمي عواد إحنا أصدقاء من قبل ما يبقى بينا نسب. رد عواد بحِدة: عمري ما كنت أنا وعادل أصدقاء، وتمام عاوزة ماجد جنبك ما فيش مشكلة...
عن إذنك هاخد صابرين ونطلع لأوضتنا عاوزها في أمر هام وسري بيني وبينها. قال عواد هذا وسحب صابرين كي تسير معه، والتي استسلمت للسير معه رُغمًا عنها بسبب تشبّث يده حول خصرها. شعرت فوزية بغضب عارم من صابرين التي أصبحت تستحوذ على عواد، هي ظنت أن تلك الزيجة لن تستمر وأن عواد فقط يود الانتقام، لكن واضح أنه ينجرف في تيار عشق تلك الحمقاء المستفزة. بينما صعد عواد مع صابرين وفتح باب الغرفة نفضت صابرين يد عواد عنها بقوة.
تبسّم عواد ودخل خلفها إلى الغرفة وأغلق خلفه الباب متسائلًا: كنتي فين لدلوقتي؟ مشيتي من بيت جدي بعد ما أنا مشيت بنص ساعة. تهكمت صابرين قائلة: هكون كنت فين يعني؟ أكيد كنت عند واحدة من الاثنين، يا فادية، يا صبرية مرات عمي، وقبل ما تستفسر هقولك كنت أنا وفادية عند صبرية عمتك، وفادي جه كمان والوقت سرقنا. قصدت صابرين كلمة "عمتك" التي أغاظت عواد.
لكن تمالك غيظه، هو يود الصفو مع صابرين والتزم الصمت وتوجه نحو طاولة جوار الفراش. أخرج هاتفه من جيبه وبعض الأغراض، دون انتباه منه سقطت تلك العلبة المخملية الصغيرة وتدحرجت إلى أن أصبحت أمام قدم صابرين. شعرت صابرين بشيء خبط بطرف قدمها، نظرت له ورأت تلك العلبة، انحنت وأمسكت العلبة، لكن بلا إرادة منها فُتحت العلبة نظرت نظرة خاطفة لذلك الخاتم، لا تنكر أثار إعجابها لكن أغلقت العلبة ومدت يدها بها ناحية عواد.
لكن بداخلها شعرت بغصة لديها يقين أنه أتى بهذا الخاتم هدية لإحداهن. قائلة: اتفضل. نظر عواد لعين صابرين التي تلاقت مع عينيه رأى بها نظرة لم يستطع تفسيرها أو أنها نظرة لا مبالاة بذلك الخاتم، بينما كانت صابرين عكس ذلك، فـ خاتم مثل هذا يبدو بوضوح غالي الثمن بالتأكيد أتى به هدية لامرأة لديها أهمية خاصة له. كلٌ منهم فسر نظرة عين الآخر على هواه.
مد عواد يده لـ صابرين وأخذ العلبة لا يعلم لما تلجم لسانه ولم يقل لها أن هذا الخاتم لكِ. ظلت نظرات العيون للحظات بينهم إلى أن سمعوا طرقًا على باب الغرفة، انقطع تواصل العيون، ذهب عواد وفتح باب الغرفة ورأى أمامه الخادمة تقول: ماجد بيه وصل وأنا حضرت العشا. أومأ لها رأسه بلا حديث. غادرت ثم أغلق خلفها الباب، فقالت صابرين: أنا اتعشيت عند صبرية، هاخد شاور وأنام. لم تنتظر صابرين رد عواد وتوجهت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها.
وقفت خلف الباب تضع يدها فوق موضع قلبها تشعر بوخزات قوية، ما سببها؟ لما شعرت بغصة حين رأت الخاتم؟ لكن نفضت عن رأسها وتذكرت أنها لم تأت بملابس أخرى معها. بينما عواد في الغرفة لا يعرف لما تلجم ولم يقل لها أن هذا الخاتم هدية منه لها، فكر للحظات أن ينتظر خروجها من الحمام ويُعطيه لها، لكن في نفس اللحظة صدح رنين هاتفه جذبه من على الطاولة ورأى من يتصل عليه، رأى اسم والدته فكر للحظات في عدم الرد لكن حسم أمره وقام بالرد عليها.
لتسأله في البداية عن حاله، أجابها: أنا بخير الحمد لله. سألتْه عن صابرين، فأجابها أنها بخير. سألتْه عن ماجد: "فهمي بيتصل على ماجد مش بيرد عليه ليه؟ تعجب عواد قائلًا: "ما أعرفش، ماجد الفترة الأخيرة متغير، حتى مراته من شوية كانت بتشتكي من انشغاله عنها هي وبناته، على العموم هنزل أقوله يرد على باباه." أغلق عواد الهاتف، نظر ناحية باب الحمام، زفر نفسه وهو يضع تلك العلبة على طاولة جوار الفراش ثم غادر الغرفة.
بعد قليل خرجت صابرين من الحمام، لم تجد عواد بالغرفة، لكن رأت تلك العلبة على طاولة جوار الفراش. بفضول منها ذهبت نحوها وأخذتها وفتحتها، تتمعن بذلك الخاتم، تهكمت قائلة: "يا ترى جايب الخاتم الألماسي ده لمين؟ تذكرت قبل قليل حين قالت فوزية أن عيد ميلادها اقترب، تحسرت قائلة:
"الإجابة واضحة، أكيد الخاتم ده للأميرة فوزية، الغالي يتهادى بالغالى، ومفيش طبعًا أغلى من بنت السفير تتهادى بالألماظ اللي عنيها على الدوام منك، مش عارفة إزاي ماجد مش واخد باله." سرعان ما نهرت صابرين نفسها قائلة: "اتقي الله يا صابرين وبلاش تسيئي الظن وتاخدي بالظاهر."
زفرت صابرين نفسها ثم وضعت الخاتم بالعلبة، وضعتها مكانها، ثم نهضت وأبدلت مئزر الحمام بمنامة حريرية وصففت شعرها، ثم أزاحت غطاء الفراش وتسطحت عليه، لكن كأن النوم هجرها. شعرت بضجر ونهضت، تبرر ذلك الضجر بـ: "أكيد مش جايلي نوم بسبب مقابلة منال بكرة، الفضول هيطير عقلي." في نفس الوقت سمعت صوت فتح مقبض الغرفة، فادعت النوم.
بينما عواد دخل إلى الغرفة، لم يتفاجأ حين وجد الغرفة شبه مظلمة، أشعل الضوء ونظر نحو الفراش، لاحظ بوضوح أن صابرين ناعسة. نظر نحو تلك الطاولة، وجد علبة الخاتم بمكانها. للحظات فكر أن يوقظها ويعطيه لها، لكن أرجأ ذلك لوقت لاحق وذهب نحو الحمام. في ذلك الوقت تنهدت صابرين بقوة تتنفس الهواء قبل عودته بعد قليل، وأطفأ الضوء ثم تسطح لجوارها. كانت مستيقظة، جال بخاطرها:
"لما لا تنهضي وتنامي على تلك الأريكة بعيدًا عن عواد، ربما تنعسين؟ لكن خشيت أن يعلم أنها ما زالت مستيقظة ويتهكم عليها، كذلك هو جفاه النوم، بين الحين والآخر ينظر ناحية صابرين، يحسدها على ذلك النوم الهانئ في اعتقاده. باليوم التالي بحوالي الساعة الخامسة إلا دقائق. بمطعم رائف. كاد ماجد أن يجلس على إحدى طاولات المطعم، لكن صدفه رأى صابرين تجلس على إحدى الطاولات، ذهب نحوها بفضول قائلًا: "مساء الخير يا صابرين."
ردت صابرين بهدوء: "مساء النور يا ماجد." تبسم ماجد قائلًا: "إيه مستنية عواد." ردت صابرين: "لأ منتظرة قريبة ليا، وأهي خلاص وصلت على باب المطعم، بس أنت هنا في لقاء عمل ولا إيه؟ رد ماجد: "لأ أنا جاي عشان أتغدى، كنت مشغول ويادوب فضيت والمطعم قريب من المصنع قولت أجي أتغدى وأرجع تاني للمصنع." تبسمت صابرين ونهضت واقفة حين اقتربت منال قريبة منها، إلى أن أصبحت أمامها وقالت: "أنا اتأخرت عن الميعاد ولا إيه." تبسمت صابرين قائلة:
"لأ أبدًا، أنتِ جاية على الميعاد بالضبط، أنا اللي جيت بدري شوية." لاحظت صابرين نظر ماجد لمنال فقالت: "منال صديقتي، ماجد يبقى ابن عم جوزي." أومأ الاثنان برأسيهما لبعض وبكلمة: "تشرفنا." اضطرب ماجد قائلًا: "هستأذن." أومأت صابرين برأسها كذلك منال. انصرف وتركهن، لكن جلس على طاولة قريبة منهن. لا يعرف سببًا لذلك الشعور الغريب الذي شعر به حين وقع بصره على منال...
كما لاحظ اهتمامها بطفلتها التي على ساقيها، شعر بحيرة لكن سرعان ما فاق على واقع أنه متزوج من أخرى أصبحت الحياة بينهم جافية، ربما استسلم كثيرًا وهاود التيار كي يستطيع دفع السفينة، لكن للأسف بالفترة الأخيرة انجرفت السفينة وأصبحت تتهالك مع قوة الرياح والمقاومة من اتجاه واحد. بينما جلست صابرين ومنال بطفلتها خلف طاولتهن يتحدثن ببعض الموضوعات، إلى أن قالت صابرين لها:
"منال عاوزة أسألك سؤال محيرني من أول ما تقابلنا يوم إعلام الوراثة... بس لو هتزعلي أو مش عاوزة تجاوبي عليه براحتك." أخذت صابرين طفلتها التي كانت تحملها، وبكت فجأة قائلة: "اسألي يا صابرين متخافيش مش هزعل وهجاوب عليكِ لسبب واحد بس، اسألي الأول وبعدها هقولك السبب." تساءلت صابرين: "إزاي قدرتي تتحملي الجواز من مصطفى وأنتِ عارفة أنه بيحب غيرك، وكمان هيتجوزها، مخوفتيش إنه مع الوقت ممكن المصلحة تنتهي و... توقفت صابرين للحظات،
بينما أكملت منال بأسى: "إنه يطلقني وقت ما تنتهي المصلحة أو مدة تعاقدنا مع الشركة السعودية تخلص... لسبب واحد يا صابرين، إني كنت بحب مصطفى، الحب بيخليكِ تتنازلي عن حاجات كتير قصاد لحظات تعيشيها مع الشخص اللي بتحبيه حتى لو عارفة إنها لحظات مزيفة وهتنتهي بسرعة، حتى وأنتِ عارفة أن اللحظات دي ممكن تألمك، يمكن أنتِ اتجوزتي من شخص تاني غير مصطفى، بس هسألك سؤال خاص شوية، يمكن لو مكنتيش اتجوزتي مكنتش هسأله ليكِ."
أومأت صابرين لها أن تسأل، فقالت: "شعورك هيبقى إيه لو في لحظة حميمية بينك وبين جوزك سمعتيه بيهمس باسم تاني غيرك، باسم أكتر واحدة هو بيحبها وبيتمناها في اللحظة دي تكون معاه." ذهلت صابرين من السؤال وظلت صامتة، إلى أن قالت منال: "ليه مش بتردي؟
هقولك أنا الجواب، بتحسي كأنه بيدبحك بسكينة تلمة، بس مفيش في إيدك حل لأن مش بس قلبك اللي متلجم عقلك كمان متلجم، أنا قبل ما مصطفى يرجع مصر عشان يتمم جوازه منك خيرته يا صابرين، وقولت له أنا مش هقدر أتحمل نكمل مع بعض بعد لما نرجع تاني للسعودية بعد جوازه منك، خيرته بين حياتي أنا وبنته معاه وبين أنه يتمم جوازه منك، بس هو اختارك يا صابرين، وكنا اتفقنا على الانفصال شكليًا." تعجبت صابرين قائلة باستفسار:
"يعني إيه الانفصال شكليًا؟! ردت منال:
"يعني جوازنا كان هيرجع لمرحلة البداية لما وافقت أتجوز من مصطفى صوري كمُحرم عشان أقدر أسافر لأنها كانت بالنسبة ليا فرصة لا تعوض، بمرتب خيالي، أنا كنت بنت موظف بسيط، مرتبي هنا على معاش بابا يادوب كان بيقضيني أنا وماما لنص الشهر، ودي فرصة وجاتلي من الهوا بس فيها عيب كبير، لازم مُحرم، وبابا كان متوفى، ومكنتش أقدر أطلب من واحد من إخواتي يرافقني، كل واحد فيهم له حياته الخاصة، عرض مصطفى كان النجاة والسعادة ليا أنا وماما،
لأني بعد ما سافرت بكذا شهر بعت لماما دعوة تيجي تأدي فريضة الحج، ولما جت كان لازم أنا ومصطفى نمثل قدامها إننا زوجين حقيقين فكنا بنام في أوضة واحدة قدامها، واتقربنا من بعض، والبني آدم ضعيف وغربة ورغبة اتحكموا في لحظة وتمت أركان جوازنا، بعدها مصطفى حسيت إنه ندم بس مكنش ينفع يندم على بنته اللي اتكونت من ليلة من الليالي اللي كان بيهمس فيها باسمك وهو معايا، كنتِ أكتر حد بكره يجيب اسمك على لسانه، لحد ما خيرته واختارك، واجهت
نفسي أنا ليه بكرهك الكره ده كله رغم إني عمرنا ما اتقابلنا، كان الجواب سهل، حب مصطفى ليكِ، بس كمان أنتِ مش مسؤولة عن شعوره ده، أنتِ بنت عمه وكان يعرفك قبلي وزي ما قال لي قبل كده، أنا بحب صابرين من وهي في اللفة وأي شيء هيمنعني عنها مستعد أخسره حتى لو كانت ماما نفسها."
تعجبت صابرين من تلك الكلمة فمصطفى كان تابعًا لوالدته، لكن أكملت منال: "وقتها حسيت إني ظلمتك بكرهي ليكِ، وظلمت نفسي إني اطمعت بحب مكنش ليا من البداية، وظلمت بنتي لأنها جت من لحظة ضعف بدون ما أحسب ليها خاطر إزاي هتتربى بين والدين شبه منفصلين، ومؤكد مع الأيام هينفصلوا بشكل رسمي." تدمعت عين صابرين على دموع عين منال التي كانت تحاول كبتها لكن بالنهاية سالت دون إرادتها. وقالت بصوت متحشرج: "أنا بعتذر منك، آسفة....
قاطعتها منال قائلة: "مش أنتِ اللي تعتذري يا صابرين، أنا كمان غلطت في حقك، ساعدت مصطفى في إنه يكذب عليكِ، كان سهل أكشف قصة جوازنا قبل ما يكمل جوازكم بس فضلت الصمت وقولت ده عقاب من ربنا ليكِ إنك تعيشي مخدوعة." توقفت منال للحظة تلتقط نفسها ثم قالت بتهكم مغصوص:
"قولت خليه يلعب بعقلها شوية وأنا قبل ما نرجع للسعودية هبعت لها شهادة ميلاد صابرين، بس يظهر ربنا حب إنك متعرفيش بوجود صابرين غير بعد وفاة مصطفى، أنا مكنتش ملاك يا صابرين، أنا اتغصبت بسبب حاجتين: الأولى كانت الفرصة المالية الكبيرة مرتب مستحيل كنت أحلم بيه، وفرصة أني أعيش مع الشخص اللي قلبي دق ليه... أنتِ الوحيدة اللي كنتِ مخدوعة في النص ويمكن ربنا أراد ياخد حقك مننا إحنا الاتنين أنا ومصطفى اللي كان مريض بحبك...
وأنتِ الوحيدة اللي ربنا عطاكِ فرصة تانية تكملي بيها حياتك مع شخص تاني غير مصطفى مش مخادع زيهِ." تهكمت صابرين بين نفسها بسخرية عن أي فرصة تتحدث، عواد مُخادع وأسوأ من مصطفى، يبدو أن هكذا حظها مع السيئين دائمًا. بعد وقت بسيارة صابرين تحدثت لفادية قائلة: "أهو أنتِ شوفتي بنفسك وأنتِ اللي أخدتي صور بنت مصطفى على موبايلك، إيه رأيك في الشبه بينها وبين بنت رائف؟ ردت فادية وهي تطالع تلك الصور على هاتفها قائلة:
"ده حتى برنامج تطابق الصور اللي على فوني طلع صورهم نسخة من بعض تقريبًا... بس مش يمكن يخلق من الشبه أربعين؟ ردت صابرين: "معتقدش، وبعدين لازم أتأكد من عدم وجود بينهم صفة قرابة." قالت صابرين هذا وأخرجت منديل ورقي من حقيبتها قائلة: "مش معاكِ الشعرتين اللي سلتيهم من شعر ميلا؟ أنا كمان معايا اتنين زيهم، أهم." تبسمت فادية قائلة: "يا قاسية، سلتيهم من شعر البت إزاي؟ أكيد وقت ما عيطت." تبسمت صابرين قائلة:
"الضرورات تبيح المحظورات، في معمل هنا في إسكندرية كنت قريت أنهم بيعملوا تحليل البصمة الوراثية، جبت عنوانه من عالنت خلينا نشوف، وجه الشبه ده له سبب ولا... يخلق من الشبه أربعين." بعد قليل خرجت الاثنتين من معمل التحليل، لتقول فادية: "مش كتير أسبوعين على نتيجة اختبار DNA ده ما تطلع." ردت صابرين: "هو كتير بس هنعمل إيه، الدكتور قال إن نتيجة التحليل ده بتبقى معقدة شوية وبتاخد وقت، أهو أسبوعين مش كتير." بعد مرور أسبوعين
صباحًا بمنزل سالم التهامي صدح جرس المنزل. تحدث سالم لِشهيرة التي خرجت من المطبخ: خليكي أنا اللي هفتح الباب. فتح سالم باب المنزل ورأى ذلك المحضر من المحكمة يتساءل عن فادية، فقال له: أنا والدها هي مش موجودة، ممكن استلم الإخطار عنها. وافق المحضر، وطلب منه بطاقة هويته وإمضاءه على استلام الإخطار. غادر المحضر ودخل سالم إلى المنزل وأغلق الباب خلفه. أتت له شهيرة بلهفة ورجفة قائلة: كان عاوز إيه المحضر ده؟ رد سالم:
ده إخطار من المحكمة لِفادية، ومالك وشك مخطوف كده ليه؟ ردت شهيرة: ومش عاوز وشي يتخطف من وقفة المحضر على بابنا كل يوم والتاني كده! منه لله وفيق ابن ماجدة... بس الإخطار ده لقضية إيه؟ النفقة ولا قايمة العفش؟ قال سالم: هفتح الظرف قدامك أهو... فتح سالم الظرف وقرأ محتواه لينصدم قائلًا: ده إخطار بحكم إلزام تنفيذ فادية لبيت الطاعة. انصدمت شهيرة قائلة: بيت الطاعة! رد سالم بغصة:
إهدي شوية، هتصل عالمحامي وأسأله، يمكن لسه في حل للقضية دي. عصرًا بالإسكندرية صدح هاتف صابرين. نظرت للشاشة وتبسمت قائلة: هخلص لبس أهو ونص ساعة أكون عندك نروح معمل التحليل نشوف النتيجة إيه. تبسمت فادية قائلة: أنا كمان جاهزة، هخرج من الشقة أهو وهتلاقيني قدام باب العمارة، عندي فضول أعرف نتيجة الاختبار ده. ضحكت صابرين قائلة بمرح: بقيتي فضولية أكتر مني، عالعموم قبل من ساعة هتكون النتيجة في إيدينا.
في نفس الوقت بشقة فادية، قبل أن تفتح باب الشقة رأت باب الشقة يُفتح. في البداية ظنت أنه هيثم، لكن ليس ميعاد رجوعه من الجامعة. لكن تفاجأت بسالم هو من يفتح الباب، ليس فقط سالم بل شهيرة خلفه. تبسمت قائلة: بابا ماما... سمعت صابرين قول فادية، كذلك سمعت صوت والدها فقالت: بابا وماما جم عندك في الشقة. ردت فادية: أيوه يا صابرين يلا اقفلي وهستناكي في الشقة.
أغلقت فادية الهاتف، وتوجهت نحو والديها تضمهما بسعادة، لكن دخل لديها شعور بالقلق بسبب الوجوم الواضح على وجوههم. بعد قليل بغرفة المعيشة، تحدثت شهيرة: إنتي كنتي خارجة ولا إيه؟ ردت فادية: أيوه أنا وصابرين هنروح مشوار. استفسر سالم قائلًا: مشوار إيه ده؟ احتارت فادية في الرد ثم قالت: صابرين كانت شافت كام طقم جديد في المحلات وكنا هننزل نلف ونشتري... بس ليه متصلتوش عليا قبل ما تيجوا؟ مفاجأة حلوة.
نظرت شهيرة إلى سالم وتدمعت عينيها. لاحظت فادية ذلك قائلة: خير يا بابا؟ حاسة إن في سبب مهم لمجيئكم المفاجأة دي؟ رد سالم: خير يا بنتي. تدمعت عين شهيرة قائلة: خير منين يا سالم؟ قولها عن سبب مجيئنا لهنا؟ شعرت فادية بالقلق قائلة: خير يا بابا قولي إيه اللي حصل خلاك إنت وماما جيتوا لهنا لإسكندرية؟ أنا مكلمة ماما الصبح قبل ما أروح للمدرسة، ومجبتش سيرة إنكم هتيجوا لهنا. رد سالم باختصار: وفيق. ردت فادية باستخبار: ماله وفيق؟
شعر سالم بألم في قلبه وهو يقول: وفيق رفع قضية بيت الطاعة عليكي وكسبها وصدر قرار بتنفيذ الحكم ده. بـ فيلا زهران أغلقت صابرين الهاتف وظلت دقائق متعجبة بعد أن علمت بمجيء والديها إلى هنا، لكن بداخلها شعرت بالسعادة قائلة: أما أكمل لبس هدومي وأروح أنا وفادية نجيب نتيجة التحليل وبعدها نقعد مع بابا وماما... ويمكن أبات هناك معاهم وأرتاح من وش عواد. أنهت صابرين ارتداء ملابسها وأخذت حقيبة يدها وخرجت من الغرفة.
لكن تفاجأت بفوزية تقف أسفل السلم. بمجرد أن رأت نزول صابرين على السلم تهجمت عليها بالقول قائلة: حقيرة ومُنحطة ومُستغلة ومعندكيش شرف، وبعض الألفاظ الأخرى البذيئة. لكن صابرين أكملت نزول السلم رغم ذهولها من تهجم فوزية عليها بتلك البذاءة، كيف استطاعت قول تلك الألفاظ الدنيئة وسب صابرين بتلك الفجاجة وهي دائمًا من كانت تدعي الرقي والذوق العالي، ولماذا تسبها هكذا...
لكن فوزية لم تكتفِ فقط بالسباب، بل كادت تتهجم على صابرين بالأيادي لولا أن أيادي أخرى منعتها قبل أن تصل يديها إلى جسد صابرين.
وقفت غيداء أمام باب شقة فادي تلتقط أنفاسها الهادرة كأنها كانت تصعد السلم ركض، وضعت يدها على قلبها كأنها تُهدئه. بالفعل هدأ خفقان قلبها، ظلت تنظر لجرس الشقة بتردد لدقائق قبل أن ترفع يدها وتضعها عليه، لكن للحظة قررت التراجع، وها هي تُدير ظهرها كي تُغادر، لكن قبل أن تصل إلى مصعد العمارة، فُتح بابه وخرج منه شخص يبدو أنه بواب العمارة يحمل بعض الأكياس بيديه، نظر لها قائلًا:
حضرتك أول مرة أشوفك، أنتي تقربي لحد من سكان العمارة؟ ارتبكت غيداء قائلة بتلعثم: لأ أنا يظهر غلطت في العنوان. أومأ لها البواب برأسه وهي تتجنب منه كي تتجه نحو المصعد. لم يبقَ بينها وبين المصعد سوى خطوة، لتسمع صوت فتح شقة فادي.
بنفس الوقت بداخل الشقة، انتهى فادي من الاستحمام، سمع رنين جرس باب الشقة، هو يعلم مَن، إنه بواب العمارة، لابد أنه قد أتى له ببعض الأغراض التي طلبها منه. لم يُفكر بارتداء ملابسه، لف خصره بمنشفة وخرج من الحمام وذهب يفتح الباب. فتح باب الشقة وجد البواب يقف جوار الباب يقول له: متأسف يا بشمهندس إني اتأخرت شوية بس السوبر ماركت كان زحمة.
بينما هو وقع نظره ناحية المصعد، رأى غيداء من ظهرها، لم يبقَ بينها وبين المصعد سوى خطوة واحدة، قال بتسرع: غيداء! اهتز قلبها حين سمعت صوته والتفتت تنظر له، تشعر أن جسدها أصبح هلام. بينما نظر فادي نحو البواب قائلًا: تمام سيب إنت الأكياس وأنا هدخلها وهحاسبك على قيمتها بعدين. أومأ له البواب رأسه قائلًا: تمام يا بشمهندس... عن إذنك. توجه البواب ناحية المصعد ودخل إلى داخله، ظل للحظات واقفًا ينظر إلى غيداء.
قبل أن يُعيد فادي نُطق اسمها، لا تعلم كيف طاوعتها ساقاها وسارت تلك الخطوات ناحية شقة فادي، مما جعل البواب يُغلق باب المصعد دون أن يبالي فهذا شيء لا يَخُصه. تبسم فادي قائلًا: غيداء مفاجأة حلوة. ارتبكت غيداء ولم تستطع الرد كأنها فقدت النطق. لاحظ فادي صمت غيداء فانحنى يحمل تلك الأكياس التي تركها البواب قائلًا: هنفضل واقفين عالباب كده، خلينا ندخل.
ترددت غيداء في دخول الشقة، لكن شعرت بالحرج من نظرات فادي لها، وخجل أيضًا وهو يقف أمامها نصف عارٍ. حسم الأمر يد فادي حين جذب يدها لتدخل إلى الشقة. بمجرد أن دخلت إلى الشقة أغلق فادي الباب قائلًا: المطبخ من الناحية دي، دخلي الأكياس دي على ما أنا أدخل ألبس هدومي، بدل ما آخد برد. أومأت غيداء له برأسها موافقة وذهبت نحو المطبخ صامتة تشعر بالخجل.
بينما تبسم فادي باستهزاء وزهو، مجيء غيداء إلى هنا لا تفسير له غير أنها وافقت على السير خلفه ضد التيار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!