الفصل 30 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل الثلاثون 30 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
14
كلمة
3,173
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

تعجبت شهيرة من رد فعل فادية الهادئ بعد أن قال لها سالم عن تلك القضية التي صدر بها حكم وأصبح على خطى التنفيذ. كذلك سالم تعجب من ذلك الهدوء، أقل شيء كانت بكت. نظرت فادية لوجهيهما وتبسمت بغصة قوية قائلة: مالكم مستغربين كدة ليه إني مش مصدومة؟

كنت متأكدة إن وفيق هيحاول يعمل حاجة يكسب بيها إنه يخضعني له، صحيح متوقعتش إن أنانيته توصل إنه يطلبني في بيت الطاعة بس كنت متوقعة منه يسمع لكلام مامته ويساوم على الطلاق إنه يخرج من الجوازة بأقل الخسائر له، أو بمعنى أصح بلا خسائر مادية، عشان كدة من البداية كنت عاوزة أرفع قضية طلاق، بس حضرتك يا بابا سمعت لرأي المحامي، عالعموم فات الوقت، بس نفسي أعرف إزاي كسب قضية الطاعة بالسرعة دي غير إننا ما جئناش أي إخطار بيها قبل كدة.

شعر سالم بقلب فادية المنفطر قائلًا: معرفش أنا اتصلت عالمحامي وقلت له عالإخطار اللي جالنا النهارده الصبح وهو قالي هيتحرى عن كل شيء بس لازم نستعد لتنفيذ الحكم ده، لأن عدم تنفيذه مش في صالحك، وأنا جئت أنا وماما فورًا لهنا عشان كدة.

تبسمت فادية ورغم تلك الغصة التي بقلبها، لكن شعرت بالأمان فوالديها الاثنين أتيا كي يشعراها بالقوة والسند، ظنا أنها قد تنهار، لكن هي فاجأتهم بتقبلها الأمر بهدوء ظاهري بينما بداخلها أمواج عاصفة تعصف بكل شيء تمنته بحياتها، ولم تعثر سوى على الخيبات المتتالية التي ربما أعطتها رصانة ظاهرية تظهر أنها أقوى من الانحناء لتلك الأمواج. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بـ فيلا زهران

ذهلت صابرين من محاولة اعتداء فوزية عليها بالضرب لولا أن منعها ذلك الخبيث عادل. لكن ما زالت فوزية تحاول الخلاص منه كي يتركها تضرب صابرين عل تلك النار التي تشعر بها تهدأ. لكن عاودت سب صابرين بألفاظ خادشة حتى أنها قالت لها: زي العاهرات بتلعبي على أوتار الرجال، في الأول جوزك الأول اللي خونتيه وهربتي لحد عواد عشـ قطعت فوزية استرسال باقي تهجمها على صابرين حين ارتعبت من ذلك الصوت الذي قال بحزم: اخرسي.

شعرت فوزية بهلع من ذلك الصوت لأول مرة ترى ذلك الشرر بعينيه لكن تهكمت قائلة: جوزي دلدول ابن عمه وصل لأ وهو اللي بيدافع عن الشيطانة المستغلة معدومة الضمير، وكل ده بسبب غيرتها وقلبها الحقود. ما زال رد فعل صابرين هو الذهول من قول وأفعال تلك التي يبدو أنها فقدت عقلها. في تلك اللحظة فلتت فوزية من يدي عادل أو بمعنى أصح هو من تركها. تهجمت على صابرين وخربشت وجهها بأظافرها. كما أنها دفعتها لترتطم يدها بأحد أعمدة المكان.

شعرت صابرين بوجع كبير بمعصم يدها لكن فاض بها قائلة باستهجان: راحت فين فوزية بنت السفير ملكة الإتكيت في لحظة بقت وقحة وبيئة وظهرت حقيقتها بلسان زفر وخربشة زي الشوارعية وألفاظها سوقية. كادت فوزية أن تتهجم على صابرين مرة أخرى لكن أمسكها عادل قائلًا بنبرة تحثها على التحريض: كفاية يا فوزية، بلاش تنحدري وتستسلمي لاستفزاز، أنا واثق إن مصنعنا مفيش فيه أي تجاوزات واللي حصل سوء فهم... زي اللي كان بيحصل مع عواد قبل ما يتجوز.

ردت فوزية: لأ مش سوء فهم ده استغلال واحدة حقيرة أكيد ليها هدف عاوزة تقفل المصنع، طبعًا عاوزة ترد الجميل. فهمت صابرين سبب ثورة فوزية، هي علمت أن هنالك قرار صدر من وزارة الصحة بوجود تجاوزات كبيرة ومخالفات لمعايير الصحة وقد تؤدي إلى غلق مصنع حندق. لكن لم تتوقع ذلك الرد السافر والمنافي للعقل من فوزية التي أكملت تهجمها بشبه ردح:

طبعًا الغلط مش عليها ماهي صدقت نفسها إن ليها قيمة بعد ما قدرت إنها تخلي عواد يتجوزها، أكيد مثلت عليه البراءة، ماهي كانت هتلاقي مين يرضى بيها بعد الفضيحة اللي عملتها لما هربت يوم جوازها لعند عواد وكدبت إنه خطفها... ده غير غلها وحقدها طبعًا مني أنا بنت السفير إنما هي بنت حتة موظف في شركة الكهربا. هنا لم تشعر صابرين بنفسها وهي تصفع فوزية على وجهها قائلة:

موظف الكهربا ده مهندس بشهادة أعلى من باباك السفير اللي خلف اتنين أقذر من بعض. إن كان عالمستثمر اللي غرضه الربح السريع ومش مهم أي تجاوزات أو مخالفات، ولا وقحة زيك متجوزة وعينيها من ابن عم جوزها مفكرة إني غبية ومش فاهمة حركات استقلالك بيا قدام عواد وإنك تظهري دائمًا إنك الأفضل والأجدر باسم زهران.

أنا اسم زهران ما يفرقش معايا وبتباهى باسم سالم التهامي المهندس اللي ربى ولاده على الأخلاق اللي زيك ما يعرفش قيمتها وفعلاً مع الوقت بتأكد إن جوازي من عواد كان غلطة محدش دفع ثمنها غيري.

اغتاظت فوزية من رد صابرين وكادت تتحدث، لكن قطع حديثها صوت ماجد الذي أظهرت صابرين أمامه حقيقة كان يحاول تجاهلها، أو بالأصح التغافل عنها، من أجل بناته، حقيقة مرة تجرعها لسنوات حين كان يرى نظرات الإعجاب من فوزية لـ عواد حتى إنه أحيانًا كان يلهث خلفها ويستمع لوسوستها له حتى أنها أقنعته بشراكة بينه وبين عادل نكاية في عواد أن يجد منافس أقوى منه في السوق، لكن خسر حين علم من أحد عملائه بنوايا عادل الخبيثة أنه يستغل اسمه في

التفاوض مع بعض العملاء وأنه مخادع ولديه تجاوزات كثيرة يحاول السيطرة عليها برشوة بعض موظفي الحكومة ولكن هذا لن يدوم طويلًا وسيقع عادل بأي لحظة ووجود شراكة بينهم وقتها ستعرض ليس فقط اسم زهران للضرر والاهتزاز بالسوق بل قد يزج به وقتها أمام فوهة المدفع ويصبح هو أكثر المتضررين من تلك الشراكة التي كانت بمباركة زوجته، والتي من الجيد أنه قام بفضها في وقتها قبل أن يتورط أكثر.

كانت كلمة ماجد أقوى رد منه: أنت طالق يا فوزية. صدمة ألجمت عقل فوزية التي فاقت منها تشعر أنها مثل المذبوح بنصل مسنون جعلها بشبه غيبوبة للحظات... قبل أن تصرخ بهستيريا وتتوعد بالانتقام. بينما صابرين وقفت لدقيقة مصدومة هي الأخرى ثم خرجت مسرعة... صعدت إلى سيارتها وقادتها مغادرة... توقفت بعد قليل بالطريق تشعر بندم. عاتبت نفسها:

ما كانش لازم تقولي إن فوزية معجبة بعواد، ده اللي عصب ماجد وخلاه طلقها، حرام عليكي، كدة ممكن تاخد منه بناته وتحرمه منهم ذنبهم إيه الأطفال دول... شعرت صابرين بتأنيب الضمير، حقًا أصحاب الضمائر البريئة هم أكثر المظلومين. ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسفل المياه وقف فادي يستمتع بتلك المياه الفاترة التي تسيل على جسده يبتسم بنشوة وهو يتذكر أن غيداء أتت إلى شقته الخاصة هذه المرة كانت خطته ناجحة هذه المرة. تذكر ذلك اليوم الذي طلب من غيداء فيه الزواج عرفيًا. [فلاشــــــــــــ/باك] نهضت غيداء بغضب قائلة: واضح إني عشان بتساهل وبخرج معاك مفكر إني ممكن أسمحلك بطلب منحط زي ده، بس معذور، أنا يمكن من غير انتباه مني عطيتك عني فكرة إني سهلة، عن إذنك، وياريت بلاش تتصل بيا تاني.

غادرت غيداء الكافيه حتى أن فادي حاول أن يلحق بها لكن حين خرج من الكافيه كانت تصعد إلى أحد سيارات الأجرة، فكر في تتبع تلك السيارة بدراجته النارية والاعتذار منها لكن فجأة اهتز هاتفه برنين. نظر إلى شاشة الهاتف زفر نفسه بغضب، وهو يرى اسم نهى على شاشة الهاتف هي الآن آخر من يريد الرد عليها، ضغط على زر الإغلاق... وقف يلعن تلك الحماقة التي تحكمت به للحظة أضاع كل ما حاول الوصول إليه الفترة الماضية.

بينما بسيارة الأجرة كانت دموع غيداء تنساب بحسرة تشعر بألم قوي في قلبها. بعد قليل وصلت إلى الفيلا، صعدت مباشرة إلى غرفتها ألقت حقيبتها على طول يدها ثم ألقت بجسدها على الفراش تبكي بحرقة لما حين ظنت أنها مثل باقي صديقاتها وجدت الحب الذي كانت تريده، عاتبت نفسها قائلة: أنت اللي رخصتي نفسك خروج وسمحتي له يمسك إيدك.... كانت تبكي بحرقة خائرة القلب تشعر أنها غرقت بدوامة يأس.

وصل فادي إلى شقته دخل إلى غرفة المعيشة ألقى هاتفه وسلسلة المفاتيح ثم جلس على الأريكة يشعر بإنهاك، يجلد نفسه لما تسرع وقال هذا. لكن بينما هو بدوامة عتاب وجلد الذات صدح رنين هاتفه، للحظة علم هوية من تتصل عليه جذب الهاتف ولم ينظر إلى شاشة الهاتف ورد بتسرع وقال بعصبية: نهى مش ناقص سخافتك.... قاطعته قائلة: أنا مش نهى أنا منال. حاول فادي الهدوء واعتذر قائلًا: متأسف يا منال، إزيك وإزي رينا. ردت منال:

لأ مالوش لازمة الاعتذار، أنا ورينا الحمد لله بخير، بس كنت عاوزة أقابلك عشان أنت عارف إنك من ضمن ورثة المرحوم مصطفى، وكل الورثة مضوا على التنازل لـ رينا إني أنا أبقى الوصية عليها في كل شأن يخصها، بس أنت كنت مسافر وقتها والمحامي قال نقدر نمشي الورق لحد ما تجي أنت من السفر، بس في بعض التعاملات بيبقى فيها تعنت شوية و.... قطع فادي حديث منال قائلًا:

أنا سبق وكنت طلبت من بابا وأنا في ألمانيا يبعتلي أوراق التنازل بس قالي مش ضروري عالعموم خلينا نتقابل عشان أمضي ليكي على أوراق التنازل. ردت منال: أنا مش في إسكندرية بس راجعة قريب هبقى أتصل عليك نحدد الميعاد، مرة تانية بعتذر يمكن اتصلت في وقت غير مناسب، سلام. أغلق فادي الهاتف وكاد يضعه على الطاولة، لكن وقع بصره على تلك الصورة التي تضعها منال خلفية لهاتفها، صورة مصطفى وهو يحمل طفلته الصغيرة. شعر بوهج في قلبه أعمى عقله،

وقال بذم لنفسه: مالك يا فادي مضايق كده ليه؟

اللي عملته هو الصح، لازم تاخد خطوة بقى عشان تعرف تاخد القصاص لمصطفى من الاثنين اللي اتسببوا في موته وهما عاشوا حياتهم بسعادة. كمان زهقت وقرفت من كل شوية تتقمص غيداء وأجري أنا وراها أحايل وأدادي لحد ما ترضى ثاني، أنا ماليش في الكلام الفارغ ده. مش لازم يكون كل شوية أتنازل وأروح أصالحها، لازم هي المرة دي اللي تتنازل شوية. زهقت من قمص الطفولة اللي عايشالي فيه ده، لازم يكبر عقلها، ومتأكد أنها مش هتستحمل تجاهلي لها كتير وهي اللي هتيجي لحد عندي، ووقتها هترضخ لكل اللي أطلبه منها.

عاد فادي يشعر بزهو، فتجاهله لغيداء الفترة الماضية أتى بنتيجة وها هي أتت بنفسها إلى شقته التي أعطاها عنوانها في إحدى الرسائل القديمة بينهم. لم يكن يتوقع أقل من ذلك أن تتصل عليه، لكن هي أتت إلى شقته بقدمها. بينما بالمطبخ، وضعت غيداء ذلك الكيس الذي بيدها على رخامة بالمطبخ وجلست على أحد المقاعد تشعر بارتعاش في جسدها بالكامل، تود الفرار الآن، كيف طاوعت عقلها وأتت لهنا؟ ماذا سيظن فادي بها الآن؟

تذكرت بالأمس، هي كانت بالبلدة، ذهبت ربما تغيير المكان يعطيها هدوء تحتاج إليه، لكن لم تجد ذلك في البلدة. كادت غيداء تدخل إلى غرفة أحلام زوجة أبيها، لكن توقفت أمام الباب حين رأت امرأة تجلس معها، لكن رأتها أحلام وقالت: تعالي يا غيداء. دخلت غيداء إلى الغرفة ورأت تلك المرأة الأخرى التي تجلس معها، لا تنكر أنها بتلقائية شعرت بعدم أُلفة حتى قبل أن تعرف من تكون تلك المرأة... حتى أن تلك المرأة نظرت بامتعاض قائلة:

أكيد أنتِ غيداء بنت تحية أخت عواد. أومأت لها غيداء. بينما نظرت أحلام لسامية قائلة: أزيك فادي؟ هز اسم فادي بدن غيداء، لكن تفاجأت من فحوى الحديث أن تلك المرأة هي ابنة عم أحلام، إذن فادي اللتان تتحدثان عنه هو فادي التهامي. ارتجف قلبها حين سمعت قول أحلام لسامية: أمال حددتوا ميعاد خطوبة فادي ونهى ولا لسه؟ ردت سامية بارتباك:

قريب إن شاء الله، على ما نهى تخلص امتحانات آخر السنة، هقوم أنا بقى زيارة المريض لازم تكون قصيرة. أكيد اللي صابك عين حسد... وافقت أحلام سامية أن ما أصابها هو الحسد. بينما شعرت غيداء بخفقان قوي بقلبها، أيُعقل فادي سيتزوج من قريبته تلك؟ شعرت بصدمة قوية، لم يفكر عقلها وتركت الغرفة دون حديث منها تتوارى بغرفتها تبكي وترثي قلبها، فادي نسيها بتلك السهولة؟ لكن فجأة لامها عقلها وجففت دموعها تلقي الخطأ على نفسها وتلومها قائلة:

أنتِ السبب يومها مفكرتيش واتقمصتي ومشيتي ليه؟ لازم تواجهي فادي وأكيد هو بيحبني زي ما قال لي قبل كده. يمكن كلمة جواز عرفي كان اختبار منه لكِ، يشوفك شارياه ولا لأ، وأكيد اتأكد من رد فعلي إني بيعاه، وبرر موقفك أنه عدم ثقة فيه. لازم تحاولي تستردي ثقته من ثاني... حسمت أمرها بالغد ستذهب إلى شقته. وها هي الآن بشقته، استقباله لها به كثير من الأُلفة عكس ما كانت تتوقع أن يذمها ويسألها لما أتت، لكن هو تبسم لها برحابة.

انتهى فادي من أخذ حمامه وخرج يرتدي منامه رجالية، لكن ترك أكثر من زر من الجزء العلوي مفتوح يظهر جزء كبير من صدره. ذهب إلى المطبخ تبسم حين وجد غيداء تجلس. لكن هنالك شعور اختلج بقلبه لا تفسير له، شعور دافئ به جزء من التآلف للحظة تخيل أنهما زوجان وأنها تنتظره بتلك البسمة التي على شفتاها تزيل عنه إرهاق يوم طويل من العمل، لكن نفض ذلك عن رأسه سريعًا فبسمة غيداء باهتة، لكن قال:

كنت مفكر إنك على ما أخد دوش هطلع ألاقيكِ محضرة لينا الغدا ونتغدى سوا، ولا الوقت اتأخر خلاص وأكيد اتغديتي؟ نهضت غيداء بارتباك قائلة: أنتَ قولت لي أدخل بس مقولتليش أحضر غدا، وبصراحة، بصراحة... تبسم فادي قائلًا: بصراحة مش بتعرفي تحضري أكل؟ طبعًا بنت عيلة زهران الوحيدة إيديها ناعمة. عالعموم أنا كنت متعود على خدمة نفسي من وأنا هنا في مصر قبل ما أسافر في الجيش محدش بيخدم حد، إخدم نفسك بنفسك...

اقعدي أنتِ وأنا هحضر لينا غدا عالسريع كده، بس طبعًا تعرفي تمسكي السكينة وتقطعي السلطة. تبسمت غيداء وجلست تقطع تلك الخضراوات مع تجاذب فادي لها بالحديث المرح إلى أن وضع آخر طبق من الطعام على الطاولة قائلًا: وأدي طبق المكرونة اللي بدون صلصة حسب رغبتك. معرفش إزاي هتكليها كده بدون أي إضافات هيبقى طعمها زي العجين. تبسمت غيداء قائلة:

أنا بحب المكرونة مسلوقة بس ماما كمان كده ويمكن ورثتها منها، هي بتسلق المكرونة وتزود شوية ملح بكمون عليها وتاكلها كده بدون أي إضافات. نظر فادي لغيداء باستغراب وهمس لنفسه: مصطفى كمان كان بيحب ياكل المكرونة مسلوقة بس ماما كانت بتغصب عليه ياكلها بصلصة، بس كان بياكلها غصب عنه.

خجلت غيداء من نظرات فادي لها وادعت النظر إلى الطبق وبدأت تتناول الطعام. فاق فادي من تلك الذكرى، والتهى في الطعام والحديث البسيط بمواضيع عديدة بينهم، إلى أن انتهوا من تناول الطعام، وفض تلك السفرة الصغيرة التي جمعتهم فقط بعيدًا عن أي عيون غيرهم. بعد وقت نهضت غيداء قائلة: أنا اتأخرت المغرب قرب يأذن همشي أنا بقى. فجأة شعر فادي بفراغ، لكن قال: كنت مبسوط بالوقت القليل اللي قضيناه مع بعض وانبسطت بزيارتك لشقتي المتواضعة.

خجلت غيداء حين قال ذلك فادي ولم تستطع الرد للحظات ثم قالت: لازم أمشي بقينا المسا... سلام. تبسم فادي بدهاء يتلاعب بها يعطيها الأمان من ناحيته، أصبح بينه وبين هدفه خطوة واحدة وغيداء هي من ستقطعها بالقريب العاجل... عليه بالصبر.

صعدت صابرين إلى سيارتها ووضعت ذلك المظروف بالمقعد المجاور لها بالسيارة، للحظة فكرت في فتح المظروف ومعرفة نتيجة التحليل، لكن تراجعت بدون سبب وقامت بتشغيل السيارة وقادتها لا تعرف إلى أي وجهة تذهب تشعر أنها مثل الشريدة بالطرقات، لكن تحكم القلب والشوق والتوق لوالديها بها وجدت نفسها أسفل العمارة. للحظات فكرت بالعدول والعودة، لكن إلى أين؟ أتعود للفيلا؟ لا هي لا تريد العودة لهناك. بظل تلك الدوامة برأسها صدح رنين هاتفها...

نظرت للشاشة، زفرت نفسها وهي ترى هوية المتصل، أنه عواد. بتلك اللحظة حسمت أمرها، تركت الهاتف وذلك المظروف بمقعد السيارة وترجلت منها صاعدة إلى شقة والديها بخُطى رتيبة تشعر بالحنين والشوق تتمنى أن تجد بينهم الراحة النفسية التي أصبحت تبحث عنها... توقفت أمام باب الشقة تفكر هل تدخل أم تعود، لكن حسم الأمر هيثم الذي أتى من خلفها قائلًا: صابرين واقفة كده ليه قدام باب الشقة؟ مش معاكِ المفتاح ولا إيه؟ ابتلعت صابرين

تلك الغصة في قلبها قائلة: يظهر ضاع أو يمكن نسيته. تبسم هيثم ووضع المفتاح بمقبض الباب وفتحه ثم تجنب قائلًا: ادخلي يلا مش بيقولوا الستات أولًا عشان تعرفي إني بفهم في الذوق. تبسمت صابرين ودخلت إلى الشقة بلا مجادلة مع هيثم كما تفعل دائمًا مما أثار تعجبه ودخل خلفها وأغلق الباب، لكن سمع الاثنين صوت من غرفة المعيشة وتوجها إليها. تبسم هيثم قائلًا بانشراح: ماما، بابا إيه المفاجأة الحلوة دي؟

نهضت شهيرة واستقبلتهم وضمتهم الاثنين، بينما ظل سالم جالسًا رغم نظرات الشوق بعينيه. ترك هيثم شهيرة وذهب للجلوس جوار والده مبتسمًا، بينما ظلت صابرين واقفة تشعر باشتياق لحضن سالم الذي تحتاجه الآن بشدة، لكن انشغل سالم بالحديث المرح مع هيثم، بينما أتت فادية قائلة: صابرين اتأخرتِ ليه؟ يلا أنا حضرت لقمة ناكلها مع بعض. بعد قليل جلسوا جميعًا على طاولة السفرة... وضعت شهيرة يدها على كتف صابرين قائلة:

مش بتاكلي بيض ليه يا صابرين؟ أنا جايبة البيض ده معايا من البلد. تبسم هيثم يقول بمناكفة: ما هي مش بتستطعم غير البيض اللي بتسرقه من وراكِ يا ماما. تبسموا جميعًا. بينما هي شعرت بغصة قوية، سخرت من طفلة أقصى أمانيها أن تحصل على بيضة تلك الدجاجة التي تخشى الاقتراب منها... تود أن تمحي الفترة الماضية من حياتها. بـ ڤيلا زهران

لم يسمع عواد فقط لحديث ماجد الذي اعتذر منه على ما حدث من انتهاك فوزية لصابرين بالحديث، بل رأى شريطًا مسجلًا بكل ذلك. شعر بالغيظ الشديد من فوزية، طلاقها من عواد كان أقل رد على خوضها في حق صابرين وتلك الألفاظ المتدنية التي نعتتها بها، كذلك رأى تهجمها على صابرين بمحاولة الضرب، من الجيد أنه لم يكن موجودًا ليرد ذلك صفعات لفوزية.

ترك ذلك الحاسوب وأمسك هاتفه يتصل على صابرين لكنه يعطي رنينًا ولا ترد، لأكثر من مرة كرر الاتصال... نهض وحسم أمره، يعلم أين تكون صابرين. هي بإحدى مكانين: إما عند صبرية، أو فادية. احتار إلى أين يذهب. فكر بالاتصال على فادية وسؤالها عن صابرين، لكن شعر بالحرج. حسم أمره سيذهب أولًا إلى شقة فادية وإن لم يجدها هناك... ماذا أسيذهب لها بشقة صبرية؟

فكر كثيرًا لكن تحكم قلبه لا داعي للكبر الآن، كل ما يهمه أن يعود بصابرين إلى هنا، أما عن كرامتها التي أهانتها تلك الوقحة فوزية سيردها لها أضعاف. *** كانت صابرين تجلس جوار شهيرة، بداخلها تشعر بالعزلة، لاحظ سالم الذي لم تنزل عيناه من عليها منذ أن رآها، ولاحظ أيضًا تلك الخرابيش الظاهرة بأحد وجنتيها، وكاد يسألها عن سببها، لكن بنفس اللحظة سمعوا جرس باب الشقة، نهض هيثم قائلًا: هفتح أنا الباب. بعد لحظات دخل هيثم

ومن خلفه عواد الذي قال: مساء الخير. انتبهت صابرين إلى صوت عواد التي تفاجأت به. بينما نهض سالم واقفًا بتحفز. كذلك صابرين وقفت. فقال سالم: إيه السبب في خربشة خدك دي يا صابرين؟ نظرت صابرين لعواد ثم نظرت لوالدها قائلة بكذب: دي خربشة قطة غيداء نطت في وشي. تفاجأ عواد برد صابرين. بينما سالم شعر أن صابرين تكذب. تحدث عواد: أنا كنت قريب من هنا وقولت آجي آخد صابرين عشان نرجع للڤيلا.

نظر سالم لصابرين التي تخفض وجهها، ودّ أن تقول له إنها تريد البقاء، لكن امتثلت صابرين قائلة: تمام. نظر عواد لسالم ببسمة ظفر. وهو يرى صابرين سارت من أمامه وخلفها فادية. توقف الاثنان خلف باب الشقة تتهامسان بينهما إلى أن أتى عواد لمكانهما وفتح باب الشقة. فخرجت صابرين أمامه، وهو خلفها. أغلقت خلفهما فادية الباب. ثم عادت إلى غرفة المعيشة قائلة: نسيت أقول لصابرين إني راجعة معاكم البلد بكرة، شوية كده وأتصل أقولها.

أومأ لها سالم برأسه يشعر بالندم لما ترك صابرين تغادر مع عواد، لما لم يجعلها تبقى حتى لو غصبًا منه لها، يشعر بغصة قوية في قلبه، تلك ليست صابرين التي عهدها كانت تمزح وتمرح، اليوم كانت شاردة منعزلة، صابرين آن الأوان أن يستردها قبل أن تنطفئ أكثر من ذلك، لكن لابد من حل مشكلة فادية أولًا. توقفت صابرين أمام العمارة قائلة: أمال فين عربيتك؟ رد عواد قائلًا: كنت جاي مع السواق وقولت له يمشي، هنرجع بعربيتك.

تعجب عواد من عدم مجادلة صابرين وفتحت القفل الإلكتروني لسيارتها، ثم توجهت نحو باب المقود ودخلت إلى السيارة. في نفس الوقت فتح عواد الباب الآخر ودخل إلى السيارة، وقع بصره على هاتف صابرين الموضوع فوق ذلك المظروف. مسك الهاتف قائلًا: بتصل عليكي مش بتردي. نظرت صابرين للهاتف الذي بيده قائلة بسخرية: الموبايل أهو في إيدك، كنت نسياه في العربية. مدت صابرين يدها كي تأخذ المظروف. لكن عواد جذبها من يدها إليه وقبلها بشوق.

تفاجأت صابرين بتلك القبلة، لكن سرعان ما تركت المظروف يقع من يدها ودفعت عواد الذي ترك شفتيها مرغمًا قائلة باستهجان: ما عندكش حيا! مش ملاحظ إننا في الشارع؟ تبسم عواد قائلًا: إزاز العربية مقفول. بنفس اللحظة نظر عواد إلى ذلك المظروف الذي وقع من يد صابرين، ورأى شعار أحد مراكز التحاليل الطبية الشهيرة. شعر بالقلق قائلًا: لمين ظرف التحليل ده؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...