الفصل 39 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
20
كلمة
3,626
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

قبل وقت بنفس اليوم صباحًا، على الطريق السريع بين الإسكندرية والبحيرة.

نظر عواد لصابرين التي تجلس جواره، كانت تتكئ برأسها للخلف على مسند مقعد السيارة صامتة تنظر إلى الطريق عبر الشباك المجاور لها بشرود. شعر عواد بوخزات قوية بساقيه كأنها أصبحت مخدرة، يشعر أنه يكاد لم يعد يستطيع السيطرة على حركتهم فوق مكابح السيارة، يشعر بضعف يكره أن يراه به أحد، وبالأخص صابرين التي نظر لشرودها بالطريق فغص قلبه. لكن خشي من ذلك الخدر الذي يشعر به أن يفقد السيطرة بلحظة على مكابح السيارة، لم يعد هنالك داعٍ للمجازفة، توقف فجأة بالسيارة.

ارتد جسد صابرين للأمام قليلًا، لكن وضعت يدها على تابلوه السيارة ثم اعتدلت تنظر لعواد بغضب قائلة: في إيه؟ الطريق قدامك فاضي، وقفت العربية بالشكل المفاجئ ده ليه. رسم بسمة استفزازية وقال بتبرير آخر: بصراحة مبقتش قادر أضغط على نفسي وأتكيف مع سواقة العربية بتاعتك دي، حاسس إني مش عارف أحرك رجلي عالفرامل، مش عارف بتسوقيها إزاي. ردت على سخريته بتهكم:

والله أنا مغصبتش عليك تركب ولا تسوق عربيتي، كان عندك عربياتك الأحدث موديل وإمكانيات، وكمان تقدر تنزل من عربيتي اللي مش عارف تسوقها وتتصل عالسواق الخاص بيك وتقوله على مكان وقوفك عالطريق يجيبلك عربيتك اللي بالتحكم الإلكتروني وبتعرف الطرق كلها لوحدها حتى هي اللي بتوجهك بـ GPS وبلاش تتريق وتستقل بعربيتي، عجباني واتكيفت على نظامها. رغم الألم الذي يشعر به بساقيه لكن ضحك عواد قائلًا باستفزاز:

كل الموال ده عشان بقول عربيتك مش مريحة في سواقتها، عالعموم اتفضلي عربيتك تعالي سوقيها بنفسك، "جحا أدرى بشعاب مملتكه". فكت حزام أمان السيارة من على جسدها قائلة بضيق: تمام، اتفضل انزل عشان أجي مكانك عالدريكسيون. نظر لها عواد بخبث وفكر قليلًا ثم قال: بصراحة بعد اللي قلتيه قبل شوية، ممكن لو نزلت من العربية تعملي حركة ندالة، ولو نزلت من العربية قبل ما ألف للباب التاني هتسوقي بسرعة وتسيبني عالطريق.

لم تنكر صابرين ذلك قائلة: فعلاً ده اللي هيحصل، اتفضل انزل من عربيتي، مش بتتريق وتستقل بإمكانياتها الوضيعة جنب عربياتك اللي بتسابق الريح. مد عواد يده وأمسك ذقن صابرين يضغط عليه وهو يبتسم بسماجة: صريحة أوي يا حبيبتي. تضايقت صابرين من بسمة عواد السمجة وضربت يده. بينما عواد تلفت ينظر إلى شبابيك السيارة وتأكد أنها مغلقة ومعلق فوقها بعض الستائر السوداء، مجمعة على جانب الزجاج، فرد تلك الستائر، مما أثار استغراب صابرين.

وقبل أن تتساءل عن سبب غلقه لتلك الستائر، تفاجئت بنهوض عواد خلسة من على مقعد السائق وأصبح بجسده فوق جسدها، يضغط بيده على زر تحريك المقعد لينبسط المقعد للخلف. تضايقت صابرين وكادت تتفوه لكن لجم عواد شفاها بقبلة. اغتاظت صابرين منه ودفعته بيدها إلى أن ترك شفاها ونظر لوجهها الذي يبدو عليه الغضب بوضوح، تفوهت صابرين بغيظ وهي تدفعه عن جسدها بغضب:

قوم من فوقي وبطل قلة أدب، إحنا على طريق سريع، افرض لجنة مرور عالطريق شكت في سبب وقوف العربية في نص الطريق وجو لهنا وشافوا منظرك الوقح ده، هياخدونا فعل فاضح في الطريق العام. هتنبسط وقتها ولا هترشي اللجنة بفلوسك كالمعتاد. ضحك عواد ونهض قليلًا عن جسد صابرين التي انزاحت من أسفل جسده إلى أن اعتدلت جالسة على مقعد المقود، كذلك عواد اعتدل جالسًا على المقعد مكان صابرين قائلًا باستفزاز:

فعلاً وقوف عربية زي دي عالطريق مثير للشبهة. زفرت صابرين نفسها بغضب قائلة: بسيطة انزل وبلاش تشبه نفسك بعربيتي. تبسم عواد بسماجة قائلًا بنبرة استقلال مرح: يلا قربنا على نص المسافة، هضغط على نفسي وأتحمل. نظرت له صابرين باستهجان ولم ترد عليه. ضحك عواد على نظرة صابرين المستهجنة له ورفع يده بتعالي يشير لها أن تستكمل الطريق. ظل الصمت بينهم لوقت قصير إلى أن قالت صابرين بكهن نسائي:

أنا معرفش سبب إننا نروح للبلد النهاردة فجأة كده. نظر عواد بعدم تصديق قائلًا: ولا أعرف، كل اللي أعرفه عمي فاروق قالي لازم تكون النهاردة أنت ومراتك حبيبتك في البلد عامل مفاجأة هتعجبكم. تهكمت صابرين قائلة: عمك قالك، مراتك حبيبتك! ويا ترى إيه هي المفاجأة دي بقى. مط عواد شفتاه إلى الأمام ثم قال بخبث: ولا أعرف، بقولك قالي مفاجأة هتعجبنا. صمت عواد قليلًا ثم قال بمرح: تفتكري يكون محضر لي عروسة جديدة. نظرت له صابرين

بعين تقدح نار قائلة: والله يا ريت، وعلى رأي المثل، اللي يتجوز اتنين يا قادر يا فاجر، وأنت الاتنين، وعالاقل وقتها هتركز مع العروسة الجديدة وتسيبني في حالي. غمز عواد بعينه ضاحكًا يقول: تؤتؤتؤ يا حبيبتي مقدرش استغنى عنك طبعًا، أنا هبقى زوج عادل، ويمكن يكون ليكي أنت النصيب الأكبر على رأي المثل "القديمة تحلى ولو.... قطع عواد حديثه حين توقفت صابرين بالسيارة فجأة، لم يستطع عواد كبت بسمته على ملامحها المغتاظة وقال بمكر:

أنا بقول يا خبر بفلوس بعد شوية هنعرف سبب إصرار عمي إننا نكون في البلد النهاردة. ردت صابرين: أنا بقول تسكت وتسيبني أركز في الطريق عشان نوصل بسرعة ونعرف السبب المهم ده. أغلق عواد فمه وأشار له بيده برمز الصمت.

بينما بداخله على يقين أن صابرين تعرف سبب إصرار عمه على حضورهم اليوم بالبلدة، هو أخبره السبب عبر الهاتف، سيتزوج بفادية بمفاجأة للجميع، وبالتأكيد فادية أخبرت صابرين بذلك والدليل عدم مجادلتها له صباحًا حين أخبرها بضرورة ذهابهم اليوم إلى البلدة لغرض خاص. بعد الظهر بمنزل زهران

بغرفتها، كانت غيداء تجلس على الفراش تقضم أظافرها بأسنانها ثم تبصق تلك الحراشيف الرقيقة، بسبب ذلك التوتر والقلق الكبيرين اللذين تعيش بهما منذ أن علمت بأنها حامل. اليوم هو اليوم الثاني نهاية المهلة التي أعطتها لفادي ليعطي لها قراره، تنظر بكل لحظة لهاتفها بترقب وتوجس، تخشى أن يغدر بها فادي ولا يعطي لها ردًا، بداخلها خوف كبير من أن ينكر مسؤوليته عن ذلك الجنين الذي بأحشائها ويتركها هي تواجه. تواجه من؟

ماذا ستقول أنها أخطأت حين ضعفت وسلمت للحب وأضاعت شرفها بلحظة غفوة لم تستلذ بها. أظهرت القوة الواهية أمام فادي لكن بداخلها مازالت تلك الضعيفة التي تتوارى خلف خجلها الزائد. خجل؟ أي خجل؟ هل لو كان لديها خجل كانت أخطأت تلك الخطيئة الفادحة بحق نفسها؟ تتمنى أن تصرخ، فاض بها جلدها لذاتها. أسوأ شعور تمر به في حياتها، لم تتوقع أن يأتي يوم وتكون جلادة لنفسها، بداخلها تشعر أن جلدات السوط أرحم بكثير من جلدات الذات.

السوط يجلد الجسد، أما جلد الذات فهو يجلد الروح وعذابها أقوى. بمنزل جمال التهامي. بعد أن انتهوا من تناول طعام الغداء بجو عائلي لثلاثتهم، جلس الثلاث بغرفة المعيشة يتناولون بعض العصائر. نظر جمال لفادي قائلًا: كنت بتقول إن عندك موضوع مهم، خير. تنهد فادي وهو ينظر لوالدته بترقب: بصراحة يا بابا، أنا ناويت أتجوز. ابتسم جمال قائلًا: ألف مبروك. بينما نظرت سامية له قائلة: أخيرًا اقتنعت، وطبعًا العروسة نهى بنت خالك.

رد فادي سريعًا: لأ يا ماما، أنت قولتيها، نهى بنت خالك، وهي بالنسبة ليا مش أكتر من كده ومستحيل أفكر فيها في يوم تكون شريكة حياتي. تهكمت سامية قائلة: وليه مستحيل؟ فيها إيه ناقص؟ واضح كده إن في واحدة بعينها هي اللي بتفكر فيها، يا ترى هي مين؟ تبادلت نظرات فادي بين وجهي جمال وسامية بترقب لرد فعلهم وهو يخبرهم: العروسة تبقى غيداء فهمي زهران. نهضت سامية واقفة بذهول تقول بغضب: مين؟ بنت فهمي زهران.

كذلك ذهِل جمال لكن كان رد فعله الصمت. بينما لم يندهش فادي من رد فعلهم المتوقع بالنسبة له. كذلك قول سامية بتهكم: وهي عيلة زهران هترضى بنسبك يا حضرة المهندس ولا مفكر عشان سافرت كام سنة بره مصر إن الفوارق اتغيرت؟ بنت فهمي زهران اللي أخواتها متجوزين من بنات سفرة وعضو مجلس شعب، هيوافقوا عليك. شعر فادي بغصة في قلبه من استقلال والدته وقال: وكان فين السفرة وعضو مجلس الشعب دول لما حطت عيلة التهامي إيديها عالأرض مرة تانية؟

مسمعتش إن طلع لهم صوت يا ماما. تهكمت سامية قائلة: أنا بفوقك يا فادي، الأرض صحيح بعد اللي حصل محدش اتكلم عنها، بس بلاش تبني أوهام، وبعدين أنت شوفت غيداء دي قبل كده فين ولا تعرفها من أصله. رد فادي: أيوه شوفتها في فرح أخواتها وصابرية عرفتنا على بعض واتقابلنا كذا مرة عند مرات عمي، وعجبتني، وقررت أتقدم لها، كونهم يوافقوا أو يرفضوا ده شيء مش مضمون، أنا غيداء عجباني وقررت خلاص أتقدم لها بكرة. بكرة!

كانت نفس الكلمة التي نطق بها جمال وسامية بنفس اللحظة بتعجب. نظر لهم فادي مؤكدًا: أيوه بكرة، ولو تم الموافقة منهم والجواز هيكون في أقرب وقت يمكن أقل من شهر. ذهِل الاثنان وقالت سامية: أقل من شهر؟ شكلك واقع في غرامها أوي، بس ناسي حاجة مهمة، ناسي إن غيداء دي تبقى أخت عواد زهران اللي قتل أخوك. غص قلب فادي بشدة، لكن قال بتبرير كاذب:

مش ناسي يا ماما، بس غيداء تبقى أخته من الأم وهي ملهاش ذنب إن عواد يبقى واحد من أخواتها، غير إن عواد قدم كفنه قبل كده قدام أهل البلد كلها وبابا صفح عنه. تهكمت سامية: بابا صفح عنه، وبعدها اتجوز من صابرين اللي كانت السبب في أنه يقتل أخوك عشان يتجوزها هو بعدها بكم شهر. شعر فادي بحرقة قوية في قلبه لكن تذكر ما أخبرته به غيداء، هو أخطأ مثلها بل هو أكثر منها حين سار بلحظة خلف وسوسة شيطانه.

بينما سامية للحظات تذكرت أخبار أخيها لها أن مصطفى لم يكن ولدها، ودخل إلى عقلها داء الطمع، فبعد أن تنازلت تلك الغبية صابرين عن ميراثها في مصطفى لابنته، أجبرها جمال أيضًا على التنازل بحقهما بكل إرث مصطفى لابنته حتى تلك المبالغ المالية التي كان يرسلها لهما وهو بالخارج، أعطاها لمنال وتنازل لها عن حق حضانة ابنته، لم يتبقى معها سوى مبلغ قليل وضعته مع شخص يستثمره مقابل ريع بسيط كل عدة أشهر، لم يتبقى لها سوى مرتب جمال الذي حقًا يكفيهم ويزيد منه القليل لكن هي دائمًا تود المزيد. ونسب عائلة زهران، وتلك الصبية سيكون لها من إرث والداها الكثير، لماذا تضع العقدة أمام فادي؟

لتتركه ربما يكون هذا في صالحها. ادعت الدموع قائلة بموافقة: موافقة يا فادي، وربنا يتمم لك بخير ويوافقوا عليك، وميشدوش كبر وغطرسة، أنا مش هاجي معاكم مش هقدر أتحمل لو... لو... لو يعني قلوا من أصلهم ورفضوك... مش هأقدر أتحمل وقتها وأفضل ساكتة. نظر فادي مستغربًا من موافقتها بتلك السهولة، لكن كل ما يهمه الآن هي الخطوة القادمة حين يطلب غيداء للزواج من والدها بالغد.

كانت هنالك نهى التي فتحت باب المنزل ودخلت دون أن يشعروا بها، وكادت تدخل إلى تلك الغرفة، لكن تصنمت بمكانها تشعر بغصة قوية. فادي هنالك أخرى يهواها قلبه، وإلا لما كان جازف وهو متوقع أن أهلها قد يرفضوه. غص قلبها ونزلت دمعة من عينيها، لكن سرعان ما لامت نفسها. فادي كان واضحًا أمامها دائمًا

كما قال قبل لحظات فقط: ابنة خاله لا أكثر من ذلك. لامت اندفاعها القديم حين كانت تتدنى وتحاول لفت نظره لها بأفعال تبخسها موافقة لتعليمات عمتها. كانت مخطئة، لكن ما زال هنالك فرصة لها. تذكرت حين كانت قبل أيام بزيارة لمنزل زهران مع عمتها من أجل زيارة أحلام، ذلك الشاب الذي حاول الحديث معها، لكن هي خجلت منه. أجل لديها خجل مثل كل فتاة تتمنى فارس الأحلام فقط. هي تتمنى أن تنشأ أسرة صغيرة تشعر بدفء في قلبها وهي بينهم، لا تكون وحيدة بسبب وفاة والدتها وهي صغيرة. كانت مشتتة بين منزل والدها ومنزل عمتها التي كانت تشعر أنها غريبة عليهم. آن الأوان أن تبحث عن مأوى دافئ مع ذلك أحد شباب عائلة زهران.

بالعودة إلى الوقت الحالي: ببهو منزل عائلة زهران، كان الحضور يقفون منهم متعجب ومنهم منكوس حين علموا أن سبب هذا التجمع اليوم هو عقد قران فاروق وفادية. عقد القران الذي بالنسبة لفاروق تأخر سنوات كثيرة، كان لا بد أن تكون فادية من نصيبه سابقًا، لكن بسبب تخاذله بالماضي كان الفراق المر لهما الاثنين، لكن للقدر شأن آخر، كان يؤجل اجتماعهما.

بينما وفيق وماجدة وسحر، الثلاث كانوا منكسي الرؤوس، حتى أن سحر صرخت بهستيريا وكادت تتهجم على فادية، لكن منعها فاروق بتهديد أن المأذون قبل أن يعقد قرانه على فادية قد يكون طلاقها، لولا أن هدّأته فادية نفسها بحجة أن لديه منها أبناء.

وفيق يشعر بخسارة كبيرة، ليست خسارة قلبه فقط، بل تلك الخسائر المادية التي تكبدها بعد حريق مصنع القاهرة، الذي أثبتت تقارير لجنة الفحص التي أرسلتها التأمينات أن الحريق كان متعمدًا. بهذه الحالة شركة التأمين لن تدفع له حتى جزء يستطيع به ترميم المصنع. حتى ماجدة التي جلست كأن على رأسها الطير فقط تشاهد بحسرة في قلبها.

حتى ناهد أتت بغلول منها تنظر لفادية التي ظنت أنها خسرت كل شيء حين وقعت على تنازل بحقوقها لوفيق. ها هي تصطاد صيد آخر ويبدو أنه متيم بها مثل وفيق، لكن هنالك اختلاف: فاروق لن يفرق معه أن لم تنجب له. على ذكر الإنجاب، شعرت بتوجس أن يطيل عدم حملها وتكتشف كذبتها أنها حامل. أما فادية فكانت مثل الفراشة البيضاء بثوب بسيط وأنيق من الحرير يجمع بين اللون الأبيض والفضي وبعد النقوش المذهبة... لكن بداخلها تشعر بنشوة خاصة.

ازدادت حين جلس فاروق على إحدى ناحيتي يد المأذون، وبدأ المأذون بالتهنئة وبعض الأقوال ثم قال: ياريت العروس تتفضل تقعد جانبي عشان نبدأ كتب الكتاب. نظرت فادية لصابرين وتبسمت على تلك الدمعة التي بعين صابرين رغم أنها تعلم كل نوايا فادية. ثم ذهبت وجلست على الناحية الأخرى للمأذون الذي قال:

اجتمعنا اليوم لعقد قران السيد/ فاروق عواد زهران والسيدة/ فادية سالم التهامي بموجب الإشهار والقبول بينهم سابقًا. ياريت يا سيد/ فاروق تمد يدك، وإنتِ يا سيدة/ فادية طبعًا هتبقى وكيلة عن نفسك. تبسمت فادية وأومأت برأسها بموافقة. مد فاروق يده أولًا بفرحة كبيرة، بينما بتردد منها فادية مدت يدها ووضعتها بيد فاروق، لكن حين وضع المأذون المنديل الأبيض على يديهما سحبت يدها من يد فاروق سريعًا ونهضت واقفة تقول: لأ.

تعجب الجميع من فعلة فادية عدا صابرين التي تلألأت الدموع بعينيها، هي أكثر من شعرت بقهرة فادية سابقًا. بينما نهض فاروق قائلًا باستغراب وتعجب: لأ، لأ إيه يا فادية، أنا عارف إنك مضايقة بسبب عدم حضور والدك لكتب كتابنا، بس أنا حاولت أقنعه وهو رفض وكان قدامك. سمع فاروق من دخل بكبرياء يقول: أنا رفضت لأن في الأصل صاحبة الشأن هي اللي رافضة من الأساس. نظر فاروق إلى من يتحدث بذهول.

حتى عواد نظر له وهو يرمي بنظره ناحية صابرين التي وقفت هي الأخرى وتدمعت عينيها وهمست ببسمة: بابا. شعر هو الآخر بخوف لأول مرة بحياته يخشى ابتعاد أحد عنه. أجل يخشى أن تتركه صابرين... رغم أن الفراق محسوم لكن يخشاه.

بينما اقترب سالم ووقف بالمنتصف بين فادية وصابرين التي تبسم لها ووضع يده على كتفها. وددت أن تلقي بنفسها بين يديه وتقول له افعل معي كما ستفعل مع فادية. كذلك هو ودد منها ذلك وأن يحضنها ويقول لها أنا معك بأي قرار، لكن الصمت يخيب الآمال. تحدث سالم بكبرياء: اتكلمي يا فادية، وقولي ليه... لأ. تبسمت فادية تستمد القوة وهي تنظر إلى سحر وماجدة بكبرياء قائلة:

إيه شعورك النهارده وأنا بكلمة مني أبقى ضرة بنتك، مش بس ضرتها لأ كمان هبقى المفضلة عند فاروق. فاروق اللي في يوم من الأيام خذلني ونهى قصة حب وأحلام وردية عشت فيها خمس سنين معاه قبل ما يستسلم ويوافق على قرار والده ويتجوز من اللي اختارها له. حتى أنه كان يواجهني وقتها ويقولي أي حاجة يمكن كنت عذرته، لكن كان جبان وما زال جبان. ده رأيي فيه من سنين ومش هيتغير دلوقتي...

وأنا ما بأحبش الشخص الجبان، كفاية عليا عشت سنين مع شخص دلدول لكلمة مامته المسجلة عنده حتى لو غلط وهضره وهو عارف ومتأكد، بس مش مهم المهم سماعًا وطاعًا، رضاها عليه هو اللي هيخليه يوصل لكل اللي عاوزه، حتى الخلفه والولاد، رغم إنه عارف إن العيب كان منه مش مني من البداية، بس رفض واستسلم عشان كلمة مامته. إنت سيد الرجالة ما فيش فيك عيب طالما مراتك بتحبل وتسقط يبقى العيب منها هي اللي لازم تدور لنفسها على علاج، يا تنكتم وتسكت

وكنت ساكتة رغم إننا كشفنا احنا الاثنين عند أكثر من دكتور وقالوا إن لازمك مواظبة على العلاج لفترة مش محدودة، بس طبعًا سيد الرجال ينطعن في رجولته، لأ ولما استشارت دكتورة وقالت لي إن بسبب العيب الخلقي اللي في وفيق اللي بيخلي نطفة الجنين ضعيفة بمجرد ما بتتخصب وتدخل للرحم مش بتقاوم وبتموت، ومستحيل الحمل يكمل قبل ما سيادتك تعالج، وإن الضرر هيبقى عليا أنا لوحدي مع تكرار الحمل والإجهاض ممكن يؤدي لضعف الرحم عندي ويؤثر على

صحتي، ما كنتش أنانية مني إني أخاف على صحتي لأني كنت متأكدة وقتها الست الوالدة هتقول طلقها ما عادتش تنفع. أخذت موانع حمل بس مش من وراك كنت عارف بكده، وسكتت، بس وسوسة الست الوالدة لازم يكون لك ولاد من صلبك. مين هيشيل اسم باباك، مين هيتمتع باللي بتشقى فيه، مين...

مين... مين...

كنت شخص أناني وظالم، وأنت كنت عارف بكده وما قولتش كفاية إنها ساكتة ومستحملة تلقيح الست الوالدة اللي كل خوفها إن واحدة تسلب ابنها منها وتاخد مكان في قلبه وقتها هتقسيه عليها زي هي ما كانت بتعمل مع باباك وكرهت فيه أمه ويمكن ماتت غضبانة عليه بسبب غباوة وحقد والداتك، كمان وأختك اللي عندها عقدة نقص إنها ما لهاش أهمية وخايفة تبقى منبوذة، كمان واللي أنا كنت بأعامل ولادها بما يرضي الله عمري ما كشرت في وش واحد منهم، كانت بتتباهى أنها معها البنات والبنين وأي وقت عاوزة تخلف هتخلف وتزود العدد، لكن أنا كبرت وخلاص لازم أرضى بالأمر الواقع وأسكت، لأ ومش بس أسكت كمان أوافق وأبارك وأهني على إنك تتجوز من مين؟

ناهد... نظرت فادية لناهد باشمئزاز قائلة: ناهد رنات على رأي صابرين أختي اللي في يوم جت تقول لي مصطفى بيسألني على واحدة اسمها ناهد من البلد عندنا، اتصلت عليه أكثر من مرة وبتسحب معاه كلام حتى في مرة طلبت منه يبعت لها هدية كويسة. ناهد يمكن مش بتخون بجسمها بس الكلمة كمان خيانة. طليقها بنفسه لما عرف إنك هتتجوزها جالي بنفسه وقالي معاه إثبات إنها كانت بتكلم شباب وتطلب منهم هدايا، سواء برفانات غالية، مكياج بماركات أصلية...

حتى دهب. طبعًا كانت بتسليهم بكلامها المعسول وتسلب منهم الهدايا، بس أنا قلت له أنا خلاص ما بقاش وفيق يهمني هو حر في حياته. تهكمت فادية بضحكة ساخرة وهي تنظر لوجوه كل من وفيق، فاروق، ماجدة، سحر، ناهد. وجوههم كأنها أصنام خاوية يشعرون بخزي وضغينة لفادية التي فضحتهم، عدا فاروق كان يشعر بالضياع، انتهى الأمل الواهي الذي كان يظن أنه قارب نجاته.

استنشقت فادية نفسًا عميقًا ثم نظرت لهم نظرة أخيرة وهي تبتسم بانتشاء، اليوم عادت فادية لنفسها واستردت كبرياءها. اشمأزت من النظر لوجههم فخرجت مسرعة من داخل المنزل... تركتهم يواجهون أنفسهم بعيوبهم وخطاياهم اللتان افتضحتهما وعرّتهم ليس فقط أمام أنفسهم بل أمام جميع الأعين التي كانت تغض بصرها عن تلك الخطايا، مواجهة حاسمة لم تنته آثارها بعد.

بينما هي شعرت بزهو، كأنها مركب شراعي قاوم وسط الأمواج ولم يغرق، بل وصل إلى شاطئ النجاة بعد تخبط ومعاناة بين تلك الأمواج العاتية، كهذا كانت فادية تشعر. خرجت سريعًا تشعر بزهوة ونصر. خرجت خلفها صابرين. أثناء سير فادية بالحديقة، نادتها من خلفها صابرين: فادية. توقفت فادية عن السير ونظرت خلفها، رأت صابرين تقترب منها وجهها يبدو عليه الوجوم حتى حين أصبحت أمامها مباشرة، تدمعت عينيها. جذبتها فادية بقوة وضمتها لصدرها ومسدت

على ظهرها قائلة بحنان: بتعيطي ليه يا صابرين؟ لم ترد صابرين. ابتعدت فادية برأسها للخلف لكن ما زالت يديها حول صابرين وتبسمت قائلة: بتعيطي علشاني، بس أنا هأقولك ملهاش لازمة الدموع دي لأني مش زعلانة، بالعكس أنا جوايا فرحة كبيرة، أنا النهارده رديت حقي وزيادة، وحسيت إن حريتي رجعت لي من تاني. تبسمت صابرين قائلة: بصراحة بعد اللي عملتيه أنا نفسي أعمل زيه. تبسمت فادية ومدت يدها لوجه صابرين ومسحت دموعها.

بينما صابرين رفعت بصرها، شعرت بنغزة قوية في قلبها حين رأت هيثم يقف ومعه والدها الذي قال: فادية. استدارت فادية تنظر له تبسمت حين فتح لها ذراعيه. بينما تدمعت عين صابرين وهمست لفادية: تفتكري بابا ممكن يفتح لي دراعته كده لو اتطلقت من عواد. مسحت فادية دموع صابرين قائلة: معتقدش إن عواد ممكن في يوم هيطلقك، والدليل وراكِ أهو بصي كده. استدارت صابرين تنظر خلفها، رأت عواد يقترب من مكان وقوفهن، حتى أنه نادى باسمها.

لكن صابرين عادت تنظر ناحية وقوف والدها تشعر بغصة، بالتأكيد كانت تريده هو أن ينادي عليها وستجري ترتمي بحضنه تبكي فقط. رغم أن فادية تشعر بقلب صابرين الموجوع لكن تبسمت قائلة: عواد خرج وراكِ يمكن خايف إنك تبعدي عنه. بداخلها صابرين تهكمت: عواد يخشى أن تبتعد عنه، هذه كذبة مضحكة. بينما الحقيقة فعلًا عواد لأول مرة يشعر بالرهبة حين خرجت صابرين خلف فادية، شعر برهبة أن تذهب صابرين مع فادية وتتركه، خرج خلفها سريعًا.

قبَّلت فادية وجنتي صابرين ثم ذهبت ناحية وقوف هيثم ووالدها التي ارتمت بحضنه، وعيناها كانت على صابرين. رأى وقوف عواد جوارها، وعلم من نظرة عين عواد المفضوحة أنه أصبح يخشى ابتعاد صابرين عنه. نظرت فادية نحو صابرين وألقت لها قُبلة في الهواء، ثم سارت مغادرة مع هيثم ووالدها الذي أومأ رأسه لعواد دون حديث، لكن نظرته كانت تهديدًا مباشرًا فهمه عواد.

سالم قلبه قبل يديه مفتوح لصابرين، وبلحظة إن لم تذهب هي وترتمي بحضنه سيجذبها هو عنوة لحضنه ويستردها منه. حاد عواد بنظره عن سالم، وبتلقائية منه وضع يديه على كتفي صابرين برسالة مباشرة يخبر سالم أنها ملكه ولن يأخذها منه. بينما سالم بداخله انشرح قلبه من خوف عواد أن تبتعد صابرين عنه. بينما صابرين للحظات نحت عينيها عن النظر نحو مغادرتهم ونظرت لعواد تشعر بضياع.

الذي غص قلبه بشدة حين رأى آثار الدموع على وجه صابرين، ولكن عادت تنظر مرة نحو سير والدها بحسرة، بالتأكيد كانت تريد الذهاب معهم وتتركه ولديها كل الحق. بغرفة غيداء بعد رؤيتها لما حدث دخلت إلى غرفتها. تشعر بالسوء بسبب مواجهة فادية اليوم، وهل سيكون لها تأثير على قرار فادي الذي إلى الآن لم يتصل عليها؟ تشعر بثوران بعقلها كأن الغرفة تدور بها. ماذا ستفعل؟ بكت بحسرة، هي أضاعت نفسها خلف وهم، فاقت وهي تغرق ولا مُنقذ الآن.

باليوم التالي مساءً بمنزل زهران استقبلت تحية فادي وجمال الذي قال: "أنا اتصلت عالحاج فهمي وقولت له إنه عاوزاه في أمر خاص." ابتسمت تحية قائلة: "هو فعلاً هنا في البيت وكان في انتظاركم بس جاله تليفون مهم من ماجد بخصوص الشغل وهو في المكتب مع عواد، ثواني وهيحضر، قلت استقبلكم أنا بنفسي. اتفضلوا لأوضة الصالون." ذهب فادي وجمال إلى غرفة الصالون. بعد لحظات، دخل فهمي يرحب بهم معتذرًا بسبب أمر هام طرأ عليه.

تغاضى جمال وفادي عن ذلك. بعد قليل دخل عواد بفضول منه وجلس معهم. كان الحوار بينهم ودي وهادئ ظاهريًا، بالأخص بين عواد وفادي. اللذان يبغضان بعض، لكل منهم سبب. إلى أن قال فادي: "بصراحة إحنا زيارتنا اليوم كانت بسبب إني بطلب إيد غيداء للجواز مني." عاد عواد بظهره للخلف ثم وضع ساق فوق أخرى وهو ينظر لفادي بتعال وقال برفض: "وإحنا مش موافقين على طلبك... يا فادي." شعر فادي بمغزى رفض عواد أنه استقلال وتعالٍ منه. فشعر بغيظ.

ونهض واقفًا يقول بغطرسة: "بس قرار الرفض مش في صالح عيلة زهران. لإن غيداء حامل، وطلبي الجواز منها النهاردة تقدر تعتبره... شهامة مني."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...