الفصل 43 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
14
كلمة
7,341
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

بأحد الغرف الإدارية بالمشفى، بعد أن تعامل الأمن مع فادي وعواد وحاول فض الشجار الذي كاد يعاود بينهما، بهدوء أخذهم مدير أمن المشفى لإحدى الغرف. تدمعت عين تحية وهي ترى وجه عواد المكدوم بسبب لكمة فادي له، كذلك فادي وجهه مكدوم لكن تنظر له ببغض لو بيدها لكانت أبرحته ضربًا أكثر وأدمت ليس فقط وجهه بل جسده بالكامل حتى تشفى غليلها منه بسبب ابنيها الاثنين "عواد، غيداء".

لكن شفع له بضآلة ذكرى مصطفى الذي فعل فادي كل هذا من أجل القصاص له، أو هكذا فكر عقله وقلبه بناءً على رابط الأخوة التي كانت بينهما. بينما فهمي هو الآخر يود الفتك بفادي الذي استباح القيم والأخلاق وتلاعب بقلب غيداء من أجل انتقام بخس. تحدث فهمي لمدير أمن المشفى قائلًا: "تقدر تطمن ممكن تسيبنا مع بعض خمس دقايق مش أكتر."

نظر مدير أمن المشفى لهم الأربع وتحير أمره خشية عودة الشجار بينهم، لكن بسبب رجاء فهمي له خرج وتركهم بعد تحذير منه أن أي شجار قد ينشب بينهم ستكون عواقبه وخيمة. ظل الصمت لدقائق بالغرفة، العيون هي من تتحدث بين فادي وعواد اللذان بداخلهما أمواج عاصفة، كل منهم يود اقتلاع قلب الآخر. قطع الصمت فهمي قائلًا: "أنا موافق يا فادي على جوازك من غيداء، بس ليا شرط." نظر عواد لفهمي بذهول قائلًا برفض: "بس أنا مستحيل أوافق على...

قاطع فهمي عواد بحزم: "غيداء تبقى بنتي أنا وأنا المسؤول عن أي شيء يخصها وأنا موافق يا عواد." صمت عواد للحظات ثم كاد ينهض تاركًا الغرفة، لكن ساقيه خذلته بذلك الخدر الذي يشعر به، ظل جالسًا، لكن نظر لفادي وتهكم ببسمة ساخرة قائلًا: "معتقدش إن غيداء هتوافق على جوازها من واحد خسيس زي ده معندوش أي أخلاق." تهكم فادي ساخرًا هو الآخر: "وإنت كان عندك أخلاق لما خطفت صابرين من مصطفى أخو...

اغتاظ عواد من قول فادي وود لو ينهض ويعود للتشاجر معه، لكن فادي أكمل: "أنا لغاية دلوقتي مش مصدق كدبة إن مصطفى يبقى... سبقت تحية بالرد: "مصطفى يبقى ابني يا فادي." نظر فادي نحو عواد بنظرة تشفٍ وكاد يتحدث لكن سبقت تحية حديثه قائلة بتأكيد: "مش عواد السبب في موت مصطفى." نظر لها فادي متهكمًا يقول: "ومين السبب في موته، ليه عاوزة تبرأي عواد بأي شكل، كل ده عشان ما يحسش بعذاب ضميره إنه قتل أخوه عشان يخطف مرا...

قطعت لكمة تلقاها فادي من عواد استكمال الكلمة، لكن فصل فهمي سريعًا الشجار بينهم وحاول يلجم فادي الذي يفوقه قوة بمراحل، لكن فادي حاول ألا يفسد الأمر أكثر من ذلك، ربما يغير فهمي قراره ويعود لرفض زواجه من غيداء. كذلك تحية هي الأخرى احتضنت عواد، تشعر بنبضات قلبه الذي يئن بتسارع غاضب بشدة، ونظرت ناحية فادي قائلة: "أنا مش بكذب ولا بجمل اللي حصل عشان عواد ما يحسش بالذنب، فعلًا مش عواد السبب في موت مصطفى، السبب يبقى...

صمتت تحية تبتلع ذلك العلقم بحلقها وهي تنظر ناحية فهمي المتأهب هو الآخر لمعرفة من السبب، وتبدلت نظرته لصدمة وترك لجام فادي حين سمع قول تحية: "السبب في موت مصطفى هي أحلام." ذهل عواد، كذلك فادي! بينما ابتلع فهمي ريقه الذي يشعر أنه جاف مثل الصحراء القاحلة وتحدث بخفوت: "أحلام! ... عرفتي إزاي؟ ... وأيه مصلحتها من قتل مصطفى؟

ابتعد عواد عن حضن تحية وجلس على أحد المقاعد ينظر لها بترقب، لديه يقين عن السبب كره أحلام له منذ طفولته. بينما نظر فادي مندهشًا قائلًا: "ليه هتقتله مصلحتها إيه؟ دي قريبة وأعز صديقات ماما." نظرت تحية نحو عواد بدمعة وأجابت: "أكيد قتلته عشان تقضي على مستقبل عواد، إنه أقل شيء يقضي مدة طويلة في السجن." تهكم فادي وهو ينظر لعواد قائلًا باستهزاء: "واضح إن محدش بيقبلك، بس ده مش سبب مقنع ولو كلامك صحيح تبقى قتلته إزاي؟

نظر فهمي ناحية تحية ينتظر الرد، استجمعت تحية نفسها وقالت: "معرفش هي قتلته إزاي، أنا سمعتها بتهزي إنها هي اللي قتلته." تهكم فادي بنظرة وكاد يتحدث لكن سبقته تحية قائلة بتبرير: "اللي تؤمر الخدمة تحط دوا إجهاض لصابرين في النعناع، معتقدش يبقى صعب عليها تنهي حياة عشان تشفي غليلها من عواد." صعق عواد وهو ينظر لوجه تحية التي أومأت رأسها بدموع تؤكد قولها: "أيوه أحلام هي السبب في إجهاض صابرين." قالت تحية هذا

ونظرت لفادي قائلة بتأكيد: "لو مش مصدقني الخدامة موجودة أسألها، قول لها صابرين كانت آذت أحلام في إيه عشان تسبب إنها تجهض ودمها اللي كان ممكن يتصفى وقتها لو ما كنتش اتصلت على فادية تطلب مساعدتها وبالصدفة رجوع عواد للبيت، أحلام بتكره عواد طول عمرها والسبب كان تافه إننا اتجوزنا مع بعض في ليلة واحدة إن حبلت بسرعة إنما هي اتأخرت كم شهر، وإزاي أخلف ولد قبلها يمكن لو كنت خلفت بنت كان قل غلها شوية."

كذلك فهمي انذهل عقله لكن تبرير تحية حقيقة هو يعلمها سابقًا من معاشرته لأحلام التي كانت دائمًا تود الطمع بكل شيء لتكون هي ليس الأفضل بل الأغنى، كان الطمع بالمال هو غايتها لا السلطة ولا الأفضلية، هي دائمًا ما تقول: "المال يفتح كل الطرق المغلقة، ويجعلك بسهولة تدهس بقدميك على رقبة من يقف قدامك وتحصل على كل ما تريده، حتى السلطة والأفضلية."

نهض عواد يشعر بانهيار داخلي مزود بذلك الألم الجسدي الذي أصبح يشتد لكن يتحامل عليه غصبًا، إلى متى يتحمل لا يعلم، خرج من الغرفة مثل التائه، لكن يعلم أين يذهب إلى من بمجرد رؤية وجهها ينسى ذلك الألم. *** فتحت صابرين عينيها. كل ما سبق قبل أن تفتح عينيها كان كابوس هي للتو استيقظت منه.

اليوم هو زفافها على مصطفى، كعادتها كل صباح حين تصحو تتمطأ قليلًا بفراشها ثم تنهض بتكاسل تخرج من الغرفة نحو الحمام، تغتسل وتتوضأ وتصلي الصبح ثم تحضر فطورها وتذهب بعدها نحو عملها، لكن اليوم مختلف، اليوم هو زفافها تعامل مثل الأميرات، عليها التمتع بذلك الدلال فبعد حمام دافئ عادت إلى غرفتها وجدت فطور خاص بانتظارها في الغرفة، تبسمت بحبور لكن بنفس الوقت ودخلت عليها فادية تحمل طفلة صغيرة، تعجبت كثيرًا وسألتها:

"مين اللي على إيديك دي يا فادية." نظرت فادية للطفلة وقبلت وجنتها قائلة: "دي بنتي." تبسمت صابرين وقبل أن تتحدث دخلت منال بطفلتها إلى الغرفة، للحظات تعجبت صابرين، ونظرت إلى فادية بنظرة فهمتها منها وقالت: "منال صاحبتي وبنتها." تبسمت صابرين لهن، وازدادت بسمتها حين دخلت شهيرة تحمل على يديها صندوق ورقي كبير قائلة:

"الفستان وصل، وزمان البنات بتوع الميكيب على وصول هما كمان خلصي فطورك بسرعة عشان بعد كده هتنشغلي مش هتلاقي وقت للأكل." بعد وقت مساءً، انتهوا الفتيات من تزيين صابرين التي ظهرت مثل الأميرات، دخل إلى الغرفة سالم مبتسمًا بانشراح وقبل جبينها قائلًا: "بسم الله ما شاء الله أميرة." تبسمت فادية قائلة: "ولسه يا بابا لما مصطفى يشوفها هيتهوس بيها رغم أنها تقريبًا حاطة رتوش بسيطة." شعرت صابرين بالخجل. تبسم سالم على خجلها قائلًا

بمدح: "دي هالة ربانية يا فادية." أثنى سالم يده قائلًا باختصار: "أميرتي." وضعت صابرين يدها بين ثنايا يد سالم وخرجت من الغرفة. بعد قليل، تبسمت صابرين وهي تنظر إلى مكان وقوف مصطفى القريب من باب شرفة الغرفة المفتوح لكن تلك الستائر التي تتحرك بنسمات الهوا تعتم الغرفة، تخفي العتمة قليلًا ملامحه. اقتربت صابرين من مكان وقوف مصطفى تقول: "واقف ليه في الضلمة يا مصطفى، الليلة ليلة قمرية والقمر كامل افتح الستاير لنور القمر."

لم يرد عليها مصطفى وهي تقترب منه إلى أن أصبحت خطوة هي الفيصل بينهم، رفع مصطفى يديه وأزاح ذلك الوشاح الأبيض عن وجهها، شعرت صابرين بالخجل وأخفضت وجهها بحياء، لكن مصطفى وضع يده أسفل ذقنها ورفع وجهها رغم ذلك كانت تخفض عينيها، انحنى مصطفى رأسه ولثم شفاها بقبلات ناعمة تزداد شغفًا حين شعر بقبول منها على استحياء، ترك شفاها لتتنفس لكن احتضن جسدها وأزال بيده ذلك الحجاب عن رأسها، وفرد خصلات شعرها التي تطايرت بسبب تلك النسمة القوية التي هبت وأزاحت طرفي الستائر، وتسرب ضوء القمر إلى الغرفة بسبب تلك النسمة أغمضت صابرين عينيها، ثم فتحتها وعادت برأسها للخلف، رفعت وجهها على استحياء تنظر لوجه مصطفى،

لكن نظرت بصدمة قائلة: "إنت مين، وفين مصطفى، إزاي دخلت هنا." لم يجبها فقط ابتسم. ابتعدت عنه صابرين باستهجان تنظر له باستغراب وتوجس، تبحث عن غطاء رأسها، تدور حول نفسها بالغرفة كالتائه، لكن مع هبوب تلك النسمات التي تزيح الستائر، ظهر وجه هذا الشخص بوضوح وهو يقترب من صابرين الحائرة إلى أن اصطدم جسدها بذلك الشخص الذي ضم جسدها هامسًا: "فوقي من الوهم يا صابرين، أنا عواد زهران نصيبك اللي مفيش منه هروب."

دفعته بعيدًا عنها وهرولت نحو باب الغرفة، وضعت يدها على مقبض الباب، لكن كان موصد، شعرت بأنفاس خلفها استدارت لتجد عواد خلفها يرسم بسمة نصر، ابتعدت عنه تهرول بكل مكان بالغرفة، بنهاية كل مكان تصطدم بجسد عواد، أرهقت قواها جلست جاثية على ساقيها بنهجان تشعر بانهزام وامتثال أنها وصلت إلى النهاية.

بالفعل هي النهاية، ضربات قلب عالية يصحبها رجفة قوية بجسدها وتلك الأنابيب والمجسات المغروسة بجسدها تعطي إشارة إنذار خطر، سريعًا كان دخول الأطباء إلى الغرفة. رغم أنها ما زالت لم تفتح عينيها لكن قبل أن تعطي تلك الأجهزة إنذار وقبل أن يرتجف جسدها سمع عواد همسها باسم مصطفى، شعر بشرخ قاسم في قلبه وهو ينظر لوجه صابرين ظن لوهلة أنها عادت لوعيها، لكن لا...

ما زالت سابحة بملكوت خاص ويبدو أن من يشاركها فيه هو مصطفى التي همست باسمه. كذلك سمعت شهيرة أيضًا همس صابرين، للحظة انشرح قلبها أن تكون صابرين فاقت من تلك الغيبوبة. لكن خاب ظن الاثنين وهما يسمعان صوت تلك المجسات، كذلك دخول الأطباء عليهم وطلبهم منهم بمغادرة الغرفة فورًا. خرج الاثنان، كل منهم يشعر بأسى في قلبه. رغم أنها كانت مجرد دقائق، لكن مرت عليهم مثل سنوات من الترقب والانتظار قبل أن يخرج الأطباء من الغرفة.

تلهفت شهيرة حين خرج الطبيب الذي قال بتطمين: اطمنوا، دي ردة فعل طبيعية إحنا بعد إمبارح ما حاول دكتور الإفاقة يفوقها وما استجابتش للإفاقة، قررنا تقليل نسبة المخدر وتقريبًا منعناها وده رد فعل طبيعي من الجسم. دلوقتي الحالة استقرت مرة تانية، وبكده ممكن المريضة تفوق من الغيبوبة بدون ما نحتاج مرة تانية نعمل لها إفاقة مرة تانية، تقدروا تدخلوا لها.

دخلت شهيرة وخلفها عواد إلى الغرفة، نظر نحو صابرين الذي هدأت حركة جسدها، وتذكر همسها باسم مصطفى وما حدث بعدها، ظن أن صابرين ما زالت تكن مشاعر لمصطفى وإلا لما همست باسمه. شعر أن شراع النجاة بينهم تهتك وأصبح لوح خشب لا يتحمل سوى فرد واحد منهم ينجو والآخر يستسلم للغرق بين تلك الأمواج القاصفة. لم يستطع البقاء وخرج من الغرفة جازمًا أمر الانفصال قريبًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بمنزل سالم التهامي. فتحت فادية باب غرفة والداها بهدوء ولم تشعل ضوء الغرفة، تسحبت سيرًا نحو الفراش وجدت سالم ما زال نائمًا، كادت أن تغادر الغرفة لكن قبل أن تغلق باب الغرفة سمعت سالم يقول: أنا مش نايم يا فادية، اعمليلي قهوة. استدارت فادية قائلة: صباح الخير يا بابا هروح أحضر الفطور، حضرتك متعشتش إمبارح. رد سالم: صباح النور، ماليش نفس لأي أكل اعمليلي قهوة على ما أصلي الصبح. بالمطبخ. وضعت فادية القهوة على طاولة

أمام سالم قائلة بشفقة: هتشرب قهوة سادة عالريق كده يا بابا، أجيبلك جنبها بسكوت أو... أشار سالم لها بيده بمعنى لا وجذب فنجان القهوة وبدأ يرتشف منه ببطء، ثم وضعه مرة أخرى على الطاولة. ونظر لفادية التي جلست بالمقابل له بوجه موجوم، شعر بزيادة الأسى بقلبه، تنهد قائلًا: ماما متصلتش عليكِ؟ هزت فادية رأسها بلا تشعر بالأسى قائلة:

لأ أنا عرضت إني أبات ليلة إمبارح بالمستشفى مع صابرين، وهي قالتلي لأ وكمان عشان وجود عواد باستمرار هناك، بصراحة آخر شيء كنت أتوقعه إن عواد يبقى بالشكل ده... ده شبه منهار ورافض يسيب المستشفى. تهكم سالم بوجع نادم بشدة كيف طاوع عقله وترك صابرين تواجهه وحدها من البداية. شعرت فادية بندم والداها وقالت: أنا لغاية دلوقتي مش قادرة أصدق إن مصطفى هو اللي زور تقرير العذرية، كان إيه هدفه من كده. تنهد سالم بألم قائلًا:

هدفه هو قبول صابرين بأي شيء معاه، أكيد كان هيجي يوم وينكشف جوازه من غيرها، فده كان بالنسبة له نقطة ربح يقدر يساوم بها دائمًا صابرين إنها تقبل بجوازه من غير ذم أو شكوى منها. تعجبت فادية من ذلك التبرير، لكن تنهد سالم وهو يرتشف بعض قطرات القهوة، يتذكر. [بالعودة قبل يومين] رغم تأكيد عواد أنه لم يقم بتزوير العذرية، لكن سالم لم يصدقه قائلًا:

هتفضل كداب لحد أمتى وطالما مش إنت اللي زورت التقرير مين اللي زوره، محدش كان مستفيد من كده غيرك، عشان تساوم وتسترد الأرض وإن صابرين ما تقدمش فيك بلاغ مرة تانية بالخطف. رد عواد بإثبات:

الأرض كان سهل عليا أستردها بدون خطف صابرين، أنا معايا مستند تنازل عن الأرض من جدي ليا بعقد رسمي موقع من والدك وعليه شهود وكمان وفيه كعب شيك تمن الأرض اللي دفعه جدي لوالدك وقتها، اللي مش مثبوت في الدفاتر الرسمية هو نقل حيازة الأرض فقط لأني كنت مسافر وقتها بتعالج خارج مصر غير كنت قاصر، وجدي وقتها أجل نقل الحيازة لحد ما أبلغ السن القانوني وهو كده كده كان الوصي على أملاكي، والمستند اللي معايا كان بسهولة ينقل حيازة الأرض ليا بأي وقت.

غير كمان افتكر مش أنا اللي طلبت كشف العذرية من أساسه ولا كان حتى في دماغي إني أشكك في عذرية صابرين. ذهل سالم من الحقيقة وأدار حديث عواد برأسه وتذكر زواج مصطفى بأخرى غير صابرين. إذن الهدف واضح، كسر مصطفى لعين صابرين كي ترضخ وتتقبل زواجه من أخرى دون طلب الانفصال بذلك السبب التي لن تتقبله إلا غصبًا. نظر سالم لعواد قائلًا باستفسار: وطالما كان معاك المستند ده ليه وقتها خطفت صابرين، ليه دخلتها في لعبة قذرة.

صمت عواد للحظات، مما أثار غضب سالم أكثر وكاد يصفعه، قائلًا باختصار: رد يا جبان. أخفض عواد وجهه ثم رفعه ينظر لعين سالم قائلًا: كنت مفكر إني بنتقم منها عشان في يوم اتشفيت في ألمي قدامها. صفعة على وجه عواد كانت الرد من سالم له قائلًا بوعيد: صابرين هترجعلي تاني خلاص أول ما تسترد صحتها هتطلقها.

رغم قرار عواد بالانفصال عن صابرين الذي يؤجله بتردد منه، لكن شعر كأنه صُعق بتيار ساخن محترق يحرق كل جزء بجسده، وأول جزء هو قلبه الذي أصبح مثل قطعة اللهب يذوب بالانصهار بداخله... ألهذا الحد يخشى الانفصال عن صابرين. كاد سالم أن يتحدث، لكن منعه خروج الطبيب من غرفة العمليات. [عودة] عاد سالم حين شعر بيد فادية فوق يده تقول بمواساة: بابا بكلمك مش بترد عليا سرحان في إيه صابرين هتبقى بخير يا بابا. تنهد سالم بأمل قائلًا:

ربنا يشفيها، هقوم أنا أروح المستشفى وأنتِ خليكِ عشان هيثم وكمان صبرية اتصلت عليا بعد الفجر إنها جاية النهارده لازم تكوني هنا ما يصحش ما تلاقيش حد في استقبالها. ردت فادية: حاضر يا بابا أنا هستنى وصول صبرية وهاجي معاها للمستشفى. تنهد سالم وترك فادية التي جلست مرة أخرى على أحد المقاعد تتنهد بأسى تتمنى أن تسمع خبر إفاقة صابرين. بينما خرج سالم من المنزل. أثناء سيره... تصادم سالم مع جمال الذي أوقفه قائلًا:

سالم أنا ما عرفتش إن صابرين عملت حادثة غير إمبارح المسا من صبرية، ورجعت من إسكندرية فورًا، قولي أخبارها إيه؟ نظر سالم لجمال بدمعة بعينيه قائلًا بأسف وحزن: ولادك الاتنين اتشاركوا في قتل بنتي يا جمال.

قال سالم هذا وترك جمال يشعر بوخزات قوية في قلبه، ليته أخبر سالم عن ذلك الاكتشاف الصادم أن من عاش معه واحد وثلاثين عامًا لم يكن من صلبه، الآن فقط فسر سبب قسوة سامية عليه ربما كانت تعلم بذلك وأخفت عنه، عليه التأكد من ذلك وإن صدق حدثه ستكون النهاية. بينما سالم بعد أن ترك جمال شعر بغصة قوية ولام نفسه هو أصبح يعلم حقيقة أن مصطفى ليس ابن أخيه، لكن ربما شعوره بالذنب ناحية صابرين هو ما جعله يقول هذا، أجل هو مذنب.

أذنب حين اعتقد أن ما يفعله مع صابرين من تجاهل كان يعطيها قوة وتحدي كي تتحمل مصاعب الحياة، لكن هو تركها تشعر أنها وحيدة، وهذا لم يكن صحيح كان خلفها في الظل، تركها تضعف بعدما علم من فادية أن صابرين حين علمت بحقيقة بنوة مصطفى لتحية شعرت بالخوف أرادت إخفاء تلك الحقيقة، خشية أن تلام على أنها كانت سبب لصراع الأخوة، رغم أنها تعلم جيدًا أنها ليست السبب لكن هكذا سيظن بها الآخرون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحديقة المشفى. على إحدى الأرائك الرخامية، كان عواد جالسًا ينفث دخان السيجارة. شعر بيد توضع على كتفه، رفع عواد بصره إلى من وضع يده ونفث دخان السيجارة قائلًا: رائف وصلت أمتى؟ جلس رائف لجواره يشعر بالأسى رغم أن عواد يخفي عينيه خلف نظارة شمس لكن نبرة صوته كفيلة بفضح مدى لوعة ذلك الألم النفسي الذي يعيش فيه، ليس فقط ألم نفسي هنالك ألم جسدي أيضًا. تنهد رائف قائلًا:

أنا يا دوب لسه واصل وشوفتك وأنت قاعد هنا وأنا لسه داخل المستشفى، مش شايف ميلا معايا... بعدين إيه اللي مقعدك هنا كده؟ صابرين أخبارها إيه؟ نفث عواد دخان السيجارة بأسى قائلًا: مفيش تقدم لسه في غيبوبة... وعندي إحساس إن صابرين مش عايزة تفوق من الغيبوبة دي، يمكن مرتاحة فيها أكتر. نظر رائف له باستغراب قائلًا بنهر:

اطفي السيجارة اللي في إيدك دي، عشان ما تأذيش ميلا، كفاية السجاير المحروقة اللي مرمية تحت رجلك، وإيه نبرة اليأس اللي بقيت باسمعها منك دي، إنت ما كنتش كده، لازم تفوق لنفسك شوية، فين عواد زهران اللي اتحدى قبل كده العجز ومشى من تاني على رجليه بعد ما كان أشهر الأطباء بيأكدوا إنه صعب بس يقف على رجليه. ألقى عواد عقب السيجارة أرضًا، وزفر نفسه قائلًا بيأس: اتحديت وفي الآخر النتيجة إيه؟

وارد أرجع تاني لنفس البداية، أنا خلاص بقيت حاسس إني بصارع موج أعلى مني ومن تحمُّلي. وهتستسلم؟ هكذا قال رائف، ثم تنهد قائلًا: متأكد صابرين هتخف، لازم تبقى قوي قدامها. تهكم عواد قائلًا بأسف: هتفيدها بإيه قوتي قدامها بعد اللي شافته مني واللي عرفته وكانت مخبياه عني. تعجب رائف قائلًا باستعلام: أنا عارف اللي شافته منك، بس إيه اللي كانت مخبياه عنك. تنهد عواد قائلًا:

زي ما أنت توقعت قبل كده، أحلام هي السبب في إجهاض صابرين، وأنا بغبائي حاولت أخنقها، غير اتهامي ليها إنها هي اللي كانت بتسهل العلاقة بين فادي وغيداء، أكيد كان ليها حق تخفي عليا إن أنا ومصطفى نبقى إخوات. تعجب رائف قائلًا بسؤال: إخوة؟ مصطفى مين؟ سرد عواد ما سمعه من تأكيد والدته لقول ذلك الأحمق فادي، وأنه أخوه هو ومصطفى.

ذُهل رائف وقبل أن يتحدث، تذكر عواد ذلك المظروف الذي كان بسيارة صابرين، وحين سألها عنه ارتبكت وقالت إنه خاص بفادية، وبعدها بدأت تزداد صابرين في تبلُّدها معه، أكانت تلوم نفسها. بينما بنفس الوقت اقتربتا من مكان جلوسهم فادية وصبرية، التي وقفت أمام جلوس عواد قائلة: إزيك يا عواد. رفع عواد رأسه ونظر إليها صامتًا، شعرت صبرية بشفقة على عواد ونظرت إلى رائف قائلة: سيبني مع عواد يا رائف.

نهض رائف يحمل ميلا التي ألقت بنفسها على فادية التي أخذتها منه وهي تنظر له بزجر ولوم، ثم سار الاثنان معًا وتركوا صبرية التي جلست جوار عواد ووضعت يدها على كتفه قائلة: بتحبي صابرين يا عواد، متأكدة إنك النهارده مستعد تسمع وتفهم اللي حصل في الماضي بشكل صحيح غير الغلط اللي اترسخ في دماغك وقتها. بينما سارت فادية جوار رائف ونهرته قائلة: مش عارفة فين دماغك، وبتفكر إزاي، إزاي تجيب طفلة معاك لمستشفى مش خايف عليها.

رغم أن فادية تنهر رائف، لكن تبسم بسماجته قائلًا: كنت هسيبها مع مين، وأنا يا دوب لسه واصل من إسكندرية على هنا. زجرت له فادية قائلة: دايمًا جاهز بالرد، على العموم أنا هدخل أطمن على صابرين ومش هفضل هنا في المستشفى كتير، وهاخد ميلا معايا. همس رائف: وماله خديها أهي حجة أبقى على تواصل بسببها معاكي. لم تنتبه فادية لهمس رائف وقالت بحدة:

بتقول إيه، حتى لو رفضت أنا هاخدها غصب عنك، أنت شخص مستهتر زي ما بيقول عليك عمو صادق، وأهو استهتارك وصل إنك جايب طفلة لمستشفى، وفين عمو صادق. حاول رائف المراوغة قائلًا: لأ أنا هاخد ميلا معايا، عشان أكيد ممكن تتعبك بشقاوتها، وبابا جه معايا بس هو دخل مباشرة لجوه المستشفى وأنا شوفت عواد قاعد في الجنينة روحت له. نظرت فادية بحدة لـ رائف قائلة: لا ما تخافش ميلا معايا مش بتبقى شقية، وبلاش اعتراض لو سمحت.

أخفى رائف بسمته وكاد يعترض، لكن نظرت له فادية بزجر، مما جعله يصمت وهو يومئ رأسه بموافقة، وأشار له بيده، لتسبقه بالسير للدخول إلى مبنى المشفى، غير منتبهين لمن رأى سيرهم معًا، من يراهما من بعيد يظن أنهما زوجين، شعر بغصة قوية تنخر في قلبه. مساءً منزل زهران، غرفة غيداء. وقفت غيداء تقول برفض قاطع: أنا مستحيل أوافق على جواز تاني من فادي حتى لو كان رسمي. انتبهت تحية لقولها قائلة: قصدك إيه بجواز تاني؟

شعرت غيداء بخزي وأخفضت وجهها تبكي بندم قائلة بخفوت: أنا وفادي اتجوزنا عرفي، بس والله أنا ندمت بعدها وكنت قطعت علاقتي بيه، بس لو مش حكاية الحمل، وأنا خلاص قررت أنزل البيبي. انصدمت تحية قائلة: يعني في عقد جواز عرفي معاكي؟ ردت غيداء بخزي: لأ أنا لما... بعد... قصدي... لم تستطع غيداء استكمال جملة فقالت تحية: ركزي وقوليلي فين عقد الجواز العرفي. ركزت غيداء قليلًا قائلة:

بصراحة مش معايا أي عقد، أنا لما فوقت بعد اللي حصل هربت من فادي وحتى كنت والله قطعت علاقتي بيه، بس... قاطعتها تحية قائلة: بس إيه فوقتي متأخر، وطبعًا العقدين مع فادي، يبقى ما فيش حل تاني غير جوازك الرسمي من فادي، فادي بعد اللي عمله، سهل عليه يستندل أكتر ويقدم عقد الجواز العرفي للمحكمة ويثبت بيه إن كان في بينكم جواز. نظرت غيداء بذهول لـ تحية قائلة بندم: قصدك إيه يا ماما، مستحيل المحكمة تعترف بورقتين عرفي.

تحدثت تحية بلوم: ولما أنت عارفة إن صعب المحكمة تعترف بورقتين عرفي ليه ورطتي نفسك الورطة دي، كان فين عقلك، والثقة اللي أنا وبابا وضعناها فيكي وخيبتي أملنا، وخلتيني أكتشف قد إيه أنا كنت مغفلة لما كنت بسيبك تختاري حياتك، لما قولتي أنا هروح إسكندرية وأدخل الجامعة هناك وهاعيش مع ماجد في الفيلا. زادت دموع غيداء قائلة: أنا في الحقيقة كنت بهرب منك يا ماما، دايمًا مُصرة تعامليني على إني طفلة. تهكمت تحية قائلة:

ولما هربتي من تحكمي فيكي كبرتي وبقيتي صبية، أنا يمكن كنت بهتم بيكي زيادة عن اللزوم وكنت بحسسك إنك طفلة، كنت عاوزاكي تعيشي وتستمتعي بحياتك قبل ما تكبري بدري وتتحملي مسئولية أكبر من سنك، تضاعف عمرك، عشان ما تبقيش زيي وتعيشي نفس مأساتي، أنا كنت في سنك كده حامل في عواد وكنت هطلق من جاد، بس أنا ظروفي كانت غير ظروفك.

أنا والدي كان راجل موظف بسيط، ومرتبه على اللي بيطلع له من الكشك أو السوبر ماركت زي ما بنجمل الكلمة، يا دوب بيقضيه مصاريف علاج مراته جنب عيشتهم، حاولت أستغني عن دخول الجامعة عشان أوفر مصاريفي وأقدر أشتغل وأساهم مع بابا في المصاريف، بس هو رفض وأصر إني أدخل الجامعة، كنت بساعده وبقف في السوبر ماركت أوقات الفراغ، عشان هو يطلع على كورنيش إسكندرية يرسم صور للبنات والشباب أو الأهالي يجمع منهم كم جنيه يساعدونا في المصاريف،

حتى لما اتقدملي جاد وافقت وبابا شرط عليه إني أكمل دراستي، بس هو أخل بالشرط ده أول ما اتجوزنا، حاولت أتمرد ووقفت معاه عالطلاق، بس اتراجعت وقتها ماما كانت بالصدفة كمان أو بغلطة بقت حامل في رائف والمصاريف هتتضاعف على بابا، رضخت ورجعت تاني، استحملت كتير استهانة جاد بحالي واتحملت عذاب من شخص كنت بخاف يقرب مني أو بإحدى الغرف الإدارية بالمشفى.

بعد أن تعامل الأمن مع فادي وعواد وحاول فض الشجار الذي كاد يعاود بينهم، بهدوء أخذهم مدير أمن المشفى لإحدى الغرف. تدمعت عين تحية وهي ترى وجه عواد المكدوم بسبب لكمة فادي له، كذلك فادي وجهه مكدوم لكن تنظر له ببُغض لو بيدها لكانت أبرحته ضربًا أكثر وأدمت ليس فقط وجهه بل جسده بالكامل حتى تشفي غليلها منه بسبب ابنيها الاثنين "عواد، غيداء".

لكن شفع له بضآلة ذكرى مصطفى الذي فعل فادي كل هذا من أجل القصاص له، أو هكذا فكر عقله وقلبه بناءً على رابط الأخوة التي كانت بينهم. بينما فهمي هو الآخر يود الفتك بـ فادي الذي استباح القيم والأخلاق وتلاعب بقلب غيداء من أجل انتقام بخيس. تحدث فهمي لـ مدير أمن المشفى قائلًا: تقدر تطمن ممكن تسيبنا مع بعض خمس دقايق مش أكتر.

نظر مدير أمن المشفى لهم الأربع وتحير أمره خشية عودة الشجار بينهم لكن بسبب رجاء فهمي له خرج وتركهم بعد تحذير منه... أن أي شجار قد ينشب بينهم ستكون عواقبه وخيمة. ظل الصمت لدقائق بالغرفة، العيون هي من تتحدث بين فادي وعواد اللذان بداخلهما أمواج عاصفة كل منهم يود اقتلاع قلب الآخر. قطع الصمت فهمي قائلًا: أنا موافق يا فادي على جوازك من غيداء، بس ليا شرط. نظر عواد لـ فهمي بذهول قائلًا برفض: بس أنا مستحيل أوافق على...

قاطع فهمي عواد بحزم: غيداء تبقى بنتي أنا وأنا المسئول عن أي شيء يخصها وأنا موافق يا عواد. صمت عواد للحظات ثم كاد ينهض تاركًا الغرفة، لكن ساقيه خذلته بذلك الخدر الذي يشعر به، ظل جالسًا... لكن نظر لـ فادي وتهكم ببسمة ساخرة قائلًا: ما أعتقدش إن غيداء هتوافق على جوازها من واحد خسيس زي ده ما عندوش أي أخلاق. تهكم فادي ساخرًا هو الآخر: وأنت كان عندك أخلاق لما خطفت صابرين من مصطفى أخو...

اغتاظ عواد من قول فادي ود لو ينهض ويعود للتشاجر معه، لكن فادي أكمل: أنا لغاية دلوقتي مش مصدق كدبة إن مصطفى يبقى... سبقت تحية بالرد: مصطفى يبقى ابني يا فادي. نظر فادي نحو عواد بنظرة تشفي وكاد يتحدث لكن سبقت تحية حديثه قائلة بتأكيد: مش عواد السبب في موت مصطفى. نظر لها فادي متهكمًا يقول: ومين السبب في موته، ليه عاوزة تبرئي عواد بأي شكل، كل ده عشان ما يحسش بعذاب ضميره إنه قتل أخوه عشان يخطف مرا...

قطعت لكمة تلقاها فادي من عواد استكمال الكلمة، لكن فصل فهمي سريعًا الشجار بينهم وحاول يلجم فادي الذي يفوقه قوة بمراحل لكن فادي حاول ألا يفسد الأمر أكثر من ذلك، ربما يغير فهمي قراره ويعود لرفض زواجه من غيداء، كذلك تحية هي الأخرى احتضنت عواد، تشعر بنبضات قلبه الذي يئن بتسارع غاضب بشدة... ونظرت ناحية فادي قائلة: أنا مش بكذب ولا بجمل اللي حصل عشان عواد ما يحسش بالذنب، فعلًا مش عواد السبب في موت مصطفى، السبب يبقى...

صمتت تحية تبتلع ذلك العلقم بحلقها وهي تنظر ناحية فهمي المتأهب هو الآخر لمعرفة من السبب... وتبدلت نظرته لصدمة وترك لجام فادي حين سمع قول تحية: السبب في موت مصطفى هي أحلام. ذُهل عواد، كذلك فادي! بينما ابتلع فهمي ريقه الذي يشعر أنه جاف مثل الصحراء القاحلة وتحدث بخفوت: أحلام! ... عرفتي إزاي؟ ... وإيه مصلحتها من قتل مصطفى؟

ابتعد عواد عن حضن تحية وجلس على أحد المقاعد ينظر لها بترقُّب لديه يقين عن السبب كُره أحلام له منذ طفولته. بينما نظر فادي مندهشًا قائلًا: ليه هتقتله، مصلحتها إيه، دي قريبة وأعز صديقات ماما. نظرت تحية نحو عواد بدمعة وأجابت: أكيد قتلته عشان تقضي على مستقبل عواد، إنه أقل شيء يقضي مدة طويلة في السجن. تهكم فادي وهو ينظر لـ عواد قائلًا باستهزاء: واضح إن ما حدش بيقبلك، بس ده مش سبب مقنع، ولو كلامك صحيح تبقى قتلته إزاي؟

نظر فهمي ناحية تحية ينتظر الرد، استجمعت تحية نفسها وقالت: ما أعرفش هي قتلته إزاي، أنا سمعتها بتهذي إنها هي اللي قتلته. تهكم فادي بنظرة وكاد يتحدث لكن سبقته تحية قائلة بتبرير: اللي تؤمر الخدمة تحط دوا إجهاض لصابرين في النعناع، ما أعتقدش يبقى صعب عليها تنهي حياة عشان تشفي غليلها من عواد. صُعق عواد وهو ينظر لوجه تحية التي أومأت رأسها بدموع تؤكد قولها: "أيوه، أحلام هي السبب في إجهاض صابرين". قالت تحية هذا

ونظرت لفادي قائلة بتأكيد: "لو مش مصدقني، الخدامة موجودة اسألها. قول لها صابرين كانت آذت أحلام في إيه عشان تسبب إنها تجهض، ودمها اللي كان ممكن يتصفى وقتها لو مكنتش اتصلت على فادية تطلب مساعدتها وبالصدفة رجوع عواد للبيت. أحلام بتكره عواد طول عمرها، والسبب كان تافه إننا اتجوزنا مع بعض في ليلة واحدة، إن حبلت بسرعة إنما هي اتأخرت كام شهر. وإزاي أخلف ولد قبلها؟ يمكن لو كنت خلفت بنت كان قل غِلها شوية".

كذلك فهمي انذهل عقله، لكن تبرير تحية حقيقة هو يعلمها سابقًا من معاشرته لأحلام التي كانت دائمًا تود الطمع بكل شيء لتكون هي ليس الأفضل بل الأغنى، كان الطمع بالمال هو غايتها لا السلطة ولا الأفضلية. هي دائمًا ما تقول: "المال يفتح كل الطُرق المُغلقة، ويجعلك بسهولة تدهس بقدميك على رقبة من يقف قدامك وتحصل على كل ما تريده، حتى السلطة والأفضلية".

نهض عواد يشعر بانهيار داخلي مزود بذلك الألم الجسدي الذي أصبح يشتد، لكن يتحامل عليه غصبًا. إلى متى يتحمل لا يعلم. خرج من الغرفة مثل التائه، لكن يعلم أين يذهب، إلى من بمجرد رؤية وجهها ينسى ذلك الألم. *** فتحت صابرين عينيها. كل ما سبق قبل أن تفتح عينيها كان كابوس هي للتو استيقظت منه.

اليوم هو زفافها على مصطفى، كعادتها كل صباح حين تصحو تتمطئ قليلًا بفراشها ثم تنهض بتكاسُل تخرج من الغرفة نحو الحمام، تغتسل وتتوضأ وتصلي الصبح ثم تحضر فطورها وتذهب بعدها نحو عملها، لكن اليوم مختلف، اليوم هو زفافها تُعامل مثل الأميرات، عليها التمتُع بذلك الدلال. فبعد حمام دافئ عادت إلى غرفتها وجدت فطور خاص بانتظارها في الغرفة، تبسمت بحبور، لكن في نفس الوقت دخلت عليها فادية تحمل طفلة صغيرة، تعجبت كثيرًا وسألتها:

"مين اللي على إيديك دي يا فادية؟ نظرت فادية للطفلة وقبلت وجنتها قائلة: "دي بنتي". تبسمت صابرين وقبل أن تتحدث دخلت منال بطفلتها إلى الغرفة، للحظات تعجبت صابرين، ونظرت إلى فادية بنظرة فهمتها منها وقالت: "منال صاحبتي وبنتها". تبسمت صابرين لهن، وازدادت بسمتها حين دخلت شهيرة تحمل على يديها صندوق ورقي كبير قائلة:

"الفستان وصل، وزمان البنات بتوع الميكب على وصول هما كمان، خلصي فطورك بسرعة عشان بعد كده هتنشغلي مش هتلاقي وقت للأكل". بعد وقت مساءً، انتهت الفتيات من تزيين صابرين التي ظهرت مثل الأميرات، دخل إلى الغرفة سالم مُبتسمًا بانشراح وقبل جبينها قائلًا: "بسم الله ما شاء الله أميرة". تبسمت فادية قائلة: "ولسه يا بابا لما مصطفى يشوفها هيتهوس بها رغم أنها تقريبًا حاطة رتوش بسيطة". شعرت صابرين بالخجل. تبسم سالم على خجلها قائلًا

بمدح: "دي هالة ربانية يا فادية". أثنى سالم يده قائلًا باختصار: "أميرتي". وضعت صابرين يدها بين ثنايا يد سالم وخرجت من الغرفة. بعد قليل، تبسمت صابرين وهي تنظر إلى مكان وقوف مصطفى القريب من باب شُرفة الغرفة المفتوح، لكن تلك الستائر التي تتحرك بنسمات الهوا تُعتم الغرفة، تُخفي العتمة قليلًا ملامحه. اقتربت صابرين من مكان وقوف مصطفى تقول: "واقف ليه في الضلمة يا مصطفى؟ الليلة ليلة قمرية والقمر كامل، افتح الستاير لنور القمر".

لم يرد عليها مصطفى وهي تقترب منه إلى أن أصبحت خطوة هي الفيصل بينهم، رفع مصطفى يديه وأزاح ذلك الوشاح الأبيض عن وجهها... شعرت صابرين بالخجل وأخفضت وجهها بحياء، لكن مصطفى وضع يده أسفل ذقنها ورفع وجهها رغم ذلك كانت تُخفض عينيها.

أحنى مصطفى رأسه ولثم شفاها بقُبلات ناعمة تزداد شغف حين شعر بقبول منها على استحياء، ترك شفاها لتتنفس لكن احتضن جسدها وأزال بيده ذلك الحجاب عن رأسها، وفرد خصلات شعرها التي تطايرت بسبب تلك النسمة القوية التي هبت وأزاحت طرفي الستائر، وتسرب ضوء القمر إلى الغرفة بسبب تلك النسمة. أغمضت صابرين عينيها، ثم فتحتها وعادت برأسها للخلف، رفعت وجهها على استحياء تنظر لوجه مصطفى، لكن نظرت بصدمة قائلة: "أنت مين؟ وفين مصطفى؟

إزاي دخلت هنا؟ لم يُجبها فقط ابتسم. ابتعدت عنه صابرين باستهجان تنظر له باستغراب وتوجس، تبحث عن غطاء رأسها، تدور حول نفسها بالغرفة كالتائه، لكن مع هبوب تلك النسمات التي تُزيح الستائر، ظهر وجه هذا الشخص بوضوح وهو يقترب من صابرين الحائرة إلى أن اصطدم جسدها بذلك الشخص الذي ضم جسدها هامسًا: "فوقي من الوهم يا صابرين، أنا عواد زهران نصيبك اللي مفيش منه هروب".

دفعته بعيد عنها وهرولت نحو باب الغرفة، وضعت يدها على مقبض الباب، لكن كان موصد، شعرت بأنفاس خلفها استدارت لتجد عواد خلفها يرسم بسمة نصر، ابتعدت عنه تهرول بكل مكان بالغرفة، بنهاية كل مكان تصطدم بجسد عواد، أُنهكت قواها جلست جاثية على ساقيها بنهجان تشعر بانهزام وامتثال أنها وصلت إلى النهاية. بالفعل هي النهاية، ضربات قلب عالية يصحبها رجفة قوية بجسدها وتلك الأنابيب والمجسات المغروسة بجسدها تُعطي إشارة إنذار خطر...

سريعًا كان دخول الأطباء إلى الغرفة. رغم أنها ما زالت لم تفتح عينيها لكن قبل أن تُعطي تلك الأجهزة إنذار وقبل أن يرتجف جسدها، سمع عواد همسها باسم مصطفى، شعر بشرخ قاسم في قلبِه وهو ينظر لوجه صابرين، ظن لوهلة أنها عادت لوعيها، لكن لا... ما زالت سابحة بملكوت خاص ويبدو أن من يشاركها فيه هو مصطفى التي همست باسمه. كذلك سمعت شهيرة أيضًا همس صابرين، للحظة انشرح قلبها أن تكون صابرين فاقت من تلك الغيبوبة.

لكن خاب ظن الاثنين وهما يسمعان صوت تلك المجسات كذلك دخول الأطباء عليهم وطلبهم منهم بأمر بمغادرة الغرفة فورًا. خرج الاثنان، كل منهم يشعر بأسى في قلبه... رغم أنها كانت مجرد دقائق، لكن مرت عليهم مثل سنوات من الترقُب والانتظار قبل أن يخرج الأطباء من الغرفة. تلهفت شهيرة حين خرج الطبيب، الذي قال بتطمين:

"اطمنوا، دي ردة فعل طبيعية، إحنا بعد إمبارح ما حاول دكتور الإفاقة يفوقها ومستجابتش للإفاقة، قررنا تقليل نسبة المُخدر وتقريبًا منعناها وده رد فعل طبيعي من الجسم... دلوقتِ الحالة استقرت مرة تانية، وبكده ممكن المريضة تفوق من الغيبوبة بدون ما نحتاج مرة تانية نعمل لها إفاقة مرة تانية، تقدروا تدخلوا لها".

دخلت شهيرة وخلفها عواد إلى الغرفة، نظر نحو صابرين، التي هدأت حركة جسدها، وتذكر همسها باسم مصطفى وما حدث بعدها، ظن أن صابرين ما زالت تكن مشاعر لمصطفى وإلا لما همست باسمه. شعر أن شراع النجاة بينهم تهتك وأصبح لوح خشب لا يتحمل سوى فرد واحد منهم ينجو والآخر يستسلم للغرق بين تلك الأمواج القاصفة. لم يستطع البقاء وخرج من الغرفة جازمًا أمر الانفصال قريبًا. *** بمنزل سالم التهامي.

فتحت فادية باب غرفة والداها بهدوء ولم تُشعل ضوء الغرفة، تسحبت سيرًا نحو الفراش وجدت سالم ما زال نائمًا، كادت أن تُغادر الغرفة لكن قبل أن تغلق باب الغرفة سمعت سالم يقول: "أنا مش نايم يا فادية، اعمليلي قهوة". استدارت فادية قائلة: "صباح الخير يا بابا، هروح أحضر الفطور، حضرتك متعشتش إمبارح". رد سالم: "صباح النور، ماليش نفس لأي أكل، اعمليلي قهوة على ما أصلي الصبح". بالمطبخ، وضعت فادية القهوة على طاولة

أمام سالم قائلة بشفقة: "هتشرب قهوة سادة عالريق كده يا بابا؟ أجيبلك جنبها بسكوت أو... أشار سالم لها بيده بمعنى لا وجذب فنجان القهوة وبدأ يرتشف منه ببطئ، ثم وضعه مرة أخرى الطاولة، ونظر لفادية التي جلست بالمقابل له بوجه موجوم، شعر بزيادة الأسى بقلبه، تنهد قائلًا: "ماما متصلتش عليكِ؟ هزت فادية رأسها بلا تشعر بالأسى قائلة:

"لأ، أنا عرضت إني أبات ليلة إمبارح بالمستشفى مع صابرين، وهي قالت لي لأ وكمان عشان وجود عواد باستمرار هناك، بصراحة آخر شيء كنت أتوقعه إن عواد يبقى بالشكل ده... ده شبه مُنهار ورافض يسيب المستشفى". تهكم سالم بوجع نادم بشدة كيف طاوع عقلِه وترك صابرين تواجهه وحدها من البداية. شعرت فادية بندم والداها وقالت: "أنا لغاية دلوقتي مش قادرة أصدق إن مصطفى هو اللي زور تقرير العذرية، كان إيه هدفه من كده؟ تنهد سالم بألم قائلًا:

"هدفه هو قبول صابرين بأي شيء معاه، أكيد كان هيجي يوم وينكشف جوازه من غيرها فده كان بالنسبة له نقطة ربح يقدر يساوم بها دائمًا صابرين إنها تقبل بجوازه من غير ذم أو شكوى منها". تعجبت فادية من ذلك التبرير، لكن تنهد سالم وهو يرتشف بعض قطرات القهوة يتذكر: [بالعودة قبل يومين] رغم تأكيد عواد أنه لم يقُم بتزوير العذرية، لكن سالم لم يُصدقْه قائلًا: "هتفضل كداب لحد أمتى؟ وطالما مش أنت اللي زورت التقرير مين اللي زوره؟

محدش كان مستفيد من كده غيرك، عشان تساوم تسترد الأرض، وإن صابرين متقدمش فيك بلاغ مرة تانية بالخطف". رد عواد بإثبات:

"الأرض كان سهل عليا أستردها بدون خطف صابرين، أنا معايا مستند تنازل عن الأرض من جدي ليا بعقد رسمي موقع من والدك وعليه شهود وكمان وفيه كعب شيك تمن الأرض اللي دفعه جدي لوالدك وقتها، اللي مش مثبوت في الدفاتر الرسمية هو نقل حيازة الأرض فقط لأني كنت مسافر وقتها بتعالج خارج مصر غير كنت قاصر، وجدي وقتها أجل نقل الحيازة لحد ما أبلغ السن القانوني وهو كده كده كان الوصي على أملاكي، والمستند اللي معايا كان بسهولة ينقل حيازة الأرض ليا بأي وقت.

غير كمان، افتكر مش أنا اللي طلبت كشف العذرية من أساسه ولا كان حتى في دماغي إني أشكك في عذرية صابرين". ذُهل سالم من الحقيقة وأدار حديث عواد برأسه وتذكر زواج مصطفى بأخرى غير صابرين. إذن الهدف واضح، كسر مصطفى لعين صابرين كي ترضخ وتتقبل زواجه من أخرى دون طلب الانفصال بذلك السبب التي لن تتقبله إلا غصبًا. نظر سالم لعواد قائلًا باستفسار: "وطالما كان معاك المستند ده ليه وقتها خطفت صابرين؟ ليه دخلتها في لعبة قذرة؟

صمت عواد للحظات، مما أثار غضب سالم أكثر وكاد يصفعه، قائلًا باختصار: "رُد يا جبان". أخفض عواد وجهه ثم رفعه ينظر لعين سالم قائلًا: "كنت مفكر إني بنتقم منها عشان في يوم اتشفيت في ألمي قدامها". صفعة على وجه عواد كانت الرد من سالم له قائلًا بوعيد: "صابرين هترجعلي تاني خلاص، أول ما تسترد صحتها هتطلقها".

رغم قرار عواد بالانفصال عن صابرين الذي يؤجله بتردد منه، لكن شعر كأنه صُعق بتيار ساخن مُحترق يحرق كل جزء بجسده، وأول جزء هو قلبه الذي أصبح مثل قطعة اللهب يذوب بالانصهار بداخله... ألهذا الحد يخشى الانفصال عن صابرين؟ كاد سالم أن يتحدث، لكن منعه خروج الطبيب من غرفة العمليات. عاد سالم حين شعر بيد فادية فوق يده، تقول بمواساة: بابا بكلمك مش بترد عليا، سرحان في إيه؟ صابرين هتبقى بخير يا بابا. تنهد سالم بأمل قائلًا:

ربنا يشفيها، هقوم أنا أروح المستشفى وأنتِ خليكِ عشان هيثم، وكمان صبرية اتصلت عليا بعد الفجر إنها جاية النهارده، لازم تكوني هنا ميصحش متلاقيش حد في استقبالها. ردت فادية: حاضر يا بابا، أنا هستنى وصول صبرية وهاجي معاها للمستشفى. تنهد سالم وترك فادية التي جلست مرة أخرى على أحد المقاعد تتنهد بأسى، تتمنى أن تسمع خبر إفاقة صابرين. بينما خرج سالم من المنزل. أثناء سيره تصادم سالم مع جمال الذي أوقفه قائلًا:

سالم أنا معرفتش إن صابرين عملت حادثة غير إمبارح المسا من صبرية، ورجعت من إسكندرية فورًا، قولي أخبارها إيه؟ نظر سالم لجمال بدمعة بعينيه قائلًا بأسف وحزن: ولادك الاثنين اتشاركوا في قتل بنتي يا جمال.

قال سالم هذا وترك جمال يشعر بوخزات قوية في قلبه، ليته أخبر سالم عن ذلك الاكتشاف الصادم أن من عاش معه واحد وثلاثون عامًا لم يكن من صلبه، الآن فقط فسر سبب قسوة سامية عليه، ربما كانت تعلم بذلك وأخفت عنه، عليه التأكد من ذلك وإن صدق حدسه ستكون النهاية. بينما سالم بعد أن ترك جمال شعر بغصة قوية ولام نفسه، هو أصبح يعلم حقيقة أن مصطفى ليس ابن أخيه، لكن ربما شعوره بالذنب ناحية صابرين هو ما جعله يقول هذا، أجل هو مذنب.

أذنب حين اعتقد أن ما يفعله مع صابرين من تجاهل كان يعطيها قوة وتحدي كي تتحمل مصاعب الحياة، لكن هو تركها تشعر أنها وحيدة، وهذا لم يكن صحيحًا، كان خلفها في الظل. تركها تتضعف بعدما علم من فادية أن صابرين حين علمت بحقيقة بنوة مصطفى لتحية شعرت بالخوف، أرادت إخفاء تلك الحقيقة، خشية أن تلام على أنها كانت سبب لصراع الإخوة، رغم أنها تعلم جيدًا أنها ليست السبب لكن هكذا سيظن بها الآخرون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحديقة المشفى على إحدى الأرائك الرخامية، كان عواد جالسًا ينفث دخان السيجارة. شعر بيد توضع على كتفه، رفع عواد بصره إلى من وضع يده ونفث دخان السيجارة قائلًا: رائف وصلت أمتى؟ جلس رائف لجواره يشعر بالأسى، رغم أن عواد يخفي عينيه خلف نظارة شمس لكن نبرة صوته كفيلة بفضح مدى لوعة ذلك الألم النفسي الذي يعيش فيه، ليس فقط ألم نفسي هنالك ألم جسدي أيضًا. تنهد رائف قائلًا:

أنا يا دوب لسه واصل وشوفتك وأنت قاعد هنا وأنا لسه داخل المستشفى، مش شايف ميلا معايا... بعدين إيه اللي مقعدك هنا كده؟ صابرين أخبارها إيه؟ نفث عواد دخان السيجارة بأسى قائلًا: مفيش تقدم لسه في غيبوبة... وعندي إحساس إن صابرين مش عاوزة تفوق من الغيبوبة دي، يمكن مرتاحة فيها أكتر. نظر رائف له باستغراب قائلًا بنهر:

اطفي السيجارة اللي في إيدك دي، عشان متأذيش ميلا، كفاية السجاير المحروقة اللي مرمية تحت رجلك، وإيه نبرة اليأس اللي بقيت بسمعها منك دي، أنت مكنتش كده، لازم تفوق لنفسك شوية، فين عواد زهران اللي اتحدى قبل كده العجز ومشى من تاني على رجليه بعد ما كان أشهر الأطباء بيأكدوا إنه صعب بس يقف على رجليه. ألقى عواد عقب السيجارة أرضًا وزفر نفسه قائلًا بيأس: اتحديت وفي الآخر النتيجة إيه؟

وارد أرجع تاني لنفس البداية، أنا خلاص بقيت حاسس إني بصارع موج أعلى مني ومن تحمُّلي. وهتستسلم؟ هكذا قال رائف ثم تنهد قائلًا: متأكد صابرين هتخف، لازم تبقى قوي قدامها. تهكم عواد قائلًا بأسف: هتفيدها بإيه قوتي قدامها بعد اللي شافته مني واللي عرفته وكانت مخبياه عني. تعجب رائف قائلًا باستعلام: أنا عارف اللي شافته منك، بس إيه اللي كانت مخبياه عنك. تنهد عواد قائلًا:

زي ما أنت توقعت قبل كده، أحلام هي السبب في إجهاض صابرين، وأنا بغبائي حاولت أخنقها، غير اتهامي ليها إنها هي اللي كانت بتسهل العلاقة بين فادي وغيداء، أكيد كان ليها حق تخفي عليا إن أنا ومصطفى نبقى إخوات. تعجب رائف قائلًا بسؤال: إخوة؟ مصطفى مين؟ سرد عواد ما سمعه من تأكيد والداته لقول ذلك الأحمق فادي، وأنه أخوه هو ومصطفى.

ذُهل رائف وقبل أن يتحدث تذكر عواد ذلك المظروف الذي كان بسيارة صابرين وحين سألها عنه ارتبكت وقالت إنه خاص بفادية، وبعدها بدأت تزداد صابرين في تبلدها معه، أكانت تلوم نفسها. بينما بنفس الوقت اقتربتا من مكان جلوسهم فادية وصبرية، التي وقفت أمام جلوس عواد قائلة: إزيك يا عواد. رفع عواد رأسه ونظر إليها صامتًا، شعرت صبرية بشفقة على عواد ونظرت إلى رائف قائلة: سيبني مع عواد يا رائف.

نهض رائف يحمل ميلا التي ألقت بنفسها على فادية التي أخذتها منه وهي تنظر له بزجر ولوم، ثم سار الاثنان معًا وتركوا صبرية التي جلست جوار عواد ووضعت يدها على كتفه قائلة: بتحب صابرين يا عواد؟ متأكدة إنك النهارده مستعد تسمع وتفهم اللي حصل في الماضي بشكل صحيح غير الغلط اللي اترسخ في دماغك وقتها. بينما سارت فادية جوار رائف ونهرته قائلة: مش عارفة فين دماغك، وبتفكر إزاي، إزاي تجيب طفلة معاك لمستشفى مش خايفة عليها.

رغم أن فادية تنهر رائف لكن تبسم بسماجته قائلًا: كنت هسيبها مع مين؟ وأنا يا دوب لسه واصل من إسكندرية على هنا. زجرت له فادية قائلة: دايمًا جاهز بالرد، عالعموم أنا هدخل أطمن على صابرين ومش هفضل هنا في المستشفى كتير، وهاخد ميلا معايا. همس رائف: وماله خديها، أهي حجة أبقى على تواصل بسببها معاكِ. لم تنتبه فادية لهمس رائف وقالت بحدة: بتقول إيه؟

حتى لو رفضت أنا هاخدها غصب عنك، أنت شخص مستهتر زي ما بيقول عليك عمو صادق، وأهو استهتارك وصل أنك جايب طفلة لمستشفى، وفين عمو صادق؟ حاول رائف المراوغة قائلًا: لأ أنا هاخد ميلا معايا، عشان أكيد ممكن تتعبك بشقاوتها، وبابا جه معايا بس هو دخل مباشرة لجوه المستشفى وأنا شوفت عواد قاعد في الجنينة روحت له. نظرت فادية بحدة لرائف قائلة: لا متخافش ميلا معايا مش بتبقى شقية، وبلاش اعتراض لو سمحت.

أخفى رائف بسمته وكاد يعترض، لكن نظرت له فادية بزجر، مما جعله يصمت وهو يومئ رأسه بموافقة، وأشار له بيده، لتسبقه بالسير للدخول إلى مبنى المشفى، غير منتبهين لمن رأى سيرهم معًا من يراهما من بعيد يظن أنهم زوجين، شعر بغصة قوية تنخر في قلبه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساءً منزل زهران، غرفة غيداء. وقفت غيداء تقول برفض قاطع: أنا مستحيل أوافق على جواز تاني من فادي حتى لو كان رسمي. انتبهت تحية لقولها قائلة:

قصدك إيه بجواز تاني؟ شعرت غيداء بخزي وأخفضت وجهها تبكي بندم قائلة بخفوت: أنا وفادي اتجوزنا عرفي، بس والله أنا ندمت بعدها وكنت قطعت علاقتي بيه، بس لولا حكاية الحمل، وأنا خلاص قررت أنزل البيبي. انصدمت تحية قائلة: يعني في عقد جواز عرفي معاكِ؟ ردت غيداء بخزي: لأ أنا لما... بعد... قصدي... لم تستطع غيداء استكمال جملة فقالت تحية: ركزي وقوليلي فين عقد الجواز العرفي. ركزت غيداء قليلًا قائلة:

بصراحة مش معايا أي عقد، أنا لما فوقت بعد اللي حصل هربت من فادي وحتى كنت والله قطعت علاقتي بيه، بس... قاطعتها تحية قائلة: بس إيه فوقتي متأخر، وطبعًا العقدين مع فادي، يبقى مفيش حل تاني غير جوازك الرسمي من فادي، فادي بعد اللي عمله، سهل عليه يستندل أكتر ويقدم عقد الجواز العرفي للمحكمة ويثبت بيه أن كان في بينكم جواز. نظرت غيداء بذهول لتحية قائلة بندم: قصدك إيه يا ماما؟ مستحيل المحكمة تعترف بورقتين عرفي. تحدثت تحية بلوم:

ولما أنتِ عارفة إن صعب المحكمة تعترف بورقتين عرفي ليه ورطتي نفسك الورطة دي؟ كان فين عقلك؟ والثقة اللي أنا وبابا وضعناها فيكِ وخيبتي أملنا، وخلتيني أكتشف قد إيه أنا كنت مغفلة لما كنت بسيبك تختاري حياتك، لما قولتي أنا هروح إسكندرية وأدخل الجامعة هناك وهعيش مع ماجد في الفيلا. زادت دموع غيداء قائلة: أنا في الحقيقة كنت بهرب منك يا ماما، دائمًا مصرة تعامليني على إني طفلة. تهكمت تحية قائلة:

ولما هربتي من تحكمي فيكِ كبرتي وبقيتي صبية؟ أنا يمكن كنت بهتم بيكِ زيادة عن اللزوم وكنت بحسسك إنك طفلة، كنت عاوزاكِ تعيشي وتستمتعي بحياتك قبل ما تكبري بدري وتتحملي مسئولية أكبر من سنك، تضاعف عمرك، عشان متبقيش زيي وتعيشي نفس مأساتي، أنا كنت في سنك كده حامل في عواد وكنت هتطلق من جاد، بس أنا ظروفي كانت غير ظروفك.

أنا والدي كان راجل موظف بسيط، ومرتبه على اللي بيطلع له من الكشك أو السوبر ماركت زي ما بنجمل الكلمة، يا دوب بيقضيه مصاريف علاج مراته جنب عيشتهم، حاولت أستغني عن دخول الجامعة عشان أوفر مصاريفي وأقدر أشتغل وأساهم مع بابا في المصاريف، بس هو رفض وأصر إني أدخل الجامعة، كنت بساعده وبقف في السوبر ماركت أوقات الفراغ، عشان هو يطلع على كورنيش إسكندرية يرسم صور للبنات والشباب أو الأهالي يجمع منهم كم جنيه يساعدونا في المصاريف،

حتى لما اتقدملي جاد وافقت وبابا شرط عليه إني أكمل دراستي، بس هو أخل بالشرط ده أول ما اتجوزنا، حاولت أتمرد ووقفت معاه عالطلاق، بس اتراجعت وقتها ماما كانت بالصدفة كمان أو بغلطة بقت حامل في رائف والمصاريف هتتضاعف على بابا، رضخت ورجعت تاني، استحملت كتير استهانة جاد بحالي واستحملت عذاب من شخص كنت بخاف يقرب مني أو يلمسني، عشان عواد يعيش كويس استحملت كتير إهانات، لكن أنتِ ظروفك كانت أفضل مني كنتِ تقدري تقولي لأ لأي شيء يقلل

منك مهما كان قيمته، محدش بيموت بسبب ضياع حب....

لكن في حب بيكون هو سبب الضياع، وأنتِ اخترتي الضياع وبقى فرض عليكِ القبول.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...