الفصل 48 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
16
كلمة
4,205
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

بعد مرور أسبوع. صباحًا. بالإسكندرية، بشقة فادي. خرجت غيداء من غرفة النوم الأخرى ترتدي ثياب خروج، لكن قبلها وضعت يدها على بطنها ببسمة، هي جائعة. سابقًا كانت قليلًا ما تتناول وجبة الفطور، لكن أصبحت بشهية شرهة في الآونة الأخيرة. توجهت ناحية المطبخ، لم تتفاجأ حين رأت فادي الذي ما زال بملابس منزلية عبارة عن سروال قصير وفوقه تي شيرت دون أكمام. تلك الملابس تبرز قوامه الضخم المتناسق، لامت نفسها على هذا الشعور بالإعجاب.

بينما فادي كان يقوم بتحضير الفطور لنفسه كعادته كل صباح منذ أن عادا إلى الإسكندرية بعد ثلاث ليالٍ فقط قضوها بالبلدة. اختارت غيداء الانزواء عنه بغرفة أخرى بسبب ذلك الحديث بينهم مقتضب ومختصر، رغم ذلك يحاول فادي أن يتمالك أعصابه ومضطرًا يعطيها عذرًا. هو من بدأ بلعبة انتقام خسر فيها هو الآخر، بل هو بالأكثر ويبدو أنه يجني هجر مقابل الغدر.

بينما غيداء بالحقيقة تعاقب نفسها مثله تمامًا، هي الأخرى أخطأت ولكل خطأ ثمن يساوي فداحته. كذبة تفرضها عليه حقيقتها برحمها، جنين يتكون لا تعلم كيف ستواجه معه الحياة فيما بعد، ربما تكون وحدها. زواجها من فادي مجرد واجهة لتصحيح صورتها هي في أعين الناس، كذلك حتى لا يوصم طفلها بابن الخطيئة. هي على يقين أنه كذلك بالفعل، لكن هو لا ذنب له أن يحمل على عاتقه خطيئة غيره. فعلها بلحظة ضعف وانسياق خلف موجة عالية، وجب أن يأتي بغطاء زواج شرعي مُعلن، حتى لو لم يدوم هذا الزواج سوى وقت قصير.

رغم أن فادي يقف أمام الموقد يعد بعض الطعام، لكن شعر بوقوف غيداء على عتبة المطبخ رغم أنه يعطيها ظهره، لكن قال بود: "صباح الخير، تحبي أجهزلك فطور معايا، ولا هتقولي زي كل يوم مش جعانة، ويادوب أخرج من المطبخ وتدخلي تاكلي؟ أنا بقول خلينا نفطر مع بعض زي أي اتنين متجوزين، مفاتش على جوازهم أربعين يوم، يعني المفروض لسه في شهر العسل." تهكمت غيداء بمرارة قائلة: "عسل؟ لأ أنا مش جعانة."

قالت غيداء هذا واستدارت بوجهها وكادت تبتعد عن المطبخ، لكن فادي ترك ما بيده وسريعًا قطع تلك الخطوات القليلة وقبض بيده على عضد إحدى يديها قائلًا بنبرة رجاء: "غيداء، بلاش طريقتك دي وخلينا نقعد نفطر سوا زي أي زوجين." ما زالت نبرة التهكم المرة هي ردة فعلها، لكن زاد دمعة توقفت بين أهدابها. لاحظها فادي الذي غص قلبه، ألا يكفيه هذا العقاب القاسي الذي ناله بطلاق والديه ليلة زواجه؟

كذلك مصطفى الذي كان بمثابة أكثر من أخ له، يفوق على حقيقة قاسية أنه لم يجمعهم أخوة دم واحد. فاق من غفلة الانتقام على قسوة الحقائق التي أضاعت منه حب غيداء البريء.

لكن ربما تعطي الحياة فرص أخرى، والشخص الذكي هو الذي يستغلها. وهو رغم فداحة ما فعلته غيداء حين أجهضت ذلك الجنين، لكن اعترف أن هذا من ضمن الجزاء الذي فعله معها. حقًا قهر في قلبه، لكن هو من بدأ بالخطأ بحقها حين فضحها أمام عائلتها، كان يستطيع إخفاء تلك الخطيئة بينهما الاثنين فقط، لكن هو توغل الحقد في قلبه لدرجة أنه لم يستوعب أنه لم يكتسب من ذلك سوى ظهور حقيقة مصطفى الذي لم يتفرق الأخوة فقط بالموت بل تفرقا أيضًا في النسب، كل منهم ينتسب لدم آخر.

عاد قوله برجاء: "غيداء أرجوكي، خلينا نفطر سوا، دي الوجبة الوحيدة اللي باكلها في الشقة واللي بفضل عليها تقريبًا طول اليوم." تهكمت غيداء وهي تنظر بتمعن لجسد فادي الضخم. تبسم فادي قائلًا بمزاح: "عارف مش هتصدقي، طبعًا من شكل جسمي يقول عليا إني مصعور وباكل ست سبع مرات في اليوم، بس الحقيقة إني هما وجبتين بس اللي باكلهم في اليوم، فطور وعشا. أنا بنيان جسمي ضخم من الأساس يمكن وراثة، قالولي إن جدي لماما كان جسمه ضخم."

ضحكت غيداء بخفوت، كم شرحت تلك الضحكة قلب فادي. وجذبها من عضد يدها تسير معه إلى تلك الطاولة الصغيرة الموضوعة بالمطبخ، وجذب أحد المقاعد. استجابت غيداء وجلست على ذلك المقعد، بينما فادي عاود الوقوف أمام الموقد ثم بدأ في وضع بعض الأطباق على الطاولة. لا تنكر غيداء شعورها بالجوع ومدت يدها وبدأت تستلذ بالطعام ذو المذاق الجيد.

انشرح قلب فادي وهو يرى غيداء تتناول الطعام، حقًا كانت تأكل صامتة، لكن هو قطع ذلك الصمت حين أخرج من جيب سرواله رزمة مالية ووضعها أمام إحدى يدي غيداء التي توقفت عن الطعام ونظرت للمال قائلة باستفسار: "إيه الفلوس دي؟ رد فادي: "دي فلوس المرتب بتاع الشهر ده." استغربت غيداء قائلة: "طب وحاططها قدامي ليه؟ مسك فادي يد غيداء قائلًا:

"غيداء أنا عارف إنك كنت عايشة بمستوى أفضل قبل كده، وإن المرتب اللي قدامك ده ممكن يكون بالنسبة ليكي مبلغ تافه." سحبت غيداء يدها من يد فادي بغضب قائلة بضجر: "غلطان فعلًا، أنا بنت عيلة زهران بس أنا ماما ربتني على القناعة وإني مش لازم دايمًا أتصرف ببذخ، عارف ليه؟

لأنها مرة لما سألتها قالتلي محدش عارف النصيب فيه إيه ولازم تكوني جاهزة وعندك قناعة باللي ربنا عطاه ليكي، يمكن انت أفضل من غيرك. ولو كنت فكرت من البداية لو فاكر كان عندي عربية خاصة بسواق عشان توصلني للجامعة أو أي مكان، بس أنا حبيت الموتوسيكل بتاعك اللي ميجيش تمن فردة كاوتش واحدة للعربية، كنت بحس بحرية وراحة وأنا راكبة عليه وراك. لكن انت إزاي تحس بكده وانت كنت واخدني لعبة تنتقم بها."

قالت غيداء هذا ونهضت من خلف طاولة الطعام وتركت فادي وحده بالمطبخ يلعن غباؤه المستمر. حديثها كان حقًا، غيداء كان دائمًا يرى منها البساطة في كل شيء. زفر نفسه بغضب لا يعلم لمَ كلما جاءت فرصة للتفاهم بينهم يضيعها بغباء منه. بفيلا زهران، بغرفة صابرين.

وقفت أمام المرآة تعدل هندام ثيابها، زفرت نفسها بسأم تشعر بفتور يزداد مع الوقت. هي فقط تريد أن يمضي الوقت ويأتي المساء حتى تمتثل للنوم بعد سهد، تغفو لأوقات قليلة تشعر بأرق، تحاول إضاعة وقتها تذهب إلى العمل بفتور ليس كالسابق، تشعر أن كل شيء فقد مذاقه منذ سفر عواد. ذلك الوغد الذي منذ أسبوع لم يرسل لها حتى رسالة فارغة. نظرت ليدها اليسرى إلى بنصرها الخالي من خاتم الزواج التي أصبحت على يقين أن عواد هو من سلّه من إصبعها. ذلك الوغد المختال ماذا يظن نفسه أنها ستفرض نفسها عليه غصبًا؟

قبل أيام كانت تود البوح له بأنها أصبحت تنجرف ببحر عشقه، لكن مع الوقت أصبحت تتيقن أن مشاعرها من اتجاه واحد. حين خيرها عواد بالطلاق قبل أن يغادر إلى لندن. تذكرت حديثه تشعر بمرارة، هو وضعها أمام اختيار صعب، أن لا تختار إلا كبريائها الذي كان مهدورًا دائمًا. [فلاش باك] بداية ليلة سفر عواد، بغرفة مكتبه. كان هنالك اجتماع رباعي مع رائف وماجد والمحامي الخاص به.

وضع توقيعه على بعض الأوراق الموضوعة بملف ثم رفع يده بالملف ناحية المحامي قائلًا: "ده تنازل مني عن نص أملاكي لـ... صمت قليلًا يشعر بوخز في قلبه ما زال داخله يشعر بالندم وعدم تقبل تلك الحقيقة المؤسفة بالنسبة التي تأكدت بالبرهان القاطع، ابتلع ريقه ثم أكمل: "لبنت مصطفى، وكمان تنازل مني الجزء الباقي من أملاكي في مصر لصابرين مراتي." تفاجأ رائف وبالأكثر ماجد وكاد يتساءل لكن سبقه عواد قائلًا: "الشهود رائف وماجد."

ما زال ماجد مستغربًا لكن صمت أمام المحامي الذي وجه لهم الملف للتوقيع عليه رغم استغراب ماجد وتفاجؤ رائف لكن قاما بالتوقيع كشاهدين. بمجرد أن وقع رائف وماجد نهض المحامي قائلًا:

"حكم نسب طفلة مصطفى إن شاء الله سهل، بعد ما قدمنا نتيجة تحليل البصمة الوراثية، غير شهادة السيد جمال زهران سهلت علينا الموضوع وبقى حكم المحكمة مضمون هى مسألة وقت فقط. بس للأسف الشخص اللي قام بتبديل الطفلين قبل كده نفد من عقاب المحكمة بسبب تقادم. إن شاء بمجرد ما المحكمة تحكم بنسب طفلة مصطفى لفرد من عيلة زهران، هبدأ تحويل كل الأملاك دي باسمها، وكمان هوضع السيد فهمي زهران كوصي عليها بناءً على رغبتك عدم ولاية الوصاية عليها."

لم ينهض عواد للمحامي فقط أومأ له برأسه، بينما نهض ماجد وصاحب المحامي إلى أن خرج من المنزل، بينما ظل رائف مع عواد. ينظر لعواد الذي استشف الفضول في معرفة لمَ فعل ذلك من نظرات رائف لكن ادعى عدم الانتباه، إلى أن تحدث رائف باستفسار: "ليه كتبت بقية أملاكك لصابرين؟ عواد أنا ليه حاسس إنك يائس." فسر عواد ذلك قائلًا:

"مش حكاية يأس تقدر تقول تحسبًا، محدش عارف إيه اللي هيحصل بكرة مش يمكن مطلعش من أوضة العمليات، مش كل مرة أنا اللي هفوز بتحدي القدر." نظر رائف له قائلًا: "تفائلوا بالخير تجدوه وبعدين انت مش ناوي تفاتح صابرين في سبب سفرك الحقيقي للندن بكرة." جذب عواد علبة السجائر والقداحة وأشعل إحدى تلك السجائر ونفث دخانها قائلًا بألم في قلبه صامتًا. بينما تنهد رائف بتحفيز قائلًا:

"متأكد أن رد فعل صابرين هيكون مخالف لتوقعي ومش هتخسر حاجة حتى لو كان لها رد فعل مش لصالحك وقتها حتى يبقى ضميرك مرتاح." نفث عواد دخان السيجارة قائلًا: "فعلًا لازم ضميري يرتاح من ناحية صابرين وده اللي أنا هعمله قبل ما أسافر." فجأة صمت عواد حين دخل إلى المكتب ماجد عائدًا يقول باستخبار: "إيه اللي لازم تعمله قبل ما تسافر؟ أنا مش فاهم حاجة، إزاي تكتب كل أملاكك باسم صابرين؟ انت إيه اللي في دماغك من سفرية لندن؟

انت قولت هتفتح خط إنتاج هناك وهتفضل مدة هناك، وأكيد بعد ما المشروع يقف على أرض ثابتة هترجع يعني مسألة كام شهر سنة بالكتير، لكن إنك تتنازل عن أملاكك لصابرين أكيد في سر." نظر رائف نحو عواد الذي نهض واقفًا يقول: "لا سر ولا حاجة صابرين مراتي يعني مش غريبة أكتب لها أملاكي، والموضوع ده بالنسبة لي منتهي وماليش مزاج أستفيض فيه، أنا عندي طيارة بكرة الصبح بدري هطلع أنام كام ساعة قبل السفر، يلا تصبحوا على خير."

خرج عواد وترك رائف وماجد الذي نظر لرائف قائلًا: "قلبي حاسس إن في سر ويمكن انت الوحيد اللي تعرفه، حكاية مش طبيعية إن عواد يوقع تنازل سواء عن حق بنت مصطفى قبل ما المحكمة تثبت نسبها، وكمان بقية أملاكه اللي اتنازل عنها لصابرين." تهرب رائف من الجواب قائلًا: "أنا زيي زيك، أنا اللي هوصل عواد للمطار الصبح، هطلع أنام ساعتين عشان أبقى فايق، تصبح على خير."

هرب رائف من جواب مقنع لماجد، تركه يشعر بغرابة الموقف لكن نفض ذلك عن رأسه، بالنهاية عواد حر في التصرف بأملاكه. حين خرج عواد من غرفة المكتب رأى صابرين تدخل من باب الفيلا، انتظر إلى أن اقتربت منه ونظر بساعة يده، ثم نظر لها قائلًا: غريبة الساعة لسه مجتش حداشر، انتهت السهرة بدري ولا إيه. تثاءبت صابرين وهي تعلم أن عواد يتهكم عليها ثم قالت:

خلاص الوقت دخل وبقينا في الخريف، غير كمان الإجازة الصيفية خلصت والمدارس رجعت من ثاني وفادية عندها مدرسة بكرة الصبح. تبسم عواد وأشار بيده لـ صابرين أن تصعد أمامه إلى غرفتهم. لكن صابرين لفت انتباهها خروج رائف وخلفه ماجد من غرفة المكتب القريبة، فقالت بتريقة: إيه ده أنت كنت عامل اجتماع مباحثات ومشاورات عائلية. تبسم عواد يعلم أنها تتريق فرد: أيوه كنا في اجتماع عائلي عشان تقسيم الميراث بيني وبين بنت مصطفى.

التفتت صابرين تنظر لـ عواد بذهول. ضحك عواد على ملامح صابرين المذهولة. بينما تساءلت صابرين: طب وليه مش استنيت لما المحكمة تقر بنسب بنت مصطفى ومش غريبة إنك تفرط كده في جزء كبير من أملاكك لها؟ كده هتبقى صاحب أصغر نسبة في أملاك عيلة زهران. ضحك عواد قائلًا: وماله أنا لو عاوز أكبر نسبتي، مش هلاقي صعوبة، ده شيء سهل جدًا. مختال... وطبعًا تقدر بالغش والتدليس بتوعك. كان هذا جواب صابرين الذي ضحك عليه عواد قائلًا:

بلاش نوقف عالسلم كده، أنا عندي سفر بكرة الصبح بدري وبصراحة كده عاوز أستغل الوقت اللي فاضل مع مراتي حبيبتي. قال عواد هذا وغمز بعينيه، مما أربك صابرين ونظرت له بحنق ثم صعدت أمامه.

فتح عواد باب الغرفة، دخلت صابرين ثم هو خلفها، استدارت بجسدها فجأة تفاجأت أن عواد خلفها مباشرة، كاد يختل توازنها من المفاجأة لكن عواد وضع يديه حول خصرها وقربها أكثر منه بحميمية اهتزت لها صابرين، التي أصبحت تشعر بمشاعر أخرى حين يقترب منها عواد، لم تدفع عواد أن يبتعد عنها وأيضًا لم تتذمر مثل عاداتها السابقة.

امتثلت لذلك الطوفان العاصف برأسها وقلبها الذي أصبح يهوى اقتراب عواد منها، حتى إن كانت تتظاهر بعكس ذلك لكن الحقيقة أصبحت واضحة هي تهوى مشاغبة عواد لها، رفعت عينيها لكن لم تنظر إلى عيني عواد بل نظرت إلى شفاه، للحظة شعرت بالخجل وأطبقت شفتيها تضغط عليهم، لكن عواد هو الآخر يسري بقلبه إعصار يعصر قلبه بألم غير ذلك الألم الجسدي الذي اتخذ القرار الأخير بشأنه غدًا ستبدأ رحلة علاج مكررة أصبح فرض عليه خوضها لثاني مرة بحياته، لا يعلم متى سيعود منها أو ربما هنالك احتمال آخر قد لا يعود، لا شيء مضمون.

امتثل لذلك الشوق يجرفه وأحنى رأسه يقبل شفاه صابرين المشتاقة هي الأخرى لتلك القبلات الممزوجة بلذة أخرى لم تشعر بها سابقًا، كل ما تشعر به يديه التي تجردها من ثيابها دون اعتراض منها، وأنفاسه المسلوبة على عنقها وصدرها، وهو يعتلها لم تدرك متى أتى بها على الفراش، ولا متى تجرد هو الآخر من ثيابه، هي ليست تائهة العقل لكن غفى عقلها للحظات ولم تدرك ما حدث بتلك اللحظات السابقة، لكن من الجيد أن عقلها غفى وترك الزمام لقلبها يغرق

دون التفكير بما حدث سابقًا وظنونها بكل ما حدث قبل هذه اللحظات الجارفة تأخذها إلى أين لا تود التفكير سلمت الدفة لراية العشق بينما هو الآخر تعجب في البداية من امتثال صابرين وهدوئها وتجرأت يديه تعانق جسدها بحميمية، عليه الاكتفاء بها الآن.

هي فقط من يريد أن يبحر معها بأمواج بلا شواطئ. غرق لذيذ سقط به الاثنين برحلة هائجة هدأت بأنفاس منتشية وهما يتسطحان بظهورهم على الفراش، وما زالت بينهم النظرات التي تفسيرها الوحيد بعقل كل منهما أنه غرق ببحر عشق الآخر. لكن لم يحن وقت الاعتراف بذلك.

قطع تلك النظرات هو ضحك صابرين، استغرب عواد تلك الضحكات التي تزداد، نهض متكئًا يضع رأسه على إحدى رسغيه وهو ما زال على الفراش يقاوم ذلك الألم بظهره ينظر إلى صابرين التي ما زالت مسطحة بظهرها على الفراش تضحك بلا انقطاع، تساءل باستغراب مازح: اهدئي شوية، وشك احمر من الضحك. ما زالت صابرين تضحك وهي تجاوبه: أصلي افتكرت قبل ما أرجع للفيلا وأنا عند فادية في الشقة....

توقفت صابرين عن الحديث تضحك، بينما عواد زاد فضوله على معرفة ما الذي افتكرته جعلها تضحك بهذا الشكل حثها على جوابه: ويا ترى إيه بقى اللي افتكرتيه بيضحكك كده قول لي يمكن أضحك زيك. جذبت صابرين غطاء الفراش على جسدها واعتدلت جالسة تفسر سبب ضحكها:

أصل قبل ما أرجع لهنا أنا وفادية كنا بنسمع فيلم "كشف المستور" بتاع نبيلة عبيد وجه في دماغي مشهد وهي بتقول لجوزها في العادة الطلاق بيتم بيكون الزوجين مقطعين هدوم بعض من الخناق إنما إحنا مختلفين، إحنا مقطعين هدوم بعض صحيح بس مش من الخناق من الحب ده أحلى وألذ فراق بعد الليلة المميزة دي. كانت ما زالت ضحكات صابرين مستمرة لكن فجأة تسمرت تلك الضحكات وسهمت صابرين بعد استيعاب ما سمعته من عواد:

عندي لك عرض لو قبلتيه أوعدك إحنا كمان تكون الليلة ليلة فراق مميزة. عبس وجه صابرين في البداية ظنت أن عواد يستهزئ ويمزح، لكن ملامحه تبدو جادة بوضوح، تلعثمت قائلة: قصدك إيه؟

قسوة الألم الذي يشعر به عواد ينخر جسده مع تذكره لهمس صابرين سابقًا باسم مصطفى وإخفائها معرفتها بأنهم أخوة والذي إلى الآن عقله لم يستوعب هذا الأمر القاسي حتى إن لم يكن هو السبب المباشر في قتله، لكن تذكر أنه أطلق عليه الرصاص حتى يمنعه من قتل صابرين ذلك اليوم، صابرين بلا ذنب منها كانت السبب في أن أخوة الدم الواحد والمتباعدين يرفع كل منهم السلاح على الآخر...

إذن ليعطي لها الاختيار بالتحرر من هذا الإثم التي لم يكن لها ذنب به. رفعت صابرين وجهها تنظر لوجه عواد الذي يحاول أن يحيد بصره عن عينيها حتى لا تتلاقى مع عيناه فيضعف، ويتراجع ويبوح له بحقيقة ما يشعر به نحوها، يحتاج دعمها في تلك المرحلة المقبل عليها اضطراريًا، لكن لديه هاجس وغروره يمنعه آخر من يريد أن يرى بعينيها نظرة شفقة له... استجمع شتات عقله قائلًا:

أنت عارفة إني مسافر بكرة الصبح لندن وهغيب لفترة قد إيه الله أعلم، فبقترح بما إننا هنبقى شبه منفصلين الفترة دي، إننا ننهي جوازنا. صاعقة ضربت قلب صابرين، رفعت عينيها نظرت لعواد الذي يظهر اللامبالاة كأنه لا يخيرها، بل هو قرر بالفعل ما يريده، ذلك الوغد المختال دائمًا هو ما يتخذ القرار، لكن لا هذه المرة لن تعطيه فرصة الاختيار، إذا كان يخيرها وينتظر أن تقول له... لا.

فهو مخطئ يكفي انجراف نحو هاوية فارغة تلك المشاعر لا بد لها من لجام، ثواني كانت تنظر لوجه عواد عله يقول كنت أمزح، لكن هي الحقيقة إذن يتحكم الكبرياء المهدور، لا خسارة أكثر مما خسرته سابقًا، وافقت بلا أخذ وقت تفكير: موافقة عالانفصال، بس هيتم أمتى، يا ريت يكون في أقرب وقت. تبسم عواد رغم أنه يشعر بتهتك في قلبه لكن ربما هذا أفضل قرار لـ صابرين، حاول رسم الجمود قائلًا:

تمام قدامك فرصة لحد ما ارجع من السفر من لندن وبعدها هيتم الانفصال فورًا. رغم ما تشعر به صابرين من ألم بقلبها، لكن قالت له بادعاء عله يقول لها أنه كان يمزح: وليه مش يتم الطلاق دلوقتي ليه ننتظر. رد صابرين هكذا جعل عواد يتيقن أن هذا الفراق ليس سهلًا عليه، لكن ماذا توقع أن تقول غير ذلك. رد بهدوء وتبرير يعلم أنه كاذب:

بصراحة لو انفصلت دلوقتي عنك ممكن غيداء تتأثر هي كمان وتطلق من فادي بعد مدة قصيرة من جوازها، إنما لو فضلنا كم شهر مش هيضر حد طلاقنا، لأن وقتها هيكون مر وقت طويل على جواز فادي وغيداء، يعني حتى لو حصل بينهم وقتها طلاق محدش يشك في طريقة جواز فادي وغيداء اللي تم في وقت قصير.

رغم أن صابرين لم تقتنع بتبرير عواد الواهي بنظرها، لكن بداخلها شيء أراد الاستمرار لوقت آخر عسى مع طول الوقت هذا الوغد المختال هو من يطلب منها بقاء هذا الزواج. عادت صابرين من ذكرى تلك الليلة على صوت تنبيه هاتفها، ذهبت إلى مكان وجوده سريعًا ظنًا أو أملًا أن تكون تلك الرسالة من عواد، لكن بالنهاية خاب أملها، فكانت الرسالة مرسلة من فادية تستعجلها. عُصرًا مطعم رائف

كعادة الأيام السابقة، تخرج فادية من عملها بإحدى المدارس وتذهب إلى مطعم رائف كي يتسنى له البقاء قليلًا مع طفلته، الذي يتحجج بها من أجل التقرب من فادية صعبة المراس، الذي لمح لها كثيرًا بمشاعره، لكن هي تدعي عدم الانتباه، ظنًا منها أن يخيب اختيارها مرة أخرى، لن تتحمل فشلًا آخر بحياتها. كانت صابرين أيضًا تجلس معهم على نفس الطاولة، لكن أتى لرائف اتصال هاتفي، أخرج الهاتف من جيبه ونظر إلى صابرين ثم نهض مستأذنًا للرد.

ابتعد قليلًا رائف عن مكان جلوسهم، لكن في نفس الوقت سلط كاميرا الهاتف باتجاه جلوس صابرين لدقيقة، كانت تبدو شاردة فقط تبتسم على حديث فادية مع ميلا. أغلق رائف كاميرا الهاتف ثم دخل إلى غرفة الإدارة قائلًا: "عواد فكر قبل ما تخسر صابرين أكثر من كده، صابرين من يوم ما أنت سافرت وهي زي اللي حاسه بنقص." زفر عواد نفسه قائلًا: "رائف أنا مش متصل عليك عشان تأنبني، كفاية العملية خلاص اتحدد ميعادها أول الأسبوع الجاي."

تنهد رائف بقلة حيلة قائلًا: "وهتدخل العملية وأنت حاسس إنك مفيش حد جانبك." نفث عواد دخان سيجارته قائلًا: "وقبل كده كان بيبقى جانبي حد، أنا متعود على كده، وبعدين أنا متصل عليك عشان أقولك إن أوليفيا عاوزاك في شغل بس مش شغل مطاعم في محور دراستك كمهندس برمجيات واللي عندي شك إنك بتفهم فيها... بس أوليفيا مفكراك بل جيتس." ضحك رائف قائلًا:

"الكل معترف بعبقريتي ما عداك، أنت وفتوش، مش فاكر الصورة اللي بسببها اتجوزت صابرين وبدل ما تشكرني دائمًا بتحبطني، هبقى أتصل على أوليفيا أشوفها عاوزاني في إيه، يمكن عاوزاني أمنتج ليها صورتين هي ومع عم الحاج 'والتر' وهو شباب، يا عم ده عايش من قبل الملكة فيكتوريا." ضحك عواد قائلًا: "آه لو سمعت منك الكلمتين دول كانت شرحت وشك وقالتلك أيها المعتوه المصري الذي تُشبه القرد، لا أعرف ماذا عجب ابنة صديقتي بك، كانت حمقاء."

ضحك رائف قائلًا: "طيب سلام بقى هبقى أتصل عليك تاني بالليل، بس دلوقتي وقت فتوش ممكن تزهق وتمشي، يلا بالسلامة غور." ضحك عواد قائلًا: "طبعًا هي فتوش اللي هتخليك تعقل." ضحك رائف قائلًا:

"وحياتك على ما تفهم تلميحاتي هكون سلمت نمر وطلعت معاش، دي مصدرة لي الطرشة، مش عارف استغباء ولا هي فعلًا مش فاهمة تلميحاتي. عارف في مرة هقول لها مباشر كده أنا بحبك يا فتوش اتجوزيني ينوبك ثواب في واحد أبوه بيعامله على إنه لقيط وابن أخته بدل ما يشيد بذكائه بيحبطه. مع السلامة." بعد لحظات خرج رائف من غرفة المكتب تفاجأ بعدم وجود صابرين. جلس على مقعده قائلًا باستفسار: "أمال صابرين فين؟ شعرت فادية بأسى قائلة:

"صابرين قالت عندها صداع ومشيت، أنا كنت همشي معاها بس ميلا لسه مش خلصت أكلها، بقالك ساعة كنت بتكلم مين الوقت ده كله؟ نظر رائف بهيام لفادية قائلًا: "والله ما كنت بكلم بنات أنا محترم على فكرة، آه والله ووفي أوي أوي بس يا إياكش اللي في بالي تحس، دي عاملة من بنها." شعرت فادية بالخجل من سؤالها وادعت الانشغال مع ميلا.

بينما حاول رائف مشاغبة ميلا ليلفت نظر فادية، لكن ميلا تبدو أن عشرتها الفترة الماضية مع فادية اكتسبت من طباعها الجادة وحاولت عض رائف حين حاول إبداء إعجابه بفورمة شعرها المعقود باستيك ملون، ظنت أنه يتهكم عليها. لكن رائف سحب يده سريعًا يقول بدون قصد: "يا عضاضة، فكرتيني بعواد، كنت بعضه وأحنا صغيرين، ولما كبرنا هو بقى يشد في شعري، يلا ربنا يشفيه يرجعه بالسلامة." تعلثم رائف بكلمة "السلامة". لكن لفتت تلك الكلمة سمع فادية

بوضوح وقالت باستفسار: "قصدك إيه بـ ربنا يشفيه ويرجعه بالسلامة؟ حاول رائف التتويه كثيرًا بمبرر أنها مجرد دعوة، لكن جملة واحدة من فادية بخشونة: "رائف، بلاش لف ودوران." ما زال رائف يحاول التتويه، لكن قالت فادية بخشونة أقوى وشخط: "رائف." اعترف رائف لها قائلًا: "بصراحة سفر عواد للندن عشان يتعالج." استغربت فادية قائلة: "يتعالج من إيه؟ وليه ما قالش لصابرين؟ سرد رائف لها حالة عواد بالتفصيل. نهضت فادية قائلة بوعيد:

"أنا لازم أمشي دلوقتي، بس حسابك معايا بعدين يا رائف إزاي تطاوع عواد في موضوع زي ده." تفاجأ رائف ووقف هو الآخر مبررًا موقفه: "وأنا مالي هو اللي عاوز الموضوع مخفي، هتاخديني بذنب غيري ليه؟ وبعدين لسه بدري، لسه مشبعتش من بنت." نظرت له بغيظ قائلة: "بس أنا بقى مليت منك، ومن غير سلااااام." غادرت فادية بينما جلس رائف قائلًا:

"عواد لو عرف إني فتنت لفادية مش بعيد يرسل الحملة الصليبية تخلص عليا، يا خسارة شبابك اللي هيضيع يا رائف، عواد هيقتلك قبل ما تقول لفتوش بحبك." مساءً بمنزل زهران

شعرت صابرين بالضجر والسُهاد، تتقلب بالفراش تجذب تلك الوسادة التي كان يضع عواد رأسه عليها تدس وجهها بها، لكن شعرت كأن رائحة عواد اختفت منها، تركت الوسادة ونهضت من على الفراش، ارتدت مئزر طويل ووشاح صغير فوق رأسها، وذهبت نحو شرفة الغرفة وخرجت إليها، تستنشق ذلك الهواء الخريفي، رفعت رأسها تنظر نحو السماء رأت تلك النجوم التي تسير بالسماء تختفي خلف بعض السُحب السوداء التي أصبحت تتكون بالسماء فمثل هذا الوقت، شعرت بنسمة هواء باردة زمت طرفي مئزرها وجلست على أحد المقاعد.

لا تعرف كيف سحبها النوم بالشرفة، استيقظت حين تسلط ضوء النهار على وجهها، نهضت تشعر بألم في عُنقها وظهرها، عادت إلى الغرفة، توجهت نحو الحمام بعد قليل خرجت لكن سمعت صوت طرق على باب غرفتها، ذهبت نحو الباب وفتحته لتجد خادمة تقول لها: "صباح الخير يا دكتورة في ضيف تحت مستني حضرتك في أوضة الصالون."

كادت صابرين أن تتساءل من ذلك الضيف لكن الخادمة غادرت، كذلك ثوبها غير ملائم، دخلت سريعًا تبدل ثيابها حتى يتسنى لها معرفة ذلك الضيف. بشقة فادي فتح فادي باب الشقة. تفاجأ بسامية أمامه تدمعت عينيها سريعًا وحضنته قائلة: "فادي حبيبي." ضمها فادي بحنان، بينما بنفس اللحظة أتت غيداء إلى مكان وقوفهم، تفاجأت هي الأخرى بمجيء سامية دون إخبار سابق، لكن سامية قالت:

"عارفة إني جيت من غير إنذار، أنا قلت أجي بدري قبل ما فادي يروح المصنع، بصراحة حاسة إن كفاية أتقل في العيشة في بيت أخويا، وقلت ابني أولى بيا." تفاجأ فادي وصمت، بينما قالت غيداء بطيبة: "أهلًا بيكي يا طنط وأكيد فادي أولى بيكي نورتينا." تفاجأ فادي بترحيب غيداء بوالدته، لكن لا يعلم لما لديه شعور غير مُريح. بمنزل زهران دخلت صابرين إلى غرفة الصالون تفاجأت بذلك الضيف وقالت بخفوت: "بابا." نهض سالم واقفًا يقول:

"أيوا بابا يا صابرين، إيه مش هترحبّي بيا؟ اقتربت صابرين بخطوات بطيئة تقول: "أهلًا يا بابا، نورت، خير ماما فين مجتش معاك ليه هي كويسة؟ شعر سالم بغصة من محاولة صابرين إخفاء مشاعرها نحوه، لكن قال: "ماما كويسة، أنا جاي عشانك في موضوع مهم لازم تعرفي بيه." ابتلعت صابرين حلقها وقالت: "إيه هو الموضوع المهم ده؟ "عواد!

هكذا قال سالم باختصار، مما جعل وجه صابرين يخفُت قليلًا، أن يكون عواد أخبر والدها بأمر اتفاقهم على الانفصال حين عودته من لندن، لكن رأف بها سالم حين قال: "عواد سافر للندن عشان مريض يا صابرين." تفاجأت صابرين، وقالت بخفوت: "قصدك إيه بـ عواد مريض؟ سرد سالم لها ما قاله رائف بالأمس لفادية. لم تستطع صابرين استيعاب ما أخبرها سالم به عن سوء حالة عواد بالفترة الأخيرة قبل سفره للندن. جلست على أحد المقاعد تشعر بانسحاب

في قلبها وقالت بخفوت: "بس أنا من يوم ما اتجوزت عواد ما شفتوش مرة اتألم." تهكم سالم من براءة صابرين التي تظن أن هناك أشخاص يستطيعون إخفاء ما يؤلمهم ولا يبوحون به حتى أمام أقرب الأشخاص لها قائلًا: "في نوعية بتقدر تخفي ألمها كويس حتى عن أقرب الناس ليها يا صابرين، وعواد من النوعية دي." جلست صابرين للحظات تشعر باختناق ثم نهضت واقفة فجأة، تنظر إلى سالم بحيرة قائلة: "وأنا... هو...

ليه أخفى عليا الأمر ده والمفروض أعمل إيه دلوقتي؟ رد سالم: "لو بتحبيه هتسافري له، وتذكرة السفر أهي وعليها كمان تأشيرة لندن." نظرت صابرين لسالم بتفاجؤ تتساءل بدمع عينيها مستغربة: "أتقصد؟ أومأ لها سالم رأسه بموافقة، ذُهلت منها صابرين، والدها الذي كانت تعتقد أنه تخلى عنها سابقًا بسبب عواد هو الآن من يحثها على السفر إليه.

تفاجأت أكثر حين فتح سالم ذراعيه لها، لم تستطع الصمود وهرولت بخطوات سريعة وألقت بنفسها بين ذراعي سالم تعانقه بقوة وهي تبكي قائلة: "أنا بحبك أوي يا بابا." زاد سالم في ضم صابرين وبكى هو الآخر بندم قائلًا: "وأنا بحبك أكثر يا حتة من روحي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...