تحميل رواية «بك احيا» PDF
بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا. حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها. وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص. ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر". ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ. بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل. كأسد جائع حُبس في...
رواية بك احيا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ناهد خالد
توقفت حركت قدمه واستقام في وقفته حين أتاه فتح الخط ورد الآخر، فهتف متسائلاً بلهفة ودقات قلبه قد تعالت بصخب:
_ ها عرفت عنهم حاجة؟ آخر مرة قولتلك متكلمنيش إلا لو عندك معلومة!
أتاه الرد على الجهة الأخرى وهو يقول بتوتر ظهر في صوته:
_ خلصت جرد الأسماء، طبعًا الموضوع كان صعب إني ألم كل اللي اسمهم محمود الدالي في محافظة سوهاج خصوصًا إن حضرتك مش فاكر غير الاسمين دول، ولقيتهم ٢١٠ شخص اسمهم محمود الدالي، صاحبي اللي في السجل قالي إنه هيقدر يساعدني في إني أعرف مين فيهم اللي عنده بنتين وولد بالأسماء اللي حضرتك قولتهالي، بس طبعًا الموضوع هياخد وقت، ومكنتش حابب أبلغ حضرتك دلوقتي بس حضرتك طلبت مني أي جديد أبلغك بيه.
زفر بضيق وهو يمرر كفه على وجهه قائلاً:
_ يعني لسه هستنى!
أتاه رد الآخر يقول:
_ ياباشا إحنا قطعنا طريق طويل مبقاش غير أقل من رُبعه، من عندنا ولا معلومة توصلنا بيه لعرفنا إنه من سوهاج بعد ما بالعافية وصلنا للشخص اللي كان مسؤول عن توظيف الصعايدة وقتها، ولولا إن الراجل ده كان بيكتب بياناتهم في دفتر عنده مكناش عمرنا عرفنا هو من أنهي بلد، لدلوقتي مبقاش غير إننا نعرف مين اللي في الـ ٢١٠ دول عنده ٣ أولاد باسم خديجة ومصطفى وسارة وزوجته دنيا، الموضوع بقى أسهل أكيد، بس مسألة وقت لأنهم ٢١٠ يعني عدد كبير.
هز رأسه عدة مرات يقنع نفسه بما يستمع له، ثم أردف بحدة:
_ معاك شهر تكون خلصت بحثك وتديني معلومة عنهم سامع؟
أجابه الآخر بتوتر:
_ شهر ونص ياباشا، شهر ونص وأبلغ حضرتك عنوانهم ده عددهم كبير.
صدم الكرسي الذي بجواره بقدمه ليسقط أرضًا متأثرًا بركلته، ورفع رأسه لأعلى يستدعي الهدوء قبل أن يهمس بنبرة مرعبة:
_ ٤٥ يوم مش هيزيدوا ساعة وإلا متلومش غير نفسك.
ودون السماع لرد كان قد أنهى المكالمة، وجلس فوق أحد الكراسي يتنفس بعمق، فلقد ظن أن رحلة بحثه المقيتة انتهت، ولكن للأسف مازال هناك شهر ونصف آخران عليه انتظارهما، هز رأسه مستنكرًا وهو يغمغم لذاته بعتاب:
_ ازاي عمري ما سألتها عن اسم بلدهم اللي كل إجازة كانوا يسافروا لها! ازاي مفكرتش أعرف هم منين! لو كنت عرفت كان ده وفر عليَّ سنة كاملة عدت عشان أعرف بس اسم البلد.
شرد بنظره في الفراغ وهو يتذكر حين كان عمره أربعة عشر عامًا أي بعد ذهابها بعام واحد، ووقتها أخبره والده أنه كلف أحد رجاله للبحث عنه، ولكن بعد مرور ثلاث سنوات دون أي معلومة من الرجل، شكَّ "مراد" في أن والده قد كلفَ أحدهم بالبحث فعلاً لذا وبدون علم والده كان يكلف رجلاً آخر عُرف عنهُ براعته في مثل هذه الأمور، ولم يظهر لوالده أنه شكَّ به بل كل فترة يسأله إن كان رجله قد توصل لشيء والإجابة واحدة وهي "لاشيء".
نهض واقفًا واتجه لأحد الخزانات الموجودة في الجانب الأيسر من الغرفة وانحنى فاتحًا إياها لقصرها ليظهر أمامه العديد من الزجاجات فأخرج أحدهم واستقام بجزعه ليقرب كوبًا من الأكواب المرصوصة فوق تلك الخزانة الصغيرة، فتح الزجاجة وصبَّ البعض في الكوب قبل أن يلتقطه متجهًا لثلاجة صغيرة موجودة بجوار الخزانة وفتحها ملتقطًا مكعبان من الثلج وُضعا في إناء على أحد رفوفها، أغلق باب الثلاجة واستقام واقفًا ثم اتجه للشرفة وهو يحرك الكوب يمينًا ويسارًا بحركات رتيبة فيصدر الثلج الموجود بداخله صوتًا خفيفًا، وقف في الشرفة بعدما احتسى القليل مما في الكوب ولم يظهر أي تعبير على وجهه، ونظر أمامه بأعين شاردة.
دقتان فوق الباب أخرجتاه من شروده ليدلف لداخل الغرفة وهو يردد بصوت أجش:
_ مين؟
أتاه صوت والدته الهادئ:
_ أنا يا مراد، افتح يا حبيبي؟!
تحرك على الفور واضعًا الكوب الذي بيده في الخزانة الصغيرة التي تحوي الزجاجات، وهو يجيبها:
_ ثواني يا ماما بغير هدومي.
والتقط الزجاجة يضعها بجوار الكوب وأغلق الخزانة جيدًا، ثم التقط قميصه يرتديه بعجالة واتجه لباب الغرفة يفتحه وهو يشير لها بثبات:
_ اتفضلي.
ابتسمت له وهي تحرك كرسيها للداخل، بينما تقول:
_ مش نازل الشغل النهاردة ولا إيه؟
_ لا هنزل، بس كنت بعمل مكالمة مهمة وهلبس اهو.
ضيقت عيناها وهي تقول:
_ مهمة! يبقى تخص خديجة، صح؟!
ابتسم ابتسامة صغيرة لتبرز غمزتيه المزينتين لوجنتيه فبدى جذابًا بشكل مهلك وقال:
_ مش سهلة انتِ برضه يا لولة.
اتسعت ابتسامة "ليلى" وهي تلكزه بأصابعها في جانبه:
_ لولة! عيب بقى تقول لأمك كده.
وضع كفه على جانبه مكان لكزتها وهو يقول بمرح لا يظهر سوى معها:
_ ده أنا بدلعك هو أنا بش... هو أنا بغلط فيكي.
عدلَ من حديثه حين وجد لسانه سيذل وينطق بما يثير غضبها، لتهز رأسها يائسة منه وهي تقول باهتمام:
_ المهم قولي، وصلت لحاجة.
اختفى المرح من معالمه وهو يزفر بتعب جالسًا فوق كرسي قريب من كرسيها وقال:
_ للأسف لسه، الراجل قدر يعمل حصر لكل اللي اسمهم محمود الدالي في سوهاج، وطلعوا ٢١٠ شخص هيدور فيهم بقى.
عضت شفتيها بحزن على حالته، وقالت بحذر:
_ مراد.. هو يعني هتعمل إيه لو ملقتش خديجة.
لم يظهر أي ردة فعل على وجهه وهو يسألها بهدوء:
_ يعني إيه ملقتهاش؟! قولتلك هيدور في...
قاطعته وهي توضح قصدها أكثر:
_ هنفرض ملقتهاش.. هنفرض إنهم سابوا سوهاج من كتير، أو أبوها خدهم وسافر أي مكان تاني، حط احتمال إنك ممكن حتى لو وصلت لعنوانهم متلقيهمش.. عشان بس متبقاش حاطط أمل كبير، الإنسان لما بيحط أمل كبير في حاجة ومتكملش بيكون زي اللي وقع على جذور رقبته.
التواء طفيف في جانب فمه للأعلى أبدى سخريته وهو يقول:
_ أنا مش حاطط أمل كبير.. أنا حاطط كل أملي.
اخفض رأسه ناظرًا للأرضية وبنبرة ظهر بها الاختناق جليًا:
_ ياريتني قادر أنساها، بس مش قادر ومش عارف، على قد ما بتعذب بحبها على قد ما أنا حابه.
رفع رأسه وعيناه قد غامت ببعض الدموع الخفية وقال:
_ يمكن حبها هو الحاجة الوحيدة الحلوة اللي بقالي من ذكريات طفولتي.. ذكرياتي معاها هي الحاجة الوحيدة اللي مش عايز أنساها، أنا معنديش أوبشن إني ملقيهاش، معنديش احتمالية إني أفضل باقي عمري من غير ما أقابلها، مش عايز حتى أفكر في ده.. بس حتى لو وصلت لعنوانها وملقتهاش مين قال إني هيأس! حبي ليها مولد جوايا ثقة غريبة إني هلاقيها وهنتجمع من تاني.
ربطت على فخذه بكف والكف الآخر تمسح دموعها التي تساقطت حزنًا عليهِ وتأثرًا بما قاله:
_ ربنا يريح قلبك يابني.
التقط كفها مقبلاً إياه برفق، وقلبه يؤمن على دعائها.
انتهت من توضيب المنزل وإعداد الطعام ودلفت لغرفتها لتنال قسطًا قليلاً من الراحة قبل قدوم والدها من العمل، تسطحت فوق الفراش وهي تغمض عيناها براحة شعرت بها فور فردها لجسدها، راحة لم تطول وهي تسمع صوت خافت يناديها:
_ خديجة.
تكرر الصوت مرتان حتى انتبهت له، فتيبس جسدها بصدمة وهي تستمع لذلك الصوت.. إنها تدرك هوية صاحبه جيدًا! وهذا ما جعل التيبس يكتسح جسدها، تكرر مرتان أخريان ففتحت عيناها بصعوبة وأنفاسها بالكاد تختفي، نظرت أمام الفراش لتنتفض فزِعة وجلست فوقه وهي تطالع من أمامها بصدمة محملة بالخوف والذعر، هزت رأسها نافية تصديق ما تراه، لتجد من أمامها تقول بابتسامة بدت مرعبة:
_ إيه يا خديجة مبترديش ليه؟!
هزت رأسها أكثر بهستيريا وهي تقول:
_ لالالا أنتِ مش هنا.. أنتِ مش حقيقية.
ولا تعلم لمَ لكنها في غضبها أو خوفها تجد ذاتها تتحدث بلهجتها القاهرية القديمة! اتسعت ابتسامة "سارة" وهي تقترب من الفراش ملتفة حوله لتصبح قريبة منها أكثر:
_ لا حقيقية، ياترى ليه مش مصدقة؟ عشان قتلتيني مثلاً!
انتباها الفزع أكثر فهمست بوهن وعيناها اغرورقت بالدموع:
_ سارة!
ابتسامة مرعبة أكثر هي ما ارتسمت على ثغر الأخرى وهي تقترب خطوتان حتى أصبحت أمامها تمامًا ورددت بهمس أشبه الفحيح:
_ ارتاحتي يا خديجة؟ ارتاحتي لما قتلتيني؟
نفت برأسها بذعر أكبر ودموعها تتهاوى بعجز وقالت نافية التهمة عنها:
_ لأ، مش أنا ده مراد.
هزت "سارة" رأسها بلامبالاة وهي تقول:
_ وأنتِ ساعدتيه بسكوتك كنتِ موافقة إنه يقتل أختك... عشان كده هقتلك زي ما قتلتيني وبنفس الطريقة.
قالتها وهي تجذبها من خصلاتها بقوة تحت صراخ الأخيرة ومحاولتها للتمسك بأي شيء بداية من الفراش حتى الأرضية، ولكن لم تفلح حتى وصلت للخزانة ووجدت "سارة" تدفعها للداخل وتغلق باب الخزانة عليها لتصرخ "خديجة" عدة صرخات بفزع وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة، وبعد ثوانٍ بدأ العرق يغزوها وبدأت تشعر أن أنفاسها تخفت بالفعل وكأن الأكسجين انسحب من حولها، لتضرب على باب الخزانة بهستيريا شديدة وصرخاتها لا تتوقف، وفجأة فُتح باب الخزانة لتجحظ عيناها بقوة وهي تستنشق أكبر قدر من الهواء والواقف أمامها يناظرها بذهول وعدم فهم لمَ حدثَ لها! حتى ردد بتساؤل قلق وهو يسحبها للخارج حاملاً جسدها بالفعل فقدميها لا تحملانها:
_ وه! مالك يا بتي؟ فيكِ إيه وإيه خلاكِ تفوتي الدولاب وتجفلي عليكِ كده!؟
رددت بضعف بالغ وقد شحب وجهها فأصبح يحاكي وجه الموتى:
_ مش أنا.. دي هي.. هي اللي قفلت عليَّ.
وضعها فوق الفراش وهو يجلس بجوارها قائلاً بعدم فهم:
_ هي مين يابتي؟ مفيش حد هنا غيرك!
هزت رأسها بالكاد وهي تقول ببكاء بدأت فيهِ:
_ لا في.. هي هنا، قفلت عليَّ بالمفتاح.
أجابها بقلق على حالتها:
_ بس درفة الدولاب مكانتش مقفولة بالمفتاح أصلاً، الدرفة كانت مفتوحة لو كنتِ زقيتيها كانت اتفتحت.
ازداد بكاؤها وهي تردف من بين شهقاتها المتقطعة:
_ لا.. كانت مقفولة.. أنا... زقيتها كتير.. مكانتش مفتوحة.
وبعدها لم تتحمل أعصابها أكثر من هذا فأغلقت عيناها فاقدة الوعي مما أثار ذعر والدها عليها.
بعد مرور أربعة أيام....
عند خديجة الحال لم يصبح أفضل، بل بالعكس ساءت حالتها بدرجة أرغمت والدها لجلب الطبيب لها، أصبح وضعها لا يُسكت عليه، ناهيك عن كوابيسها التي تستيقظ فزِعة منها كل ليلة وصرختها تدوي في أرجاء المنزل، وشعورها أحيانًا بطيف "سارة" يحوم حولها، تحدثها وتفزع منها وأحيانًا تصرخ فجأة وباتت تحبس ذاتها في أماكن متفرقة وتدعي أن "سارة" من فعلت!!
والطبيب لم يكن مختص فنصحها بالذهاب لطبيب نفسي في القاهرة ليشخص حالتها ويكتب لها الدواء المناسب، فهي على شفا حفرة من الجنون.
كانت تجلس مع "فريال" فهي بعد ساعتان ستذهب للقاهرة لتزور الطبيب الذي أخبرها عنه والدها، تحدثت بوهن وقد بدا جسدها أقل وزنًا ووجهها شاحبًا وأسفل عيناها أحيطت بالسواد، كل هذا دلَ على مدى معاناتها، بنبرة مختنقة وأعين شاردة بعيدًا قالت:
_ أنا معرفش ليه بيحصلي كده، فجأة حياتي كلها اتشقلبت.. أنا والله بشوفها يا فريال، بشوفها حقيقة كيف ما أنا شايفةَكِ كده، يبقى كيف بخرف.
ربطت "فريال" بكفها على كتف الأخرى وهي تقول بهدوء:
_ مصدقاكِ، بس انتِ كمان خابرة إنها مش حقيقة صح! محدش بيشوفها غيرك يا خديجة، وسارة ماتت من سنين محدش فينا يقدر يشكك في كده، ده عمي بذاته هو اللي دافنها!
هزت رأسها بتعب وهي تقول متحسرة:
_ للأسف، خابرة إن محدش هيشوفها غيري! بس أعمل إيه والله بشوفها.
_ عشان كده عمي هياخدك للدكتور في القاهرة وهو اللي هيقولك إيه اللي بيحصل معاكِ.
أردفت بها "فريال" وهي تنظر لملامح "خديجة" التي تثير الشفقة، لتهز "خديجة" رأسها بلامبالاة ومازالت واجمة ففكرت الأخرى في إخراجها مما هي فيه فقالت بمزاح:
_ بقولك.. ما تدوري على رفيق الطفولة بما إنك نازلة القاهرة.
امتعضت ملامحها وقد ذكرته "فريال" في أكثر وقت لا تريد فيهِ تذكره، لتجيبها بحدة وملامح غاضبة:
_ فريال! قولتلك يوم ما حكيتلك عنه إنك متجيبيش سيرته أبدًا حصل ولا لا!
توترت "فريال" من غضبها المباغت، لتجيبها بتردد:
_ قولتي.. معلش مكنتش خابرة إن سيرته هتعصبك كده.
اغمضت "خديجة" عيناها بضيق من انفعالها قبل أن تقول باعتذار:
_ معلش. متزعليش، مقصدتش أتعصب عليكِ، بس مبحبش افتكره، وأحمد ربنا إني مفكراش ملامحه ولا شكله.
ارتفع حاجباها بدهشة وهي تسألها بفضول:
_ مفكراش شكله؟ كيف؟ ده كان أقرب حد ليكِ وقتها!
زفرت أنفاسها باختناق وهي تغمغم:
_ كنت صغيرة يا فريال، ٨ سنين افتكر إيه أنا! آه فضلت فاكرة شكله يمكن سنة بعدها بس مع الوقت وبعد ما عدى أكتر من ٧ سنين مبقتش مجمعة شكله خالص.
سألتها مرة أخرى بفضول أكبر:
_ يعني لو شوفتيه دلوقتي متعرفيهوش!؟
هزت رأسها بضيق وهي تقول لها:
_ انتِ غبية! بقولك مفكراش شكله وهو صغير هعرفه بعد ما كبر! أكيد شكله اتغير كمان.
هزت رأسها بتفهم:
_ أيوه بس بيفضل ملامح من الطفولة، عمومًا انتِ كده أو كده مش فاكرة شكله... المهم هترجعوا إمتى؟ "إمتى"
رفعت منكبيها بجهل وهي تقول:
_مبعرفش يمكن آخر الليل.
وفجأة نظرت خلف "فريال" ليشحب وجهها أكثر وتنتفض من جلستها واقفة وهي ترى "سارة" قادمة من خلفها:
_ بقيتي مجنونة يا خديجة!؟ هيودوكِ لدكتور بيعالج المجانين؟!
ابتلعت ريقها بخوف وهي تجيبها:
_ أنتِ مش حقيقية.
صدحت ضحكة "سارة" عاليًا وهي تقول:
_ لو أنا مش حقيقية بتردي عليَّ ليه؟
ادمعت عيناها بقهر وهي تجيبها:
_ عشان.. عشان مش عارفة أتجاهلك.
هزت "سارة" رأسها إيجابًا وقالت:
_ بالظبط يبقى أنا حقيقية! طول ما بتردي عليَّ يبقى أنا موجودة يا ديجا.. مش كان حبيب القلب بيقولك كده برضو!
رجعت للخلف وجسدها بدأ ينتفض بقوة، وصرخت بها بضعف:
_ أنا بكرهك.. وبكرهه.. بكرهكوا انتوا دمرتوا حياتي.
اختفى المرح من ملامح "سارة" واحتدت ملامحها وهي تقول:
_ أنتِ اللي بتكرهيني! أومال أنا إيه! أنا دمرت حياتك وأنتِ خدتي حياتي كلها مني... أنتِ قتلتيني.. قتلتِ أختك.. متي أختك يا خديجة.. متيها..
رفعت كفيها تضعهما على أذنيها بقوة بعدما هوت جالسة أرضًا وصرخت بقهر:
_ مموتكيش.. مقتلتكيش. هو.. هو مش أنا، ارحميني بقى.. ارحميني.
وفجأة استمعت لصوت آخر يناديها، ويد تحرك جسدها بقوة، فتحت عيناها ورفعت رأسها لترى الجميع أمامها، "فريال" و"محمود" و "مصطفى" هم من يحاولون إخراجها من حالتها تلك، وعمها و"سمية" و "إبراهيم" يقفون أمامها على بعد قليل، واختلفت أنظارهم فعمها يطالعها بشفقة، وعمتها وولد عمها بنظرة ساخرة، حتى هتفت عمتها بنبرة قاسية:
_ لا، حالة بتك ميتسكتش عليها أبدًا.. لازم توديها مصر وتشوف حل لجنانها ده، ولا يكونش شبح سارة هانم هيطاردها!
صرخ بها "منصور" بحدة:
_ سمية! اقفلي حنكك (فمك) واعرفي بتقولي إيه.
ردت بانزعاج:
_ مغلطش ياخوي، مش شايف حالتها تصرخ كيف المجنونة.
نظر لها بنظرة أقلقتها وهو يقول:
_ جولتلك خشمك ده يتجفل أبدًا، سمعتِ!
أشاحت بنظرها بعيدًا والتزمت الصمت مرغمة، فهي تعلم جيدًا شقيقها حين يتحكم بهِ غضبه.
رفع "محمود" خديجة من ذراعيها فدفنت رأسها في صدره وقد أجهشت في البكاء فقال بهدوء وهو يربت على ظهرها برفق:
_ من غير ما تجولي يا أختي، هدلي بيها مصر الليلة لازم دكتور يشوفها، مقدرش أشوفها كده وأسكت.
وبنفس الوقت في مكان آخر بعيد..
كان يقف في وسط ذلك المصنع المهجور، بدت ملامحه غاضبة حد الجحيم، بدا كأسد على وشك الانقضاض على فريسته، وجميع من حوله يرتجفون رعبًا من حالته تلك ومن القادم معه، حرك رأسه يمينًا ويسارًا بحركة رتيبة، قبل أن يتساءل بهدوء تام:
_ مين جاب الأطفال دي هنا؟
وبسرعة أشار أحد الرجال لشخص ما واقف وهو يقول:
_ مسعد.. هو اللي جابهم وقال الباشا الكبير هو اللي أمر.
نظر للمدعو "مسعد" ليراه يبتلع ريقه بصعوبة وقد تعرق وجهه، محاولاً الحديث:
_ ياباشا والله الباشا الكبير اللي أمرني، هو اللي أجبرني أخطفهم وأجبرني أجيبهم هنا، وحذرني أعرف سعادتك حاجة.
رفع حاجبيهِ بتفكير مصطنع، قبل أن يقترب خطوة واحدة أثارت الذعر في نفس الآخر وهو يسأله:
_ قولي يا مسعد كنتوا ناويين تستخدموهم في تجارة الأعضاء صح؟؟
يعلم أن الكذب معه سيأتي بنتيجة عكسية تمامًا، فمرغمًا أومأ برأسه، ليضغط "مراد" على أسنانه بقوة لاعنًا بلفظ بذيء قبل أن يقول:
_ قولت كام مرة أم الشغل الـ **** بتاعكوا ده مدخلوش أطفال فيه! قولت كام مرة لما تحبوا تجمعوا مـ**** ** صفقة تجيبوا الناس بنت الـ**** *** اللي متلقحين في أي داهية تشبهنا، إيه الكباريهات خلصت! ولا شقق الـ** فضيت عشان تلفوا على الناس التانية لا وأطفال كمان يا ولاد الـ******..
هتف الرجل بارتجاف:
_ ياباشا أقسم لك الباشا الكبير اللي أجبرني وأنا خوفت.
ابتسم ابتسامة مرعبة قبل أن يسأله بهدوء مبالغ فيهِ:
_ يعني لو مكنتش جيت بالصدفة عشان ابن الدكتور مكنتش عرفت اللي بيحصل مش كده!
كاد "مسعد" أن يتحدث، لكن رفع "مراد" كفه ناهيًا أي حديث وهو يكمل بتساؤل:
_ قولي لو كنت رفضت كلام الباشا الكبير، كان هيعملك إيه؟
ابتلع الرجل ريقه وهو يجيبه:
_ كان هيقطع عيشي ياباشا ويطردني.
اتسعت ابتسامته ومرر لسانه بداخل فمه قبل أن يخرج سلاحه من خلف ظهره وهو يشهره ناحيته قائلاً:
_ كان أحسن من إنك تخسر حياتك صدقني.
وقبل أن يصدر الواقف أمامه أي ردة فعل، انطلقت رصاصته لتسكن منتصف جبهته كأنها تعرف طريقها.
نظر "مراد" لجثته ببرود وقال:
_ ارموه في أي داهية، على ما أنزل أشوف الواد اللي تحت ده، والعيال دي الصبح يرجعوا لأهاليهم.. وعلى الله تيجوا تقولوا في عيال مش عارفين مين أهلهم.. اتشقلبوا ورجعوهم.
أومأوا جميعًا بفزع فما حدث أمامهم الآن كان درسًا قاسيًا لهم جميعًا..
بعد عدة دقائق..
كان ينظر للأطفال بابتسامة هادئة تمامًا لا تنم عن شخصيته:
_ متقلقوش بكرة هتروحوا كلكم وهترجعوا لأهاليكم.
اقتربت فتاة صغيرة منه تسأله ببراءة:
_ يعني مش هتموتونا؟ عمو اللي كان هنا قال إنكم هتقتلونا.
انحنى لمستواها متلمسًا خصلاتها بحنان، والعجيب أنها لم تخشاه وكأنه مع الأطفال لديه سحر خاص للتعامل:
_ لا ياروحي محدش هيعملكم حاجة خالص.
ناظرته بشك كأنها لا تصدقه، ثم رفعت خنصرها وهي تسأله بطفولة:
_ وعد؟!
ظهر التأثر في عيناه وهو يتذكر مشهد مماثل كهذا مع "خديجة" ابتسم بحنين لتلك الذكرى، قبل أن يرفع خنصره ولفه حول خنصرها قائلاً:
_وعد يا جميل.
_باشا..
استمع لندائه من أعلى ليعرف أنه يريده، فقد منع نزول أحد للاسفل..
ربت على وجنة الصغيرة واستقام واقفًا، قبل أن يستقيم صاعدًا الدرج حتى وصل للواقف بالأعلى والذي قال فورًا:
_ الشرطة عرفت مكاننا وداخلين علينا.
صمت قليلاً يفكر ثم قال بأمر:
_امشي أنتَ يا طارق من الباب اللي ورا وخد رجالتك.
سأله "طارق" باستغراب:
_ وحضرتك ورجالة الباشا؟
اللمعت عيناه بالكراهية وهو يقول بفحيح:
_ سيب رجالة الباشا ياخدوا جزائهم، متعرفهمش حاجة.
ثم لانت نبرته وهو يكمل:
_ أنا هفضل مع الأطفال دول لحد ما الشرطة تاخدهم.
_ بس كده حضرتك هتتمسك! ممكن نخلي حد من رجالتنا أو أفضل أنا.
هز رأسه رافضًا وقال:
_ مش هطمن عليهم مع حد تاني، ممكن بعد اللي هيحصل من شوية حد منهم تطوله رصاصة أو الشرطة تفجر المكان.. ومتقلقش أنا عارف أنا بعمل إيه محدش هيمسكني.
بالكاد انسحب "طارق" ورجالته بناءً على تعليمات رئيسه، ومعه ثياب "مراد" المنمقة التي خلعها مرتديًا ثوب بسيط وجده في مخزن المصنع، وبعدها تحدث مع الأطفال قليلاً وهو يطلب منهم بطريقته المدروسة ألا يذكروا أي شيء عنه، ولأن الأطفال لم يستمعوا لحديثه مع "طارق" فرضخوا لرغبته وقد ظنوه شخصًا جيدًا.
بالخارج....
أشار للرجال باتباعه في صمت حين قاد هو عددًا منهم دالفًا من جهة واحدة، وباقي الفرقة فرقوا أنفسهم على جميع المداخل لينجحوا في تطبيق عنصر المفاجأة وتضييق الخناق عليهم حتى لا يلوذوا بالفرار، قتلوا كل من قابلوهم دون رحمة، فمن لا يرحم لا يُرحم.. ولكنهم احتفظوا بثلاثة ظهر أنهم القادة لمن كانوا بالمكان، فحرصوا على أسرهم كي يصلوا للمزيد من المعلومات عن ذلك التنظيم الذي انعدمت الرحمة من قلوب كل من هم فيه..
توقفوا في منتصف المكان بعدما لم يجدوا أثرًا للطفل بالمكان، فهتف "سيف" "من فرقة الأسود":
_ آدم أنتَ مش قولت إنك اتأكدت إن مكانه هنا؟
زفر "آدم" بضيق شديد وقد كان يأمل أن يجد الطفل هنا:
_ آخر كاميرا في الشارع جابته كان في المنطقة دي.. ومفيش غير المصنع المهجور ده اللي ممكن يكون فيه.. أصلاً أنتَ شايف حاجة حوالينا غيره!
عقب "يحيى" قائلاً:
_ ما نستجوب الـ ٣ اللي في البوكس بره.
أجابه "حازم" ساخرًا:
_ نستجوب إيه؟ دول عاوزين ولا يومين عشان بس يفهموا إحنا بنسأل على إيه! مفيهمش حتة سليمة يا بني.
وفي أثناء حديثهما استمعا لصوت طلقات نارية تأتي من مكان مجهول..
رواية بك احيا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ناهد خالد
بالمخبأ السري:
كان قد طلب "مراد" من أحد رجال والده أن يترجل معه للاسفل كي يعينه على الخروج بالاطفال إن لزم الوضع.
ولكن لغباء الآخر، حين استمع لصوت تبادل النيران يقترب من مكانهم، ظن الشرطة قد علمت بالمخبأ.
فقرر إطلاق النيران كي يمنع نزولهم للاسفل وهو يصيح لـ "مراد":
_ شكلهم نازلين هنا ياباشا..
صرخ بهِ "مراد":
_ بس يا غبي وقف ضرب..
أوقف الضرب مؤقتًا حتى استمعوا لصوت خطوات تقترب بسرعة وبدأ إطلاق النيران من أعلى السلم.
في الأعلى:
تتبعوا مكان إطلاق النيران حتى وجدوه يأتي من نفق يشبه القبو أسفل المبنى المتواجدين بهِ، وفيهِ درج تؤدي لأسفل.
التفوا حول الباب المؤدي لأسفل وبدأوا في تبادل إطلاق النيران.
عاد الرجل يتبادل معهم إطلاق النيران، وفي وسط انشغاله بما يفعله، التقط "مراد" سلاحًا من فوق الأرض وخفية كان يطلق عليه النار لتصيب طلقته منتصف ظهره.
هذا بعد أن جعل الأطفال تلتف لتواجه وجوههم الحائط كي لا يصابهم الرصاص، ولخوفهم من الوضع اقتنعوا وامتثلوا لطلبه.
سقط الرجل جثة فوق الأرضية لينظر له "مراد" برضا، فأولاً لقد ارتكب فعله حمقاء ببدئه إطلاق النيران، وثانيًا لو استطاعت الشرطة الإمساك بهِ ربما يعترف أن "مراد" هو أحد أعضاء المنظمة!
ورغم أن كل من ينضم لهذه المنظمة يكن الموت خياره الأول عن أن يوشي على أحد أعضائها، ولكنه "مراد" الذي لم يعتاد ترك شيء للاحتمالات.
هو "مراد" الذي لا يثق في ذراعه حتى!
بجانب الباب المؤدي للدرج السفلي..
التقط آدم قنبلة يدوية وقام بقذفها لتصل للقبو.
وقد ظن أن من بالاسفل اثنان أو ثلاثة من رجال تلك المنظمة القذرة.
ولكن حدث ما لم يتوقعه حين أمر الجميع بالخروج من المصنع المهجور.
ولكن أثناء ركضه للخروج هو الآخر، توقف وجحظت عيناه بشدة حين أبصر طفلاً صغيرًا يقف في المقدمة وحوله عدة أطفال أخرى بينهما وبين القنبلة عدة سنتيمترات.
وفي نفس الوقت كان "مراد" منشغلاً في سحب جثة الرجل بعيدًا في مكان متوارٍ عن الأنظار كي لا يراه الأطفال حين يلتفون.
فدخل لزاوية في أحد جوانب المخزن وألقى جثة الرجل بهِ.
وعند "آدم"..
اتسعت عيناه دهشةً وخوفًا حين رأى القنبلة التي قذفها أصبحت تمامًا بين كم كبير من الأطفال.
ليشعر بالتلجم ولم يحسن التصرف لثوانٍ كانت كفيلة لـ "مراد" للخروج من أحد الجوانب وهو يصرخ بالأطفال أن يهرعوا لأحد الممرات التي يعلمها جيدًا والتي تؤدي للخارج.
وما إن أدرك "آدم" ما يحدث حتى ركض هو ومن معه للخارج بعدما صرخ بهم أن يخلوا المكان.
وحين وصل الجميع للخارج دوى الانفجار.
ليرى "آدم" الأطفال بصحبة ذلك الشاب من بين الأتربة ورماد الانفجار.
فاتجه إليهِ بحرص مشهرًا سلاحه قبل أن يرفع الشاب ذراعيهِ وهو يصيح بارتعاش خائف أتقنه:
_ أنا مأذيتهمش كنت بساعدهم والله.
_ انزل على ركبتك.
جملة صرخ بها "آدم" ليفعل "مراد" فورًا.
وحضر "سيف" ليسحب الأطفال بعيدًا.
طالعه "آدم" بتفحص قبل أن يسأله:
_ أنتَ بتشتغل معاهم؟
نفى برأسه ثم أومأ بتردد وقال بتلعثم:
_ مش زي ما أنتَ فاهم.. أنا.. هم أجبروني، بقالي معاهم كام يوم بس.. بس هم أجبروني، أنا مكنتش عاوز.
صراخه، تردده، خوفه الواضح، ارتعاش جسده، نحيبه الخافت الذي بدأ، كل هذا أكد لـ "آدم" صدقه.
فعلى صوته وهو ينادي:
_ حاازم.
أتى "حازم" بعد ثوانٍ، ليكمل:
_ شوف السجلات الي معاك فيهم صورة للواد ده.
_ ارفع راسك.
رددها "حازم" بقوة، ليفعل "مراد" رافعًا رأسه وعيناه الخضراء التي تلونت بسحابة رمادية بنفس الوقت لتعطي لونًا رائعًا ترتعش نظراتها بخوف.
تفقده "حازم" ثم قال:
_ لا مش موجود.. ممكن يكون انضم ليهم قريب.
عقب "آدم":
_ ماهو ده الي قاله فعلاً.
نظر له مليًا يفكر في أمره حتى تساءل أخيرًا:
_ اسمك ايه؟
بنفس النبرة المرتجفة أجاب:
_ محمد.
زفر أنفاسه قائلاً بحسم لقراره:
_ ماشي يا محمد.. هتروح معاهم القسم يخلصوا بس الإجراءات وهتمشي على طول كده كده مفيش حاجة عليك، بس قولي أنتَ قابلت زعيم الليلة دي؟
نفى برأسه وعيناه تنضح صدقًا:
_ لا، مشفتهوش ولا مرة.
أومأ برأسه بلامبالاة، فـ يبدو أن هذا الشاب لن يفيده.
ليهتف لـ "حازم":
_ خده على العربية.
نهض يسير أمام "حازم" بخطى مذبذبة وجسد يرتعش، وعينان مسلطتان على الأرضية، عينان ظهر بهما الآن مدى الشر الكامن بداخلهما، عينان تلونتا بالخبث والدهاء، يبتسمان بسخرية على حماقة رجال الشرطة الذين صدقوه بسهولة.
وكيف لا وهو من يتقن كل شيء.. الكذب، والتصنع، يتقن جيدًا تقمص أي شخصية تطلبها الظروف ليخرج كالشعرة من العجين كما يقولون.
شاب لم يقل اسمه الحقيقي، لم تكن نظراته حقيقية، لم يكن خوفه حقيقي، لم تكن حتى ارتعاشة جسده صادقة.
شاب أثبت أن "آدم الصياد" مجرد ضابط سابق أحمق!
وللحق إن أثبت هذا على ضابط من أكفأ الضباط في مجاله.. إذاً يجب الخوف منهُ!
بعد ثلاث ساعات من السفر والانتظار كانت تجلس أمام ذلك الطبيب وجسدها يسكنه التوتر.
رجل في منتصف الأربعينات ربما تلونت بعض خصلاته باللون الأبيض، وجهه بشوش، ويشعرك بالألفة، طريقته ودودة ولبقة، لم يبدو شخص غير مريح، لكن التوتر يأتي من كونه غريبًا وكونها تجلس معه لأول مرة وبمفردهما بعدما طلبَ من والدها بتهذيب أن ينتظر بالخارج.
رأت ابتسامته الودودة قبل أن تستمع لصوته يقول بينما ينظر لها بهدوء:
_ لا فُكِ كده مالك متوترة ليه؟
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تقول:
_ لا مفيش انا كويسة.
قطب حاجبيهِ باستغراب متسائلاً:
_ بتتكلمي قاهري؟ غريبة والدك بيتكلم صعيدي وفكرتك زيه.
اخفضت رأسها وهي تردد بخفوت:
_ بعرف أتكلم الاتنين.. بس قولت أكلم حضرتك باللهجة اللي تفهمها.
ابتسم وهو يقول:
_ يا ستي أنا بفهم كل اللهجات، اتكلمي باللهجة اللي تريحك ومتشغليش بالك بيَّ.
أومأت برأسها ولم تتحدث زيادة، ليبدأ هو بالحديث وهو ينهض جالسًا على الكرسي المقابل لها ويفصل بينهما طاولة صغيرة.
نظر لها بتقييم أولًا ينظر لكنزتها الوردية الهادئة وتنورتها السوداء التي نزلت باتساع حتى نهاية ساقها، وحجابها المنقوش باللونين الأسود والوردي الذي لم تظهر منهُ شعرة واحدة.
بدت بسيطة بشكل مريح حتى ملامحها التي لم تتكلف وتضع عليها أي شيء يخفي إرهاقها والهالات التي زينت عيناها كانت لطيفة وجميلة.
تسلل صوته الهادئ إلى مسامعها وهو يسألها أول سؤال في جلستهما، سؤال أظهر مدى ذكائه وحنكته كطبيب:
_ قوليلي الأول إزاي بتعرفي تتكلمي قاهري؟
رفعت عيناها له متفاجئة، هل علمَ بمربط الفرس؟
من علم أن البداية تكمن هنا!
بداية كل شيء حدث لها بدأ من هذه النقطة تحديدًا.
لم تشأ أن تكشف أوراقها أمامه فبحذر تام أجابته وهي تخفض بصرها مرةً أخرى:
_ لما جينا مع أبويا وأمي القاهرة من كذا سنة وفضلنا فيها لحد ما رجعنا بلدنا من ٧ سنين.
وضع المسجل فوق مكتبه بعدما قام بتشغيله وهو يعتمد على هذه المسجلات في علاجه لمرضاه بدلًا من التدوين خلفهم، الذي يشعرهم أحيانًا وكأنهم في تحقيق ما.
لذا استعاض عنها بذلك المسجل الصغير الذي لا يلاحظه معظمهم من الأساس.
شعرَ بخبرته أن الحديث عن عمل والدها هنا بالقاهرة يخفي خلفه شيء، بدا هذا من اختصارها في الرد، وتحول ملامحها للضيق على ذكر عمل والدها.
لذا سألها مرة أخرى محاولًا معرفة أكبر قدر من المعلومات:
_ جيتوا ليه؟
بخفوت أجابت:
_ عشان بابا كان بيدور على شغل، وتقريبًا حد قاله أن في راجل محتاج حد يشوف طلبات البيت ومحتاج كمان ست تنضف البيت تطبخ كده يعني...
فهمَ محاولاتها لعدم ذكر المسمى الوظيفي لوالديها ألا وهو "خدم"، يبدو أن الأمر فيهِ حزازية لديها، وبالطبع هذا راجع لموقف ما أو ربما عدة مواقف!
_ وقتها كنتِ كام سنة؟
ضغطت على شفتيها بضيق وهي تجيبه:
_ كنت لسه مولودة.
_ ورجعتوا بلدك وانتِ عندك كام سنة؟
_ ٨ سنين.
_ إيه سبب الرجوع؟
رفعت رأسها لهُ وقد سكنَ الغضب ملامحها البريئة، لتردف بضيق واضح:
_ إيه لازمة كل الأسئلة دي؟ ملهاش لازمة، أنا عندي مشكلة معينة جاية لحضرتك تحلها لي.
طالعها بهدوء مبتسمًا وهو يقول:
_ ينفع أجيب مريض وأدخله العمليات من غير ما أعرف كل حاجة عن تاريخه المرضي! ده نفس الشيء، عشان أعالجك من الهلاوس اللي حكالي والدك عنها، لازم أعرف إيه اللي وصلك إنك تشوفي حاجة زي كده أصلًا، فلازم نبدأ الموضوع من أوله، خصوصًا وأنا ملاحظ أنك مش حابة تتكلمي عن الفترة اللي عشتيها هنا في القاهرة، وأكيد ده له سبب قوي.
اهتزت حدقتاها واخفضت نظرها مرة أخرى وهي تضغط على كفها بقوة، تشعر بضغط كبير بدأ يوجه لها منهُ، وتخشى أن يتمادى بهم الأمر لكشف سرها.
_ يلا نكمل أسئلة؟
أومأت بهدوء وقد قررت أن تكون حذرة في أسئلتها قدر المستطاع، لتسمعه يسألها ثانيًة:
_ قوليلي بقى كنتِ حابة ترجعي البلد؟
هزت رأسها إيجابًا، ليسألها مرة أخرى:
_ مكنتيش حابة العيشة في القاهرة؟
ومرة أخرى أومأت برأسها، ليتابع أسئلته:
_ ليه؟
صمتت لثوانٍ ترتب أفكارها كي لا تخطئ في الحديث وتقول ما ليس عليها قوله، حتى قالت:
_ عشان.. عشان سارة كانت ماتت وأنا مكنتش حابة أفضل في مكان هي ماتت فيه.
_ سارة ماتت فين؟
_ في الفيلا اللي بابا وماما كانوا بيشتغلوا فيها.
_ وماتت إمتى؟
أغمضت عيناها بإرهاق مجيبة:
_ قبل رجوعنا البلد بفترة قليلة، يمكن شهر.
_ إيه هي ماتت إزاي؟ ويا ترى فاكرة تفاصيل اليوم ده؟
اعتصرت عيناها بألم وهي تسمع حديثه، وارتعشت كفها المقبوض على التنورة، حتى ملامحها شحبت أكثر وهي تجيبه بالحقيقة في عقلها ولم يجرأ لسانها على قولها: قتلت بسببي! قتلت وقد شاركته في الجريمة بموافقتي! قتلت وتسترت على المجرم وكأنني أصر على أن أكون طرفًا في قتلها! وكأنني رفضت أن يحمل الذنب بمفرده فتقاسمته معه!
_ هي.. هي اتخنقت.. كانت بتلعب تقريبًا وقفلت على نفسها الدولاب، واه فاكرة تفاصيل اليوم كأنه إمبارح.
ضيق عيناه بحنكة يسألها:
_ مش غريب طفلة في سنك وقتها تفتكر تفاصيل وفاتها؟
ازدردت لعابها بتوتر وفركت كفيها ببعضهما تلقائيًا وقالت:
_ اا.. أصل أنا.. لا مش أنا اللي فاكرة.. قصدي أقول أن أهلي حكوا قدامي اللي حصل يومها كذا مرة.
رفع حاجبه ساخرًا وعقب بهدوء:
_ غريبة أنتِ لسه قايلة أنك فاكرة تفاصيل اليوم كأنه إمبارح!
رفعت رأسها تهرب بنظرها بعيدًا عنه وقد تعرق جبينها وقالت بنبرة مرتجفة:
_ لا.. قصدي هما مش أنا..
هز رأسه باستسلام وهو يعلم أنها تكذب وبنفس الوقت يعلم أنها لن تقول الحقيقة طالما قررت ألا تقولها من البداية، فتغاضى عن الأمر وهو يكمل:
_ تمام، يعني بسبب موتها حبيتِ تسيبي القاهرة، وبسبب طريقة موتها حبستِ نفسك في الدولاب، يعني بنفس الطريقة اللي ماتت بيها.
أدمعت عيناها وهي تنظر له مرددة بتعب:
_ أنا محبستش نفسي.. أنا بشوفها، بشوفها وهي اللي جرجرتني وحبستني، صدقني يا دكتور، يعني أنا هجرجر نفسي وأحبس نفسي!
عدل من نظارته الطبية التي التقطها مرتديًا إياه للتو بعدما شعر بضعف الرؤية، وهو يقول:
_ خديجة العقل البشري محدش ممكن يتخيل تصرفاته، الهلاوس يا خديجة لما بتتحكم بالعقل مستحيل تتخيلي اللي ممكن يحصل وقتها. قوليلي بتشوفي إيه؟
سقطت دموعها بوهن وهي تقول بنبرة مختنقة:
_ سارة.. بشوفها قدامي بتكلمني وبتتخانق معايا ومرة جرجرتني لحد ما حبستني في الدولاب، بس بعدها اتفتح وباب قال أنه مكانش مقفول.
_ هي سارة عايشة يا خديجة! ولا ميتة؟
نظرت له بحيرة لمعت في مقلتيها، وكأنها لا تعلم إجابة للسؤال!
حركت رأسها مرة بالإيجاب ومرة بالرفض، ليتنهد بهدوء وهو يسألها ثانيًة:
_ قوليلي طيب، لما بتشوفيها بتكون صغيرة ولا كبيرة؟
أجابته على الفور:
_ صغيرة، بتكون زي آخر مرة شوفتها.
ابتسم حين وصلَ لمبتغاه:
_ شوفتي! يبقى مش حقيقة، سارة لو حقيقة كان المفروض تكون كبرت زي ما أنتِ كبرتِ كده مش هتفضل صغيرة.
رفعت عيناها للسقف وهي تبكي بانهيار، وشهقاتها تتعالى:
_ بس أنا بشوفها.. والله بشوفها، بحسها حقيقة، بحسها واقفة قدامي بجد.
_ طيب ممكن تهدي؟
قالها محاولًا تهدئتها ولكنها لم تستجب.
ربع ساعة مرت حتى تمالكت ذاتها وقد انتفخت عيناها بشكل مقلق من كثرة البكاء، فلم يحبذ الضغط عليها أكثر، وقال:
_ كفاية كده النهاردة.. هكتبلك أدوية، وهتجيلي كمان 3 أيام تقوليلي الموضوع قل ولا لأ، ودايمًا أقنعي نفسك يا خديجة إن سارة مش حقيقة، كل ما تشوفيها قولي لها أنتِ مش حقيقة، مهما حاولت تقنعك إنها حقيقة قولي لها لأ أنتِ مش حقيقة، ماشي؟
أومأت برأسها بتعب وهي تمسح دموعها بإرهاق بالغ، أعطاها الروشتة المكتوب بها الأدوية وأشار لها بابتسامة:
_ نورتي يا خديجة، انتظمي على الأدوية وأشوفك تاني، اتفضلي.
التقطتها ونهضت بإرهاق متجهة للخارج بخطى بدا عليها التعب النفسي قبل الجسدي.
قابلها والدها بلهفة وهو يسألها:
_ ها دكتور كمال قالك إيه؟
ابتسمت بالكاد كي تطمئنه وهي تجيبه بهدوء:
_ كتبلي أدوية وقال إن الحالة متتجلجش، وعاوزني أجي بعد 3 أيام.
أومأ لها رغم عدم اطمئنانه وقلقه لكنه لم يرد إظهاره لها وهو يمسك كفها بحنو ويسحبها لخارج العيادة.
وبداخل مكتب دكتور "كمال شاكر" كان يدون في ملف جديد:
الاسم/ خديجة محمود الدالي
البلد/ سوهاج
السن/ 15 سنة
التشخيص/ ذُهان مصحوب بهلاوس سمعية وبصرية.
أغلق الملف ووضع القلم بجواره قبل أن ينظر أمامه بشرود متحدثًا لنفسه:
_ السر في الفيلا اللي سكنوها في القاهرة.. ده بداية كل اللي هي فيه.
ويبدو أن "محمود" قد أصاب اختيار الطبيب المعالج لابنته!
عاد من مهمته وهو بمزاج رايق، بعدما خرج من القسم دون شائبة، لم يجدوا عليهِ شيئًا بالطبع، أخذوا أقواله الزائفة وتركوه.
اتجه لأحد العمارات السكنية وصعد بالمصعد الكهربائي حتى وصل لشقة في الدور العاشر، فأخرج المفتاح وفتحها بهدوء دالفًا للداخل.
شقته! تلك الشقة التي اشتراها منذُ عام مضى، لعدة أسباب أولهم أنه لا يأمن الوضع بينه وبين والده، فربما يقرر ترك المنزل له يومًا! من يعلم! كل شيء وارد.
وثانيهم مهمات كتلك يعود منها بثياب لن تصلح للذهاب بها لمنزله فهو لا يتحمل سؤالًا من والدته، أو شكًا بهِ.
وآخرهم أنه أحيانًا يرغب في الانعزال عن الجميع فيأتي هنا وتكون هذه مخبأه، إضافة لاستطاعته لوضع صورة خديجة على جدران المنزل، واحدة لها بمفردها وضعها على حائط الصالة، وواحدة لهما الاثنان وهو يحتضنها من رقبتها ويضحكان بمرح وهذه وضعها أمام الفراش تمامًا، غير أخرى لها بمفردها وهي لا تتخطى ثلاث سنوات وُضعت على الحائط الموجود عليه شاشة التلفاز، وكأنه يشاهدها هي وليس التلفاز.
بالطبع هناك لم يكن يستطيع فعل هذا ليس لشيء سوى أنه لا يريد لأحد يرى صورتها ويحدقها بنظرة كارهة! ك"حسن" مثلاً!
لذا اشترى هذه الشقة لكل الأسباب السابق ذكرها.
استحمَ وبدل ثيابه لبدلة رمادية أنيقة، وصفف شعره بطريقته المعتادة وهي للوراء وكالعادة بعد دقائق تبدأ خصلاته في التساقط على جبينه، ورشَ عطره المفضل قبل أن يرتدي حذاءه ويخرج قاصدًا الشركة.
بخطى ثابتة، وجسد شامخ، ونظرات واثقة، لا تمت أبدًا لعمر حاملها، كان يسير بتروي وهو يضع لفافة من التبغ البني الفاخر في جانب فمه فقط، وعيناه تطوف حوله بتقييم أثار الذعر في من يقفون باستواء وكأنهم في محكمة ما، أو يؤدون أحد صلواتهم بخشوع!
انتهى الممر ليقف أمام الباب المعني فاتحًا إياه بهمجية بحتة نبأت من بالداخل بهويته، فمن سيدلف بهذه الطريقة غيره!
_ Welcome بالفاشل.
قست ملامحه وهو يجلس بارتياح شديد على أحد المقاعد ومدد قدميهِ بمنتهى قلة الذوق فوق الطاولة الصغيرة، بينما أزال بإصبعيهِ اللفافة قائلاً بصوت رخيم:
_ الفاشل ده لولاه كان زمانك مش عارف تقعد في البلد لحظة، لولاه كان زمان مصر كلها عرفت هويتك.
رفع الأخير حاجبه مجعدًا يبدو أنه أثر لحرق ما لم يمر عليهِ طويلاً ولم تنجح عمليات التجميل في معالجته وهو يقول:
_ إحنا كده معملناش حاجة مع الدكتور.
حدقه بجانب عيناه بينما ردد بجدية بحتة:
_ فُكك منه، ده شكله دكتور شريف بلاش نوسخه، شوف الدكاترة اللي هتجري تنفذ أول ما تطلب منها وترميلهم قرشين.
هز رأسه بضيق قبل أن يقول:
_ كل حاجة لازم تعصلق كده.
_ أنا مش قولت مية مرة، صفقات أعضاء بناس كويسة أو أطفال لأ.. قولت ولا مقولتش! مقصر معاك أنا في إيه! مانا لما بتحتاج صفقة بجبهالك.
نظر له ليجده يضغط أسنانه بقسوة، وعيناه بدت مخيفة حقًا فردد بتوتر:
_ مقصدتش يعني أداري عليك، بس شوية كده وشوية كده، أنتَ هتخلص على كباريهات البلد!
بنفس النبرة القاسية أردف وقد ارتفع صوته قليلًا:
_ هو أكل وبحلقة! بتنوع!! بعدين مين عينك مدافع عن كباريهات البلد ولا تكونش الراعي الرسمي لهم!
ضحكة ساخرة خرجت من فاهه وهو يقول:
_ المشكلة يا مراد إن مبادئك غريبة ياخي.. يعني تقتل وتتاجر في الأعضاء أه، لكن بشرط الأطفال والناس الغلابة ملهمش دخل، ناخد الناس القذرة الـ***** ونخلص منهم. تشرب خمر أه، وتروح كباريه، لكن تعمل علاقة مع واحدة لأ، تتاجر في المخدرات والدعارة والسلاح والأعضاء وتقتل وتعمل كل حاجة شمال، والنقيض مبلغ شهري بيتوزع على المستشفى والملجأ. ياخي ده أنتَ مخصص مبلغ شهري لمصحة إدمان! إيه ده! لا بجد! غريب أنتَ برضو!
رفع منكبيهِ يقول بلامبالاة:
_ مش أحسن ما أشيل قلبي خالص، على الأقل باقي فيَّ حبة بني آدم.
سخرَ بحديثه وهو يقول متهكمًا:
_ لا وأنتَ الصادق ده عشان حبيبة القلب، لسه بتحاول متوصلش لمرحلة تحس نفسك متنفعش لها مش كده؟
بهدوء تام كان يجيبه:
_ بالضبط.
هز رأسه يائسًا، وقرر عدم التطرق لحديث عن تلك الفتاة اللعينة التي احتلت عقل ولده ولصقت بهِ كالغراء رغم غيابها! وسأله:
_ قولي خرجت منها إزاي؟ سابوك عادي كده من غير تحريات؟
التقط نفس عميق من لفافته وزفره بتروي وهو يقول بهدوء ثلجي:
_ ما يدوروا! أنا تحرياتي نضيفة ولا نسيت إني مسبش ورايا هفوة.
رفع الأول حاجبه بتتمعن وهو يقول بإعجاب لم يخفيه:
_ شوف رغم إنك يدوب مكمل 20 سنة بس مخك ذري وهيبقى ليك مستقبل باهر.
نهض بغتًة وهو يقول بقلة ذوق:
_ ميهمنيش أبهرك، حقي فين؟
_ وصل قبل ما توصل أنتَ هنا، الفلوس اتحولت على البنك.
أطفأ اللفافة في أحد الطفايات قبل أن يومئ بإيجاب متجهًا للخارج، لينظر "حسن" لأثره مرددًا بشرود وباستهزاء:
_ غبي.. هيضيع نفسه بسبب الحب وسنينه، أما نشوف آخرتها معاك يا... يا إبرام.
رواية بك احيا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ناهد خالد
الأيام تمر، حتى وإن بقينا نحن في نفس مكاننا دون خطوة زائدة، الأيام تسير ولا تنتظر أحد، عقارب الساعة لن تتوقف لأجل أحد، وتقلبات الزمن لا تخضع لأحد، ولا تشفق بأحد، ولا تحدث وفقًا لرغبة أحد، فصدق من قال "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن".
ديسمبر لعام ٢٠١٨...
ثلاثة أعوام كاملةً مروا.. ثلاثة أعوام تغير بهم الكثير، ولنسرد أهم ما تغير في حياة أبطالنا..
"خديجة"
تخرجت من المرحلة الثانوية بمجموع سبعون بالمئة فقط وقد كانت شعبة علمي علوم، فخسرت حلمها في الالتحاق بأحد الكليات الطبية كما كانت تحلم دومًا، وشعرت أنها تائهة ولم يعد يفرق معها تحديدًا بأي كلية تلتحق، حتى أنها باتت تفكر في ألا تلتحق بأي كلية وتكتفي بتعليمها الثانوي.. فقد استُهلكت بحق، ما حدث معها في تلك الثلاث سنوات كان كفيلاً بهدم رجل فما بالك بأنثى ضعيفة، هشة، صغيرة السن مثلها! ماحدث معها يفوق احتمال كل البشر، يكفي معانتها النفسية، وصمودها للآن لا يدل سوى على مدى قوتها حتى وإن لم تعلم هذا، يدل على أنها كالشجرة ذات الجذر المتعمق لن تقدر أي رياح عاتية على كسرها.
وقفت أمام المرآة تلف حجابها الأسود حريصة ألا تُظهر خصلة واحدة من شعرها، وبعدما انتهت عدلت كنزتها السوداء كحال تنورتها وتأكدت أنها تغطي أردافها، فهي تعلم أن ثيابها باتت تضيق عليها مع تغير جسدها وبروز منحنياته، ولكن ما باليد حيلة فهي لن تقدر على جلب تنورة جديدة حتى. نظرت لذاتها في المرآة بعدما توقفت عن تفقد ذاتها وأصبحت تتفقد وجهها فقط.. عيناها الواسعة السوداء كعين المها المحيطة بأهدابها الكثيفة، حاجبيها المنمقان، وأنفها متوسط الحجم وبهِ استقامة، شفتيها التي لم تميل للغلظه بل بدت طبيعية تمامًا، وبشرتها الخمرية، بدت فتاة عادية ليس بها ما يجذب، بالعكس مع ارهاقها وتعبها والهالات السوداء القليلة التي زينت أعلى عيناها وشحوب بشرتها لحد ما، كل هذا جعلها ترى ذاتها أقل من أي فتاة عادية. لوت فمها بمرارة وهي تسير بكفها على وجنتها وتغمغم:
_ يعني لا مال ولا جمال ولا حتى حظ حلو في الدنيا!
صمتت قليلاً قبل أن تستوعب ما قالته فغمغمت مرة أخرى بضيق من ذاتها:
_ استغفر الله العظيم، إيه اللي بقوله ده بس، الحمد لله على كل حال.
عادت تنظر لتنورتها وهي تستدير لتصبح بجنب وعوجت رأسها لتنظر لأسفل ظهرها، فضيقت ما بين حاجبيها بضيق وهي تقول:
_ برضو ضيقة، البلوزة مش مغطية وقصرت هي كمان.
عادت تقف كما كانت معتدلة وفكت حجابها لتلفه بوضع يجعل معظم الحجاب خلف ظهرها، ولكن طوله لم يصل للطول الذي أرادته. تفحصت ذاتها مرة أخرى لتجد الوضع لم يتحسن، فنفخت بانزعاج وهي تقول:
_ يوووه بقى! أعمل إيه تاني! أيش حال ماكنت باكل طقة آه وعشرة لأ! نفسي أفهم بس جسمي ده بيتخن من الهوا! ياربي أعمل إيه بقى، ماعنديش حل تاني والله، هنزل بقى وربنا يسامحني، على ما أقدر أجيب جيبة تانية أوسع أو فستان.
التقطت حقيبتها واتجهت لخارج الغرفة لتجد شقيقها "مصطفى" يجلس فوق الأرضية ويضع كتبه أمامه منحنيًا يذاكر دروسه، فهو في المرحلة الإعدادية. ابتسمت بحنو وهي تتجه نحوه متسائلة:
_ إيه يا صاصا اللي مقعدك كده بس؟ ضهرك هيوجعك.
رفع رأسه لها وهو يردد ساخرًا:
_ لا حوشي الانتريه اللي سايبه وقاعد على الأرض.
رمشت بأهدابها بحرج من رده، وغمغمت بهدوء:
_ مش قصدي، بس قصدي تدخل على السرير أحسن.
طالعها بضيق وهو يعقب:
_ سرير إيه اللي أذاكر عليه؟ أنا لما بقعد عليه بعوز أنام.
لاطفته وهي تقول مبتسمة:
_ معلش يا حبيبي إن شاء الله ربنا يفرجها ونجيب كنبة وكرسيين هنا.
رفع جانب فمه ساخرًا وهو يحدقها بعينيهِ البنية مستهزأً:
_ كنتِ عرفتِ تجيبلي الكتب الأول، مش جبتيلي كتابين الشهر اللي فات وباقي الكتب كل حصة أروح للمدرسين من غيرهم ويحرجوني.
أدمعت عيناها وقد شعرت بالاختناق من ضغطه عليها وهي تقول:
_ أعمل إيه بس يا مصطفى، هو أنا بإيدي! ما على يدك مرتبى يادوب بيكفي إيجار الشقة والكهربا والماية وأكلنا وفلوس دروسك بالعافية.
احتد صوته وهو يخبرها:
_ ما تطلبي من الدكتور ده يزود مرتبك، مانتي بقالك سنة معاه.
هزت رأسها بنفي وهي تجيبه:
_ مينفعش، كفاية الراجل مديني مرتب عمر ماحد كان هيدهولي في أول شغلي كده، مينفعش أبقى بجحة وأطلب منه زيادة كمان.
أشاح بيده بضيق وهو يقول بينما عاد للنظر في كتبه:
_ خلاص خلينا كده لحد ما نشحت.
تنفست بعمق وقد احتل الألم والحزن ملامحها قبل أن تنسحب من أمامه بعدما قالت:
_ ربنا كريم وإن شاء الله هيسترها معانا ومش هنشحت ولا حاجة، وحاضر هجيبلك الكتب النهاردة.
اتجهت لباب الشقة مغلقة إياه خلفها لتستند على الحائط المجاور له وتساقطت دموعها بعجز وهي تغمغم بتعب:
_ يارب تعبت.. يارب مبقتش عارفة أتحمل إيه ولا إيه.
ظلت هكذا لدقيقة قبل أن تمسح دموعها وتستقيم مكملة سيرها قاصدة عيادة دكتور "كمال شاكر" التي تعمل بها.
***
وهناك على بُعد بعيد جدًا عن مكان "خديجة" كان يتحدث مع ولده بالهاتف بعدما خرجَ من المنزل كي لا يستمع أحد لهذه المكالمة، حاول استمالته وهو يقول برجاء:
_ بكفياك بُعد يا باهر، مكفكش سنتين ونص يا ولدي؟ مهمل بوك وخوك وامك ليه كل ده؟ اللي حُصل حُصل وعدى عليه زمن ارجع بجى.
أتاه رد الآخر وهو يقول بضيق:
_ اللي حُصل مش هين يابوي، ولا هنساه حتى لو بعد عشر سنين، بس الأكيد إني هرجع لبلدي وناسي بس مش دلوجتي، مجادرش صدجني، لما أهدى هرجع.
احتل الحزن ملامح والده وهو يقول:
_ بكيفك يا ولدي، منها لله اللي كانت السبب.
قاطعه "باهر" باختناق:
_ الله يرضى عنك ما عاوز أسمع سيرتها واصل.
_ خلاص يا ولدي المهم جولي أخبار شغلك إيه يا دكتور!؟
أتاه رده الهادئ وهو يقول:
_ الحمد لله يابوي ماشي زين، وكل يوم بكتسب خبرة.
_ ربنا يصلح أحوالك يا ولدي يارب، ويحنن جلبك علينا.
على الجهة الأخرى، اتجه للشرفة وهو يستمع لدعوة والده، ليزفر بضيق شاعرًا بالتقيد، فهو من جهة يريد العودة لوالديهِ فلا ذنب لهما فيما حدث وسبب ابتعاده عن البلدة عامان كاملان، وبنفس الوقت لا يشعر ذاته مؤهلاً للعودة أبدًا، ليس الآن على الأقل، ليس وهو يشعر أن ما حدثَ حدثَ بالأمس! اغمض عيناه السوداء الواسعة وهو يضغط على نواجزه بغضب حين عادت له ذكريات عامان ونصف مضت.
***
وعند بطلة أخرى......
انتهت من وضع الكحل في عينيها السوداء الضيقة، ورتبت خصلاتها جيدًا أسفل حجابها، والتقطت حقيبتها القماشية بعدما قيمت ما ترتديه في المرآة للمرة الأخيرة باهتمام ليلاقي استحسانها، فقد أرتدت فستان صيفي باللون البني الفاتح لائم بشرتها الخمرية الفاتحة، ولفت حجاب من نفس اللون بهِ نقوش سوداء. نظرت لملامحها بابتسامة فلدومًا ترى ذاتها جميلة، بشفتيها الغليظتان قليلاً باغراء، وانفها المستقيم حتى قرب نهايته فيتسع قليلاً، وحاجبيها الأسودان المنمقان بعناية. ابتسمت لذاتها وهي تردف بعقلها:
_ مخبراش كيف البهيم ده ملفتاش نظره.
ضحكت لذاتها بخفوت على سبّها إياه، قبل ان تخرج من الغرفة لكي تذهب لمقصدها، لكنها وجدت والدتها تجلس في بهو المنزل، فقالت بهدوء مقتضب:
_ أنا هوصل للحاج سالم أشوف نتيجة التنسيج "التنسيق".
رفعت عيناها لها من إناء الرز الذي تقوم بتنقية ما بهِ من غبار أو حبة فاسدة، وقالت بحدة:
_ وأنا جولتلك متروحيش.
قطبت حاجبيها بضيق متسائلة بانزعاج واضح:
_ وه! ليه؟ مالزمن أشوف التنسيج جابلي جامعة إيه؟ ولا هنجم عاد!
وضعت الإناء جانبًا وهي تضع كفيها فوق بعضهما وأسندتهما فوق بطنها في حركة شعبية، وهي تردف ساخرةً:
_ لا يا حيلة أمك، مهتنجميش، بس مش هتفرج التنسيج اختار إيه، أكده أو أكده، مهتتحركيش من الدار، لا هتسافري مصر ولا حتى سكندرية كيف ما بتجولي، ولا في جامعة من أصله بكفياكِ تعليم لحد أكده.
اتسعت عيناها بفزع، وشحب وجهها بعدما استمعت لحديث والدتها الذي لم تتوقعه، وقالت بخفوت:
_ يعني إيه!؟ إنتِ مجولتليش أكده جبل "قبل" سابج.
ببرود تام أجابتها مبتسمة بسماجة:
_ مكنتش رايدة خوتة دماغ، جولت أجولك في وجتها أحسن.
حركت رأسها نافية بعدم تصديق، وأردفت:
_ لاه، مهتحرميش من حلمي ياما صُح؟ ده.. ده أنا چبت ال٩٦ وهدخل طب أسنان حتى لو بعيدة كيف ما كنت رايدة.. مهتجسيش عليَّ أكده.. أنا خابره إنك بتهزري معاي صُح.. إنتِ بتضايجيني عشان بتحبي تشوفيني مضايجة، بس مهتعمليش أكده.
لم يظهر على ملامحها أي تأثر ولو طفيف! وكأنها لا تستمع إليها، أو أنها جماد لا يشعر! ظلت صامتة حتى انتهت الأخرى فعادت تلتقط إناء الأرز تكمل ما تفعله وهي تقول بقسوة:
_ همي غيري خلاجاتك "ملابسك" معوزاش وجع دماغ.
انهارت، وتُلفت أعصابها وهي تدرك جدية والدتها، لتسقط حقيبتها أرضًا، وأردفت بنبرة باكية، بينما عيناها احتقنت بالدموع:
_ حرام عليكِ.. إنتِ بتعملي معايا أكده ليه؟ ليه مصممة تكسري بخاطري، وتدوسي على جلبي، هو أنا مش بتك؟ لما إنتِ مهتحبنيش خلفتيني ليه؟ چبتيني عشان تعذبيني وياكِ؟ عملتلك إيه لاجل الجسوة دي كلها؟!!
رفعت عيناها لها وهي تحدقها بشرر، وكأنها ترى عدوًا أمامها وقالت بسخرية:
_ هه، لو كنت خابرة إني هخلفك انتي مكنتش حملت من أصله، بس نجول إيه، طول عمري حظي فجر "فقر".. واه، عشان تكملي ندب.. اعملي حسابك أنا وعمك اتفجنا إن خطوبتك الشهر الچاي.
جحظت عيناها بفزع، وشهقت بقوة وهي تسألها بضياع:
_ خطوبة؟ خطوبة إيه؟ خطوبة مين؟ أنا... أنا مفهمش حاجة.
وضحت لها الأمر وهو تقول بملل:
_ خطوبتك يامحروسة، خطوبتك على وِلد عمك.
دارت عيناها بضياع أكبر، وشردت بنظرها لثواني بصمت كأنها تستوعب ما تتلقاه من صدمات حتى سألتها بتيه:
_ وِلد عمي مين؟
ببرود تام كانت تجيبها وهي تحرك حبات الرز في الطبق وتنظر له:
_ إبراهيم.
تدلى فكها للأسفل بصدمة، وهي لا تستوعب ما تسمعه، لم يُذكر أمامها سلفًا أنَ إبراهيم يريد الزواج منها؟ لم تشعر منهُ بنظرة أو فعل أو حتى شعور يوشي بتفكيره بها! ولكن كل هذا لم يمنعها من الهدوء، بل وابتسم ثغرها ابتسامة بالكاد تُرى كي لا تكشفها والدتها، وتنحنحت بتوتر وهي تسألها بنبرة بدت أكثر هدوءًا:
_ إبراهيم؟ هو... هو يعني اللي حدت "كلم" عمي! جاله إنه رايدني يعني!؟
لوت فمها بضيق وهي تحرك حبات الأرز:
_ وهيفرج "هيفرق" معاكِ؟
توترت في وقفتها وهي تعض على شفتيها السفلى بارتباك وقالت:
_ وه! يعني مهيفرجش كيف؟ جولي بس وريحيني.
رفعت رأسها تحدقها بصمت لثانية كأنها تستشف ملامح وجهها، قبل أن تدرك أنها ارتاحت للفكرة، لكنها لم تهتم وهي تقول بهدوء:
_ مخبراش.. عمك هو اللي اتحدت وياي، جالي إنه رايد ياخدك لابنه.
اختفت الراحة من ملامحها، وقطبت جبينها بعدم فهم متسائلة:
_ يعني إيه؟ مش هو اللي رايدني؟
_ مهيفرجش معايا، كفاية عمك رايدك، حتى لو هو مرايدش، مهيجدرش يجول لابوه لاه "لا".
طفرت الدموع من عينيها بعدما أدركت عدم رغبته بها، وتحطمت آمالها، وعادت بائسة كما كانت تمامًا، وهي تدرك أنها لم تنجح في لفت نظره يومًا، فقالت بنبرة مختنقة:
_ وأنا مهتجوزوش ياما مادام مش رايدني.
انهت حديثها واتجهت لغرفتها ودموعها تسبقها، وضعت "سرية" الطبق بحدة فوق الأريكة وهي تنهض بملامح غاضبة بشدة، تلحق بها وهي تهتف بصوتٍ عالٍ:
_ بجى بجولك الراجل مهيجدرش يجول لابوه لاه، وانتِ هتجوليلي أنا لاه، ده أنا كنت أجطم رجبتك.
دلفت للغرفه لتلتف لها "فريال" باكية وقد أُرهقت أعصابها وقالت بقهر:
_ معوزاش، مهتجوزش أنا دلوجتي...واه بجولك لاه والي كيفك فيه اعمليه.
اقتربت منها "سرية" خطوة واحدة وهبطت على وجنتها بكفها بعنف جعلها ترتد للخلف بضعف، ولم ترحمها حين رفعت وجهها لها تحاول الحديث، لتنالها صفعة أخرى أدمت جانب شفتيها، أجهشت في البكاء أكثر مرتدة للخلف بخوف تلقائي، لتعود "سرية" تجذبها من ذراعها بقوة لاوية ذراعها خلف ظهرها، مرددة بملامح جامدة ظهرت بها قسوتها المعتادة وبنبرة جامدة قالت بتحذير:
_ الله في سماه يوم ما تفكري تعصيني وتخرجي عن طوعي لأكون جتلاكِ وشاربة من دمك.
هزت رأسها باصرار نافية الانصياع، وهي تهتف من بين شهقاتها:
_ ماهتجوزوش ياما حتى لو جتلتيني ماهتجوزوش.
صفعة أخرى أعنف سقطت على وجنتها الملتهبة من كم ما لاقت من صفعات ووالدتها تهتف بنبرتها القاسية:
_ هتتجوزيه ورجلك فوج رجبتك، معندناش بنات تجول رأيها في جواز.. وإن كنتِ أنتِ عبيطة ومعرفاش مصلحتك يبجى كلامك ملهوش عازه عِندي.
صرخت في وجهها وهي تقول بقهر:
_ ماريدنيش! هو ماريدنيش ومغصوب على جوازه مني.
قطبت "سرية" حاجبيها باعتراض بعدما تركت ذراعها منفضة إياه:
_ مخبولة إياك! مفيش راجل بيتجبر على جوازة، أنا مجولتش إنه مجبور، جولت معرفاش إذا كان هو اللي طالب ولا عمك، وحتى لو عمك هو متربي مهيجفش في وشه كيفك يا عديمة الرباية، وليه هيبجى مش رايدك؟ عفشة ولا ناجصة إيد! ومادام عمك كلمني أكيد هو موافق.
هزت رأسها بيأس وهي لا تهتم لحديث والدتها الأخير، وبدموعها التي تغرق وجنتيها قالت:
_ يبجى جال أهي جوازه والسلام، يعني برضو ماريدنيش أنا! ماريدش فريال ياما، وطول حياتنا سوا عمري ماهشوف في عينه نظرة حلوة ليَّ.
اقتربت خطوة منها ممسكة ذراعها بحدة أخافت الأخرى وهي تهتف بحدة:
_ بت أنتِ كلام فاضي معوزاش، كلامك ده ملوش عازة عندي، اللي ليكِ إن الراجل موافق على الجوزاة إن شا الله يفشفش عضمك بعدها مليش صالح، وإن سمعت صوتك ولا كلمة لأ نطقتيها هجطع خبرك.
نفضتها عنها دافعة إياها للخلف بقوة أسقطتها أرضًا ولم تعبأ لها وهي تخرج من الغرفة مغلقة الباب خلفها بقوة.
ضمت ركبتيها لصدرها وهي تردد بنبرة مختنقة من بين شهقات بكاءها:
_ حرام عليكِ، ليه غاوية تعذبيني وتحرجي جلبي، هعيش إزاي وياه وأنا خابره إنه مجابلنيش، هعيش إزاي وياه وأنا حبه معشش في جلبي.. جلبي اللي مش هيلاقي نظرة منه ترضيه.
هزت رأسها بقهر على حالتها ووضعها وهي تجهش في بكاء عنيف، عاجزة عن الرفض، ومقيدة عن التصرف، كالبهيمة التي تساق للذبح، فلا تملك قرارًا في يدها ينقذها من مصيرها الغابر.
***
وقف بجسده المعضل والذي اكتسب بنيان أقوى مع مرور الثلاث سنوات ومواظبته على ممارسة رياضاته المفضلة، حتى ذقنه نمت أكثر فأصبحت لحية أثقل من السابق لكنها ليست بالثقيلة فهي فقط مهذبة ووسط بين اللحية الخفيفة والأخرى، واضعًا كفه في جيب بنطاله القماشي الأسود، وواقفًا بشموخ كعادته فاردًا ظهره، وكفه الأخرى ينفس لفافة التبغ من بين أصابعه، أخرج دخانها من فمه، وعقله شاردًا بعيدًا، هناك... بها، "فتاته الصغيرة" التي يصر القدر على إبعادها عنهُ بكل السُبل، فالرجل الذي كلفه بالبحث عنها توفى في حادث سيارة قبل أن يكمل بحثه، وقبل انقضاء الشهر ونصف الذي حددهم له "مراد"، وهذا جعله يكلف رجل آخر، بحث من أول وجديد على قائمة من يدعون "محمود الدالي" في سوهاج، والبحث ثم تصفية الأسماء أخذ خمسة أشهر كاملين، وبعدها أبلغه بالبشارة وأنه وجد الشخص المعني، وأخبره بعنوانه، ليركض "مراد" على الفور إلى سوهاج رغم تخطي الساعة الثانية صباحًا لكنه لم يهتم، وحين وصل أخيرًا لمنزلها حدث ما لم يتوقعه..
منذُ عامان ونصف...
أوقف سيارته مصدرة صريرًا عاليًا كالعادة يدل على مدى سرعته، ترجل من السيارة بقميصه الغير مرتب وخصلات شعره المبعثرة، مظهره دل بوضوح على مدى استعجاله، فلقد كان يستعد للنوم حين جاءه الخبر، فنهض مسرعًا وارتدى ما جاء أمامه دون اهتمام، فقط يهتم بأن يصل لها. وصوله كان مع بداية انكشاف ضوء النهار وانجلاء الليل، فقد وصل بعد الفجر بقليل. وقف ينظر لباب المنزل بقلب آلمه من كثرة دقاته، لا يعلم ماذا سيفعل حين يراها! وماذا ستكون ردة فعلها؟ هل يجب عليهِ معاقبتها لابتعادها عنه؟ أم احتضانها لسد شوقه!؟ حقًا ليس لديهِ أدنى فكرة عن كيفية اللقاء، لكنه متحمس جدًا له. تحرك تجاه الباب وخطواته مترددة، تارة يتقدم وتارة يتأخر، يزدرد ريقه بتوتر كبير، لم يشعر بأيًا من هذا من قبل، لم يعش كل هذه المشاعر المتوترة سلفًا. وصل أمام الباب ليأخذ نفسًا عميقًا وهو يقرر طرقه، رفع قبضته وكاد يطرق الباب لكنه توقف حين ضرب بعقله شيء.. ماذا سيقول لمن يفتح أيًا كان؟ إن سأله ماذا يريد ماذا سيخبره؟ وإن كانت هي ماذا سيقول لها؟ وماذا ستفعل أن أخبرها بهويته؟ هل ستتقبله؟ أم ستصرخ طالبة الأمان من غيره؟ أم ستقذفه بعدة كلمات قاسية وربما تسبّه وتطلب منه الرحيل وألا يعترض طريقها مرة أخرى؟ ولأن "مراد" ذكي علمَ أنه من الغباء ما سيفعله الآن، بل لربما يتسبب بتعقيد الأمر بينهما أكثر... ملسَ بكفه على الباب وهو يطالعه بقهر، حبيبته خلفه ولا يقدر على رؤيتها! من بحث عنها سبعة أعوام ونصف تقبع خلف هذا الباب اللعين ولا يستطع تخطيه! يالسخرية القدر!
واثناء وقوفه كان احدهم يمر فظنه قد طرقَ الباب ولم يجد اجابه، فوقف وهو يخبره:
_ يابو عمه، محدش اهنه.
تمالك نفسه قبل أن يلتفت لذلك الرجل، وعقد حاجبيهِ سائلاً إياه باستغراب:
_ اومال فين أهل البيت؟ مش ده بيت الحاج محمود الدالي، أبو سارة.
اومئ له وهو يقول:
_ أيوه، هو بيته.. بس هنجول إيه محدش خابر اللي حصل.
اتجه ناحيته حتى وقف امامه فسأله باستغراب:
_ أنا مش فاهم، يعني هما فين ولا في إيه؟
ضيق الرجل عيناه بشك يسأله:
_ وانت تعرفهم منين؟
بهدوء أجابه:
_ معرفة قديمة.. المهم هما فين؟؟
قالها وهو يخرج بعض العملات الورقية من جيبه واعطاها للرجل، التقطهم سريعًا بابتهاج واجابه:
_ هجولك.. مخابرش أي المشكلة اللي حصلت بين الحاج محمود وعيلته، بس إحنا في يوم سمعنا زعيج من داره وصريخ وبعدها بيوم كان واخد عياله وعفشه "فرشه" وساب البلد، الحديت ده من أسبوعين أكده من وجتها محدش شافه واصل.
نظر للجهة الأخرى وهو يطلق ضحكة ساخرة، حقًا! هل ظلت هنا سبعة أعوام ومن أسبوعين فقط قررت الرحيل! يالحظه العاثر! حرك رأسه بائسًا، وملامح السخرية بدت تنجلي ويحل محلها كل معاني الألم. التفت للرجل بوجه جامد تحول في ثانية استطاع فيها مداراة مشاعره، قبل أن يسأله بنبرة أثارت ذعر الآخر:
_ بقى انتَ مش عارف السبب؟
توتر الرجل وازدرد ريقه قبل أن يقول بلجلجة:
_ والله يا استاذ... يعني.. هو بصراحة كل اللي عارفه حاجة ممكن متفيدكش.
احتدت نظرته أكثر وهو يقول بقوة:
_ ملكش دعوة تفدني ولا لأ، انطق.
اومئ برأسه سريعًا وهو يقول بخوف:
_ استهدى بالله ياستاذ هتتزربن "هتتعصب" ليه بس، هجولك.. هما من ييجي كام شهر أكده بعد ما مرته ماتت..
قاطعه "مراد" بصدمة وهو يسأله:
_ دينا ماتت؟
تعجب الرجل من قوله اسمها دون القاب، فالفارق العمري بينهم كبير، لكنه لم يهتم كثيرًا وهو يسرد بشغف:
_ أيوه، من ييجي كام شهر.. من بعدها والبت بتاعتها مخابرينش أي اللي جرالها، زي ماتكون عجلها من الصدمة فوت.
ارتجف قلبه بقلق وهو يشعر بشيء سيء اصابها، ومن عدة أشهر! إذًا حين شعر بقلبه يؤلمه بتلك الطريقة التي أنبأته أنها ليست بخير!، ولكن مهلاً ما له هذا الحقير يتحدث عنها هكذا! امسكه من تلابيب جلبابه بغضب وهو يهدر بهِ:
_ اتكلم بادب يا راجل انتَ، ولم لسانك أي عقلها فوت دي!
اسرع الرجل يحاول جذب نفسه من قبضة الآخر وهو يقول بتوتر:
_ وه! مجصديش يااستاذ والله، خلاص مهجولش كلمة عفشة.
تركه بملامح واجمة، واعين تنبعث منها شرارات الغضب، ليزدرد الرجل ريقه وهو يكمل:
_ إحنا بجينا نسمع صراخها كتير وكان محمود في الكام شهر اللي فاتوا بيتدلى لمصر كتير ولأني صاحبه من زمان سألته في مرة، فجالي إنه هيخلي دكتور نفساوي من مصر يشوف بته، وجالي إن اللي هي فيه ده عشان كانت متعلقة بأمها هبابة "شوية"، فموتها تعبها اكده، وبعد اليوم اياه اللي جولتلك عليه بكام شهر، شوفت محمود وهو هيعزل، وجتها استغربت، وسألته على فين، جالي إنه هيتدلى على مصر عشان يكمل علاج بته وإن المشوار بعيد عليه فهيجعد في مصر، بس يدوب خلصنا حديثنا ومشي شوية سمعت "مصطفى" ولده بيتكلم مع واحد صاحبه بيجوله إنه مهيعاودش أهنه تاني واصل، وهيبجوا في مصر، وجاله إن أبوي اتعارك مع عمتي وعمي عشان أكده مهيرجعش أهنه.. ده كل اللي خابره والله.
عاد من ذكرياته حين شعر بلسعة اللفافة لأصبعيهِ فانتبه من شروده وهو يزفر بحنق، يتذكر كيف مضى بعدها شهر كامل بائسًا، فاقدًا الشغف، كانت أكثر فترة ظهر فيها عصبيًا وغاضبًا معظم الوقت، حتى أنه ذات مرة رفع صوته على والدته من سوء مزاجه، ولكن بعدها ذكرَ نفسه أنه وعد ذاته ألا ييأس، فعاد يبحث عن اقارب ذلك الرجل "والدها" وسرعًا ما توصل لعائلته التي تسكن في نفس البلدة ولكنه لم يستفيد من الأمر فحين ذهب لعمها متحججًا أن والده له دين لمحمود وجاء هو ليقضيه مكانه، أخبـره الآخر أن شقيقه ترك البلدة منذ مدة، وحين طلب عنوانه الجديد، أقسم له أنه لا يعرفه وقد تعمد شقيقه هذا لخلاف حدثَ بينهما، فلم يخبره بمحل سكنه، بل لم يهاتفه من وقتها حتى رغم مرور شهر ونصف، وانه قد ذهب من هنا مقررًا عدم العودة. ووقتها دارت الدنيا بهِ مرة أخرى، ولم يعد يدرك للقائها سبيلاً، وظل لثلاثة أشهر بعدها متوقفًا عن البحث لم ييأس، ولكنه لم يجد طريقه يصل بها إليها، حتى قرر إعادة ما فعله بسوهاج، فكلف شخص برجاله بالبحث عن أي عقد إيجار أو شراء منزل وُثق في الشهر العقاري باسم والدها في نفس التوقيت الذي أخبـره عنه ذلك الجار بذهابهم، ولأن القاهرة أكبر بكثير.. ولأن البحث بين ملفات الشهر العقاري ليس سهلاً، أخذ الأمر للآن ثلاث سنوات ولم يتوصلوا لشيء بعد....
اتجه لمكتبه وجلس فوقه بارهاق، مغمضًا عيناه بتعب من ذكرياته، يشعر بذاته يركض في سباق لا ينتهي ولا تظهر نقطة نهايته، عشر سنوات للآن ولم يجدها، لو كان يبحث عن إبرة في كومة قش لوجدها منذ زمن!
فتح عيناه سريعًا حين استمع لتلك الرنة المميزة التي خصصها لذلك الرجل المسؤول عن البحث عنها، التقط الهاتف مجيبًا على المكالمة وهو يتمنى لو يسمع خبرًا جديدًا يسعده:
_ أيوه يا نبيل.
أجابه "نبيل" سريعًا بنبرة فرحة:
_ لقيناهم يا باشا، عرفنا مكانهم خلاص عيلة فيها كل الأسماء اللي حضرتك قولتها بالاعمار كمان.
انتفض واقفًا وملامح وجهه ظهر عليها عدم تصديق واضحًا قبل أن تلمع عيناه بالدموع وهو يسأله بلهفة لم يحاول مدارتها:
_ بجد! لقيتهم بجد؟ لقيتهم فين؟ متأكد إن هم؟
أتاه الرد على الجهة الأخرى وهو يقول:
_ والله لقيناهم.. العقد باسم محمود الدالي، وساكن في الشقة بنت وولد، خديجة ومصطفى، ده اللي عرفته لما سألت الراجل بتاع السوبر ماركت اللي قدامهم، قال إن بنت الراجل وأخوها هما اللي عايشين في الشقة بعد موت أبوهم من سنة، وإنهم من الصعيد أصلاً.. وقال كمان إن البنت شغالة سكرتيرة عند دكتور نفسي.. كان فاكر إني عريس عشان كده قالي كل المعلومات دي وأنا فضلت مفهمه إني فعلاً عريس عشان آخد منه معلومات، لحد ما بالصدفة وأنا واقف قالي أهي نزلت أهي، لفيت لقيت بنت طالعة من باب العمارة، عملت نفسي عارفها واستأذنت منه وخرجت ومشيت وراها من غير ما تاخد بالها لحد ما عرفت العيادة اللي شغالة فيها.
بهرولة كان يلتقط مفاتيح سيارته فقط حتى لم يهتم بستـرته، وهو يركض للخارج بانفاس متسارعة، وعقله يردد.. لن أضيع أثرها مرة أخرى، حتى أنه لم يهتم بالـ سكرتيرة الخاصة بهِ التي كانت على وشك دق باب المكتب، واصطدم بها بقوة أوقعتها أرضًا ولم يبالي وهي تطالع ركضه باندهاش فمنذُ متى وربّ عملها يركض هكذا بـ هرجلة!؟ والاندهاش كان نصيب كل من بالشركة وهم يرونه يهرول بهذه الطريقة بل ولا يرتدي سترته كالعادة!
استقل المصعد الكهربائي وهو يهتف لنبيل، بتحذير:
_ متفارقش مكانك، ولو جيت ملقتهاش يا نبيل هاخد روحك.
واغلق الهاتف وانفاسه مسموعة كمن يركض في سباق، وكل ما يفكر بهِ حاليًا أن يلحقها قبل أن تضيع منه مرة أخرى، وهذه المرة ستكون القاضية بالنسبة له....
رواية بك احيا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ناهد خالد
عدل من جلسته حين رأى أبيه مقبلا عليه، فجلس معتدلا بعد أن كان يتسطح على ظهره. ابتسم له "منصور" وهو يجلس أمامه قبل أن يقول:
_ كيفك يا ابراهيم؟
أجلّى حنجرته وهو يجيبه بصوته الأجش:
_ الحمد لله يابوي.
سأله بعدها بوضوح:
_ ما جلتليش رأيك في بت عمتك المرة اللي فاتت. ما سألتك سكت ومتكلمتش.
رفع منكبيه ببرود وهو يقول:
_ وانت خدت سكوتي موافقة؟ وكلمت عمتي. هتسألني تاني ليه بجى؟
ابتسم له "منصور" بنفس بروده معقّبا:
_ ما هو بيقولوا السكوت علامة الرضا. بعدين عمتك حبيبتك، معقول هتكون مرايدة بتها؟
وبوقاحته المعهودة كان يجيبه وهو يجز على نواجذه:
_ السكوت علامة الرضا؟ ليه؟ بت أنا اياك عشان أخشي أقول رأيي؟ بعدين إيه علاقة حبي لعمتي إني أتجوّز بتها! أنا هتجوزها هي ولا بتها؟
رفع "منصور" حاجبيه بنزق وهو يحذره:
_ اتحدّت زين وياي. بعدين لو مرايدهاش جولي، ما هغصبكش على جوازك منها. البت ما تتعايبش عشان تتجوز واحد مش رايدها. ودي بت خيتي، يعني كيف بتي، ما هجبلش إنك تعاملها من غير نفس وتحس إنك مجبور عليها.
تأفأف بنزق وهو يجيبه بلامبالاة:
_ ما يفرّج.
تمتم هامساً لذاته:
_ كده أو أكده ما أطيقش صنفهم.
_ بتجول إيه؟
تسائل بها "منصور" بعدما فشل في سماع ما قاله همساً. ليرفع "ابراهيم" صوته قائلاً بهدوء:
_ ما جلتش. ما أعرفش ليه مستعجل على جوازي. ده أنا لسه يدوب عشرين سنة. متشوف باهر الأول! مش هو الأكبر بردك؟ ده جرّب على الستة وعشرين سنة.
تلونت معالم "منصور" بالحزن وهو يجيبه مهموماً:
_ باهر! باهر من بعد اللي حصل مليش أدخل في حياته. حتى لو عملت أكده هو ما هيسمعليش. رغم إنه بيتحدّت وياي، بس أنا خابر إنه شايل ومعبي مني ومنّا كلنا.
ذمّ شفتيه بأسف مصطنع، سريعاً ما انحدر وهو يقول بسخرية:
_ الموضوع ما استاهلش كل ده! حكاية وخلصت. بس باهر أخوي أكده يعمل من الحبّة جبة.
حدّقه والده بنظرة غاضبة وأردف بضيق من لامبالاته وسخريته:
_ لا هو بس البعيد ما عندوش دم، وهو مش كيفك.
أشاح بوجهه بلامبالاة، وبالطبع لم يقتنع بحديث والده. فهو ما زال يرى "باهر" قد أعطى الموضوع أكبر من حجمه. وبالنهاية لا الموضوع ولا باهر يخصونه في شيء. لذا أنهى الجدال وهو يقول:
_ خلاص يابوي، ملياش صالح. أنا هقوم أروح أطلّ على المصنع.
اعترض والده وهو يسأله:
_ هو أنت ما ورّاكش غير مصنع العلف؟ فيه حدانا شغل تاني. روح طلّ على المجزر ولا المزرعة.
تأفأف وهو يلتقط مفتاح سيارته وهاتفه، وقال:
_ يوه يابوي، جلتلك ما أحبش أنا شغل المزرعة ولا المجزر. خليني أنا في المصنع بفهم فيه وبعرف أمشي شغله كيف. وغير أكده شغله كتير ومحدش هيعرف يديره غيري. ولما بيبقى فيه شغل كتير في المجزر في الأعياد والمناسبات بروح.
هز "منصور" رأسه بيأس وأردف:
_ بكيفك، ما هجادلش معاك. المهم جهّز نفسك، خطوبتك أنت وبت عمتك بعد شهر.
ابتلع امتعاضه وردد بتساؤل ساخر:
_ والفرح امتى يا حاج؟ عشان بس الحج أعزم الناس.
قابله "منصور" بنفس سخريته وهو يقول:
_ لا ياروح الحاج، الفرح مش دلوقتي. أنت جلت لسه ما عدتش الـ 20. الفرح كمان أربع سنين أكده، وعلى ما البت تكمل تعليمها.
رفع حاجبيه اندهاشاً، وهو يردف رافضاً:
_ يعني إيه! ولما هي كده إيه لازمتها خطوبة دلوقتي؟
وقف "منصور" يواجهه وقال:
_ عشان البت ما يتقدملهاش عريسين لدلوقتي. وأنا ما بستناش يتقدملها التالت والرابع. لازم البلد كلها تعرف إنها محجوزالك. وخطوبتك ليها ما هتخليكش لا تتحدّت وياها ولا ليك علاقة بيها. علاقتكوا هتبقى كيف دلوقتي، فهمت؟ دي خطوبة صوري كده، لحد ما أنا أقول خطوبة رسمي وجتها تتعاملوا بعرف المخطوبين، وده ما يكونش قبل 3 سنين.
سأم الحديث في هذا الموضوع، فهتف وهو يخرج من المنزل:
_ اعمل اللي تشوفه يابوي.
واغلق باب المنزل خلفه، ليتنفس "منصور" بعمق وهو ينظر لأثره وقال:
_ ربنا يهديك يا ولدي.
***
خرج من غرفة العمليات التي كان أحد المشرفين على عملية هامة بها. أزال قناع وجهه وألقى قفازات يده في الأماكن المخصصة لها. تنفس بتعب وهو يخرج من الباب الرئيسي قاصداً الاتجاه لغرفته ليستريح بها قليلاً بعد أربع ساعات قضاهم في العملية. استمع لصوت ضوضاء قادم من آخر الطرقة التي يسير بها، ليقطب حاجبيه باستغراب وفضول ناحية الصوت. فرأى فتاة ترتدي بنطال من الجينز المهترئ من عند الركبة وهذا ما يدعى بالموضة! وكنزة بدون أكمام حمراء اللون تجسم جسدها العلوي بضيق فتبرز بياض جسدها، ذو فتحة صدر واسعة لحد ما. وخصلاتها البنية المدرجة أحاطت وجهها الأبيض بعينيها البنية الفاتحة وحاجبيها المنمقان وثغرها المغري. بدت جميلة لحد لا يمكن تجاهله، رغم قصرها الواضح والذي أبداها أكثر إغراءً. توقف أمامهما وهو يراها تتشاجر مع ممرض من المستشفى. ليتسائل بصوت مرتفع كي يطغى فوق صوت شجارهما:
_ فيه إيه؟ إيه الدوشة دي؟ الدور فيه غرف عمليات، مينفعش اللي بتعملوه ده.
توقفا عن الشجار، لتلتف له تلك الثائرة تريد الصياح به هو الآخر، لكنها ابتلعت ريقها حين رفعت عيناها لتبصر وجهه. حين التفت قابلت جثة بطول فارع وصدر عريض لحد ما. رفعت نظرها لتقابل وجهه الخمري الذي تزينه عيناه السوداء الواسعة، وأنفه المستقيم، وخصلات شعره السوداء. مهلاً، إنها نفس الملامح التي تفضل دوماً رسمها. انتبهت على صوته حين تنحنح وهو يقول:
_ أنت معايا يا آنسة؟
أومأت برأسها وهي تشيح ببصرها بعيداً عنه، وقالت بصوتها الرقيق:
_ أيوه.. هو.. الأخ ده بقوله عاوزة أدخل أشوف مامي مش موافق، رغم إن امبارح الدكتور المشرف عليها قالي إني ممكن أشوفها بكرة.
قطب حاجبيه مستغرباً وهو يقول:
_ لحظة بس، تشوفيها فين؟ هنا الدور كله غرف عمليات.
التفت له مرة أخرى وأوضحت وهي تشرح بحماس جعله يبتسم لها بلطف:
_ لا، هي مامي تحت في العناية المركزة. وأنا كنت تحت، والأخ ده برضه كان تحت. بعدين أنا وهو اتخانقنا تحت، بس قليل الذوق ده سابني وطلع قبل ما نكمل الخناقة. فطلعت وراه.
كبح ضحكته وهو يتجه بنظره للممرض يسأله بحدة مصطنعة كشفها الممرض فضحك بخفوت:
_ أنت إزاي تطلع قبل ما تكملوا خناقة؟ مش أصول خناقات دي!
شهقة ناعمة خرجت منها وهي تلتفت له بعد أن كانت تنظر للممرض بانتصار، لتدرك أنه يستهزأ بها. فحولت ضفة الشجار له وهي تهتف بضيق:
_ الله! أنت بتتريق بقى! عيب عليك على فكرة، أنت دكتور ميصحش طريقتك دي.
قالتها وهي تنظر لثوب العمليات الذي يرتديه، والذي أوحى بمهنته. فتحكم "باهر" في ذاته وهو يصطنع الجدية ناظراً للممرض:
_ هي الزيارة ممنوعة عنها؟
أومأ الممرض وهو يقول لـ"باهر":
_ آه، الدكتور مانع الزيارة وده لمصلحتها، لأنها ما كملتش يومين في العناية. ده اللي بحاول أفهمه للآنسة بقالي ساعة.
ذمّ "باهر" شفتيه بتفهم وهو يشير له بالذهاب. ثم اتجه بنظره لها وهو يحاول الشرح:
_ بصي يا آنسة...
ضيّقت ما بين حاجبيها بتأفف وهي تقول:
_ جاسمين...
_ نعم؟
هتف بها بتفاجؤ من مقاطعتها له، لتنظر له بملل بمعنى أنها لن تعيد كلمتها مرة أخرى. تنحنح باستيعاب حين علم أنها أخبرته باسمها، فاكمل بهدوء:
_ بصي يا آنسة جاسمين، والدة حضرتك واضح إن حالتها مش مستقرة. وعموماً أي حد في العناية المركزة مش صح أبداً يبقى له زيارات. وده لمصلحتها خصوصاً إنها ما كملتش يومين في العناية.
تهدّلت كتفيها بحزن واغرورقت عيناها بالدموع وهي تهمس بنبرة مختنقة:
_ أنا بقالي يومين مشوفتهاش.. وأنا مش متعودة تغيب عني كده.. عاوزة بس أشوفها حتى لو من بعيد.
تأثر من نبرتها ومعالمها التي لم يليق بها الحزن. ليزفر ببطء وهو يضيق عيناه بينما يقول لها:
_ خلاص، إيه رأيك تشوفيها من ورا الإزاز؟ ينفع؟
أشرقت ملامحها مرة أخرى وابتسم ثغرها المطلي بملمع شفاه فقط دون لون، وهو تومئ برأسها قائلة بفرحة:
_ ينفع.
ابتسم تلقائيًا وهو يشير لها لتسبقه، فثارت أمامه بحماس ظهر على حركات جسدها كطفل حصل أخيرًا على ما أراد. ابتسم هازئًا رأسه بعدم تصديق. ترى ما عمر هذه الفتاة؟ هل تجاوزت العشرين حتى؟ لا يصدق أنها تخطت عمر المراهقة بعد!
ترجل من سيارته بأنفاس ذاهبة، يشعر أنه لا يجد في صدره نفسًا واحدًا لالتقاطه. قلبه يرتعش. وهل تعرف هذا الشعور؟ من جربه حتمًا سيعرفه، ومن لم يجربه سيجده مبالغًا فيه. لكن على أي حال، فالصدق هو ما أقوله وأشعر به الآن. رأى الرجل الخاص به يقترب منه، فوقف بثبات ينظر إليه حتى اقترب الأخير وهو يقول:
- باشا، هي في العمارة دي، الدور السادس. هتلاقي حضرتك يافطة عليها اسم "كمال مختار" طبيب نفسي.
أومأ برأسه بشرود، يخبره وعيناه تنظر للعمارة التي أشار إليها، كأنه يقنع عقله أن من ركض ورائها عشر سنوات تقبع هنا! يفصله بينها عدة خطوات، ومصعد كهربائي فقط! رباه، وكيف له أن يصدق بسهولة؟
- خلاص، روح أنت. وبرضو متسحبش رجالتك من عند بيتها، سيبهم يمكن نحتاجهم هناك.
أومأ الرجل برأسه وهو يخبره بانصياع:
- أوامر ياباشا، بالإذن أنا يا كبير.
علّ صوته وهو يخبره للمرة الأخيرة قبل أن ينسحب من أمامه متجهًا للعمارة:
- كلم طارق.
وهذه الجملة معناها "مكافأة نقدية كبيرة"، جعلت الرجل يهلل من خلفه بفرحه:
- ربنا ما يحرمنا منك ياباشا، خيرك سابق والله.
لم يهتم بأي من هذه الثرثرة وهو يقرر ترك قدماه لتهرول لها. إن وقف حتى يستوعب عقله فلن يستوعب، وإن انتظر أن يستعد فلن يستعد. ربما سيأتي عليه عشرة أعوام أخرى هنا قبل أن يفعل! لذا قرر ترك كل هذا جانبًا والركض فقط ناحيتها.
وأثناء صعوده في المصعد، أخذ عقله يدور كدوران عقرب الساعة، دون توقف. يتسائل هل سيعرفها حينما يراها؟ أم عشر سنوات نجحوا في تغيير ملامحها؟ يقولون أن الشخص مهما كبر يظل يحمل طيفًا من ملامح طفولته. وهو لم ينسى ملامحها يومًا، فإذا سيجد بها شيئًا يخبره أنها خديجة؟ أم أن قلبه سيتعرف عليها أولًا، كما يفعل دومًا! وهي هل ستعرفه؟ هل ستشك حتى بأنها رأت هذه الملامح سلفًا! لا يعلم، وعقله متخبط في الحيرة، وبين ترجيح رأي وآخر. ورغم حماسه للقاء إلا أنه يريد الفرار بعيدًا من كثرة خوفه منه. وياللعبث! "مراد وهدان" يخاف من شيئًا! ولكن دومًا كان أي شيء يرتبط "بخديجة" غير.
خرج من المصعد ليرى اللافته أمامه. أذردر ريقه بتوتر بالغ حتى تحركت تفاحة آدم لديه بوضوح. رفرف بأهدابه أكثر من مرة، وقبض على كفه عدة مرات يقبضه ويبسطه، يشجع قدماه على التحرك لكنها لا تفعل. وعقله بات يتخيل أبشع السناريوهات عن ردة فعلها، كأن تطرده، أو تصرخ بوجهه ملقية اللوم عليه في خسارة شقيقتها، أو تظهر بغضها له وتطلب منه الرحيل للأبد وألا يريها وجه ثاني! وكل هذه التخيلات البغيضة ثبتت قدماه في الأرض أكثر، حتى أن أول خطوة فعلها أنه عاد للخلف بدلاً من التقدم! احتقنت عيناه بالدموع وهو يلتف عائدًا وهرول للمصعد. وبدلاً من أن يهرول إليها هرول منها وتبًا لسخرية الحياة!
مسحت دموعها حين استمعت لصوته يحدثها برفق:
- كفاية كده بقى، بقالنا كتير هنا وأنا قولتلك خمس دقايق بس.
أومأت برأسها وهي تلتف له ليري عيناها المحمرتان، وأنفها الذي لم يبدو أفضل حالًا. فوجد ذاته يواسيها بتلقائية:
- صدقيني هتكون بخير إن شاء الله، ادعي ربنا بس واتماسك.
مسحت عيناها جيدًا وهي تردف بنبرة خافتة وعيناها تطالع الأرضية بتأثر بحالة والدتها:
- إن شاء الله.
سألها بفضول:
- هو محدش معاك؟
نفت برأسها مجيبة:
- لأ، بابي مسافر بره في شغل، أصلًا عامل بيزنس خاص بيه في إيطاليا ومن أكبر ال business men "رجال الأعمال" هناك. عشان كده للأسف ميقدرش ينزل فجأة كده من غير ما يرتب أموره والي حصل لماما حصل فجأة. بس إن شاء الله هينزل خلال يومين. سوري شكلي رغيت كتير كالعادة.
قالت الأخيرة بحرج وهي تعيد خصلات شعرها المتهدلة خلف أذنها، ليبتسم لها بود وهو حقًا يشعر بالتسلية من حديثها:
- لا أبدًا بالعكس، رغيك مش ممل خالص ده مسلي. يلا نخرج بقى قبل ما نتقفش هنا واترزع حتة مخالفة القوانين تنقص نص مرتبي.
ضحكت وهي تخرج مجاورة له:
- لا وعلى إيه، الطيب أحسن. أنت برضو عملت معايا معروف عمري ماهنساه.
ضيق ما بين حاجبيه بضيق مصطنع وهو يشيح بيده معترضًا:
- لا مانا مش لسه هستنى أشوفك تنسيه ولا لأ، أنا أحب آخد رد معروفي وقتي لو سمحت.
ابتسمت باتساع على مرحه، وقالت وهي تنظر له بينما يسيران:
- أرده إزاي طيب؟
رفع كتفيه بغضب مصطنع قائلًا بشفاه مذمومة:
- لو مهتمة كنتِ عرفتي لوحدك.
ضحكة عالية خرجت منها فجأة جعلته يتوقف محله وينظر لها بدهشة، وهي وضعت كفها على فمها سريعًا مدركة أن ضحكتها كانت أعلى من اللازم. وجدته ينظر حوله ليجد البعض يطالعهم باستغراب. فأي مجذوب هذا يطلق ضحكة عالية كهذه في مستشفى! رفع كفيه معتذرًا وهو يقول:
- آسفين يا جماعة، هي بس اتصدمت من حالة والدتها فده رد فعل انعكاسي مش أكتر.
استمع إلى أحد السيدات تقول بشفقة:
- ربنا يلطف بيكِ يابنتي.
هز رأسه بحزن وهو يشير لها بالتحرك. ضغطت على أسنانها بضيق قبل أن تهمس له وهي تناظره بنظرات طفولية غاضبة:
- بقى بتطلعني مجنونة! طب والله ما ردالك حاجة، هه.
أنهت حديثها وهي تتركه وتهرول بخطواتها الغاضبة للخارج، ليضحك بخفوت وهو يهمس لذاته متعجبًا:
- إيه البت دي!
انتبه لأحد يهتف باسمه فتركه وتحرك ليتابع عمله، وعقله طوال اليوم لم ينفك عن تذكرها والابتسام تلقائيًا.
وضعت كوب الشاي الساخن أمام عمها الذي فتح ذراعه لها وهو يأمرها بلطف:
- تعالي جاري اهنه.
جلست جواره وهي تحاول أن تبدو جيدة، رغم تورم عيناها من البكاء. ألا أنها تحاول مداراة هذا، فإن فعلت العكس ربما سيكون اليوم أشد ما تلقاه من والدتها التي تحدقها بحدة. استمعت لعمها يسألها بعد أن أحاط كتفيها بذراعه:
- جرى إيه لعينك؟ مورمة أكده ليه؟
وقبل أن تجيب سبقتها "سرية" بأسف مصطنع أتقنته:
- ما خبرينش ياخوي، من وقت ما صحيت وهي أكده.
- أشيع أجيب لك الحكيم؟
سألها "منصور" بلطف، لتجيبه بهدوء:
- ملوش داعي، حطيت جطرة "قطرة"، وهبجى زينة.
أومأ برأسه وهو يسألها ثانيًا:
- جوليلي عرفتي جامعتك إيه؟
- وه! جامعة إيه يا منصور، مش اتفقنا إن خطوبتها هي وولد عمها الشهر الجاي؟
للمرة الثانية كانت "سرية" تتدخل في الحديث قبلها، فنظر لها "منصور" باستغراب:
- به! إيه علاقة دي بدي؟ بعدين خطوبتهم أنا مدتها ٤ سنين على ما تخلص جمعتها.
- صح ياعمي؟
تسائلت بها "فريال" بلهفة وأعين دامعة، لينظر لها "منصور" بحنو مجيبًا بحنانه المعهود:
- صح يا جلب عمك، اوعاك تكون المخبولة دي هي اللي عاملة أكده فيكِ! جالتلك ما تكمليش تعليمك صح؟
أومأت برأسها وهي تجهش في البكاء غير قادرة على السيطرة على ذاتها أكثر، فاحتضنها لصدره وهو يهدأها بضيق جلي، جعله ينظر ل"سرية" بحدة وهو يهتف بها غاضبًا:
- لو زعلتي البت تاني وعهد الله لهنزل عليكي بالكرباج لحد ما يبانلك صاحب سامعة! مرا سو بصحيح.
ابتلعت ريقها وهي تنظر بعيدًا، رغم قوتها إلا أنها تخشى شقيقها حقًا ولا تحبذ أبدًا أن تكن ندًا له.
- يا مركوبة "جزمة" أنتِ، حد طايل ضفرها دي! أنا جدامك أهو أنا ومرتي، ياما اتمنيت ربنا يرزقنا ببت واحدة تعمل للبيت حس بدل البغال اللي معايا، بس ادي الله وادي حكمته. عشان أكده دي بتي مش كيف بتي لاه، ولو جربتيلها تاني متلوميش غير نفسك.
أومأت برأسها بخنوع مستسلم وداخلها يفور غضبًا من تلك الفتاة التي وضعتها في موقف كهذا.
رفع رأس "فريال" عن صدره وهو يمسح دموعها ويخبرها بابتسامة:
- عشان أكده مرايدش ليكِ البهدلة وطلبتك لإبراهيم ولدي. ولولا اللي حصل كنت خدتك لباهر، بس يالا أهم الاتنين من دمي وهيحفظوكِ.
ضغطت "سرية" على شفتيها بغضب وهي تلعن ذاتها، فلولا فعلتها لكانت ابنتها من حظ الابن الأكبر الآن، وها هي من تعض أصابعها من الندم!
- همي يالا، جومي نروح نشوف جالك جامعة إيه.
ابتسمت له بسعادة، واقتربت تقبل وجنته بفرح بالغ ثم ابتعدت تركض للداخل لتغير ثيابها، بينما هو يحدق "سرية" بنظرات غاضبة، حتى قال بحدة فجأة:
- جومي فزي من وشي، مش طايج أشوفك.
نهضت على الفور ودلفت للداخل تحت نظراته الغير راضية، والذي عبر عنها بتمتمته:
_ عجول فارغة!
لم يستطع! حقاً لم يستطع! لم يستطع الوقوف أمامها ورؤيتها كما تمنى عمراً! توقع سناريوهات كثيرة لهذا اللقاء إلا أن يركض هارباً هكذا! ضحكة مستهزأة خرجت منه بينما يجلس في سيارته يراقب العمارة بحزن وحسرة، وأصابعه تنقر فوق المقود، كحاله منذ خمس ساعات مضت. حرك رأسه ساخراً ونظر للمقود وأصابعه تطرق فوقه وهو يحدث ذاته أخيراً بنبرة مقهورة رغم سخريتها:
_ بقى بعد كل ده مش قادر تواجهها! بعد عشر سنين بتتمنى تعرف طريقها لما يكون بينك وبينك خطوة تجري زي الجبان!
حول نظره للعمارة وتحدث كأنه يراها:
_ طب اعمل ايه! قوليلي أنت! أنا خايف وقلقان ومتوتر، مش عارف اتصرف ازاي. من كتر خوفي لرد فعلك يبعدك عني اكتر حاسس نفسي متكتف، خايف الاقي رفض تام منك وتقفليها في وشي، خايف اشوف نظرة خوف او عتاب في عينك.. أنت ازاي بتعملي فيا كده بجد! ازاي يا خديجة! أنا مراد وهدان الي اجدع شنب يتهزله اجي قدامك واخاف واضعف كدة! اخاف من رد فعلك زي عيل صغير، واتردد من مواجهتك بالشكل ده!
صمت واغمض عيناه لدقيقة بعجز وعقله الآن لا يهديه للتفكير الصحيح، فقرر أن يراها فقط اليوم ثم سيجلس ويرتب أوراقه قبل اللقاء الثاني.
وطوال جلوسه في السيارة كان يفكر، فتيات كثيرات تخرجن من العمارة، ترى هل سيعرفها من بينهن؟ بالأعلى كان الوضع سيكون أسهل بكثير لكن الآن بات معقداً.
وضع كفه على قلبه مؤمناً به وقال:
_ متأكد إنك مش هتغلط فيها.
وصدق أم لا تصدق، فجأة علت دقات قلبه مع خروج إحداهن، فتاة تبحث في حقيبتها عن شيء ما فتوقفت أمام باب العمارة حتى تجده. ترتدي كنزة سوداء وتنورة مماثلة وحجاب لم يختلف عنهم. لم ترفع وجهها بعد لكنه عرفها! حاول ابتلاع ريقه لكنه لم يستطع، لم يتحرك عنقه حتى، عيناه مثبتة عليها وهو يضع كفه فوق قلبه يستشعر دقاته المنتفضة. وها هي أطلت بوجهها وهي تتحدث بالهاتف الذي كانت تبحث عنه في حقيبتها الكبيرة. تباً للحياة التي قست علينا لتفرقنا كل هذا الوقت! أم تباً لي لأنني السبب الرئيسي لحدوث كل هذا! عيناها كيف مازالت نفسها! واسعتان وبريئتان وبهما لمعة خاصة، عيناها التي يستطيع تمييزها من بين مليون من البشر. ولكن للأسف كل ما تبقى من ملامح طفولتها هي عيناها وبشرتها الخمرية فقط! باقي ملامحها بدت غريبة عليه، وهذا ما جعله يلعن... لم يعرف من الملعون تحديداً لكن عزّ عليه أن يستغرب شكل من تمثل له كل شيء هكذا! أن يستغرب شكل ساكنة قلبه، وحبيبته، ورفيقة طفولته، وابنته التي ربها على يده! ابتسم ثغره بحنين وهو يشبع عيناه منها. وللعجب لم يجد الجرأة للترجل والذهاب إليها واحتضانها رغم رغبته في هذا وبشدة!! همس من بين شفتيه، وقد عرفت دموعه طريقها لوجنتيه، كالعادة لا تنزل سوى من أجلها هي فقط:
_ خديجة..
وكأنه يستشعر حلاوة اسمها مع صورتها لأول مرة منذ عشرة أعوام!
رواية بك احيا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ناهد خالد
رُدت روحي
وروحي الغائبة رُدت إليّ في اللحظة التي شعرَ فيها قلبي بكِ، والسكينة سكنت جسدي في الوهلة التي انعكست فيها صورتك في مقلتيّ، روحي وسكينتي ومسكني أنتِ، وكل معنى للراحة مرتبط بذِكر اسم واحد " خديجة"
"مراد وهدان...
بعد عشرة دقائق....
اتبعها بسيارته دون أن تنتبه، سار خلفها بتروي وهو يشبع نظره من النظر لظهرها بعدما حرمته من وجهها سريعًا، تمنى لو يتوقف الزمن ويتمعن النظر لمعالمها أكثر، يشبع قدرًا قليلاً من اشتياقه منها، ولكن الزمن لم يتوقف ولم تتوقف هي أكثر، ففور أن أخرجت هاتفها حتى تحركت في طريقها وهي تتحدث بالهاتف لدقيقتان بالتمام، وهو تحرك بسيارته يتبعها وقلبه يسبقه، وربما مازال لا يصدق أنها باتت مثالاً حي يتجسد أمامه وليست مجرد خيالات لصورتها تأتي في عقله، لم تعد مجرد ذكرى بلا باتت واقعًا ملموسًا! هل انتهى ركضه أخيرًا؟ هل انقضى مضمار السباق وظهر خط النهاية؟ مؤكد أنها ليست نهاية لطريقه إليها ولكن على الأقل قد قطع الشوط الأول ألا وهو البحث عنها!
وعند "خديجة"....
بعدما نزلت من العمارة وجدت هاتفها يرن فوقفت لتخرجه، ونظرت لشاشته لترى المتصل فوجدته "باهر"، فتحت المكالمة وهي تكمل سيرها وابتسامة بسيطة زينت ثغرها:
- بهبوري وحشتني والله.
استمعت لهمس خافت منه لم تفسره لكنها أدركت أنه سبّاب، فضحكت بمرح ووصلت ضحكتها له ليقول حانقًا:
- أنتِ يا بت أنتِ مش هتبطلي الدلع الزفت ده؟
استمرت في ضحكها حتى توقفت وهي تسأله ببراءة مصطنعة:
- بهبوري وحش؟ وحتى لو وحش عاجبني وبيضحكني.
أنهت جملتها بلامبالاة وعاودت الضحك، ليبتسم تلقائيًا لضحكها قبل أن يتنهد باستسلام مقرًا:
- مفيش فايدة أنا عارف، المهم عاملة ايه يا عملي الأسود.
اتسعت ابتسامتها على ذلك اللقب الذي أطلقه عليها مؤخرًا وهي تجيبه:
- الحمد لله، أنتَ اخبارك ايه طمني عليك؟
كانت تتوقع إجابته من قبل أن يقولها حتى، وبالفعل استمعت له يقول:
- سيبك مني، قوليلي الواد مصطفى عامل معاكِ ايه؟ والدنيا معاكوا تمام؟ خديجة مش هفكرك تاني لو احتاجتوا أي حاجة عرفيني.
اختفت ابتسامتها، والتمعت عيناها بالدموع من ضيق حالها الذي ذكَرها بهِ دون قصد، هذه ليست ثاني مرة يعرض عليها المساعدة ربما إنها المرة المائة، فكل مكالمة بينهما يذكرها بأنه موجود إن احتاجت مساعدته، حتى أنه بعد وفاة والدها بشهر وجدته بعث لها بعض الأموال في البريد وطلب منها الذهاب لاستلامهم، لكنها رفضت بشدة وتعنتت مؤكده أنها ليست بحاجة لهم، ورغم غضبه منها حتى أنه بقى لأسبوع بعدها رافضًا الحديث معها ولا يجيب على مكالمتها علّها تغير رأيها، ولكنه وجدها ذات رأس صلد كباقي عائلتها، فسحب أمواله مرة أخرى مجبرًا، ابتلعت تلك الغصة التي بحلقها، وتحدثت بنبرة واثقة لم تُظهر بها اهتزاز مشاعرها:
- يا حبيبي صدقني احنا كويسين وحالتنا كويسة مش محتاجين حاجة أبدًا، ده انا حتى رايحة اجيب لنا بيتزا النهاردة قلت اروق على الواد محمود شوية.
زفر بضيق وهو يخبرها:
- والله يا بت أنتِ أنا مش مرتاحلك، في اقرب إجازة ليَّ هكون عندك يكون في علمك.
قطبت حاجيبها بتوتر ثم هدأت ذاتها وهي تهتف بضحكة مصطنعة:
- يا عم ده أنتَ طالع عينك، يدوب بتروح تلحق تنام بالعافية، قولي يا بهبوري هو مفيش دكتور غيرك في المستشفى ولا هم مستعبدينك؟ ولا يكونش ماسكين عليك زِلة يعني عملية خسعت فيها كده ولا كده؟
استمعت لصوته الساخر وهو يقول:
- ايه يا بت الخِفة دي؟ بعدين أي الالفاظ دي، خسعت ويكونش! أنتِ شغالة عند دكتور ولا شغالة في مجزر! بعدين مش عيب يا جزمة تغلطي في أخوكِ الكبير!
ابتسم ثغرها بعاطفية وهي تغمغم:
- معاك حق، سوري يا كبير، وبالمناسبة بقى مش ناوي تُفك عقدتك وتتجوز؟ على الأقل تلاقي حد يونسك في الغربة.
استمعت لضحكته وهو يقول مرددًا كلمتها:
- غربة! ما علينا، أنتِ لسه قايلة بلحق انام بالعافية، هتجوزها اعمل بيها ايه بقى؟
أجابته بجدية:
- باهر أنتَ الي ضاغط نفسك في الشغل زيادة عشان عاوز توصل لمكانة معينة، وده كويس بس بلاش ييجي على حياتك الشخصية، يا حبيبي أنتَ دلوقتي أنسب وقت تبدأ تفكر فيه تكون أسرة وتستقر، مانت أكيد مش هتعرف البنت النهاردة تتجوزها بكرة، لسة فترة خطوبة وحوار هيكون يدوب، ولا هتستنى لما تلاقي الشغل سحلك ونساك حياتك الشخصية؟ متخليش حاجة تيجي على التانية.
- والله أنا مش رافض، يعني وقت ما هلاقي حد مناسب هدخل برجلي اليمين على طول متقلقيش، بس بما إني لسه ملقتش حد مناسب يبقى اركز في شغلي بقى.
أومأت برأسها بتفهم وكأنه يراها، وهي تعقب:
- ربنا يوفقك يارب وإن شاء الله تلاقي بنت الحلال قريب.
- طيب هكلمك بعدين يا ديدي، محتاجني تحت.
- ماشي، يلا مع السلامة.
- مع السلامة.
أغلقت الهاتف وهي تبصر محل الفلافل الذي اقتربت منه، فابتسمت بسخرية مؤلمة وهي تتذكر ما أخبرت بهِ "باهر" عن طعام غدائهم اليوم، فها هي البيتزا التي ستأتي بها! تنهدت بعمق وهي تردد بأعين لامعة بحزن وكسرة:
- يا رب فرجك.
دلفت لمحل الفلافل والفول لتأتي بالطعام لهم على قدر ما تملكه من مال، وانتهت خارجة وهي تحمل كيسة صغيرة بيدها، وأكملت الطريق سيرًا رغم طوله، فهي ليست حِمل تكاليف زائدة أجرة سيارة تصلها للمنزل، ربما لن تكلفها في المرة قيمة الثلاث جنيهات ولكن على مدار الشهر ستكلفها ما يعادل التسعون جنيهًا، ومن الأولى أن توفرهم لشيء أهم، ربما أهم من قدماها التي تتعب من المسير كل هذه المسافة!
بعد فترة وصلت للحي الذي تسكن بهِ فدلفت لأحد المحلات، بدى مطعمًا لم تستمر بهِ لثلاث دقائق، ثم خرجت.
ترك سيارته على مدخل الحي الذي دلفت بهِ وترجل متبعًا إياها بتروي كي لا يلفت نظرها، وقف مستغربًا حين رآها تدلف لمطعم مرة أخرى، لقد أتت بطعام بالفعل أستأتي بآخر!؟ ولكن سرعان ما وجدها تخرج دون شيء جديد في يدها فأثار الأمر تساؤله أكثر، لكنه أتبعها كي يصل معها لنهاية طريقها، ولم يفته أبدًا سيرها ذلك الطريق الطويل الذي أخذ منها قرابة الساعة إلا ربع سيرًا، بعد عدة خطوات وجدها تدلف لمكتبة ما، فوقف بجوار حائط المكتبة منتظرًا خروجها.
بالداخل، دلفت بابتسامة طفيفة بدت متوترة وظهر الارتباك جليًا على وجهها وهي تهتف:
- السلام عليكم.
التفت الشاب الذي كان يرتب الكتب على الأرفف ليمتعض وجهه قليلاً قبل أن يجيبها:
- وعليكم السلام، اتفضلي يا أنسة خديجة.
ازدردت ريقها وهي تقول بهدوء:
- لو سمحت يا أستاذ جمال عاوزه كتب ال......
أملته أسماء الكتب التي تريدها، فجلبها لها ووقف ينتظر أن تقاضيه، فتنحنحت بارتباك قبل أن تسأله:
- كده حسابهم كام؟
التقط الآلة الحاسبة وبدأ في جمع سعرهم وما إن انتهى حتى قال:
- كده كلهم 170.
قضمت شفتها السفلى بارتباك وقالت برجاء خفي:
- طب، بستأذنك يعني لو ينفع تضيفهم للحساب وهجيبهملك آخر الشهر.
زفر بصوت مسموع وهو يشيح بوجهه جانبًا وقال بصوت مرتفع قليلاً وقد بدى نزقه:
- استغفر الله العظيم، يا أنسة خديجة كده هيبقى كتير، مانتِ عليكِ خمسين جنية قديمة، يعني أنتِ أخر الشهر هتجبيلي 220! ولا هتيجي تقوليلي خد ويبقالك!؟
فركت كفيها بتوتر، وشعرت بأنفاسها تختنق في صدرها جراء الانكسار الذي تشعر بهِ، عزة نفسها تعلو فوق كل شيء لديها ولكن أحيانًا تجبرنا الحياة على التنازل كي تستمر!
- معلش يعني إن شاء الله هجبيهملك، أنا أصلاً ممكن اشتغل في المطعم الي على أول الشعر، وإن شاء الله هجيبلك الفلوس كلها.
جذب كيسة كبيرة بعصبية ووضع الكتب بها، ثم مررها لها وهو يقول بملامح مقطبة:
- اتفضلي، رغم إني هاخد كلمتين من ابويا بس أمري لله.
التقطتها منه بدموع غزت عيناها، ولوهلة ندمت على رفضها مساعدة "باهر" لكنها تعلم أن "باهر" إن ساعدها مرة لن تكون الأخيرة، وستشعر بالانكسار أمامه هو الأخرى، ربما انكسارها أمام الغريب أهون!
خرجت من المكتبة ووجهها لم يفارق الأرض، تخشى أن رفعت عيناها تجد الجميع ينظر لها بشفقة وكأنهم شهدوا الحديث الذي دار منذ قليل! ظلت هكذا حتى تخطت بيتان والبيت الثالث كان بيتها فدلفت له برأسها المنخفضة أرضًا.
هل تعلم الجحيم؟ بالطبع تعلمه، ولكن هل رأيته؟ إن نظرت لأعين "مراد" الآن لوجدته مستعرًا بعينيهِ، بعدما استمعَ لِمَ حدثَ بالداخل، لم يحتاج أن يعرف حالتها المادية وما تعانيه بعد ما استمعَ إلي حديثها مع ذلك ال**** كما نعته منذُ قليل، كيف استطاع أن يكسر بخاطرها ويصعب الموقف عليها أكثر هكذا؟ كيف استطاع أن ينظر لعينيها الوديعتين ويرفض رجائها هكذا!؟ عيناها التي لو نظرت له بهما بنظرة عادية لتنازل عن حياته لها بصدر رحب! منع ذاته بالكاد من الدلوف لذلك المخنث وهدم مكتبته فوق رأسه، وألهم نفسه الصبر مفكرًا فيما خطط له بلحظة، تحرك مبتعدًا وأخرج هاتفه وهو يتحدث بهِ للرجل المكلف بمراقبتها هو ورجاله:
- اسمع يا مينا، في ظرف 24 ساعة تجبلي كل معلومة عنها مهما كانت صغيرة، وفي مطعم على ناصية الحي تعرفلي مين صاحبه، وفي أقل من 24 ساعة يبقى باسمي فاهم؟
- أمرك يا باشا.
أغلق الهاتف بعدما استمعَ لرده، وضغط على أسنانه بقوة محاولاً تحمل كل هذه الآلام التي تضرب بقلبه وهو يتذكر نبرة الرجاء المنكسرة التي تحدثت بها، دون رؤية وجهها يعلم جيدًا كيف كانت عيناها وهي تعبر عن انكسارها وحزنها، يعلم كم الألم الذي تشعر بهِ الآن بعد هذا الموقف السخيف والذي من الواضح لا تتعرض له لأول مرة، وبكم الألم الذي يسكنها يسكن قلبه الآن!
وضعت الكتب أمامه وهي تقول بملامح واجمة:
- اتفضل يا أستاذ مصطفى كتبك اهي، مطلوب مني حاجة تانية؟
نظر لها ليرى حزنها منه، فنهض واقفًا واقترب منها محتضنًا إياها بمرح وهو يقول:
- ايه يا ديدي، أنتِ زعلانة بجد بقى! هي يعني اول مرة اتغابي في كلامي؟ أنتِ عارفة أخوكِ مدب متزعليش مني.
نظرت له بجانب عيناها وقد تجمعت الدموع بهما مرة أخرى وقالت بعتابٍ:
- أنا بزعل من إنك بتحسسني إني مبعملش حاجه عشانك، بتحسسني إن بعد تعبي ده كله في ايدي حاجة زيادة معملتهاش!
أردف بصدق:
- والله مش قصدي، بس يا خديجة ايد لوحدها متصقفش، قولتلك مية مرة أنزل اشتغل في الفرن الي جنبنا وأنتِ مبترضيش!
ابتعدت عنه لتواجهه وهي تهتف ببكاء:
- قولتلك لأ، مش هخليك تقصر في دراستك عشان شغل، كفاية إني مش هكمل تعليمي مش هبقى أنا وأنتَ.
رفع حاجبيهِ مندهشًا وسألها:
- ايه ده ليه؟ يعني ايه مش هتكملي أنتِ بتهزري؟
مسحت دموعها بكفها والتقطت أنفاسها وهي تقول بقهر:
- ظروفنا متسمحش، وأنا يمكن اشتغل بليل في المطعم الي على أول الحي، والنهار بروح العيادة، هجيب وقت للكلية منين؟ غير كلية يعني مصاريف كتب ومواصلات، الموضوع مش متحمل.
هز رأسه رافضًا قرارها وأبدى اعتراضه وهو يقول:
- مفيش الكلام ده، هتروحي الكلية وانا هنزل اشتغل في...
قاطعته بحدة قليلاً ما تتقمسها:
- أنا كلامي منتهي، مفيش مجال للمجادلة، هدخل اغير هدومي واجي نتغدى.
انهت حديثها واتجهت لغرفتها لكنها توقفت على باباها والتفت له تخبره بتحذير:
- باهر لو عرف حاجة عن الكلية هتزعل مني يا مصطفى.
انهت حديثها ودلفت للغرفة مغلقة الباب خلفها، فالقى الكتاب الذي بيده على الأرض بغضب وهو يتمتم:
- باهر! هو انا لو عارف اتواصل معاه كان ده حالنا! على طول هي الي بتكلمه وحتى ممعيش تليفون، دي عيشة تزهق، وقال شاطرة احنا كويسين كويسين لحد ما هنروح نقف على باب الجمعية الخيرية إن شاء الله.
غمغم بها بنزق وهو يفتح أكياس الطعام ليبدأ بوضعه في الاطباق حتى تأتي شقيقته.
وبالداخل القت نفسها على الفراش وسمحت لدموعها بالتهاوي كسيل جارف، تبكي بقهرة على كل شيء، على حلمها في التعليم الذي تحطم باكرًا بعدما حصدت مجموع قضى على ذلك الحلم، وعلى حرمانها من الحصول على شهادة جامعية الآن، تبكي كسرتها أمام من لا يسوي، تبكي قلة حيلتها وعجزها وضيق حالها وهل بيدها سوى البكاء!
" البكاء ليس حلاً لكنه وسيلة ضعيفة أثبتت فاعليتها في تخفيف أحزانًا ولو بقدر قليل، نغلق بابنا خلفنا ونبكي خلفه لدقائق او ساعات نخرج كل مشاعرنا السلبية، نصرخ ونثور، وبعدها نخرج للعالم اقوياء من جديد"
بسوهاج....
إن قلنا الأرض لا تسعها فهي ليست مبالغة أبدًا، فمنذُ علمت بأنها قد انتسبت لكلية الأسنان جامعة القاهرة وهي تكاد تطير فرحًا، حتى أن خالها "منصور" لم يتوقف عن الضحك عليها طوال الطريق، التفت له وهي تقول بحماس كبير وابتسامة واسعة:
- يعني هروح القاهرة يا خالي؟ بس تفتكر أمي هتوافج؟
هز رأسه بيأس حين استمع لجملتها الخافتة الأخيرة وقد بدأ الحزن يتسرب إليها خوفًا من رفض والدتها، فهي دومًا مصدر تحطيم سعادتها، أجابها "منصور" يطمئنها:
- يا بت جولتلك متخافيش، مش واثجة "واثقة" في كلام خالك عاد!؟
نفت برأسها وهي تردف:
- العفو يا خالي مجصديش، بس أصل أمي...
قاطعها وهو يقول:
- أمك لو اتحدتت هشوف شغلي معاها، ملكيش صالح، أنتِ تبدأي تجهزي ورجك وخلاجاتك "هدومك" وكل الي هتحتاجيه، عشان هنتحرك أخر الأسبوع الفجر سامعة؟
أومأت بحماس كبير وهي تجيبه:
- سامعه يا خالي، أنا بحبك جوي.
مسد بكفه على كتفها وهو يبتسم بود:
- وأنا بحبك جوي جوي يا جلب خالك.
بالقاهرة.....
في اليوم التالي ظهراً....
ترجل درجات السلم وهو يفرك عيناه بنوم مازال متمكنًا منه، استمع لصوت "ليلى" الذي ما إن أبصرته حتى قالت باستغراب جلي:
- ايه يا مراد كل ده نوم؟ ده انا كنت لسه هطلعلك فكرتك تعبان، لولا إني عرفاك مبتحبش حد يصحيك وبتتحول كنت طلعتلك من زمان.
اقترب منها مبتسمًا وقال بهدوء:
- برتاح يا ماما بلاش ارتاح؟
ضيقت عيناها تنظر له بشك، بهِ شيئًا مختلفًا! عيناه تلمع بطريقة لم تراها من قبل، ملامحه اكثر استرخاءً، ونومه كل هذه المدة، مهلاً هل يبتسم!!؟ سألته بعدما جلس أمامها:
- في حاجة صح؟ أنتَ مش طبيعي.
وضحكته التي انطلقت الآن على حديثها أكدت شكوكها، خفتت ضحكته وهو يردف ببراءة مصطنعة:
- يعني مش طبيعي ازاي؟ مانا كويس اهو.
لوهلة ضرب بعقلها تفسير لحالته هذه، فأردفت بسرعة متلهفة:
- مراد، هو الموضوع يخص خديجة؟
مسد مؤخرة رأسه بكفه وأردف بابتسامة صغيرة وقد لمعت عيناه أكثر الآن:
- مش سهلة أنتِ برضو يا لولة!
ابتسمت بفرحة وهي تنظر للمعة عيناه، وسألته بابتهاج حقيقي:
- عرفت عنها حاجة؟
هز رأسه نافيًا بعبث مصطنع لتختفي ابتسامتها، ولكن سرعان ما اتسعت مرة أخرى حين قال:
- شوفتها، شوفتها يا ماما أخيرًا، تخيلي؟ بعد عشر سنين شوفتها..
ابتسم ابتسامة حالمة ونظر بعيدًا شاردًا بنظره، وهي تتابعه بدموع تساقطت فرحًا وتأثرًا بحديثه:
- ملامحها اتغيرت بس لسه عنيها زي ماهي حتى نفس البراءة الي فيها رغم الحزن الي فيهم، ولسه قلبي بيحس بيها زي زمان، عرفها من قبل عيني ما تعرفها، كان نفسي اجري عليها واحضنها، كان نفسي اروح اعرفها بنفسي واسمع صوتها، كان نفسي في حاجات كتير بس في حاجات اكتر منعتني، بس على الأقل حسيت إن قلبي اتردت فيه الروح من تاني لما عرفت مكانها وشوفتها، جريي ورا سراب بقى حقيقة، السباق خلص ياماما وفزت فيه ولقيتها.
امسكت كفه تحتضنه لينظر لها فوجد الدموع تزين مقلتيها وهي تسأله باستنكار:
- وليه معملتش كل ده؟ ليه مروحتش ليها وعرفتها بيك؟
ابتسم بثبات وهو يجيب بإجابة لا تمت للصدق بصلة:
- مش سهل اروح اعرفها بيَّ كده، يعني تفتكري هي لسه فكراني أصلاً؟ وحتى لو افتكرتني مش هتكون بتحبني يعني! دي ممكن تقولي اهلاً وازيك وكلمتين على الماشي وخلاص، متنسيش انها وقتها كانت اصغر مني بكتير، يعني مش بتحمل نفس مشاعري اكيد.
اقتنعت بحديثه فأومأت برأسها متفهمة ثم سألته بحيرة:
- اومال هتعمل ايه؟
ابتسم لها بهدوء وقال غامزًا بعيناه اليسرى:
- متقلقيش بتكتك لها، بس ادعيلي.
تنهدت براحة مبتسمة وهي تقول:
- ربنا يجمعك بيها على خير يابني، كفاية إن سيرتها بس بتنور وشك كده.
اومئ وهو يتحدث بجدية مرِحة:
- يلا عقبال ما تنور بيتي قريب.
ضحكت والدته على جملته فاتبعها بابتسامته التي جعلتها تحتضنه بفرحة، وهي تشعر أن السعادة تطرق بابا ولدها لأول مرة منذُ زمن.
دقت فوق الباب ودلفت بابتسامة كعادتها، ليسألها "كمال" الجالس خلف مكتبه:
- ها يا خديجة لسه كشوفات؟
نفت وهي تجيبه:
- لا يا دكتور خلاص كده النهاردة.
اومئ برأسه متفهمًا ثم قال:
- لا لسه.
قطبت حاجبيها متسائلة:
- مين؟
ابتسم لها مجيبًا:
- أنتِ، يلا ميعاد جلستك.
فركت كفيها بتوتر وهي تقول متهربة:
- مش مهم النهاردة يا دكتور، شكل حضرتك مرهق خلينا..
قاطعها بحدة وهو يقول:
- لا، قولت يلا يبقى يلا، اقفلي باب العيادة وتعالي.
خرجت لتغلق باب العيادة وهي ترتب أفكارها كي تقول ما تريده فقط، فهي لا تسمح لنفسها بخطأ يجعله يشك بها أو بصدق حديثها، أغلقت الباب والتفت لتقف بملامح جامدة وهي تبصرها أمامها، تبتسم لها نفس الابتسامة المقيتة وهي تسألها بينما يدها تعبث بشعرها:
- ايه يا خديجة بتفكري ازاي تكدبي عليه المرة دي كمان وتوهميه إنك مبقتيش تشوفيني؟ بقالك سنتين بتكدبي مزهقتيش؟ ولا حبتيني لدرجة إنك مش عوزاني اسيبك؟
ابتسمت "خديجة" ابتسامة هادئة وهي تجيبها:
- لا، بس اعتبرتك أمر واقع، واتعودت عليكِ، لدرجة إني بشوفك في أي مكان ومببينش لحد، مبقاش الناس يقولوا عليَّ مجنونة بسببك يا سارة....
رواية بك احيا الفصل السادس عشر 16 - بقلم ناهد خالد
ودون خجل أو تردد، فهي حقًا مغتاظة منه الآن.
"حبيت أرخم عليك، فكرتك هتنزعج بقى وتصحى تبتسم لما تشوفني والكلام ده."
ضم شفتيه معتذرًا بأسف مصطنع.
"مخدتش بالي إنها إيدك، فكرتها جاموسة.. قصدي ناموسة."
نظرت له بعينيها بشك، تضيقهما وكأنها تجبره على الاعتراف بالحقيقة، ورأت العبث يتراقص هناك بين غيوم رماديته.
"أنت حسيت بإيدي صح!؟"
ابتعد قليلاً بذعر مصطنع.
"على حسب.."
التفت تلتقط الوسادة، وما إن عادت له حتى وجدته قد قفز من فوق الفراش واقفًا على مسافة آمنة.
لِتنهض هي الأخرى وبيدها الوسادة تقول بغيظ:
"قصدك على إيدي إنها إيد جاموسة صح؟"
"عيب يا خديجة متقوليش على نفسك كده."
ركضت تجاهه ليركض هو أمامها وهي تصرخ به:
"والله ما هسيبك، يا عديم الرومانسية."
توقف بمنتصف الدرج يهتف باستنكار:
"شوف مين بيتكلم! خديجة كآبة!"
شهقة قوية كادت تبتلع روحها، ورددت بدهشة:
"أنا.. أنا خديجة كآبة!"
وفي اللحظة التالية كانت الوسادة تصطدم بوجهه، ليرتد رأسه للخلف قليلاً.
وما إن عاد ينظر لها حتى وجدها تلتقط تحفة فنية كانت بجوار بداية الدرج، لتتسع عيناه ذعرًا.
"بت، اعقلي يا ديجا بطلي جنان، دي فيها فتح راس!"
ابتسمت ابتسامة غريبة وهي تردد:
"وماله، وأنا هخيط راسك بإيدي."
"دي اتجننت رسمي!"
قالها وهو يلتف مستكملاً ركضه لأسفل.
وصل للردهة الواسعة ليجد ليلى تجلس أمام التلفاز وبجوارها مصطفى ممسكًا بأحد كتبه الدراسية يخط فيها.
لتتسع أعينهما ذهولاً، وليلى تسأله:
"في إيه يا مراد؟"
رمى نفسه بجوارها وهو يردد بلهث:
"معرفش.. البت اتجننت باين!"
قطبت ما بين حاجبيها ولم تفهم جملته، لتلتفت حين استمعت لخطوات خديجة القادمة.
ليلتفت هو الآخر متوقعًا نفس هيئتها، ليُصدم حين وجدها قد تركت تلك التحفة، لا يعلم أين، وتأتي ناحيتهم مطأطأة الرأس والوجوم يحتل وجهها.
ليرفع حاجبه يشعر بالخطر حيالها.
اتجهت للجلوس جوار شقيقها، بعد أن احتضنت رأسه تدعمه بصمت.
جلست جواره تسأله:
"عامل إيه في المذاكرة يا حبيبي؟"
ابتسم لها براحة:
"كويس جدًا، المدرسة كويسة أوي، والمدرسين شرحهم حلو، حتى مش محتاج دروس."
وارتاح قلبها لراحته، فابتسمت بسعادة، وهي تنحني مقبلة وجنته بحب.
"إن شاء الله تجيب مجموع كويس، وتنجح بتفوق كل سنة."
"صحيح يا مصطفى عاوز تدخل كلية إيه؟"
تسائل بها مراد وهو يتدخل لينهي وصلة الدلال المائعة كما وصفها.
ليقول مصطفى بتمني:
"مهندس طيران."
"اشمعنى طيران؟"
أجابت هي بالنيابة عنه:
"مصطفى ولهان بالطيران."
وافقها مصطفى يقول:
"كفاية إنه قادر ينقلك من مكان لمكان، وتبقي حرة في السما."
"ربنا يناولك اللي في بالك يا حبيبي."
قالتها ليلى برضا، ليؤمن على دعائها هو وشقيقته.
لتكمل بعدها:
"مالك يا خديجة؟ شكلك متضايقة!"
قالتها بعدما لاحظت عودة وجومها.
لتنظر له بجانب عينيها بخبث وهي تقول:
"أبدًا.. حاجة مش مهمة."
"بس مضيقاكِ!"
وهنا تركت لسانها الكاذب العنان وهي تقول:
"بصراحة بقى يا طنط، ابنك السبب."
"مراد؟"
قالتها ليلى وهي تنظر له بجانب عينيها ليرفع كفيهِ باستسلام ينفي التهمة عنه.
لتكمل:
"أيوه، قالي إنه بيعرف يعمل مكرونة بشاميل حلوة أوي.. وبقالي ساعة بتحايل عليه يعملها مش راضي."
رفع حاجبيهِ ذهولاً من إدعائها الكاذب، متى قال هذا بحق الله!
لتقطب ليلى ما بين حاجبيها غير مصدقة:
"مراد بيطبخ؟"
وثبتت على موقفها:
"أيوه.. هو قالي كده، فمفيهاش حاجة لو عملها ودوقناها من إيده."
"ده بجد يا أبيه؟ ليك في المطبخ؟"
رددها مصطفى متسائلاً بدهشة.
لينقل مراد أنظاره بينهم، هل عليهِ أن يكشف كذبها الآن؟ وحينها ستكون كالكتكوت المبلول يقسم.
قرر أن يرأف بها، وقال باقتضاب:
"اممم... صح."
"طب ما تدوقنا يا مراد."
قالتها ليلى بحماس، ليعض شفتيهِ حانقًا من المأزق برمته.
قبل أن يومأ برأسه مع ابتسامة ماكرة:
"ماشي، بس خديجة هتساعدني."
ابتلعت ريقها بتوتر، آلت الأمور إلى ما لا تحبذ أبدًا.
انتفضت حين أمسك بكفها يسحبها خلفه وهو يقول بتوعد خفي:
"تعالي يا حبيبتي نسلي بعض."
***
منذ استيقظ وهو لا يتعامل معها، وهي كذلك.
حضرت الإفطار وجلسا يتناوله بصمت.
صمت لم يقطعه سواها وهي تزفر بقوة قبل أن تقول:
"إيه الحال اللي جيت بيها بليل دي؟"
رد ببرود مستفز:
"حالة إيه؟"
كبحت غضبها تقول:
"أنت كنت سكران؟ شارب خمرة يا إبراهيم؟"
قلب شفتيهِ بلا مبالاة:
"وفيها إيه؟ بنفرح عن نفسينا شوية، مجامتش الجيامة يعني!"
استنكرت تقول:
"تفرح عن نفسك بالمنكر؟ كانك مخابرش إنه حرام ولعن الله شاربه؟"
"أنتِ هتديني درس في الأخلاق؟ بعدين إيش دخلك أنتِ أسكر ولا مسكرش!"
أدمعت عيناها وهي تجيبه:
"دخلني.. للأسف دخلني، أنتَ جوزي، والمفروض لما تكون ماشي في سكة عوجة يا أهديك يا أبعد، لكن إني أعيش معاك مستعمية مهينفعش في الحاجات دي."
اقترب بجسده ساندًا على الطاولة، فبات قريبًا منها، وربت على خدها بكفه بخشونة وهو يقول مستهزئًا:
"لا هينفع، وبعدك مش بكيفك يا.... يابت عمتي، ده أنا أقطعلك رجبتك قبل ما تفكري تخطي خطوة بره الدار."
ابتسامة ساخرة زينت ثغرها وهي تقول:
"اللي يشوف أكده يقول إن من حبك فيا."
امتعضت ملامحه وهو يقول متهكمًا:
"حب إيه وكلام فارغ إيه؟ ده أنا طايجك بالعافية، بقولك إيه أنا ما أحبش الحديث الكتير وجفلي بقى.."
تسللت دموعها على وجنتيها وهي تسأله بقهر احتلى عينيها وقلبها قبلاً:
"مادام مش طايجني اتجوزتني ليه؟"
ببرود أجاب وهو يتناول لقمة من طعامه:
"طبيعي أتجوز، وأخلف.. ولا هعيش راهب اياك!؟"
روتين... الأمر مجرد روتين، طبيعي أن يتزوج وينجب من أي فتاة، وليست هي على وجه الخصوص.
ويا لقهرة قلبها وكسرته، نهضت في صمت وغادرت الجلسة، وقد شعرت بانهزام مرير.
فلطالما بررت له أفعاله البربرية أنه يحبها ولكنه لا يستطيع التعبير، يحبها لكنه يجهل التعامل مع أنثى، يحبها وطبعه يغلبه، وياليته يحبها...!!
***
وقتًا رائعًا قضوه في المطبخ، وقد أحدثوا ثورة به من مزاحهما وارتباكهما في تحضير الطعام.
ارتباكه كان يأتي من جهله بتلك الأمور، وارتباكها من قربه الذي كان دومًا ملتصق لها، إما جوارها تمامًا، إما خلفها، وكلاهما يثيران أعصابها.
وبين ضحك وجدية، تركيز ولا مبالاة أحيانًا، انتهيا من إعداد المعكرونة بالبشاميل واللحم المفروم، ليثني الجميع على مذاقها الجيد.
وبعد انتهائها من تنظيف المطبخ، جلست في الحديقة على الأرجوحة، تهتز بها ببطء وخصلاتها تهتز معها في تناغم، وبيدها هاتفها تحدث جاسمين التي طلبتها فجأة ولأول مرة.
"أنا ملقتش حد أتكلم معاه وآخد رأيه، مينفعش أتكلم مع ماما، ولا باهر طبعًا، ولا حتى بابا، فجيتي على بالي.."
وراحت تقص لها تفاصيل الأمر.
وبكل الحزن والألم كانت تردد:
"يا حبيبي يا باهر، الله يكون في عونه، ده أكيد هيتأثر أوي بالخبر ده، الموضوع مش سهل أبدًا."
"أتاها صوت جاسمين الباكي يقول: أنا من وقت ما عرفت حاسة قلبي مقسوم نصين.. نص مشفق عليه وبيقولي اوعي تسبيه وافضلي جنبه وقوية، ونص محتار وخايف من تحمل قرار زي ده.. وأنا بينهم تايهة ومش عارفة أعمل إيه. أنا مش هقوله حاجة بس أكيد صاحبه الدكتور هيقوله، ده مكانش ناوي يديني النتيجة لولا الممرضة اللي طلعتها من غير ما تسأله.."
تجعدت ملامحها تسألها باستغراب:
"محتارة؟ بس أنتِ لو بتحبيه زي ما بتقولي مش هتحتاري!"
غزى الألم نبرتها:
"أنا بحبه فعلاً، بس في نفس الوقت من حقي أكون أم."
زفرت خديجة أنفاسها بوجع، تخشى أن تقرر جاسمين الانفصال، وهذا حقها، لكن ماذا عن باهر وشعوره!؟
لكن هي اختارتها لترشدها لذا ستكون حيادية:
"يعني أنتِ شايفة إيه؟ مش هتقدري تكملي؟ هتسبيه عشان موضوع الخلفه؟ في النهاية محدش هيقدر يلومك فالقرار قرارك."
تساقطت دموعها أكثر، وضمت شفتيها بقوة تمنع بكائها، وقالت بنبرة ألم عاصف:
"لو هو اللي كان مكاني كنت قولتله يتجوز، وكنت فضلت معاه، رغم إن كان الموضوع ده هيقتلني، بس كان هيكون خيار تالت متاح.. لكن دلوقتي معنديش خيارات، يا أكمل وأتقبل إني أنسى موضوع الولاد ده حتى لو بيتعالج، عشان محطش أمل ميتحققش، يا أبعد.. وأقرر الانفصال ووقتها هتكون قصتنا خلصت... لو مكاني هتعملي إيه؟"
هزت رأسها نافية بحزن وأردفت:
"مقدرش أقولك.. لأن كل واحد بيتصرف غير التاني، وأنا مجربتش عشان أحكم.. إحنا لا في فيلم ولا في قصة عشان أقولك متضحّيش بحبك عشان الأطفال، إحنا في واقع.. الواقع اللي ممكن يخليكي دلوقتي ما يكونش عندك مشكلة وتفضلي حبك على إحساسك بالأمومة، لكن ممكن بعد كام سنة تحسي بالندم، ووقتها هتكوني ضيعتي عمرك على الفاضي لا هتعرفي تبعدي عشان تحققي حلمك ولا هتعرفي تفضلي عايشة معاه، وإنتِ كل يوم في وجع وندم لقرار أخدتيه في يوم، أنا ما عنديش حاجة أقولها للأسف، و للأسف ما فيش أي حد هيقدر يفيدك إنتِ الوحيدة اللي هتقدري تقرري."
تسطحت فوق الفراش ناظرة بعينيها لسقف الغرفة ومئة فكرة تتلاعب بعقلها، قبل أن تقول باختناق واضح ودموعها تزين جانبي خدها:
"يعني.. يعني متخيلة إحساسه لما أقوله إني عاوزة انفصل عشان طلع عنده مشكلة في الخلفه؟ متخيلة شعوره؟ ده كأني بقتله!! عمري ما هقدر أقولهاله وأنا عارفة إنه عارف السبب، أنا مش وحشة ولا أنانية والله، بس.. غصب عني أنا عشت طول عمري بنت وحيدة وكنت دايمًا بأحلام باليوم اللي أتجوز فيه ويكون عندي أطفال كتير يعوضوني عن وحدتي."
"أنتِ مش أنانية، ومش مضطرة تتنازلي عن حلمك عشان حد، حتى لو كنتِ بتحبيه، في حاجات أهم من الحب بكتير.."
انتفضت جالسة وهي تسمع لصوته، نظرت له لتراه واقفًا أمام باب الغرفة وملامحه جامدة، لا يظهر عليها أي شعور، لا حزن ولا غضب.
وقفت بعدما أغلقت المكالمة، ونظرت له عاجزة عن الحديث.
ليكمل هو بنبرة هادئة:
"بعفيكي من عبء إنك تطلبيها عشان متحسيش نفسك أنانية.. وصدقيني أنا عمري ما هفكر فيكي بالشكل ده، بالعكس أنا لازم أشكرك إنك فكرتي بعقلك وفكرتي لصالح حياتنا بعيد الشفقة ولا المشاعر، لأنها هييجي وقت وتنتهي.. أنتِ تستاهلي كل خير يا جاسمين.."
ابتسامة طفيفة بالكاد رُسمت على ثغره وهو يكمل:
"تستاهلي يكون لكِ العيلة اللي حلمتي تكونيها، وتكوني أم، وأنا عارف إنك هتكوني أم ممتازة، وهتعرفي تربي عيالك صح..."
اقترب حتى أصبح يقف أمامها تمامًا الآن، ضم وجهها بين كفيهِ، وأردف بما جعلها تشهق في بكاءٍ عنيفٍ:
"أنا بحبك، أول بنت أحبها في حياتي، وأول واحدة أعرف معاها يعني إيه حب وأدوق حلاوته، عمري ما هنسالكِ، وهفضل دايمًا فاكر البنت الشقية أم لسان طويل اللي ظهرت في حياتي فجأة عشان تمرمطني وراها.."
مالت برأسها على أحد كفيهِ ودموعها انهمرت كشلال جاري، ونظرة عينيها لوحة فنية عنوانها الألم والقهر، وصوت شهقاتها يتعالى أكثر مع كل كلمة يقولها:
"آسف لو كنت في مرة زعلتك ولا جيت عليكي من غير قصد، وأتمنى تفتكريلي الأيام الحلوة بس.. جاسمين...."
وخفق قلبها رعبًا، وانخفض تنفسها وهي تدرك أن الكلمة القادمة هي النهاية.....!!!
***
زفرت بضيق حين انتهت المكالمة فجأة، وتهاوت دموعها حزنًا عليه.
يالها من صفعة قاسية، ماذا تريد منه الحياة بعد؟ ألا يكفي ظلمًا؟
باهر ذو الحظ البائس عكس أخيه، تركته والدته لتتزوج بآخر، وقضى حياته مع زوجة والده، من لقى كرهًا غير مبرر من النصف شقيق إبراهيم، ربما ليس كرهًا بالمعنى الحرفي لكنه.. عدم تقبل!؟
دومًا شعر بحاجز ما بينهما لا يعرف له سببًا.
باهر من خرج من بلدته بلا عودة لاتهام عمته الفاسق وطعنه في شرفه وشرفها هي خديجة، وهو من توفى والده فجأة بعد انقطاع دام سنوات ليُعاقب بمرارة الندم!
ماذا تريد منه الحياة بعد!؟
شهقت ببكاء، لتشعر فجأة بمن يجلس بجوارها فوق الأرجوحة، ينظر لها بقلق يسألها:
"في إيه يا ديجا؟ مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟"
نفت برأسها رافضة الإفشاء عن سر أؤتمنت عليه، لتقول:
"مفيش."
ومسحت دموعها متحكمة في نفسها، ليلح عليها وهو يمسك كفها بحنو:
"لا فيه، وهتقولي، مالك يا حبيبة حياتي بتعيطي ليه؟"
وبالأخير استسلمت جزئيًا لتجيبه:
"باهر عنده مشكلة صعبة، جاسمين لسه مكلماني وحكتلي، فصعب عليا."
ربت على كفها ببرود:
"لا ميصعبش عليكي غالي."
نظرت له بأعين باكية أثرت بهِ:
"لو سمحت بلاش تريقة، أنا فعلاً زعلانة عشانه."
كبح غضبه وغيظه بصعوبة لن تتصورها، وقال بهدوء يهاودها:
"في إيدي إيه أعمل طيب؟ ممكن نساعده بحاجة؟"
أجابته بنبرة باكية:
"ياريت كان ينفع.. محدش يقدر يساعده غير ربنا."
جذبها لأحضانه بغتًة وهو يحيطها باحتواء، يهمس لها رغم شعوره باضطرابها:
"هتعدي يا حبيبتي وهيكون بخير.."
وبنفسه غمغم ماقتًا:
"معرفش شاغلة نفسك بيه ولا كأنه ابن اختك!! ما يروح في داهية...!"
ومراد صراحةً لا يحب باهر مطلقًا.. والعكس... بالطبع صحيح.
***
لا.. لا يا باهر.. متقولهاش ارجوك.
صرخت بها جاسمين وهي تمنعه من إطلاق رصاصته الغادرة، على الأقل الآن وبتلك السرعة تُعد غادرة، حتى وإن آلت إليها الأمور لاحقًا لكن ليس الآن... هناك محاولات قبلاً...
أمسكت كفيهِ وطالعته بعينيها المتورمة من البكاء:
"يشهد ربنا إني عمري ما فكرت أبعد عنك، لأي سبب كان، ولا عمري هفكر، أنا بس اتلخبطت وحسيت... حسيت إن دماغي لفت ومبقتش عارفة أعمل إيه، باهر أنا غصب عني.. أنتَ عارف إن أنا مهووسة إن يكون عندي أطفال، من وقت ما اتجوزنا وأنا ما عنديش سيرة غير الخلفه والأولاد، ورغم إن أنا اللي أصرت إننا نروح نعمل تحاليل بس كنت وقتها شاكة فيا أنا، ولما طلعت كويسة حسيت براحة وإن خلاص مفيش أي مشكلة، أنا بس اتصدمت والصدمة خلتني مش عارفة أفكر وخصوصًا إني بحاول أفكر بواقعية عشان ما أظلمكش معايا."
صمتت تلتقط أنفاسها:
"أنا عارفة إن انتَ عمرك ما هتتقبل إني أعيش معاك وانت حاسس إن أنا ممكن أكون ندمت على قراري، أو طول الوقت تحس إن لسه مش قادرة أتخلى عن حلمي إن يكون عندي أطفال، ووقتها هكون بأذيك وبوجعك غصب عني ومن غير ما آخد بالي.. عشان كده كنت محتاجة حد أتكلم معاه، أخرج كل اللي جوايا وأشوفه هيدلني على إيه لكن عمرها ما هتنتهي كده.. أنت بجد كنت هتطلقني!!؟ ده إحنا لسه ما حاولناش، أنتَ للدرجة دي بايع؟"
ملست على كفه الممسكة بهِ وقالت بابتسامة باهتة:
"بس أنا عارفة إن الموضوع مش كده، عارفة إن انتَ كمان اتصدمت، وصدمتك خلتك تتصرف من غير تفكير، بس إحنا دلوقتي محتاجين نروح للدكتور ده ونشوف إيه المفروض نعمله الفترة الجاية."
نظراته كانت مبهمة لها طوال الوقت، وملامحه الجامدة لم تتغير، حتى وهو يقول:
"بس أنتِ فكرتي في الانفصال، ومادام فكرتي، يبقى هييجي وقت وتعمليها.."
كادت تجيبه نافية، مبررة، موضحة موقفها، ليقاطعها قائلاً بجدية غريبة:
"وأنا مش هستنى اليوم ده، ومش هسيبك تتعلقي بأمل واهي معايا.. ولا هدخلك في دوامة علاج ودكاترة يعلم تخلص ولا متخلصش."
نظرت له بعدما صمت، لم تفهم تمامًا ما يقصده، لكن أتت رصاصته الغادرة حين التف معطيًا إياها ظهره ناويًا المغادرة:
"أنتِ طالق يا جاسمين."
انتهت قصتهما؟؟ هل انتهت في لحظة اختيار؟ بهذه السرعة؟! انتهت باختيار متهور أم صائب؟
رواية بك احيا الفصل السابع عشر 17 - بقلم ناهد خالد
منا من يسير نحو الهاوية بإرادته، قد ترى الجملة مُريبة لكنها واقعية جدًا، كالذي وقف على حافة جبل يتأرجح بين الناحية والأخرى، هل لك أن تراهن عليهِ بالنجاة! هو اختار أن يقف هناك على قمته برغبته، لذا حين يسقط سيكن قد لقى حتفه بإرادته.
وفي واقعية الحياة هناك من يتأرجح بين الهاوية والأرض الثابتة بأفعاله، بخطواته، بقراراته الخاطئة، وحينها يكن غافلاً غافلاً عن أن النهاية قد تكن نهايته.
في اليوم التالي... عصرًا...
تتبع خطوات سيره وهو يتجه لمكتبه والأخير خلفه بالقرب منه يهمس:
_ بس يا باشا الوضع بقى خطر ومش هتعرف تتهرب اكتر من كده، من يومين دياب شك فيها وشكله هيبدأ يدور وراها.
_ هي اتهربت منه ازاي يومها؟
قالها وهو يدلف من باب مكتبه الذي فُتح بفعل السكرتير الخاص به والذي سبقه ما إن علم بدلوفه الشركة، اجابه طارق:
_ عملت نفسها تعبانة ودايخة وحاسة بصداع، ولما سألها قالتله إن بقالها يومين ضغطها واطي وصحتها مش كويسة، فقالها انها اخر مرة هيسمحلها تتغيب عن شغل، بس هي حست انه مصدقهاش.
جلس خلف مكتبه على مقعده الوثير باسترخاء، وضرب بأصابعه فوق المكتب بحركة رتيبة، ثم أخبره:
_ عمومًا خليها بس تمشي امورها يومين، بعد اليومين هتكونوا سافرتوا.
سأله طارق بقلق واضح:
_ بس يا باشا هم اكيد هيعرفوا بسفرنا!
نظرة حادة رشقه بها وهو يقول:
_ ليه هو انا بلعب!
توتر مجيبًا:
_ مقصدش يا باشا، اكيد حضرتك مظبط الدنيا.
حدقه بنظرة عابرة مستنكرة قبل أن يفتح الملف الذي امامه وهو يقول:
_ تمام، سبني بقى عشان عاوز انجز شغلي وامشي.
ابتسم بفكاهه مستدعيًا اواصر صداقتهما قائلاً:
_ حاضر، حاكم انا ملاحظ انك مبقتش تحب تغيب عن البيت كتير.
رفع عيناه له بتحذير زائف:
_ عندك مشكلة! ماهو كله بيصب في مصلحتك، الأول كان شغلك بيعدي ال ١٦ ساعة، واغلب اليوم كنا بنبقى بره، دلوقتي اليوم كله مبيكملش ٦ ساعات شغل بين بليل وبالنهار.
رفع كفيهِ مستسلمًا، وقال بصدق:
_ ده في مصلحتي جدًا، الأول كنت بروح مهدود ويومي كله ضايع في الشغل، دلوقتي معظم اليوم فاضي فبقيت اقدر انا كمان امشي أموري.
وغمز بالاخيرة ليتبين مقصده ألا وهو زيارة هاجر فبات يقضي معها وقتًا أكثر، وبات يراها يوميًا تقريبًا، واكمل حديثه:
_ كانت فين الهانم من زمان، لو كنت اعرف انها هتشقلب الحال كده، كنت دورت عليها بنفسي مع الرجالة.
وحديثه اعاده لتلك الفترة العصيبة التي لم يفلح في ايجادها بها، تلك الفترة التي شعر فيها انه لن يجدها، واحيانًا ورغم يقين قلبه كان يتملكه اليأس غصبًا، فيشعر باستحالة ايجادها، وأنه لن يجتمع بها يومًا، ويا للطف القدر الذي جمعهما ثانيًة، فكم كان رحيمًا بهِ، وكأنه يعلم أن قلبه لن يستمر إلا بها، وحياته لن تكون من غيرها، ليهديه تحقيق حلمه الذي طال انتظاره.
تنهد بقوة شاعرًا برغبة عارمة في الذهاب إليها الآن واحتضانها، الشعور بها وبوجودها، فقد شعر بوحشة في قلبه وكأن ذكرياته زعزعت حقيقة كونها موجودة بالفعل وأصبحت معه، وكأن قلبه خشى ولن يطمأنه سوى الشعور بها.
وهو فيما يخصها مجنون وهو يعلم، فنهض فجأة، تحت نظرات طارق المندهشة والمتعجبة وهو يراه يلتقط هاتفه وحافظة نقوده، ويتجه للخروج قائلاً:
_ ين*** معرفتك يا طارق.
فهو من أقام الفكرة في عقله، ليجعله يخرج من الشركة بعدما دلف اليها بخمس دقائق! اتبعه طارق سريعًا بعدما فاق من صدمته وهو يهمس لذاته:
_ هو خده الحنين ولا ايه؟ ولا انا بكلامي صحيت مشاعره! يلا احسن اهو اروح اتغدى وانام تاني.
بالأسفل فتح له باب السيارة، واستقل هو المقعد الأمامي وهو يقول بتذكر:
_ صحيح يا باشا كنت قولتلي هنروح للبوص الكبير، ده امتى!؟
اجابه دون أن يحيد بعينيهِ عن الطريق:
_ من امتى ببلغك بخطوتي قبلها؟
_ مش قصدي، بس يعني هو انا هوصل حضرتك واروح؟
لمعت عيناه بالخبث وهو يجيبه:
_ لا، هتفضل بره يمكن احب اخرج تاني.
رفع حاجبيه بدهشة وهو يهمس لذاته:
_ يعني مفيهاش راحة!
____________
يجلس في غرفتهما وقد شعر بالخواء التام بعد ذهابها، كان يعلم أنه سيفتقدها، لكن ما باليد حيلة، فقد عفاها من مصير مظلم، ورحمها من طريق طويل ستسيره معه دون أن تحصد في النهاية، لا تنفك جملة زميله بالعمل تتردد على أذنه حين أخبره بالحقيقة الكاملة، ولا ينسى كل ما دار بينهما من حديث، وشعوره حين اخبره.
_ باهر انا محبتش اقول للمدام الحقيقة، قولتلها ان في مشكلة ويمكن تتحل بالعلاج، لكن أنت صاحب الشأن ودكتور وفاهم، مش هينفع اخبي عليك الحقيقة.
_ باهر للأسف التحاليل اثبتت إن نسبة العقم عندك عالية ٨٠٪، وفي الحالة دي نجاح العلاج مبيعديش ١٠٪ وبياخد وقت طويل جدًا. أنا أسف إني بقولك ده، بس مش هينفع اخبي عنك اللي بيقوله الطب، لكن إرادة ربنا طبعًا فوق كل شيء، ولازم تحاول.
ربما سيحاول، لكنه لن يربطها بهِ، لن يعذبها معه، يحرقها بنار الانتطار والتمني، يعطيها أمل ويسحبه منها لاحقًا، ومن حديث الطبيب كمجمل، شعر بصعوبة حالته للدرجة التي تجعله في عين الطب حالة ميؤسة، ولكن الطبيب أراد ان يعطيه بعض الأمل.
هو من اختار نهاية علاقتهما، هو من القى بنفسه في الهاوية، لكنه مرغم وعقله هداه إلى أن هذا الحل الأمثل يعفيها ويعفي نفسه من انتظار سخيف تليه نتيجة بائسة.
_____________________
_ يعني برضو مش عاوزه تقولي اطلقتوا ليه؟
هتفت بها جدتها سميرة وهي تنظر لها بقلب مفطور على حالتها البائسة، فمنذ أتت لها وهي لا تكف عن البكاء، والحزن يبتلعها.
_ معلش يا نينا، مش حابة اتكلم، انا جيت هنا ومحبتش اروح عند بابي عشان محدش يسألني عن حاجة ومش حابة انهم يعرفوا دلوقتي.
تفهمت سميرة الوضع لتقول:
_ ماشي يا حبيبتي مش هضغط عليكي، بس قوليلي وطمنيني هو أذاكي؟ عملك حاجه؟
نظرت لها بدموعها الغزيرة وهي تنفي برأسها:
_ بالعكس، ده طلقني عشان مصلحتي، فاهم انه كده عمل اللي فيه صالح ليا.
ظهرت الحيرة على وجه سميرة اكثر، وهتفت بعدم فهم:
_ لا إله إلا الله هو ايه اللي حصل بس! طيب استهدي بالله يا حبيبتي وقومي اغسلي وشك وتعالي اطلبي غدا بقى لاحسن هموت من الجوع.
وقبل أن تعترض كانت تسبقها:
_ ووالله ما هاكل لقمة من غيرك، ويبقى ذنبي في رقبتك لو مت جعانة.
نهضت وهي تقول بهدوء:
_ بعد الشر عنك، حاضر.
تابعت دلوفها للداخل ثم قالت بحزن بالغ على حالتها وما حدث لها:
_ يارب هدي النفوس واصلح حالها يارب.
_________
في سوهاج...
ربطت على فخذها تسألها بهمس حتى لا يسمعهما الجالس امامهما:
_ جوليلي كيفك مع جوزك؟
نظرت لها بجانب عيناها واكتفت برد ساخر:
_ اسأليه هو، يمكن الخدامة مش عجباه.
حدقتها بحدة واضحة قبل أن تقول لها:
_ لمي نفسك يا بت وردي زين، وفيها ايه يا روح امك لما تكوني خدامة لجوزك! كلنا خدامين لجوازنا، مانتيش اول ست تخدم جوزها.
وفي لحظه كانت الدموع توخز مقلتيها، وامتلأت عيناها بالدمع الذي حجزته خلف اهدابها وقالت بكسرة نفس واضحة:
_ خدامة بس! ولا خدامة و ****.
جحظت عينا سرية وهو تسمع اللفظ الذي اطلقته، من أين لها بلفظ هكذا! فريال متحفظه في الفاظها وحديثها، ولا يمكنها ان تعلم لفظ كهذا لا يعلمه سوى ذوي الأخلاق الفاسدة، سألتها بأعين متسعة بصدمة:
_ أنتِ بتجولي ايه! من ميتى وأنتِ تعرفي الالفاظ دي وتجوليها!؟ أنتِ اتجننتي اياك؟ وازاي تجولي على نفسك اكده من اصله؟
نزلت دموعها بلا هوادة وهي تهمس لها باختناق:
_ مش انا اللي جولت.
وتلقائيًا اتجهت نظرات سرية للجالس أمامهما، والقائل معروف، ولكن السؤال لِمَ نعتها بلفظ قبيح كهذا؟ وكيف استدعاه الموقف؟
_ ايه اللي حوصل عشان يجولك اكده؟
سألتها بصرامة، لتجيبها فريال بتعب:
_ مش مهم.. صدجيني مش مهم.
واكتفت بالصمت، وسرية صمتت، لتشرد فريال فيما حدث ليلة أمس في أسوء ليلة مرت عليها، وكأنه يعاندها، أتى متأخرًا، مخمورًا كالليلة السابقة، وحينها لم تستطع الصمت كسابقتها، لتحاول الحديث معه وبين شد وجذب علىَ صوتها، فوجدته ينهال عليها ضربًا كما لم يفعل من قبل. ثم... ثم سبها بالفاظ تأذت لها مسامعها، وكأنه لا يراها، كأنه يرى أخرى كي ينعتها بتلك الالفاظ التي ليست فيها، وانتهى الأمر بها ملقية بجوار الفراش انفها وشفتها ينزفان، وخصلات شعرها لا تشعر بها، ناهيك عن كدمات زرقاء اخذت تأخذ محلها في ذراعيها وصدرها.
وصباحًا استيقظت خديجة على مكالمتها لها، لتجدها منهارة في البكاء بشكل لا يوصف، وبين شهقاتها سردت لها ما حدث، لتستشيط خديجة غضبًا وتسألها سؤال واحد " ماذا تنتظر بعد؟" ورغم وضوح السؤال إلا أن الإجابة كانت صعبة، فطال صمتها على الجهة الأخرى، لتفقد خديجة اعصابها وهي تخبرها قبل أن تغلق المكالمة " يبقى متزعليش من اللي يعمله فيكِ، لأنك تستاهلي".
ورغم قسوة جملتها، إلا أنها حملت كل معاني الصواب.
ومن حينها و خديجة بمزاج غير رائق تمامًا، وعصبيتها تسيطر عليها، وما زاد الأمر سوءًا علمها بخبر طلاق باهر وجاسمين، فحين هاتفت جاسمين بعد محادثتها ل فريال بقليل لتعلم هل علم باهر شيء، فقد كانت تنوي التحدث معه حيال ما يفعله الاخرق شقيقه، علّه يردعه، لتتفاجئ بجملة الفتاة الوحيدة وهي تخبرها " باهر طلقني، وانا في بيت أهلى".
ولم تزيد، وهي لم تضغط عليها، فقد شعرت برغبتها في البقاء بمفردها، زفرت بقوة وهي تقف في مطبخ الفيلا، تعد لها كوب شاي، بعدما شعرت بصداع يداهمها، استمعت لرنين جرس الباب، لتتجه للخارج مستغربة، فالجميع بالمنزل و مراد خرج للتو منذُ اقل من ساعة، فتحت الباب لتتفاجئ بهِ أمامها، سألته باستغراب:
_ أنتَ نسيت حاجة؟
دلف واغلق الباب خلفه، عيناه تأكلها حرفيًا، حتى أنها توترت من نظراته، لم يجيب سؤالها وإنما سألها:
_ كنتِ بتعملي حاجة؟
اومأت مجيبه:
_ بعمل شاي، راسي مصدعة.
_ لا سيبك من الشاي، انا هضيعلك الصداع بطريقتك.
قالها بعبث ومكر لمع في عيناه، لتردد بعدم فهم:
_ طريقتي!
وتغاضى عن حديثها مرة أخرى وهو يسألها:
_ فين مصطفى و ماما؟
_ مصطفى لسه قايلي انه هينام شوية عشان راجع من المدرسة على السنتر واتغدى وفصل خلاص، وطنط قالت هتطلع تصلي العصر وتاخد علاجها وتقرأ في المصحف شوية.
سألها باهتمام:
_ ساعدتيها تتوضى؟
_ اه، اتوضت هنا قبل ما تطلع متقلقش.
اصطحبها من كفها للأريكة الموجودة في آخر الردهة، والتي من خلفها زجاج مطل على حمام السباحة، جلس وجعلها تتسطح عنوة رغم رفضها وحرجها، ووضع رأسها على فخذه، مرتبًا خصلات شعرها بيده، قبل أن يبدأ في عمل مساج بأصابع يديهِ لفروة رأسها، كما فعلت معه من قبل، والآن فهمت جملته، ورغمًا عنها استرخى جسدها المشدود واغمضت عيناها براحة، لنصف ساعة كاملة ظل على وضعه، دون تأفأف أو ملل، حتى شعرت هي اخيرًا بالوقت بعدما استفاقت من غفلتها القصيرة، فانتفضت جالسة وهي تقول بحرج:
_ اكيد صوابعك وجعتك، انا اسفة والله مش عارفة نمت ازاي.
طالعها بحنان قبل ان ينهض خالعًا عنه سترته، ووضعها على الاريكة الأخرى جالسًا مرة أخرى موضعه وهو يقول:
_ مين قالك ان صوابعي وجعتني، ومين قالك قومي؟ تعالي.
قالها وهو يربط على فخذه بكفه، لترفض بخجل واضح:
_ لا انا بقيت كويسة والله.
لم يريد احراجها أكثر، فاشار لها بالاقتراب فقط:
_ قربي طيب.
اقتربت على استحياء حتى جلست جواره، فاقترب قاطعًا المسافة التي تركتها، ليصبح ملتصقًا بها، وفجأة طوقها بذراعيهِ لتصبح بين احضانه، مستندة على صدره برأسها وكفها وُضع تلقائيًا على بطنه، ازاد من ضمها حتى شعرت بجسدها يؤلمها بهتفت تنبهه:
_ براحة كده هتخنق.
ارخى ضمته تلقائيًا، وقال بهدوء:
_ اوقات بخاف يكون كل ده حلم، وافوق الاقيني لسه بدور عليكِ.
سألته بفضول:
_ ووقتها هتعمل ايه؟
وعفويًا ضمها اكثر، ورغم تألمها لم تتحدث هذه المرة، واستمعت له يقول:
_ هموت.
تجمدت ملامحها وجحظت عيناها بعدم تصديق، لترفع رأسها له محاولة الخروج من حضنه، ونجحت رغم انه مازال يطوقها من خصرها، وقد انخفض ذراعه الذي كان يحيط ظهره ليماثل الآخر، حركت رأسها بعدم استيعاب:
_ اكيد بتبالغ!
نظر لها قليلاً بصمت، كأنه يحاول ايصال صدق حديثه، حتى سألها:
_ ايه اكتر حاجه نفسك لو مكانتش حصلت؟
والإجابة كان يعلمها، وقد أتت كما توقع حين قالت بحزن:
_ أن سارة تكون عايشة، ومكناش عملنا اللي عملناه.
_ ولو ده اتحقق، وفجأة لاقيتِ ان كل اللي حصل محصلش وسارة عايشة؟
لمعت عيناها تقول:
_ هبقى أسعد انسانة في الدنيا.
_ ولو بعد ما بقيتِ أسعد إنسانة في الدنيا، لقيتي نفسك كنتِ بتحلمي، والوضع زي ما هو دلوقتي.
حزنت ملامحها بوضوح:
_ هتجنن، مش بعد ما اتعلقت بأمل مستحيل واتحقق ارجع للصفر تاني، مش هقدر اتقبل الحقيقة.
ابتسم ابتسامة صغيرة يقول:
_ اهو انا بقى كان لقاكي أملي المستحيل، ولو كل اللي عيشته معاكي السنتين وكام شهر اللي فاتوا حلم، مش هتجنن. هموت، ومش ببالغ، انا كنت نص ميت قبل ما الاقيكِ، كنت عايش حياتي عشان الاقيكِ، فتخيلي لما الأمل ده يضيع مني. هبقى إنسان ميت بالكامل، والموت مش بس بطلوع الروح من الجسم، في موت أصعب بكتير أوي، وهو انك تكوني عايشة ميتة. في مشاعرك، في احساسك بالحياة في كل حاجة حواليكِ.
لم يسعها سوى أن تقول بلطف وملامحها لينة كما لم يراها من قبل وكأن قلبها رفق بهِ:
_ أنا هنا، مش حلم دي حقيقة، أنا جنبك وبقيت مراتك، بلاش تسيب نفسك لتفكيرك، وصدق قلبك اللي حاسس بوجودي.
ولم يسعه سوى إعادة احتضانها بنفس القوة، وزفر انفاسه براحة كبيرة، وقد هدأ قلبه، وبعد دقائق من الصمت، قال:
_ ايه رأيك نعمل الفرح اخر الأسبوع؟
ابتعدت عنه قليلاً تسأله باستغراب:
_ فرح؟ فرح مين؟
_ فرحنا.
_ هو أنتَ لسه مصمم؟ انا قولت انك اتغاضيت عن الفكرة.
هز رأسه نافيًا باصرار:
_ استحالة، انا بس كنت برتب الدنيا، عشان ده مش هيكون اي فرح، ودلوقتي كل حاجة واقفة عليكي أنتِ، حتى فستان الفرح انا طلبتهولك، طلبت تصميم مخصوص من باريس، بس ليكِ الحق إنك تختاري حاجه تانية لو محبتيش الديزاين، مش بفرضه عليكِ يعني، انا بس حسيت اني اتخيلتك فيه. وغير كده كله جاهز.
شعرت بالارتباك والتوتر بشكل غير طبيعي، وظهر هذا واضحًا وهي تقول بتلعثم:
_ انا. انا بخاف من الزحمة، وبتوتر اوي لما يكون عيون حد عليا، مش هحس اني مرتاحه لو عملت الفرح اللي بتقول عليه.
_ بصي يا حبيبتي، انا غرضي الوحيد اني اعملك فرح يليق بيكِ، وعشان الناس كلها تعرف مكانتك عندي، لكن لو مش حابة، قوليلي وهعزم بس اللي عاوزه تعزميه.
_ مش عارفه.
رددتها بحيرة وتوتر وهي تفرك كفيها، ليمسكهما بكفيهِ ورفعهما لثغره يقبل كل واحد على حدى، وهي تكاد تنصهر من كثرة التوتر والخجل، ثم نظر لها يقول:
_ متخافيش، ولا تتوتري طول مانا جنبك، وانا في الفرح مش هسيبك لحظة ومش هيكون طويل، هو ساعتين او تلاته بالكتير وهيخلص، مفيش داعي تقلقي.
هزت رأسها ومازال الارتباك والقلق حليفيها، لتسمعه يقول:
_ بكره الفستان هيكون وصل، بس مش هينفع تشوفيه هنا عشان هو هييجي على الاتيلية فهنروح نشوفه هناك عشان البنات اللي هناك يساعدوكي تجربيه ولو مش عجبك تختاري حاجه تانية. واخر الأسبوع هيكون الفرح.
_ يعني بعد ٤ ايام؟
اومأ برأسه مبتسمًا:
_ ايوه يا حبيبتي، وهنقعد هنا اسبوع كده هجيب فيهم الخدم اللي رافضه انهم ييجوا لدلوقتي، عشان لما نسافر هاني مون ابقى مطمن ان في حد هنا بيساعد اخوكي وأمي.
_ أنا مش رافضة، كل الحكاية شايفة إن مفيش داعي أنا فاضيه مش بعمل حاجة وشغل البيت مش كتير، عشان كده قولت بلاش نجيب حد، غير اني بحب اعمل كل حاجة بنفسي.
_ عندك وقت خليه لنفسك، استمتعي بيومك، متشغليش نفسك بطبخ وتنظيف وترتيب. الحاجات دي بتاخد يومك من غير ما تحسي. وتقدري برضو يوم ما تحبي تعملي حاجه منهم محدش هيقولك لا، بس يكون في حد تاني ملزوم يعمل، ولو عندك وقت فاضي اوي اوي. اشغليه بيا، ولا منفعش؟
أردف الأخيرة بعبث، وهو يغمز لها بعيناه اليسرى، لتبتسم رغمًا عنها، وهي تقول بخجل:
_ خلاص اللي تشوفه.
اقترب مقبلاً رأسها بحنان عاهدته منه، قبل أن ينهض قائلاً:
_ هطلع اغير هدومي، وياريت لو تعمليلي معاكِ فنجان قهوة عشان هخلص شغلي من على اللاب.
_ حاضر.
صعد للأعلى واتجهت هي للمطبخ تصنع مشروبه، وبعدما انتهت استمعت لرنين الباب، لتتجه له بتعجب اكبر من هوية الزائر، وهي تهمس:
_ ايه حكاية الباب النهاردة؟ وبعدين ما كله بقى في البيت هيكون مين ده؟
تناولت خمارها الطويل الذي يغطي جسدها باكمله ما إن ترتديه، وفتحت الباب بحذر، لترى رجل غريب لم تراه من قبل، ولكن رؤيته قبضت قلبها ولا تعلم السبب، له هيبة مخيفة، ونظراته لها اخافتها، فسألته باضطراب:
_ أنتَ مين؟
مشط جسدها باذدراء وقال بوقاحة:
_ روحي نادي اللي مشغلك اجري.
_ اللي مشغلني؟
رددتها بصدمه، لتنتفض على صوته حين هدر بها:
_ اجري يابت أنتِ هتنحيلي!
ثم قال لذاته بصوت مسموع:
_ من امتى مراد بيشغل عنده الاشكال دي!!؟
وما فعله تاليًا ازاد من صدمتها.
رواية بك احيا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ناهد خالد
دلف بكل وقاحة وكأنها ليست واقفة، بل والأدهى اصطدامه بكتفها أثناء عبوره.
تركت الباب مفتوح وسألته بانزعاج وهي تدلف خلفه:
_ مين حضرتك وازاي تدخل كده؟
التف لها ساخطًا وهو يقول:
_ مش قولتلك روحي نادي سيدك!
كادت تتحدث ليهتف بها بقوة غاضبًا:
_ أنتِ لسة واقفة! اما انك بهيمة مبتفهميش صحيح.. المفروض اعيد كلامي كام مرة عشان تفهمي وتتحركي؟
أدمعت عيناها من صراخه بها وسبه لها، وانعقد لسانها من الإجابة، وشعرت بقليل من الخوف من هيئته التي ظهر بها شرًا غير مبرر تجاهها.
_ اهلاً يا حسن بيه، خير؟
التفتا كلايهما على صوت "مراد" الذي صدح فجأة وهو ينزل الدرج، لتشعر بالراحة ويتبخر خوفها في الحال، فقد كانت تستنجيه بداخلها، تناديه بصمت ولبى النداء.
قال "حسن" بضيق:
_ كويس انك نزلت، الناس اللي مشغلهم عندك دول مبيفهموش باين، بقالي ساعة بقولها تناديك وواقفة متنحة.
نقل "مراد" بصره لها ليرى بعض الدموع تلمع في عينيها، تقف تفرك في اصابعها بتوتر وقلق، كالتلميذه المذنبة! رأى في نظرتها اطمئنان لوجوده، وسمع صوتها الصامت يخبره أن يعرف ذاك الغريب هويتها، او ربما هي متأكده اساسًا من أنه سيفعل.
عاد ببصره ل "حسن" ليرى في نظرته انه يدرك هويتها جيدًا، هو فقط أراد إهانتها.
_ خير؟ في حاجة مهمة خلتك تيجي لبيتي؟
اتسعت عيناها ذهولاً وهي تراه لم يأخذ رد فعل على حديث الشخص المسئ لها، وتخطى الأمر.
_ جاي اشوف مراتي وابني.
ابتعلت شهقتها بداخلها وهي تنظر ل "حسن" بعدم تصديق، هل هذا والده!!؟ هل هو حسن وهدان نفسه؟ وتلقائيًا رجعت خطوة للوراء. تخشاه، تخشى هذا الرجل من مجرد ذِكر اسمه، وجملته التي قالها لها ذات مرة قديمًا تتردد في أذنها الآن: "بكره مراد يقتلك زي ما قتل أختك، واللي يقتل مرة.. يقتل ألف".
كان يحادثها كأنها شخص كبير وليست طفلة يرعبها بحديثه، لذا لازالت ذكرياتها تجاه سيئة، وتخشاه، نسيت شكله لكنها لم تنسى حديثه السام لها.
_ ابنك بتشوفه في الشركة، قول إنك جاي لمراتك.
رد ببرود:
_ اه جاي لمراتي يا مراد، حد له عندي حاجة! أنا شايف إنك كفاية اوي قعادها هنا، غير إني مش مأمن عليها في وجود البت اللي روحت اتجوزتها دي، مين عارف ممكن تعمل فيها ايه ولا تعاملها ازاي.
اتسعت عيناها ذاهلةً وهي تستمع لحديث "حسن" والذي أدركت الآن كنيته، انه هو والده، ووحش طفولتها، الذي لطالما أظهر عداءًا واضحًا تجاهها، طالما حدقها بنظرات لمعت بها شرارات التحذير والغضب، دومًا أظهر رفضه لوجودها وقربها من ولده، كل مشاكل مراد معه كانت بسببها، واخيرًا تهديده لها بترك المنزل والهرب، كل هذا كان كافيًا لها لتظهر خوفها وبغضها له في آنٍ واحد الآن حين علمت هويته.
نقلت نظرها ل "مراد" موقنة بأنه سيدافع عنها الآن، لكنها صُدمت حين تجاهل الحديث عنها لثاني مرة وقال موجهًا الحديث للجزء الأهم:
_ مش أنا ولا أنت اللي نقول كفاية قعدتها.. هي الوحيدة اللي لها حق تقول كفاية او لأ هي ماما.
_ وانا بقول لأ.
أتى صوت "ليلى" من خلفهم بعد أن خرجت بكرسيها من المصعد الكهربائي، لتمتعض معالم "حسن" يسألها بضيق واضح:
_ يعني ايه؟
وبثبات اجابته:
_ يعني امشي يا حسن، انا مش هسيب بيت ابني ، ولا هرجع بيتك تاني.
ابتسم ابتسامة ساخرة، ونقل انظاره بينهم جميعًا، ثم قال وهو ينظر ل "ليلى" أخيرًا:
- براحتك.. براحتك يا ليلى وأنا كده عملت اللي عليا معاكي.
شدت ظهرها بقوة، ونظراتها الشامخة اوشت له بعدم اهتمامها للأمر. فهو حقًا لم يعد يشكل فارق لها.
لم يتوقف هنا بل اكمل بجملة مُبهمة:
_ عشان محدش يلومني على اللي هعمله بعد كده.
وانسحب من بين الجميع بعدما رمى نظرة نارية للواقفة بعيدًا شاخصة ببصرها وقد ظهر خوفها جليًا على وجهها.
خرج وساد الصمت لدقيقة قبل أن تقطعه "ليلى" بابتسامة مصطنعة وهي تنظر ل "خديجة":
_ مالك يا خديجة خايفة كده ليه؟
نظرت لها وهي على نفس حالتها لكنها هزت رأسها بانكار واهي، فخوفها طاغي عليها.
لتكمل "ليلى":
_ متخافيش حسن ميقدرش يعمل حاجه، وإن كان على دخلته دي مجرد فرشة عشان يخوفنا، أنا فهماه كويس، لكن انا واثقة إن مراد هيقدر يوقفله لو فكر يعمل حاجه.
حولت نظرها في هذه اللحظة ل "مراد" لتجد نظراته مريبة، مُفزعة! لِمَ ينظر لها هكذا؟ توترت وتراجعت خطوة تلقائيًا وكأنها تحاول تفادي تلك السِهام التي تنطلق من عينيهِ ولكنها مُسلطة عليها!
أشاحت ببصرها بعيدًا، وابتلعت ريقها الجاف تقول:
_ أنا.. أنا مش خايفة.. هطلع اصحي مصطفى.
وانسحبت سريعًا من بينهما تصعد درجات السلم ركضًا.
تابعها بنظراته الداكنة، واسنانه المطبق عليهم بقوة كادت تهشمهم، وملامحه المتصلبة.
حتى انتبه لصوت "ليلى" يقول:
_ مالك يا مراد؟ وشك قلب ليه؟ اوعى تكون اهتميت لكلامه.
نظر لها وقد هدأ من حدة ملامحه باحترافية وقال:
_ لا ابدًا، انا متوقع انه يحاول يعمل اي حاجة، لأن عمره ما هيحب يفضل الوضع بالشكل ده، خصوصًا إنك جيتي هنا برغبتك وضد رغبته.. حتى انا مستغرب ان زيارته اتأخرت.
هزت رأسها بتأكيد ثم قالت:
_ معاك حق، هو مستحيل يسكت، واكيد في حاجه ناوي عليها، المهم حاول تهدي مراتك لأن خوفها منه باين، ولو حس انها بتخاف منه ممكن جدًا يستغلها في اي حاجة ضدنا.
ارتفع صدره بنفس قوي وانخفض فجأة قبل أن يقول:
_ متقلقيش، انا هتصرف معاها.
***
في سوهاج.
تقدمه يدلف لداخل البيت بعد أن أبلغ الموجودين بحضور المحامي لفتح وصية والده، والتي تفاجئ بوجودها حين أتى له المحامي صباح اليوم في عمله يخبره بأن الوالد قد ترك وصية لديهِ قبل وفاته بشهر واحد فقط، وشرطًا لفتح الوصية حضور كلاً من "باهر" و "خديجة" و "فريال" و "رباح".. والجميع حضر عدا "خديجة" والتي تحدثت مع "باهر" سلفًا وأخبرته بصعوبة حضورها وانها لا تهتم للأمر من الأساس فبالكاد تغاضى المحامي عن حضورها.
جلس الجميع وعنوة جلست من بينهم "سُرية"، وفتح المحامي الوصية وبدأ بقرائتها.
" بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أفضل خلق الله، أما بعد، فأوصي أنا المدعو" منصور.......... الدالي" بالآتي:
أن يكون لولدي" باهر منصور...... الدالي" نصف منزل العائلة الكبير، و نصف المزرعة الموجودة في الناحية القبلية، ونصف مصنع العلف الموجود بالقرب من الطريق الزراعي.
ولولدي " ابراهيم منصور..... الدالي" النصف الاخر من المزرعة القبلية، و ثلاثة أرباع المزرعة الموجودة في الناحية البحرية، ونصف المنزل الخاص بي.
ولزوجتي "رباح........" نصف المنزل المُقيمة بهِ، وربع المزرعة البحرية.
ول إبنة أختي " فريال....." ربع منزل العائلة الكبير، ونصف مصنع العلف مشاركًة مع باهر.
ول "خديجة محمود.... الدالي" مصنع العلف الموجود بأخر البلد بأكمله، وربع منزل العائلة الكبير... ليصبح مشاركة بين باهر وفريال وخديجة.
وأقر أن هذه الوصية دون أي ضغط، وكتبتها وأنا بكامل قوايا العقلية، على أن تُنفذ فور فتحها.
لقد نشب الحريق في المنزل بأكمله.
***
في مطار القاهرة الدولي.
دلفت ترتدي "نقاب" اسود وعبائة من نفس اللون، تجر خلفها حقيبة سفر متوسطة الحجم، واتجهت فوراً لمكان ختم الجوازات، وقفت تحاول تهدئة تنفسها وهي تراقب الضابط يختم لها الجواز بعد أن طلب منها رفع الوشاح عن وجهها، وتأكد من أنها الفتاة صاحبة للجواز، وارتاح قلبها أخيرًا وختم التصريح يُطبع على اوراق سفرها، واتجهت للمر المؤدي للطائرة والمتبقي فقط خمسة عشر دقيقة لإقلاعها.
صعدت للطائرة وبحث عن رقم مقعدها بلهفة حتى أتت المضيفة ووجهتها لمقعدها، لتبتسم من أسفل الوشاح وهي تراه أخذ مكانه بالمقعد المجاور لها، جلست وتصنعت انها لا تعرفه، ولكن في الخفاء شعرت بكفه يمتد ليمسك كفها، فقربته منه ليلتحم كفيهما ويهدأ قلبيهما وقد انقطع نصف الطريق.
كان يرتدي قبعة كبيرة وقد اصبغ شعره وذقنه بلون أحمر ناري وكذلك بشرته فقد لونها بمساحيق التجميل ليعطيها بياض غير طبيعي، غير ثيابه التي اتخذت تصميم غربي عجيب، فبدى وكأنه عارض أزياء أو أحد أصحاب الطبقة المخملية.
وأقلعت الطائرة بعد قليل. وأصبحا يحلقا في الفضاء الآن.
ساعات قليلة وهبطت الطائرة مرة أخرى، ليبدأوا في النزول تباعًا، خرجا من المطار كما كانا، لا يعرفان بعضهما، حتى استقل كلاً منهما سيارة أجرة، واتجهت بهما لميناء تلك البلدة، وبعدها كانا يتجهان لمركب ضخم ينقل لضفة أخرى أو بالأحرى لبلد أخرى.
وقفا على حافة الميناء وأمامها ضابط يسألهما بلكنته الغربية.
_ هل أنتِ شيماء محمد علي؟
اومأت برأسها مدعية عدم فهم اللغة وعدم قدرتها على التحدث بها، اعطاها تأشيرة سفرها وجعلها تمر، وأتى بعدها ل "طارق" ليسأله:
_ هل أنتَ انطوان جاك كروس!
اردف بلكنة اجنبية:
_ نعم أنه أنا.
ومر. ليستغرق المركب حوالي ساعة ونصف قبل أن يستقر على ميناء بلدة أخرى.
ترجلا منها وسارا في شوارع متعدده، خلف بعضهما، حتى دلفا لمول كبير، ومنه استطاع كلاً منهما أن يدلف لحمام ليغير ثيابه ومظهره بأكمله.
***
نزلت بعد قليل، وتلفتت حولها وهي تجد سكونًا غريبًا يحتل المكان، لكنها انتفضت فجأة على صوته يقول من خلفها تمامًا:
_ بتتلفتي زي الحرامية ليه؟
نظرت له تلتقط أنفاسها الذاهبة، ومن ثم أجابته:
_ مبتلفتش، وايه حرامية دي! أنا بشوفكوا روحتوا فين عادي.
نظرة عميقة، شعرت وكأنها تخترقها، وصمت دام لثواني، ولكن مع نظرته وصمته توترت، وارتبكت، فكادت تنسحب، لولا انه جذبها بغتًة من رسغها، لتجد نفسها ترتطم غصبًا بصدره الصلب، فتأوهت بوجع وهي ترتد برأسها لتنظر له، وليتها لم تفعل، فوجدت نظراته تخترقها قبل أن يسألها وهو يشرف عليها من فوق:
_ كنتِ خايفة من حسن؟
_ يمكن عشان كان عارف انك ملكش امان، كان بيأمنها.
التف له يطالعه شذرًا:
_ متتدخلش أنتَ.
نهض "باهر" كرسيه ووقف مواجهًا له يهتف باستعداد تام للشِجار:
_ ولو اتدخلت هتعمل ايه؟ بعدين مش انت اللي تقولي ادخل ولا لأ.
رفع شفته العليا يحدثه بسخرية:
_ بجيت مصراوي وتتحدت زييهم، اهنه مبجاش مكانك يا حضرت الدكتور، ولا بجى يليج بيك، فمتتدخلش في اي حاچه تحصل اهنه.
وقف ندًا له وقد اشتعلت روح التحدي بداخله ليقول بغيظ تملك منه:
_ برضو مش انت اللي تقول اتدخل ولا لأ، وفريال وخديجة اخواتي، واللي هيفكر يجور على حقهم انا اللي هقفله.
الآن وبعد اقتراب "ابراهيم" من أخيه لم يتبقى سوى أنشًا واحدًا بينهما، وعينا "ابرهيم" تنير بالشرار، وعينا "باهر" جامدة ومتحدية، ليقول الأول من بين أسنانه:
_ أنت خابر إن مفيش صفا بينا، متغفلجهاشاكتر من اكده، وإلا الله في سماه هنسى إنك اخويا من أصله.
صدمه "باهر" بكفه في صدره ليرتد الواقف أمامه خطوة واحدة فقط وتمالك نفسه، ليقول "باهر" بغضب:
_ وأنت فاكر اني اخوك ياله! أنت اصلاً لا معتبرني اخوك الكبير ولا متعبرني اخوك من أساسه، وبعدين مش أنا اللي تقف تهددني، اظبط نفسك عشان ماندمكش.
_ بس....
صرخت بها "رباح" وهي تنهض مقتربة منهما:
_ ايه هتتضربوا بعض! بكفياك يا ابراهيم عاد، الوصية هتتنفذ يعني هتتنفذ وابوك هيكون مرتاح في تربته، وكل اللي انت عامله ده مهيغيرش حاچه.
ابتعد يهدأ نفسه ويرتب افكاره، حتى أتى على عقله الحل، فهدأ وعاد يقف بينهم يقول للمحامي:
_ شوف اللازم يا متر، وخلي كل واحد ياخد حجه ونخلص.
والجميع لم يطمئن له عداها، جميعهم شعروا بأنه يدبر لأمر آخر، فهو لا يتهاون ولا يتنازل عن رغبته في الوصول لأمر ما، لذا فهو حتمًا يخطط لشيء في الخفاء.
أما هي فصدقته، وارتاح قلبها لتقبله للأمر دون اللجوء للنزاع والمناطحة، ودون أن تضطر للإعلان عن نفسها والثورة لكرامتها والتي كانت حملاً على عاتقها من الأساس.
***
نظرة عميقة، شعرت وكأنها تخترقها، وصمت دام لثواني، ولكن مع نظرته وصمته توترت، وارتبكت، فكادت تنسحب، لولا انه جذبها بغتًة من رسغها، لتجد نفسها ترتطم غصبًا بصدره الصلب، فتأوهت بوجع وهي ترتد برأسها لتنظر له، وليتها لم تفعل، فوجدت نظراته تخترقها قبل أن يسألها وهو يشرف عليها من فوق:
_ كنتِ خايفة من حسن؟
فكرت أن تنكر خوفها منه بعد ان رأت نظرته التي توشي برغبته في الحصول على إجابة نافية, ولكن في الوقت ذاته هناك شيء يكمن خلف نظراته ونظرة اخرى اندمجت بالنظره الاولى وهي تحذرها تمامًا من الكذب أو محاولة خداعه, لذا وجدت نفسها تبوح بالحقيقه وهي تقول:
_ اه خوفت طبيعي اخاف, واحد داخل البيت من غير استئذان وبيكلمني بقله ذوق غير نظرته اللي كانت مليانه شر فطبيعي خاف.
هزه بسيطه من رأسه تبعها يقول بصوت عميق:
- لا مش طبيعي الطبيعي انك ما تخافيش من اى حد ولا من اي حاجه طول ما انا معاكي, الطبيعي إن حتى وانا مش موجود الخوف ما يعرفش طريقك ما بالك بقى وانا معاكي وفي نفس البيت وخوفتي...
ابتسامه ساخره ونقِمة زينت ثغره وهو يكمل:
- نفس البيت ايه ده انا كنت واقف قدامك وانتِ كنت واقفه تترعشي من الخوف كل ما يبص لك!!
حاولت امتصاص غضبه والذي استشفته بوضوح فقالت بهدوء صادق:
- يعني حتى لو انتَ عاوزني ما اخافش وانت موجود اكيد ده مش هيحصل على طول كده! احنا يا دوب لسه عايشين مع بعض قريب مش طبيعي إن انا ابقى مطمنه دايمًا بوجودك, وعمومًا الشخص ما بيطمنش غير بالمواقف, المواقف هي اللي بتخلي الشخص يطمن بوجود حد معين جنبه , يعني اعتقد مش من حقك تبقى غضبان كده عشان خوفت وانتَ موجود!
ونجحت, استطاعت امتصاص غضبه واقناعه بوجهة نظرها, فترك كفها لتبتعد خطوة واحدة وتسمعه يقول بهدوء مخالف لغضبه:
-ماشي يا خديجة وإن كان على كونك تطمني وانا معاكي فده انا هعرف اعمله كويس , بس الموضوع مش كده وبس, انا مش عاوزك بس تطمني وانا موجود او بوجودي انا عايزك انتِ نفسك ما تخافيش, مش عشان حد موجود او لا انا عاوز أعلمك ان مافيش اي حد في الدنيا يستاهل انه يثير خوفك.
انكمشت المسافه ما بين حاجبيها وظهر الضيق على ملامحها وهي تسأله:
_ هو فعلاً والدك ما يعرفنيش؟ هو انا متأكده انه ما شافنيش قبل كده بس يعني على الاقل كان طبيعي يشك إن أنا خديجه! لكن هو من اول ما فتحتله بيعاملني على اني الخدامه ده حتى ما حاولش يسألني أنا مين!
ظهرت السخريه جليه على وجهه وارتفع جانب شفته العليا مستهزأً وهو يقول:
_ ما يعرفكيش! حسن بيه عارف دبت النمله اللي بتحصل في حياتي يعني عارف كويس إن أنا ما جبتش خدم وإن ما كنتيش انتِ خدامه زي ما هو قال هتكوني مين!
اتسعت عيناها بعدم تصديق وهي تردد:
_ ولما هو عارفني ليه ادعى انه فاكرني الخدامه؟
رفع منكبيهِ تزامنًا مع تحريك رأسه لليمين وهو يردف:
_ شوفي انتِ.
استغرق الامر ثواني قليله معها تفكر في سبب ادعائه الكاذب حتى اتى الجواب لعقلها لتقول فوراً بصدمه:
_ يعني هو كان عارف وقصد يقول عليا اني خدامه عشان يهني ويقلل مني! حب يوضحلي بطريقه غير مباشره ان حتى مظهري مايلقش إني اكون مرات ابنه..
وصمته كان خير تأكيد على ما توصل إليهِ عقلها. قطبت ما بين حاجبيها بضيق وعدم فهم في الوقت ذاته وهي تسأله:
_ ولما انتَ فهمت كده من الاول ليه ما تدخلتش؟ يعني انتَ كنت سامع اهانتي ووقفت تتفرج! فهمني ما تدخلتش ليه؟؟!
نظرته الغامضة، وهدوءه اثار استغربها، تحرك الخطوتين الفاصلتين بينهما فاصبح قريبًا منها، تمامًا مرة اخرى، واكتفى بجمله اكثر غموضًا:
_ شكلك نسيتِ اللي علمتهولك زمان، بس ما فيش مشكله نعيد من الأول.
وهل عاد مراد القديم لعهده؟ هل عاد يعاملها كطفله صغيره يشكلها على يده؟ يزرع فيها قيم يراها صحيحة، وربما هو فقط من يراها هكذا، وقيم اخرى ينتزعها منها رغم صوابها؟
لم تفهم جملته التي زينها الغموض فسألته:
_ يعني ايه مش فاهمه؟ ايه اللي انتَ علمتهولي زمان ونسيته؟
اجابها وكأنه يأخذها لسنوات مضت يعيد تذكيرها بما كان يعلمها اياه قديمًا:
_ علمتك انك ما تستنيش حد ياخد حقك، علمتك ان مهما كان اللي يغلط فيكِ او يجي عليكِ حتى لو ابوكِ نفسه تاخدي حقك منه، فازاي كنتِ عوزاني ارد وادافع عنك؟
تنفس بصوت مسموع ثم اكمل:
_ مش هرد يا خديجة، ومش هدافع، ومش هاخدلك حقك، عشان تتعلمي انتِ تاخديه.. يمكن بقولك اطمني لوجودي وطول ما انا موجود ما ينفعش تخافي، بس ده مش معناه انك تلغي شخصيتك! وبعدين لو اتعودتِ إن أنا اللي ارد وادافع واخد حقك في اي وقت مش هكون موجود فيه مهما اتقال لك ومهما اتداس على كرامتك مش هتعرفي لا تردي ولا تاخدي حقك، وده انا مش عاوزه...
رغم إني بعد كده مليون في الميه هاخدلك حقك بس انا مش عاوز كده، مش عاوزك تعتمدي عليا ولا على اي حد، مش عاوز خديجه تكون شخصيه ضعيفه اللي رايح واللي جاي بيلطش فيها... عاوز الكل يعمل لها الف حساب عشانها هي شخصيًا قبل ما يكون عشان كونها مراتي.
كيف لكلماته رغم حدتها أن تسعدها هكذا؟ كيف تغللت لداخل اعماقها بهذا الشكل لتلمع عيناها ويرفرف قلبها وهي تستمتع بكلماته، وأول ما خطر على عقلها هو المقارنه بينه وبين معظم الازواج، والذي من بينهم "ابراهيم" ابن عمها كيف ان الاخر يفعل كل ما يفعل ليهدم شخصيه زوجته، وهو هنا يفعل كل ما يفعل ليحاول بنائها بالشكل الصحيح... الاخر يسعى جاهداً لمحو شخصيه زوجته، بينما الواقف امامها على النقيض تمامًا فهو يحاول خلق افضل شخصيه منها. وهذا ما جعلها ممتنه له، ممتنه بالشكل الذي دفعها للوقوف امامه لا تنطق بحرف واحد تعقيبًا على حديثه، وانما فقط تنظر له وكأنه... آخر الرجال المحترمين!!!!
_ روحتِ فين؟
سؤال افاقت عليه يخرج منه بعد ان اطالت الصمت والنظر, فابتسمت بصفاء وهي تجيبه:
_ معاك ماروحتش في مكان، هعملك فنجان القهوه اللي طلبته على ما تغير هدومك ما لحقتش تغيرها.
ابتسم لها والتقط كفها رفعه لفمه وطبع قبله عميقه فوقه جعلتها تنتفض داخليًا من شعورها بملمس شفتيهِ فوق كفها ورفع رأسه لها ثانيةً يقول بنبره حنونة مُحبة:
_ماشي يا حبيبي و تسلم ايدك مقدمًا.
وانسحبت من امامه متجهه للمطبخ، ووقف هو ناظراً امامه متنهداً بعمق كأنه يفكر في شيء ما، انهى وقفته وهو يقول بتوعد:
_ اما نشوف هتعمل ايه يا حسن بيه، ده انا حتى متشوق قوي انك تعمل حاجه..
وكانت جملته تخبرنا بمدى استعداده وترحيبه ببدء المعركه.
***
سارا في شوارع متعدده، خلف بعضهما، حتى دلفا لمول كبير، ومنه استطاع كلاً منهما أن يدلف لحمام ليغير ثيابه ومظهره بأكمله.
خرجا من المول هي غيرت ثيابها ومظهرها لتصبح مرتديه بنطال من الجينز الازرق وفوقه كنزه بدون اكمام من اللون الاسود وتركت لشعرها المصبوغ بلون احمر يشبه دم الغزال العنان لينسدل حراً على كتفيها، ولم تنسى مستحضرات التجميل التي تفننت في وضعها لتغير ملامحها قليلاً، وذلك القرط الصغير الذي ثبتته في فتحة انفها، تمشي بثقه مجاوره للذي اصبح مجاوراً لها الان بعد ان غير مظهره هو الآخر. ليرتدي ثياب أقل غرابه من تلك التي ارتداها أولاً فارتدى الآن بنطال من الجينز الاسود وقميص بني اللون ووضع قرط صغير للغايه في اذنيهِ وغير طريقه تصفيف شعره ليصبح للخلف، ويضع سيجار فخم بين شفتيه يمتص دخانه من وقت لآخر.
_ اعتقد كده اقدر اقول اننا نجينا.
قالتها "هاجر" وهي تتنفس براحه ليجيبها "طارق" بابتسامه سعيده:
_ بما اننا وصلنا للنقطه دي وماحدش ورانا يبقى اه فلتنا.
اغمضت عيناها لوهله وتمتمت بصوت مسموع:
_ الحمد لله، الحمد لله، ما كنتش متخيله ان الكابوس هيخلص وهنقدر نهرب منهم.
وصلا لبيت صغير مكون من طابق واحد معظمه نوافذ وابواب زجاجيهؤ وسقفه على شكل مخروطي منحدر الجانبين، اخرج طارق مفتاحًا من جيبه وفتح به باب المنزل ودلفا فاغلقه خلفه وهو يقول:
_ انا كنت واثق في مراد، وعارف انه هيقدر يخرجنا منها من غير ما ياخدوا خبر، بس ما انكرش من وقت للتاني كنت بقلق وبحس ان الموضوع مش هيتم.
مشطت المكان بعينيها وهي تقول:
_ بس هو كان قايلك اننا هنسافر بعد يومين، ليه فجأه اتصل عليك بعد ما دخل بيته وقالك ان ميعاد الطياره بعد نص ساعه!؟
جلس على كرسي موجود بردهة المنزل الصغيره واجابها:
_ عشان دايمًا الحاجه اللي بتيجي فجأه هي اللي بتنجح، ومبحبش يقولي الميعاد امتى بالظبط عشان ما يبقاش في اي احتماليه ان الموضوع يفشل، ده غير ان اصلاً مراد بطبعه ما بيحبش حد يعرف حاجه قبل ميعادها، زي ما قلتِ بيعرفني ميعاد الطياره قبلها بنص ساعه... بس يلا المهم ان احنا نجحنا والكابوس ده انتهى.
اقتربت منه حتى جلست على يد كرسيه واحتضنت عنقه تسند رأسها على رأسه وتنفست بعمق وهي تقول:
_مش مصدقه ان من النهارده ما فيش حاجه هتفرقنا عن بعض تاني، واننا هنكون سوا طول الوقت حاسه اني بحلم يا طارق.
احتضن خصرها بذراعيهِ مقربًا اياها له وهمس لها يطمئنها:
- لا يا قلب طارق ما بتحلميش، دي حقيقه يا هاجر حقيقه بعد كل المرمطه اللي اتمرمطناها وعلاقتنا اللي كانت في الضلمه ومش عارفين نخرجها للنور، نكون دلوقتي مع بعض وقدام كل الناس اللي حوالينا وابننا قريب هيكون معانا وهنعيش الحياه اللي اتمنناها.
سألته بقلق ظهر في صوتها واضحًا:
_ بس تفتكر ربنا هيبارك لنا في حياتنا الجايه بعد كل اللي عملناه.. احنا غلطنا كتير قوي يا طارق، مشينا في طريق غلط وساعدنا ناس كتير فاسده على فسادهم، وكنا وسيلة في يوم من الايام ان الفساد ده يستمر.
ارتعش بدنه على ذِكر الله، واحتمالية عدم مسامحته لهما، والا تسير حياتهما على النحو المرجو منهما كعقاب على افعالهما السابقة، قطب ما بين حاجبيهِ قلقًا وجاهلاً:
_ مش عارف، مش عارف اذا كان ربنا هيسامحنا ولا لأ، ومش عارف إن كان هيبارك لنا في حياتنا ولا لأ، بس كل اللي عارفه اننا عمرنا ما حبينا اللي كنا فيه، يمكن في الاول اه حبينا الفلوس، حبينا المكانة اللي خدناها، حبينا حياتنا اللي اتغيرت، لكن بعد كده احنا ما كناش عاوزين نستمر.. ولو كان بايدينا كنا من زمان قوي وقفنا الشغل معاهم وبعدنا عنهم، ربنا عارف اننا كنا مجبورين حتى لو في الاول كان ده اختيارنا، مش عارف يا هاجر لإن للأسف ما اعرفش كتير عن ربنا فما اقدرش اقولك إذا كان كل اللي عملناه هيسامحنا عليه ولا لأ.....
تنهدت واغمضت عيناها سانده رأسها على رأسه من جديد وقررت الصمت، فلا اسئلتها يمتلك هو جوابا لها، ولا اسئلته تمتلك لها جواب، ولعل الايام تكون هي خير جواب.
***
انتهت مهمة المحامي وأخبرهم بأنه سيبدأ في إجراءات الوصية ليصبح لكل شخص حقه باوراق مسجلة حسب وصية المتوفي.
وبعد ان انتهى ذهب المحامي وخرجت "سرية" من البيت بعد أن رمت "ابراهيم" بنظرات غاضبة وحانقة و جمله وحيده قالتها دون ان تنتظر رد عليها:
" كبرت يا ابراهيم وبجيت تجف جدامي وتعلي صوتك عليا وتناطح من غير ما تعمل حساب لشكلي جدام الغريب, لا بجيت راجل يا ابن اخوي."
وهو لم يهتم بالتعقيب على حديثها وتركها تخرج دون ان يحاول حتى ايقافها.
وبالمثل فعل "باهر" حين نهض عن كرسيه متجهًا لرباح وتحدث معها لدقيقتين تقريبًا قبل أن تحتضنه مودعه إياه.
وتجه ل "فريال" يقف امامها وهو يقول لها بصوت حرص على ألا يسمعه غيرها:
"لو عملك اي حاجه او حسيتِ بأي خطر منه تتصلي عليا فوراً وهتلاقيني عندك, وما تخافيش وما تسمحيش له انه ييجي عليكِ وما تفرطيش في حقك يا فريال ,مهما عمل ومهما قال انا معاكي عمري ما هسيبك, وزي ما قلت قدامه انتِ وخديجة اخواتي الصغيرين وفي اي وقت هتحتاجوني هكون جنبكم في لحظه حتى لو كان ضد اخويا"
نظره ممتنة وابتسامة هادئة هدته اياهم وهي تؤكد له:
"ما تقلقش لو حصل اي حاجه انتَ اول حد هجري عليه واحكيله سافر وانت مطمن وخلي بالك من نفسك"
وبعد انسحاب الجميع ومن بينهم رباح التي اتجهت لغرفتها لتصلي فرضها.
أشار لها إبراهيم بأن تتبعه لأعلى. وفعلت كما أراد واتبعته لغرفتهما الخاصة فدلفت خلفه مغلقة الباب نازعه عنها حجابها وشرعت في أن تتجه لخزانتها لتأخذ ثيابا منزليه مريحه.
لتتوقف على صوته يقول:
تعالى يا فريال رايد اتحدث معاكِ في حاجة اكده.
اتجهت ناحيته حتى وقفت خلفه وهو ينظر من نافذة الغرفة وسألته باستغراب:
_ خير يا ابراهيم حاجة ايه اللي رايدني فيها؟
التف لها يقول بهدوء تام:
_بكره المحامي هيروح يسجل لكل واحد حجه كيف ماجال جدامنا تحت, يعني بكره هيكون ربع البيت الجديم ونص مصنع العلف هيكونوا باسمك ,هنستنى اسبوع اكده وهنروح الشهر العقاري تنجليهم باسمي.
وكأن أحدهم ضربها بمطرقه على رأسها. شعرت وكأن رأسها تطوف بلا هوادة. لم تفسر حديثه في بداية الأمر ومع مرور الوقت بدأت تستوعب ما يخبرها او أدق ما يجبرها على فعله. وهل هدأ وقبل بالأمر منذ قليل لانه نوى ما اخبرها بهِ الان؟!
وكأن اليوم أبى أن يمر دون أن يترك لها حرية الاختيار إما أن تكن عروسًا معلقه بخيط يتلاعب به الجميع للابد, إما أن تعلن عن كونها انسانة لها حق وقرار. وما ظنته قد هربت منه في الأسفل اتى الآن ليكن واقعًا مريرًا لا هرب منه!!
هو ينتظر أن تخبره بالموافقة على حديثه لا ينتظر رداً لا بالاجابه او القبول. وهي تستعد لاخذ قراراً بالتقدم او البقاء في نفس النقطة.
والأدهى أن عقلها الآن يفكر لِمَ ظهرت الوصية اليوم تحديداً؟ فهي فقط بالامس كانت قد قررت أن تترك كل هذا وتهرب، والهروب كان بالمعنى الحرفي.. كانت قد قررت ان تسافر لابنة خالها وهي لديها شعور قوي بأن زوج ابنة خالها سيستطيع حمايتها حتى من ابراهيم نفسه، لياتي اليوم وتجد نفسها امام أمراً واقعاً بأن الهرب بات صعبا فكيف ستهرب وتترك الأمانه التي تركها لها خالها وكأنها رساله منه!؟ رسالة بأنها عليها المواجهه.
وهي:
بقيت عمراً، صامتة، متنازلة، و راضيه، وراضخة، خاضعة، اقبل واقبل، متنازله وبكل استسلام حتى عن أبسط حقوقي ك إنسانه حرة، مكرمة، وحين قررت الانتفاضه حدث ما قيدني وجعل انتفاضتي تخمد وعزيمتي تتذبذب، وبدلاً من المضي قدمًا رجعت خطوه للوراء.
وهذا تحديداً ما أتى بعقلها الآن، هل ما حدث ارجعها خطوه للوراء وذبذب عزيمتها عن اخذ موقفا؟ أم أنه دافعًا بحد ذاته للقدوم للامام.
_ سمعاني انتِ ولا روحتِ فين؟
وانتفضت على صوته وقد نفذ صبره من صمتها لتنظر له وهي تقول:
_ سمعاك بس مش هعمل اللي هتجول عليه.
فردت ظهرها وشمخت برأسها ورغم كل الخوف والذعر الذي يحتلها من الداخل لكنها أبت ظهوره عليها، وهي تكمل بشموخ انثى يعرف الطريق اليها لأول مره:
_ البيت الكبير ونص المصنع خالي أمر انهم يكونوا باسمي، حجي، وابجى عبيطه لو اتنازلت عن حاجه حتى لو كان ليك... او بالأخص لو كان ليك..!!!
ونظرته في تلك اللحظه وتحول ملامح وجهه كان اختباراً لها إما أن تمضي قدمًا، وتكمل إما أن ينتصر خوفها وتتراجع.
***
انتهى الفصل.
رواية بك احيا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ناهد خالد
دروس الماضي لا تُهمل، فقط تبقى هناك في أحد خانات الذكريات، وتظهر في الوقت المناسب، تحديدًا في الموقف المناسب تمامًا!
انتبهت لجملة "رنا" وهي تقول بود:
مش كده وبس، ده احنا كمان بقينا صحاب، مش كده يا ديجا؟
"ديجا" لم يكن عليكِ قولها يا رنا.. أبدًا!
تغيرت ملامحها مائة وثمانون درجة، وجمت بشدة وهي تستمع لمَ أطلقته "رنا" بكل عفوية للتو. ضغطت على أسنانها بقوة تحاول كبح جماح ذكرياتها كي لا تنفجر الآن في عقلها ونتيجتها لن تُحمد عقباها، لكنها فشلت وهي تستمع لصوته المميز يخرج من بين ذكرياتها وهو يردد نفس الاسم منذُ سنوات عِدة بكنيتها المفضلة له.. "ديجا".. "ديجا"… "ديجا"..
رفعت رأسها بغتة بعدما كانت تنكسها وللحظة استسلمت لذكرياتها، ولكن لم تترك لذاتها العنان أكثر كي لا تسوء حالتها. وحين رفعت عيناها رأت ما خشاه، رأت غضب مهول سكن نظراتها، وتمرد سافر وهي تقول بابتسامة أدرك حقيقتها الزائفة:
متقوليش الاسم ده تاني يا رنا لو سمحتِ.
تفاجئت "رنا" من طلبها، لتسألها مستغربة:
ليه؟ ده الدلع الدارج لأسم خديجة.
ضغطت على ذاتها بشدة وهي تخبرها بهدوء يكبح خلفه الكثير:
معلش مبحبوش بيضا’ يقني.
اقتنعت "رنا" بحديثها، بل وأيدتها وهي تقول:
معاكي حق، انا كمان مبحبش دلع رنوش.. بحسه تقيل على قلبي، بحب رانو اكتر.
ابتسامة لم تصل لعينيها زينت ثغرها وهي تردد:
ماشي يا رانو.
ولكنه لم يقبل بنصف اجابة رغم علمه بتكملتها، لكنه أصر أن يسمعها منها، لا يعلم لِمَ! ربما تمنى قلبه الأحمق أن تخالف توقعه وتكمل اجابتها بشيء آخر غير الذي وصل له، وألمه كثيرًا، لذا سألها بمرح زائف:
بس اكيد في سر ورا عدم حبك للدلع ده، وعندي فضول اعرف بصراحة.
نظرت له فوقعت عيناها في داخل عيناه تمامًا، وفي تلك اللحظة صور لها عقلها أنها تحدثه هو بذاته "مراد"، ربما لأن عيناه تذكرها بهِ بشكل ما، فوجدت الغضب يشتعل داخلها من جديد وهي تنظر لعيناه مباشرةً هذه المرة وكأنها انفصلت عن واقعها، وهتفت من بين أسنانها بعداء:
لأني بكره الي سماني بيه، عشان مش طايقة افتكر أي حاجة عنك حتى لو كان اسمي، لو كنت اقدر اغيره كنت غيرته.. لو كنت اقدر الغي من عقلي كل ذكرياتي معاك كنت عملتها.
كل كلمة منها كانت بمثابة طعنة سُددت لصدره، ملامحه كانت جامدة ولم يظهر بها شيء، ولكن بداخله بركان ثائر من القهر والحزن فقط.. ليس غضبًا عليها ولا منها، الأمر يتعدى هذا بكثير. انتبهت لذاتها على هز "رنا" لذراعها وهي تهتف بتعجب:
خديجة مالك؟ أنتِ بتكلمي زين كده ليه؟
انتبهت لأين هي وماذا تقول، لتخفض نظرها لأسفل مستغفره ربها، وقد حدث ما خشته وانفلتت زمام السيطرة على ذاتها من بين يديها. أخذت نفسًا عميقًا ناهره ذاتها بغضب قبل أن ترفع رأسها وهي تتحاشى النظر له مرددة بهمس:
أسفة يا جماعة، بس فكرتوني بحاجات مبحبش افتكرها..
رفعت نظرها له بخجل حقيقي وهي تكمل باعتذار:
أنا اسفة يا استاذ زين مقصدتش الي قولته.
بالكاد رسمَ بسمة بسيطة على ثغره وهو يردد بوجه واجم:
ما قولنا بلاش استاذ.
رفرفت بأهدابها خجلاً وهي تغمغم محاولة تخطي الموقف:
أسفة يا زين.
اومئ برأسه وقبضتيهِ ابيضتا من شدة الضغط عليهما، يكبح حزنه وسخطه على ما آلت إليه الأمور، لا يلومها، لكن لا يعرف مَن يلوم؟ كل ما في الأمر انه حزين لحد لا يمكن وصفه، وللأسف في مثل تلك الحالة دومًا ما يلجئ لِمَ ينسيهِ حزنه وقهره، ألا وهو "الخمر" أو ما يسميهِ باللغة الأجنبية العصرية "فودكا".. والآن هو في أشد الحاجة إليها، لكن للأسف بقى على انصرافه ساعتان كاملتان.
ابشع انواع الألم هي ما لا يمكنك التعبير عنها، او يرغمك الموقف على كبت كل ألآمك، البركان حين يثور ولا يجد له مخرجًا يأكل نفسه بنفسه، وهذا ما يحدث معه الآن.
تسلل إلي مسامعهم اصوات متداخله تأتي من الخارج، ورويدًا تميز صوت امرأة تصرخ وصوت هادر لرجل. وكالعادة قادهم فضولهم للتحرك للخارج لمعرفة ماذا يحدث، والمقصود بهم "مراد ورنا" أما "خديجة" فكانت على علم مسبق بما يحدث خارجًا، فهذا ليس بأمر جديد عليها، او على المنطقة حتى، التي وقف كل من بها ينظر للمشهد بصمت، وبعضهم أخذ يتهامس بعدم رضا ولكن لا يمكنه التدخل.
وكان المشهد كالآتي:
رجل ينهال ضربا على امرأة بكل قوته في منتصف الشارع حتى أنه جردها من حجابها، من فرط ما جذبها من شعرها ليكيل لها اللكمات والضربات كما يقول الكتاب. وقفا "مراد ورنا" بدهشة مما يحدث، والأمر كان مختلف لدى كلاً منهما. فهو مندهش أكثر من سلبية الناس الذين وقفوا يشاهدون دون تدخل، والادهى أن المرأة تترجاهم لينقذوها من بين يدي ذلك الوحش المفترس، و"رنا" كانت مندهشة من قسوة ذلك الرجل في ضربه فقد بدى كأنه يلاكم رجل مثله! حتى أنه أدمى وجهها من كثرة عنفه!
الحقوني يا ناس، الحقوني يا خلق الراجل هيموتني.
صرخت بها تلك المرأة المكلومة، ليزيد ذلك الحقير من ضرباته وهو يسبها بألعن الألفاظ:
بس يا بنت ال*****، ولا دكر يقدر ينجدك من ايدي يا بنت ال**** يا ****.
اشتعلت مراجل الغضب بداخله وهو يناظر ما يحدث ببركان إن انفجر سيهلك كل من حوله، وهذا المشهد أمامه أعاد له ذكريات لا يريد تذكرها، أعاد له مشاهد كثيرة مشابهة لهذا.. وأحدهم.. كان عام ٢٠٠٥… كان مازال طفلاً في عامه العاشر، طفل يرتجف بخوف بالغ حين رأى وحشًا يشبه أبيهِ يغلق باب الغرفة عليهما من الداخل، ويلتف له بملامح غاضبة، مُتعالية، وبيده يقبع ما يثير ذعره حقًا، ذلك السوط الذي يستخدمه "محمود" في ترويض الأحصنة التي تقبع في اسطبل منفصل مجاور للفيلا، استعاره والده لعقابه!
اقترب بخطوات دبت الفزع في قلب الصغير، كل خطوة منهُ كانت تسقط على قلبه وليست على الأرضية، ويردد من بين أسنانه المطبقة:
بقى أنتَ تجيب في الامتحان ٨ من ٢٠! ابن حسن وهدان يبقى اخيب واحد في الفصل!؟ بقى أنا حتة مدرس ابن**** يكلمني ويقولي شِد على ابنك شوية في المذاكرة عشان درجاته وحشة!
وبارتعاش انتاب كل ذرة بهِ كان يجيبه بدموعه الغزيرة:
بابا، انا… انا والله مش بفهم من المدرس ده، انا بجيب كويس في كل المواد والله بس.. بس هو… انا مش بفهم منه.
ابتسامة غامضة زينت ثغر الواقف أمامه قبل أن يردد بغموض:
لا مانا هعلمك ازاي تفهم، وهعرفك مكانتك ايه والمفروض تبقى ايه.. مش ابني أنا الي يبقى فاشل.
كانت آخر جملة نطق بها قبل أن يلاقي الصغير ما لم يتحمله جسده، وفي غيبات عقله كان يستمع لصراخ والدته من الخارج وضربات قوية فوق الباب حتى كاد ينخلع.. وبنهاية الأمر كان يسقط أرضًا غير قادر على رفع يده حتى او فتح عيناه، لم يتقبل ما فعله والده، حتى وإن كان من باب انه يريده أفضل! أو هكذا كان يظن قبل أن يستمع لجملة والده التي قالها حين فتح الباب وأصبح مواجهًا لليلى..
عشان تفكري ألف مرة قبل ما تقرري من دماغك وتروحي تشتري بيت من ورايا، كنتِ بتفكري في ايه ها؟ إنك هتقدري تاخديه وتهربي؟ إذا كنت عرفت برغبتك في شرى البيت من أول ما كلمتي الراجل عشان تسأليه عن السعر! لا وبتختاريه في اسوان.. قال كده مش هعرف اجيبك؟ غبية يا ليلى، غبية وابنك هيتحمل نتيجة غبائك.
صرخة قهر خرجت منها متبعة بجملتها:
ربنا ينتقم منك يا حسن، ربنا ينتقم منك بحق الي بتعمله في طفل ملوش ذنب.
وكانت الجملة الأخيرة التي سمعها قبل سقوطه فاقدًا للوعي..
الآن….. عاد من ذكرياته على صراخ المرأة بصوت اعلى، نظر ل"خديجة" ليراها تبكي بصمت دون رد فعل. اقترب منها وهو يسألها بغضب ظهر في نبرته:
هم واقفين يتفرجوا عليها؟
نظرت له من بين دموعها وهي تجيبه بقلة حيلة:
الراجل ده شراني محدش بيقدر عليه، بلطجي وشايف نفسه، وهي مراته، لما حد بيتدخل بينهم مبيسلمش من أذيته.
جحظت عيناه بقسوة وهو يسألها:
هي مش أول مرة؟
نفت برأسها بحزن شديد وهي تجيبه:
أول مرة! ده كل يومين كده، واهلها غلابة ميقدروش يدخلوا، يوم ما اخوها اتدخل المفترس ده ضربه لحد ما عمله ارتجاج في المخ، وكانوا هيخسروه.
لا يستطيع الوقوف مكتفي الأيدي، يعلم جيدًا أن الشخص في مثل هذا الوضع يتمنى لو ينقذه أي شخص، واستنجادها ليس مجرد استنجاد عادي، بل يحمل رجاء وتمني أن ينقذها أحد بالفعل، وهو خير من يفهم مثل هذه المشاعر، فكم تمنى في كل مرة يقع فيها تحت يد والده أن تستطيع والدته انقاذه، أو يأتي ملاك من حيث لا يدري وينقذه، لذا لن يتوانى عن المساعدة..
ولكن ماذا عنها تلك التي تقبع جواره؟ أراد الظهور أمامها كشخص طبيعي، مسالم، وما سيقبل على فعله لا يمت للمسالمة بصلة، ولا يريدها أن تخشاه أو يثير ذعرها وشكها تجاه، لذا سيسلك دربًا آخر… ولأول مرة "مراد وهدان" سيحل المشكلة بالتفاهم والحكمة قبل أن يستخدم يده او سلاحه!
أخذ خطواته تجاه حتى أصبح قريبًا منهُ، فهتف بصوتٍ مرتفعٍ قليلاً تحت نظرات "خديجة" المندهشة والخائفة من القادم وقد رددت هامسة "يخربيتك هتودي نفسك في داهية"..
يابرنس ميصحش كدة، هتموت في ايدك، بعدين مش دي مراتك؟ ازاي تقلعها طرحتها وتهينها كده قدام الناس؟ المفروض كرامتها من كرامتك!
توقف ذلك الجثة الضخمة وقد تركها من يده لتركض سريعًا لوالدتها التي كانت تقف على بُعد، فالتقطتها في أحضانها وارتفع بكاء كلاً منهما بقهر. رفع حاجبه الأيسر النصف مقطوع وهو يقول بغلظة:
وأنتَ مالك يا ننوس عين أمك، انجر ياض اقف بعيد بدل ما امسح بكرامة اهلك الأرض.
حسنًا… يبدو أن الحكمة لن تُجدي نفعًا!
_______________
ترجلت من السيارة أمام ذلك الصرح الكبير، والذي يعد قصرًا فخمًا يبين ترف حياة ساكنيه. صعدت الدرجات القليلة حتى وصلت للباب ودقته ففتحت الخادمة على الفور سامحة لها بالدلوف. خطت بكعب حذائها فوق الأرضية المصقولة حتى توقفت حين أبصرته أمامها يجلس باسترخاء وهو يردد ما إن أبصرها:
Well done baby.
"أحسنتِ حبيبتي"
ابتسامة واثقة زينت ثغرها قبل أن تجيبه وهي تجلس فوق الكرسي المقابل له:
تلميذتك يا دياب باشا.
مدَ يده لتعطيه ما حرزته، افتر ثغره عن ابتسامة قبل أن يمد أصابعه في جيب سترته ويخرج ورقة صغيرة مدها لها وهو يقول:
اتفضلي، حقك وعليهم ٥٠٠ الف زيادة لسرعة تنفيذ المهمة.
نظرت للورقة التي بيدها بابتسامة وهي ترى رقم ثلاثة وزُين بستة أصفار تجاوره، ثم نظرت له وهي تغمز بمكر:
جوجو دايمًا في الخدمة.
ضحك مقهقهًا وهو يهز رأسه متفهمًا وقال:
اممم، مادام فيها ملايين هتكوني في الخدمة طبعًا يا بيبي.
نهضت بعنجهية وهي تعقب:
دياب باشا كلنا بنسعى لمصلحتنا، مش في حب الوطن!
ضحك "دياب" على جملتها واومئ برأسه مأكدًا صدق حديثها، فأكملت بجدية:
ميعادنا النهاردة هو هو ولا اتغير؟
وبنفس الجدية أجابها:
لا هو هو، حضري نفسك كويس.
التوى فمها ساخرًا وهي تخبره:
مش مهم انا يا باشا، المهم حضرتك تحضر نفسك لضبط الأعصاب، حضرتك عارف لو أعصابك فلتت لما تشوف ابن وهدان هتحصل كارثة والعملية مش حِمل غلطات.
اشتعلت عيناه على ذكر غريمه، لكنه ردد بهدوء خارجي:
متقلقيش، ولا هيهزني.
رفعت حاجبيها بعدم اقتناع:
اتمنى.
قالتها وانطلقت بعدها للخارج، تاركة إياه سابحًا في ذكرياته مع غريمه، عداء بدأ منذُ سنوات وامتدَ للأن، يعترف أن نقطة البدء كانت من عنده، ولكنه لم يتحمل أن يأتي شاب اصغر سنًا وأقل خبرة وتُسلط الاضواء عليهِ في المنظمة، حتى بعد أن كان نجمها الساطع أصبح مجرد كومبارس!
نهض بطوله الفارع، ممرًا أصابعه في خصلاته السوداء القاحلة، وعيناه ذات اللون الرمادي الداكن تلونت بنظرات حاقدة، يتمنى لو يصبح ابن وهدان ذات يوم بين قبضته.
_______________
ضغط على شفته السفلى بأسنانه يكبح غضبه، لكن لم يستطع بعد جملة الآخر المستفزة لرجولته، لمح بطرف عينيهِ تقدم "مينا" ورجل آخر من رجاله، ليشير له بعينيهِ ألا يتدخل، فتوقف الآخر محله مرغمًا. اقترب رافعًا أكمام قميصه الخاص بالمطعم بحركات رتيبة، حتى جعله عند كوعيهِ…
اقتربت "رنا" من "خديجة" القلقة مما سيحدث، لتهمس لها بحماس:
تفتكري هيضربه؟
رمقتها "خديجة" بجانب عينيها بضيق وهي تجيبها ساخرة:
لا، بيشمر عشان يغسله المواعين.. نقطينا بسكاتك.
ذمت "رنا" شفتيها بضجر وهي تلتزم الصمت وتتابع ما يحدث.
اصبح أمامه تمامًا، ورغم أن الآخر يفوق "مراد" طولاً بخمس سنتيمترات تقريبًا، ألا أن "مراد" بدى مناطحًا له، نظر في عيناه بقوة، عيناه التي أصابت قلب الأخيرة برجفة لم يعلم مصدرها، لكن يعترف أن عين هذا الرجل الواقف أمامه مخيفة، بظلمتها التي زينتها الآن، وهسيسه الشابة بالفحيح الذي تسلل لمسامعه وهو يقول:
واضح إنك واد ابن**** و*** مينفعش معاك الذوق، مين الي ننوس عين امه يابن ال*** يا***.
ورغم قلة الواقف أمامه منهُ إلا أنه استشاط غضبا من كم الإهانة التي تعرض لها من ذلك الغريب، فرفع قبضته وبكل غِل كان يطيح بوجه "مراد" للجهة الأخرى..
هو بيقوله ايه؟
تسائلت بها "رنا" بفضول حين رأت وقوف مراد أمام ذلك الضخم ويهمس بكلمات غير مسموعة، لتجيبها "خديجة" بتوقع:
شكله بيحاول يتفاهم معاه.
وحين أنهت جملتها حتى شهقت الفتاتان بقوة بعدما لكم ذلك الرجل "مراد" وجهر بصوته وهو يقول:
مش مجدي الوحش الي يقف قدامه عيل زيك ياروح امك.
اعاد "مراد" وجهه له وقال بهمس ونظرات المكر لمعت في عينيهِ:
غلط.. وكنت مستنيك تغلط.
وبدأت الحرب بلكمة قوية سددها مراد للوحش في وجهه أسفرت عن خروج دماء من فمه، وبعدها لم يعرف الوحش من أين أتت اللكمات والركلات حتى بات يشعر كأن من يضربه أكثر من شخص، لأنه لا يعلم أكثر المهارات التي تميز "مراد" ألا وهي السرعة.. سريع كالبرق.. وقوي كالرعد، وبعد دقيقتان كان "الوحش" ملقى فوق الأرض بأنفاس لاهثة، عدلَ "مراد" من ثيابه ومالَ عليهِ هامسًا:
عرفت مين ننوس عين أمة يا حليتها!
واستقام بعدها ناويًا التراجع لكنه توقف على صوت المرأة حين ركضت ناحيته تترجاه:
ابوس ايدك خليه يطلقني، ابوس ايدك انجدني منه، بقالي سنة بطلب الطلاق ومش عاوز وبيهددني لو رفعت عليه قضية هيقتلني.
عاد الغضب يشتعل بعينيهِ فأشار لها بالتراجع:
ارجعي ورا..
وبالفعل تقهقرت للخلف، حتى بات هو والوحش في نطاق ضيق منفردين، انحنى عليهِ مرة أخرى وفي الخفاء وبمهارة أخرج ذلك السلاح ذو النصل الحاد "مطواة" من جوار قدمه وغرزه بجانب الآخر المقابل له وهو يهدده:
ها الطلاق ولا غزة تشيلك الطحال! او يمكن تيجي في مكان حيوي وتموت.
تردد في رد فعله، أراد الغدر بهِ، فعاد "مراد" يهدده بعدما قرأ عيناه:
صدقني مش هتلحق ترفعك دراعك حتى ومطوتي هتسبقك، ومحدش من الي حولينا هيشهد معاك لو فضلت عايش، اصلهم بيحبوك اوي.
وبالفعل بعد ثواني حين شعر بسِن النصل يصل لجلده كان يهتف بصوتٍ عالٍ وصم بالقهر والذل لرجل لطالما كان عزيزًا بين ناسه، ولم يستطع أحد منهم رفع عينه فيهِ، حتى أتى هذا الغريب:
أنتِ طالق…
بالتلاتة يا برنس.
رددها "مراد" بأمر، ليرغم الوحش على قولها:
طالق…. طالق بالتلاتة.
اسمك ايه بقى!؟
نظر له "مجدي" بتوعد قرأه "مراد" بوضوح فابتسم ساخرًا:
مجدي… مجدي الوحش.
رفع حاجبه مستنكرًا:
وحش!! ماشي يا دودو..
ونهض بعدما اخفى سلاحه بمهارة، ووقف عائدًا للمطعم وهو يستمع لرنين صوت زغردة المرأة، وكأنها حُررت من محبسها. وقف أمامها تمامًا، مبتلعًا ريقه بوجل من رد فعلها، لطالما اخبرته أنها لا تفضل العنف مهما كان السبب، خشى أن تكون قد أخذت منهُ موقفًا بسبب ما فعله، فبدى كطفل صغير يبرر لوالدته كي لا تغضب وهو يحاول التبرير لها:
مكنتش هضربه، هو الي ضر'بني الأول و…
قاطعته وهي…..
رواية بك احيا الفصل العشرون 20 - بقلم ناهد خالد
ونهض بعدما أخفى سلاحه بمهارة، ووقف عائدًا للمطعم وهو يستمع لرنين صوت زغردة المرأة، وكأنها حُررت من محبسها.
وقف أمامها تمامًا، مبتلعًا ريقه بوجل من رد فعلها، لطالما أخبرته أنها لا تفضل العنف مهما كان السبب، خشي أن تكون قد أخذت منه موقفًا بسبب ما فعله.
فبدى كطفل صغير يبرر لوالدته كي لا تغضب وهو يحاول التبرير لها:
- مكنتش هضربه، هو الي ضر' بني الأول.
قاطعته وهي تبتسم في وجهه مرددة بسعادة:
- لو كنت أعرف إنك هتقدر تضربه مكنتش منعتك من الأول، بس خوفت ليعملك عاهة، لكن برافو عليك.
- عاهة!
رددها غير مصدقًا لردة فعلها وهو يضحك باندهاش، لم يتوقع أبدًا ما قالته، توقع أن تثور إن لم يعجبها الأمر، أو تصمت إن لاقَ لها، ولكن أن تُثني عليه! عجبًا!
أومأت برأسها وهي تردد بتأكيد:
- آه عاهة، يعني يكسرلك إيد يخبطك بمطوة في وشك كده يعني.
ضحك بشدة فبدى وسيمًا بحق.. وهذا ما خطر بعقلها أول ما رأت ضحكته التي زينت وجنتيهِ، فطالعته بنظرة بلهاء قبل أن يفصلها حديثه بعدما تحكم في ضحكته التي خرجت من قلبه:
- أنتِ شرحتيني وأنا واقف! بعدين معقول فاقده الأمل فيا للدرجادي!؟
ابتسمت له بلطف وهي تعقب:
- لأ، بس عارفه الوحش كويس، إنسان متوحش صدق من سماه الوحش بصحيح، محدش بيدخل معاه في خناقة غير لما يطلع خسران، خسران إيد، خسران عين كده يعني.
ذم شفتيهِ بلامبالاة واستخفاف مرددًا:
- على فكرة هو مش بالخطورة دي، بس أكيد اللي كانوا بيقفوا قصاده هفق أوي.
رفعت منكبيها وهي تجيبه بعدم اهتمام:
- يمكن، يلا بقى نشوف شغلنا.
أشار لها بيده في لباقة لتتقدمه، فابتسمت له بلطف وهي تتجه لداخل المطعم بعدما تفرق الجمع المتجمع يشاهدون تلك المشاجرة التي علىَ صوتها حتى سمعَ أركان الحي.
***
الثانية صباحًا...
تحركت السيارات الخاصة بـ"مراد" ورجاله، والتي بلغت ثلاث سيارات، في كل منهم ثلاث رجال، وأحدهم كان يقبع فيها "مراد" في المقعد الخلفي، متناولاً بين إصبعيهِ لفافة من التبغ الفاخر، ينفس دخانها بتروي وشرود، وعيناه تتابع خارج النافذة.
اليوم ولأول مرة يكن يوم جيد ويمر بسلام على هذا النحو، أول مرة مع انتهاء يومه يتمنى لو يعيده من جديد، وبالطبع أقصد لأول مرة منذُ عشرة أعوام.
لأول مرة يشعر بالسلام الداخلي وإن لم يكن بدرجة كبيرة، ولكنه قد زاره على الأقل!
يحاول جاهدًا أن يتجنب تذكر حديثها عنهُ وملامحها التي قست وتغيرت حين ذُكر كنيتها المحببة له، سيتجنب كل هذا ليكن اليوم هو يوم سعده! اليوم الذي قابلها فيهِ بعد كل ذلك الغياب، اليوم الذي غرد صوتها في حياته مرة أخرى، وشعر بأنفاسها قريبة منهُ، ورأى ابتسامتها، واجتمعت عيناها بعينيهِ، فقط سيتذكر كل هذا..
تناول كوب "الخمر" الموضوع في المكان المخصص له في السيارة أمام مقعدة وتناوله ببطء متلذذًا بهِ، وما إن خطر بعقله حديثها معه حين انتهى من الشجار مع ذلك الوحش كما يقولون، وردة فعلها الغير متوقعة حينها ولكنها كانت طريفة بالنسبة له، انزل الكوب من على فاهه وقد ابتسم ثغره بتلقائية.
ضيق "طارق" حاجبيهِ مستغربًا حين رأى ابتسامته البسيطة في مرآة السيارة، ولم يستطع كبح فضوله وهو يعلق:
- خير ياباشا؟ أنتَ كويس؟
انتبه له "مراد" فنظر له بجبين مقطب باستغراب، وكأنه يسأله عن مقصده دون حديث، وقد فهمه الآخر على الفور فوضح قائلاً:
- اصل لقيت حضرتك مبتسم!
كان يتحدث وكأنه قد رأى أعجوبة من عجائب الدنيا! او وكأن الابتسامة توشي بمرض ما!
اختفت ابتسامته وهو يطالعه بجانب عيناه بحدة ولسانه يتولى الرد:
- خليك في حالك.
امتعضت ملامحه وهو يعاود النظر للأمام هامسًا لذاته بنزق:
- كل مرة فضولك يجبلك التهزيق وبرضو مفيش فايدة فيك.
- بتقول حاجة؟
رددها "مراد" متسائلاً بتهديد مبطن، التقطه "طارق" بوضوح فقال سريعًا رغم امتعاضه:
- لا ياباشا تسلم.
رفع الكوب لفمه مرة أخرى مرتشفًا بهدوء بعدما ظهرت السخرية على وجهه لرد فعل الأول، عاود النظر من النافذة حتى يصلوا لوجهتهم.
بعد عدة دقائق كانوا يصلون لمحل التسليم، ترجل "طارق" فاتحًا الباب لرب عمله، فترجل الآخر بعنجهيته المعروفة، كانت ملامحه جامدة حتى وقع بصره على "دياب" ورجاله الواقفين في انتظار وصول جميع الأطراف، ازداد جمود ملامحة وباتت عيناه داكنة مُنذرة بما يعتمر دواخله من غضب وتحفز.
القى بلفافة التبغ فوق الأرضية والتي تُعد العاشرة تقريبًا خلال الطريق فقط، ودهسها بحذائه، قبل أن يتجه وخلفه رجاله ناحية "دياب".
والآخر لم يكن أقل منه غضبًا أو تحفزًا، بل وقف بجسد متشدد ينتظر إقبال عدوه اللدود.
عدة خطوات فصلت بينهما حتى أصبح "مراد" قريبًا منه، وما جمده محله هو وقوف الآخر محله دون أن يعطيه أي اهتمام، وقف فقط ينتظر قدوم الطرف الآخر، وهذا ما جعله لا يستطع الوقوف صامتًا.
فانطلق الحديث من فاهه وهو يقول بصوتٍ عالٍ:
- جرا ايه يابن وهدان مش مالي عينك الي واقفين!؟
كل ما نُتج من رد فعل من "مراد" هو رفعة حاجبه الأيسر ساخرًا ولم يعلق، بينما ألقى "طارق" نظرة عليهم بجانب عيناه لتصطدم عينيهِ بعيني "هاجر" صدفة، فرمق كلاً منهما الآخر بنظرة نارية قبل أن يشيحا بأنظارهما بعيدًا.
طحن أسنانه بغيظ من تجاهل الأول له، وكاد يتحرك قابضًا على سلاحه ناويًا الفتك برأس ذلك المغرور، ولكن قبضة "هاجر" على ذراعه هي ما اوقفته، ورفعت ذاتها لمستوى أذنه هامسة له:
- اهدى يا باشا عشان أي مشكلة هتحصل من ناحيتك البوص مش هيعديها، وخصوصًا ان محذرك كذا مرة من أي مشكلة تحصل بينكوا.
أدخل سلاحه في حامله مرة أخرى وبداخله يشتعل غيظًا ولكن ماباليد حيلة، لا يستطيع الدخول في مشاكل الآن خصوصًا وذلك الماكر يعرف جيدًا كيف يُخرج ذاته منها، ويُلقي بكل الذنب على عاتقه هو.
وصلَ الطرف الآخر بعدما أرست السفينة في مرساها على الميناء، وبمساعدة بعض الفاسدين كان وصولهم لهذه النقطة أمرًا يسيرًا، بدأت الرجال في إنزال البضاعة من السفينة وبالطبع قد حصلوا على إذن الجمارك للمرور! ودون فحص كانت تُنقل البضاعة من السفينة للسيارات الضخمة التي أتت بصحبة "دياب" لتحمل البضائع.
اقترب ذلك الرجل الذي تعدى الخمسون من عمره، مرتديًا قُبعة كلاسيكية قليلاً، وبذلته وحذاءه أوحوا بمدى ثراءه، وقف يمرر عيناه الزرقاء عليهم جميعًا حتى استقرت على "دياب" الذي يعرفه فقال بلكنته الاسبانية:
- مرحبًا سنيور دياب.
اقترب "دياب" مصافحًا اياه بود وقال:
- مرحبًا سنيور باولو.
أخذهما الحديث لدقيقتان ربما، قبل أن تقطع عيني "باولو" على "مراد" الواقف على بُعد يتابع نقل البضائع ويتحدث مع رجل يقف جواره، أشار عليهِ بعيناه وهو يسأل:
- ما أمر ذلك الرجل؟ لثالث مرة أراه يأتي معك لإتمام المهمة، ما وظيفته؟
تأفأف "دياب" من ذِكر سيرته لكنه وضح بضيق:
- مساعد لي، ينتهي عملي هنا، اما هو فيصل البضاعة للمخازن.
أومئ برأسه يغمغم:
- تقصد إجراءات الدخول للميناء وايصال المال لي هذا تخصصك، وهو فقط ينقل البضاعة.
أومئ برأسه مؤكدًا، ليكمل باستغراب:
- ولِمَ لا يتعلم إتمام المهمة بأكملها، بدلاً من إنشغالكما كليكما؟ أم أنه غير جدير بالثقة؟
نفى برأسه معقبًا:
- ليس الأمر هكذا، فقط في العمليات الضخمة كهذه، لا يقبل الرئيس بأي أخطاء محتملة الحدوث، لذا فارسالي يطمئنه أكثر بأن كل شيء سيسير على ما يرام، لكنه يقوم ببعض العمليات البسيطة بمفرده.
هز "باولو" رأسه بعدم اقتناع وهو يقول:
- ربما لكن أظن أنه قادر على القيام بأي عملية مهما بلغت ضخامتها، يبدو أن شخص مُحنك.
- ربما.
رددها "دياب" بعدم رضا عن الحديث بأكمله، وغضب من ذِكر ذلك الأحمق في كل شيء يخصه، لا يعلم لِمَ عليهِ دومًا لفت الأنظار!
اخرج حقائب المال وسلمها ل"باولو" الذي أشار ل "مراد" بالوداع قبل أن يذهب، فأكتفى الأخيرة برفع يده مودعًا دون اهتمام، تحت نظرات "دياب" الحارقة، وما إن تم نقل البضائع للسيارات، حتى اتجه "مراد" لسيارته متجنبًا الحديث مع ذلك الأبله حتى لا يحدث ما لا يُحمد عقباه.
***
اليوم التالي عصرًا..
انهت جميع الكشوفات ودلفت لغرفة الطبيب لتخبره:
- الكشوفات خلصت يا دكتور.
اومئ برأسه وهو يستعد للملمة أشيائه بينما يقول لها:
- تمام، لمي حاجتك عشان تقفلي.
لم تتحرك بل بدأت في فرك كفيها بتوتر، مما جعله يرفع رأسه مستغربًا وقوفها والحيرة التي بدت على ملامحها، فسألها:
- في حاجة يا خديجة؟
أومأت برأسها، وأخذت نفسًا عميقًا تزفره على مِهل وهي تقول:
- بصراحة يعني.. كنت بستأذن لو ينفع أخد جلسة دلوقتي؟
لم يبدي لهفته الداخلية بل بدا ثابتًا تمامًا وهو يشير لها لتجلس على الكرسي المقابل:
- اتفضلي.
جلست أمامه والتوتر يحيطها، لا تعلم إن كانت هذه الخطوة في صالحها أم لا، وكأن الطبيب "كمال" شعر بما يجوب بداخلها، ولم يريد أن يترك له الفرصة للتراجع، لذا قطع تفكيرها وهو يحثها على الحديث:
- ها يا خديجة تحبي نبدأ منين؟
أخذت نفسًا عميقًا وهي تقرر الحديث وليحدث ما يحدث، فلن يكن الأمر أسوء مما هي بهِ، لا يرهقها رؤية "سارة" قدر ما يرهقها الكوابيس التي تراودها كل يوم في منامها، وحقًا تريد التخلص منها:
- أنا مش عارفة ابدأ بأيه؟
- لسه بتشوفي سارة؟
ساعدها هو في البدأ وقد ألقى بسؤاله، لتومئ برأسها وهي تبتلع ريقها وبدأت تقول:
- أيوه، لسه بشوفها، وبحلم بيها في كوابيسي، وده تاعبني اوي، حاولت اتعود على وجودها، بس في الكوابيس لا، مش قادرة، بقيت بكره النوم عشان بس ماشوفهاش.
- ليه قررتي تكدبي عليَّ وتقولي إنك بطلتِ تشوفيها.
احنت رأسها وهي تقول بخجل:
- بصراحة أنا كنت زهقت، كنت بقالي سنة بتعالج عند حضرتك ومفيش نتيجة، حسيت ان الموضوع مش جايب همه، كل اللي بعمله إني بعري نفسي قدام حد تاني.
قطب حاجبيهِ بدهشة لمنطقها وقال:
- تعري نفسك! أنا دكتور ودي شغلتي إن اعرف كل اللي بيحصل معاكِ عشان اقدر افهم حالتك ومشاكلك فاقدر اعالجك، وبعدين كنتِ عايزة تتعالجي ازاي بسرعة وأنتِ كنتِ مصممة تخبي وتكدبي؟ من أول مرة جيتِ فيها هنا وانتِ مبتقوليش كل حاجة.
احتل الحزن ملامحها وهي تقول:
- بالنسبة ليا، فأه تعتبر تعرية، حكايتي مش زي أي حد، ولا حكاية عادية مجرد كلاكيع نفسية وتعدي، الموضوع أكبر وأعمق من كده.
عقب بدون اقتناع:
- حتى لو، أنا دكتور نفسي يعني مهما كانت مشاكلك مينفعش تخبيها عليَّ، مش هتكوني اكتر من واحدة جت تعترفلي بخيانتها لجوزها مع صاحبه! صح ولا ايه؟
ارتفع حاجبيها ذهولاً وهي تسأله بعدم تصديق:
- ده بجد؟ وجت حكتلك؟
اومئ بتأكيد:
- كانت ذكية وفهمت إن مفيش داعي تخبي عليَّ، وانا المفروض اساعدها.
تسائلت بفضول:
- وعملت ايه معاها؟
اكتفى برد مختصر وهو يخبرها:
- ساعدتها.
علمت من اجابته أنه لا يريد البوح بما هو أكثر، فالتزمت الصمت حيال هذا الموضوع، وسألته بحيرة:
- عاوزني ابدأ بأية؟
- اللي يريحك، بس لو بتسأليني عن فضولي كشخص بيسمعك، ففضولي متجه أكتر إنه يعرف مين مراد وبيمثلك إيه بالضبط!؟
هزت رأسها بسخرية واضحة وهي تجيبه:
- كنت عارفة انك حابب تعرف ده أكتر من أي حاجة.
- يمكن عشان حكايته غامضة بالنسبالي، وكل الفترة اللي فاتت بسأل نفسي إيه ممكن يخلي طفلة تكره طفل بالشكل ده؟
بداخلها صوت يصرخ بها ألا تبوح بسرها الخطير، وآخر يخبرها أن الأمر لن يصبح أسوء مما هو الآن، تريد التخلص من كل شيء يرهقها، تريد إلقاء ذلك الثقل الذي يثقل كاهليها بعيدًا بأي ثمن حتى وإن كان سينتهي بسجنها..!
- مراد هو صديق طفولتي زي ما حكيتلك، وكل حاجة قولتهالك عنه حصلت فعلاً، من وقت ما وعيت على الدنيا واعرف أميز الأشخاص، ومراد كان أقرب حد ليَّ أو بمعنى أدق كان كل حاجة ليَّ، لحد ما بقى عندي ٨ سنين.
ابتلعت ريقها بوجل وهي مقبلة على الحديث عن أكثر جزء شائك في الحكاية، تغيرت ملامحها واحتلها التوتر مع سحابة حزينة عبرت بعينيها مع ذكرى ذلك اليوم المشؤوم، أغمضت عيناها لبضع ثواني كي تستعد للسرد، حتى نطق لسانها أخيرًا وهي تقول بصوتٍ متحشرجٍا أثر اختناقها بالذكريات:
- كنت بلعب مع أختي سارة واتخانقنا فزقتني ووقعتني على الأرض واتعورت، وقتها هو جه وشافني وأنا قولتله إنها وقعتني واتعورت بسببها، حاولت تنكر وتقوله إنها مكنش قصدها توقعني بس أنا كدبتها وقولتله إنها كانت قاصدة، وقتها خدني يطهرلي الجرح وفضل يقولي كلام غريب زي إنّي مينفعش أفضل أسيب حقي، وكان باين إنه متضايق من اللي حصل، وبعدها...
صمتت تتذكر تلك الذكريات المؤلمة والتي لم تنساها منذ يومها...
في عام ٢٠٠٨......
قرر عقاب "سارة" عما فعلته ولكي يعطيها درسًا يردعها عن أذية "خديجة" مرة أخرى، لذا وضع خطة مُحكمة لتنفيذ العقاب الذي خطر بعقله....
أخبرها أنه سيبقيها لدقائق فقط في الخزانة التي تقبع في المخزن والتي هُجرت منذً زمن، فقط لتشعر بالخوف وتبكي وهكذا تكون قد استردت حقها...
بسهولة كانا يستدرجناها للمخزن، وبسهولة أكثر كانت تدلف معه لتلك الغرفة القديمة، لم ترى نظرة عيناه الغريبة، ولا تمريره للسانه بدائرية داخل فمه، ولا إمالته لرأسه لليمين قليلاً.. وفجأة وجدت ذاتها تُدفع عنوة للخزانة ويُغلق عليها الباب من الخارج بالمفتاح دون اهتمام لصراخها المرتعد.
- حصل ايه؟
تسائلت بها بقلق بالغ حين خرج لها، ابتسم ورد بهدوء:
- كله تمام... خمس دقايق وهنخرجها.
توترت نظراتها أكثر وهي تسأله بخوف:
- مش كتير؟
ذم شفتيهِ بلامبالاة:
- لا، بيقولوا الإنسان يقدر يعيش من غير تنفس لـ ١٠ دقايق.
واكتفى بهذه المعلومة دون إكمالها قاصدًا.. فلم يخبرها مثلاً أن علميًا بعد ثلاث دقائق من عدم التنفس قد تبدأ بعض أنسجة المخ في التلف، وأن الإنسان أقصى مدة قد يتحملها دون تنفس لا تصل للعشر دقائق بل هي لا تتعدى الخمس سوى بدقيقتان أو ثلاثة.. وإن وصلت للعشر سيكون ميتًا حتمًا.
وبالداخل أخذت تضرب بقبضتيها على الخزانة برعب وهي تصرخ:
- افتح الباب، حرام عليك هموت.. حد يلحقني أنا بتخنق والله.. مراد!!!
وبالفعل كانت تشعر بأنفاسها تثقل، وضيقها ورعبها من المكان أزادوا شعورها..
لتصرخ ثانيًة:
- أنا آسفة، والله ماهضايقها تاني.. افتحوا الباب بقى.. خديجة.. خديجة افتحيلي بالله عليكِ، عشان خاطري.. أنا آسفة.. افتحوا بقى..
ولكن لم تسمع ردًا، أو صوتًا يدل على اكتراث أحدهم.
بالخارج استمعت لحديث شقيقتها، لتدمع عيناها وهي تنوي الدلوف لها:
- لا كفاية كده.. دي خايفة أوي.
أمسك ذراعها يوقفها لتنظر له، فنظر لعيناها مباشرةً وهو يقول:
- لما تنوي تاخدي حقك متجيش في نص الطريق وتترددي.. ومتسمحيش لقلبك ومشاعرك يتحكموا فيكِ.
ردت بتبرير وعيناها تنظر للداخل:
- بس دي خايفة أوي حرام كده.. كمان خايفة يحصل لها حاجة.
احتدت نظرته وهو يسألها كأنه لم يسمعها:
- سمعتِ قولت إيه؟
وبقلة حيلة كالعادة تستمع لحديثه وكأنه شيطانًا ما يوسوس لها وهي تقتنع فورًا! فأومأت برأسها وهي تقف بجواره صامتة..
عادت من ذكرياتها بأنفاس متسارعة ودموع سقطت كالأمطار، وأصبحت تتحدث بسرعة وانهيار وهي تكمل سردها:
- مكنتش أعرف إنها هتموت.. سكت ومقدرتش أخالفه وأدخل أنقذها، بس لو كنت أعرف إنها هتموت كنت دخلت وأنقذتها والله ومكنش همني هو، بس أنا.. أنا فكرت إننا بنعاقبها بس، والله ماكنت أعرف إنها هتموت...
رددتها بانهيار وجسدها بدأ بالاهتزاز بشكل مقلق، فنهض "كمال" ليجلس قبالها ومد يده لها بكوب ماء، فأخذته ترتشف منه بسرعة وهي تسمعه يقول:
- اهدي، كل اللي بتحكيه ده خِلص وانتهى، مفيش داعي للتوتر والانهيار ده.
نفت برأسها بعدما أنزلت الكوب من على فمها وقالت:
- لا، منتهاش، عمره ما كان ماضي بالنسبالي، ومش عارفة ألوم مين، ألومني عشان سكت وشاركتُه في جريمته ولا ألومه لأنه السبب وهو اللي عمل كل ده، هو السبب في كل العذاب اللي أنا فيه.
لم يهتم لحديثها الآن، وسألها عن شيء آخر حين قال:
- قوليلي، حصل إيه بعدها، اتعامل معاكي إزاي؟ وبعدتِ امتى وإزاي؟
أكملت السرد حتى آخر ليلة جمعت بينهما، هوت دموعها وهي تقول بقلة حيلة:
- كان صعب عليَّ البُعد، بس مكانش قدامي حل تاني، خوفت.. خوفت على نفسي ومبقاش مصدر أمان ليَّ.
قاطعها وهو يعقب ذاهلاً:
- خوفتِ! ده قتلها عشانك؟ خوفتِ ليه؟ أصلاً خوفتِ إزاي!! ده كل اللي عمله كان عشانك، تفتكري بعد كل ده كان هيأذيكِ!؟
نظرت له حائرة، ورفعت منكبيها بتشتت وهي تجيبه:
- مش عارفة، بس اللي يقتل مرة يقتل ألف.
هز رأسه نافيًا:
- يمكن، بس ميقتلش اللي قتل عشانه، عمرك شفتي قطة بتدافع عن ولادها وتخربش شخص حاول يأذيهم وبعدها هي تأذيهم! أكيد لأ، بس هتأذي أي شخص يحاول يقربلهم.
وكأنها حصلت على مفتاح حيرتها، لتقول سريعًا:
- يمكن فعلاً خوفت يكرر ده حتى لو مش معايا، لمجرد إنه يقتل حد فكر يأذيني يبقى أنا كده هعيش مع قاتل ومجرم! هخاف أتعامل مع البشر بسببه.
أشار لها بسبابته وهو يقول:
- ده تفكير خديجة الآنسة اللي قاعدة قدامي، لكن تفكير خديجة الطفلة اللي هربت مكانش أي حاجة من اللي بتقوليه ده.. هي فعلاً وقتها خافت على نفسها منه، حتى لو مش منطقي، فهي مجرد طفلة مش هتعرف تحلل الأمور بشكل سليم، فالسؤال المهم هنا.. ندمانة إنك هربتي؟ أو لو رجع بيكِ الوقت لورا هتهربي برضو؟ ولا هتفضلي معاه وتحاولي تغيريه؟
نفت برأسها بقوة وبثبات على موقفها اخبرته:
- ههرب، ببساطة لأني وقتها كنت طفلة متفهمش في كل ده، ولو هرجع لورا ب تفكيري دلوقتي، فأنا واثقة إنه بقى شخص غير سوي، معرفش وصل لفين، بس اللي متأكده منه إنه عمل جرايم تانية.
سألها "كمال" مضيقًا ما بين حاجبيهِ:
- إزاي؟ إذا كان السبب الأساسي لجريمته اللي هو أنتِ مبقاش موجود.. عنده حد تاني يعمل ده عشانه؟
أوضحت وهي تنفي برأسها:
- مقصدش بالجرايم القتل تحديدًا، أنا أقصد إنه أكيد أذى ناس تانية، مراد من صغره اتربى على العنف، وكلامه اللي كان دايمًا يقولهولي عن أخد الحق ده خير دليل.. أكيد أذى كل شخص جه على حقه في يوم.
باغتها بسؤال جعل تنفسها يقف لثانية قبل أن تعاود التنفس من جديد ولكن هذه المرة باضطراب شديد، وبهتت ملامحها حين قال:
- من جواكي نفسك تشوفيه؟ او على الأقل بتتمني لو القدر يجمعكوا تاني؟ او بلاش كل ده، وقوليلي هتعملي إيه لو مراد لقاكي بالصدفة؟ او تتوقعي هو هيعمل إيه؟
تضاربت الأفكار في رأسها، وبدأ عقلها يصور لشكل اللقاء بينهما، وللأسف ولا صورة خرجت جيدة، فواحدة تخيلت أنه يصرخ بها لغدرها قديمًا وينتهي الأمر بصفعة مدوية، وأخرى كان اللقاء بين شد وجذب منهما، هو يريدها أن تذهب معه، لهناك حيث تلك الفيلا التي شهدت مقتل شقيقتها وصمتها عن حقها، وهي ترفض وتتعنت لينتهي الحال بأخذها عنوة، وأخرى.. وأخرى.
- روحتي فين!؟
رددها "كمال" بتنبيه، لتفيق من شرودها ورددت فورًا:
- مش عارفة.. بس أنا عيشت عمري بتمنى مشوفوش تاني، عشت عمري جوايا إحساس بالهرب من كل مكان بروحه خوف إنه يكون عرف طريقي.. يمكن مراد كان هاجس ليَّ، هاجس ملازمني دايمًا بأنه هيوصلني.... لو لقااني!
رددتها بته ته واضحة، وشردت لثانية واحدة كأنها ترى الحدث أمامها، وقالت:
- أكيد هيأذيني، مراد مبيسيبش حقه، وأنا عارفة إني أذيته، عارفة إني غدرت بيه، أو على الأقل ده من وجهة نظره.
- ووجهة نظرك أنتِ!؟ مش شايفة إنك أذيتيه؟ أذيتي إنسان حبك وكنتِ كل حياته؟ كنتِ قاعدة بترتبي معاه خروجه حلوه لتاني يوم وأنتِ عارفة أنه مش هيحصل وأنك هتهربي قبلها! مش حاسة إن أيًا كانت مبرراتك فأنتِ كسرتي قلبه!؟
قال "كمال" حديثه سريعًا كأنه لا يعطيها الفرصة للمقاطعة، وانتظر ردها الذي طال قليلاً قبل أن تقول بتذبذب واضح:
- يمكن كل ده صح، بس الحكاية سلاح ذو حدين، كل ناحية منه مؤذية، ناحية مؤذية له فعلاً، والطرف التاني مؤذي ليَّ.. عارف الوضع بينا عامل زي إيه، زي إنسان مطعون بالسيف، ومن حبه في شخص تاني قام وحضنه، فبقى السيف فيهم هما الاتنين، بيأذيهم هما الاتنين، وبيوجعهم سوا، ده الوضع بيني وبينه.
حسنًا.. وقد أجادت الوصف والتعبير عن حقيقة الأمر بينهما، واكملت بتفهم:
- عنده حق لو لقااني في يوم يعمل اللي هو عاوزه، وأنا كمان كان عندي حق أهرب ومش ندمانة.. إحنا الاتنين محتاجين طرف تالت يقنعنا بالعكس.. يقنعه إني كنت صح وقتها ويخليه يعذرني، ويقنعني إنه كان بيدافع عني بعقلية طفل مقصدش يقتل أختي، ويخليني أعذره.
باغتها بسؤال آخر أصعب، أعمق، وهو يسألها بحذر:
- لسه بتحبيه يا خديجة؟
طال صمتها أكثر هذه المرة، وشردت.. وشردت، لمعت عيناها بنظرات منكسرة، وحزينة، ومشتتة، فمشتاقة!.. لكنها بالاخير أردفت:
- مش عاوزاه يمر في حياتي ولو صدفة.
تهربت من الإجابة، وعبرت عن رغبتها.. فهذا يعني إنها وإن مازالت تحبه لا تريد رؤيته مرة أخرى، وهنا الأمر.. معقد!!
اكتفى بالحديث عن "مراد" لهنا، واتجه بسؤاله لمنحنى آخر، فسألها:
- قوليلي إيه اللي حصل في بلدك؟ ليه سبتوها وجيتوا هنا؟ إيه المشكلة اللي فرقت عيلتك بالشكل ده؟
وبجمود وسرعة في الرد كانت تجيبه بعينين ثابتتين:
- اتهموني في شرفي.
اتسعت عيناه قليلاً لِمَ قالته ربما لأنه لم يتوقع سرعة الرد، وسألها بتريث:
- اتهموكي! هم مين؟ واتهموكي مع مين؟
التواء طفيف ساخر في جانب فمها هو كل ما صدرَ عنها وهي تقول بعينين متألمتين:
- عمتي.. تخيل! أما مع مين، فمع باهر ابن عمي..!!