تحميل رواية «بك احيا» PDF
بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا. حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها. وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص. ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر". ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ. بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل. كأسد جائع حُبس في...
رواية بك احيا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ناهد خالد
"أقارب!"
"قُل لأقاربنا الذين طعنونا بغير رحمة، أننا لم نرد سوى ودهم، لم نرد سوى عطفهم، حنانهم، وصلة الرحم التي وصى بها الله. أخبرهم أنهم كانوا آخر من تمسكنا بهم في الدنيا.. وحين أفلتوا أيديهم تعلمنا وقتها كيف نفلت نحن أيضًا أيدينا، وليشهد الله أن قلبي لن يحن، ولن يميل… وحقي مردود ولو بعد حين"
قطبت حاجبيها تأثرًا بمشاعرها الكبيسة التي واتتها الآن حين تذكرت تلك الذكريات الأكبس، طفرت الدموع من عيناها وهي تسأله بحيرة مؤلمة:
"ليه؟ ليه ممكن عمة تعمل كده في بنت اخوها! ليه اتهمتني في شرفي وأنا كنت يدوب مكملتش ١٥ سنة، أمي كانت لسة ميتة، وحالتي النفسية كانت زفت، وهي عارفة كل ده ومأثرش فيها، ليه عملت فيَّ كده! أنا من زمان عارفة أنها بتكرهني، بس.. متخيلتش توصل لكده، استفادت إيه أصلاً؟!"
كلها أسئلة تدور في رأسها منذُ ثلاث سنوات ولا تجد لها إجابة، تلقيها في حديثها مع الطبيب رغم علمها أنه أيضًا لا يمتلك جوابًا، لكن من باب الفضفضة! وبجملة ما تفضفض بهِ! هزت رأسها مستنكرة بشدة وهي تزفر أنفاسها المختنقة:
"دخلت عليَّ وانا وباهر كنا في البيت عندي ومحدش معايا، كان جاي يطمن عليَّ واخويا كان في المدرسة وبابا في الشغل، ولحظي النيلة اشوف سارة وهو معايا.. لا، ويومها فضلت تحسسني بالذنب وأني السبب الوحيد في موتها، مقدرتش اتحكم في نفسي وفضلت اصرخ فيها ودخلت في حالة هيستريا، وقتها حاول يهديني بس عرف إني مش سمعاه أصلاً، قرب مني وحضني وفضل يكلمني عشان اهدى.. وفعلاً بعد فترة بدأت اهدى، بس مكنتش حاسة باللي بعمله فقربته مني وحضنته جامد.. كنت خايفة.. كنت محتاجة اطمن، انا وقتها…"
صمتت ودارت عيناها في كل مكان وكأنها تفكر هل تبوح بما يقف على لسانها أم تبتلعه وتقفز للحدث التالي دون توضيح أكثر! وهو علمَ بما يدور في عقلها، فحثها سريعًا على الاستكمال وهو يخبرها:
"ها يا خديجة! قولنا ايه؟ مادام بدأتِ تعترفي مترجعيش تكدبي وتخبي تاني؟ واعتقد إنك كسرتي رهبة الإعتراف بعد ما اعترفتي بأصعب جزء في الحكاية."
اقتنع عقلها بحديثه فبالفعل هل ما ستقوله أسوء مما قالته! بالطبع لا، لكنها تخشى أن يحلل الأمر بطريقة خاطئة، أو ربما صحيحة ولكنها لا تريد الاعتراف بها! وبرغم علمها التام برؤيته لِمَ ستقوله لكنها قالته، بملامح مضطربه وتجنبت النظر له وهي تستكمل:
"وقتها مكنتش سامعة صوت باهر، وقتها معرفش ليه سمعت صوت مراد وهو بيهديني، وهو بيقولي كل حاجة هتعدي.. أنا جنبك، معرفش ليه تخيلته هو، عشان كده حضنته وفضلت حضناه شوية حتى بعد ما هديت، كنت مغمضة عيني وكأني عارفة إني لو فتحت كل ده هيتبخر.. احساس الأمان والراحة الي حسيته لما أدرك أنه باهر مش مراد…"
قاطعها مبتسمًا وهو يعقب بتفهم:
"بتعملي كل حاجة عشان تثبتيلي إنك كرهتِ مراد، عشان كده اترددتِ تحكيلي عن الجزء ده، عشان ماقولكيش ما أنتِ منستيهوش ومحتاجه اهو، بس أنا مش هقولك كده.. بالعكس، هقولك أن يمكن وقتها الي احتاجت مراد هي خديجة الطفلة، مش خديجة بنت ال١٥ سنة، ولا الي قاعدة قدامي دلوقتي، فمتقلقيش مفسرتش الي حكتيه غلط."
هل الأمر هكذا حقًا أم أنه يسايرها بدهاء كي تبوح أكثر؟ تسائلت، ونظرت له تحاول فهم ملامحه، ولكن لم تستطع الحصول على إجابة، فتنهدت باستسلام وهي تدرك أن الطبيب النفسي حين يمارس مهنته لن يكن مرئيًا لمريضه! وسيتحكم في مشاعره وصفحة وجهه ببراعة، هزت رأسها بلا معنى وهي تتجاوز التعقيب على حديثه:
"ولما فتحت عيني كان على صوت صرخة عمتي، لقيتها بتقرب عليَّ وعمالة تقول كلام مش مفهوم.. او يمكن كان مفهوم بس انا من صدمتي مفهمتش غير جملة واحدة “هتجيبلنا العار يا فا*** يا عديمة الرباية”.. وكانت بتهجم عليَّ عشان تضربني لولا تدخل باهر في اخر لحظة، معرفش ازاي بعدها بربع ساعة لاقتني واقفة قدامهم كأني في محكمة، نظراتهم بتتهمني بحاجة معملتهاش، وده طبعًا بعد ما عمتي قامت بالواجب وعرفتهم كلهم الي شافته، باهر فضل يحلف ويقول الي حصل، وانا كمان، بس شوفنا في نظرتهم انهم مش مصدقين، خصوصًا ان عمتي زودت من عندها مشاهد، وقالت أني كنت معاه في اوضتي رغم انها شيفانا في الصالة، وقالت كمان اني كنت بشعري ولابسة عباية ضيقة، رغم ان كل ده محصلش، ومهتمتش انها تطلع كدابة في عيني انا وباهر، مهتمتش بأي حاجة غير انها تعمل الي في دماغها والي معرفش هو ايه، بابا مصدقش من أول ما حكت وهو كان بيكدبها ويقولها بنتي متعملش كده.. بس عمي منصور، سكت، وفضل ساكت فترة وعينه كانت بتقول انه مش عارف يصدق مين، والسكوت وقتها كان أسوء حاجة ممكن يعملها، باهر مصدقش ان ابوه شاكك فيه ومش مصدقه، وشدوا مع بعض واتخانقوا، وختمت بأن باهر قاله انه هيرجع القاهرة عشان دراسته ومش هينزل البلد تاني ولا حتى في اجازاته، قالوا مش هدخل مكان في ناس شايفني و** ومعنديش اخلاق ولا دين عشان اقرب من بنت عمي بالشكل ده، وقتها عمي منصور حاول يهدى الوضع بس يمكن كان متأخر شوية! عشان كده باهر مسمعلوش وفعلاً مشي يومها."
التقط أنفاسها بارهاق بدأ يتسلل لها، وهي ترغم عقلها على تذكر كل هذا..
"بابا زعل من عمي اوي، ومن عمتي طبعًا، وقالهم انه مينفعش يقعد وسطهم وهم شاكين في تربيته لولاده، على كده لو حد غريب جه قالهم انه شافني مع واحد هيصدقوه من غير دليل حتى! المشكلة ان عمي لما لقى الموضوع بيكبر، فكر يلمه بس بطريقة غلط، وقال لبابا احنا نقطع لسان اي حد ممكن يقول اي كلمة عليهم ونخطبهم لبعض دلوقتي وبعد الثانوية لخديجة يتجوزوا، كان باين من كلام عمي وقتها انه مش بس عاوز يحل مشكلة، هو كان في حاجة جواه مشككاه في إن الي عمتي قالته ممكن يكون حصل فعلاً، وطبعًا في حالة انه حصل يبقى فعلاً ده الحل الوحيد.. بابا كان فاهم تفكيره، وجه خلى الموضوع يتعقد اكتر، فضلنا يومين في مشاكل بتكبر ما بينهم، لحد ما لاقيت بابا بيقولي هنمشي من هنا ونستقر في القاهرة، وقتها قالي ان مش بس عشان الي حصل، بس الي حصل قلقه واثبتله ان مينفعش يسيبني انا واخويا في وش عمتي، المره دي الفت الحكاية دي يا عالم المرة الجاية تعمل ايه، وخصوصًا بعد ما فهم انها عاوزه باهر لفريال، عشان لما عمي قاله يجوزني له، وقتها ردت هي وقالتله أنتَ كده بتكافئهم، لأ جوز باهر لواحده غيرها وتكون اخلاقها احسن منها، وبكده تبعدهم عن بعض ويتلموا وفي نفس الوقت تبقى عاقبتهم على عملتهم، ماتكلمتش عن فريال بشكل واضح.. بس بابا كان فاهمة وفاهم تفكيرها، وكان عارف انها فاتحت باهر كذا مرة في حوار الجواز وكانت بتلمحله عن فريال بس هو كان بيتهرب."
"وجيتوا القاهرة، تابعتي معايا علاجك واستقريتوا هنا، وبعد وفاة والدك لما روحتي تدفنيه في البلد قابلتيهم طبعًا، اتعاملتي معاهم ازاي؟"
ردد الأخيرة بتساؤل وهو ينتقل بالأحداث لمنحنى آخر، رفعت منكبيها بلامبالاة وهي تجيبه بملامح ساخرة:
"عادي جدًا، موت بابا كان دخلني في حالة غريبة، حالة من اللامبالاة على التناحة، على أني مبقاش فارق معايا حاجة ولا حد، عشان كده روحت ودفنته ووقفت قدامهم ومفكرتش امد ايدي ليهم ولا حتى قبلت عزاهم ليَّ، ولما عمي فكر يعمل عليَّ كبير ويقعدني في البلد غصب عني، وقفت قدامه ورفضت واصريت على موقفي، ورجعت في نفس اليوم أنا ومصطفى وحتى مرضتش اعرفه مكانا في القاهرة، هو اعتذر بس أنا مقبلتش اعتذاره، مقبلتش اعدي كسرتي قدامهم وظلمهم ليَّ، مقدرتش اعدي زعل بابا منهم لحد ما مات وهو زعلان منهم."
أخرجت نفسًا عميقـًا جدًا، قبل أن تقول بانهاك حقيقي:
"حاسة إني تعبت، ويعتبر قولت كل الي كدبت فيه قبل كده، مبقاش عندي حاجة مخبياها."
اومئ برأسه وهو يخبرها:
"لا تمام، برافو عليكِ يا خديجة إنك كسرتي رهبتك وحكيتِ كل حاجة، بجد دي خطوة مهمة جدًا في علاجك."
سألته بملامح متوترة:
"بالنسبة لموت سارة، هو حضرتك.."
قاطعها متفهمًا مخاوفها:
"خديجة، أي حاجة مهما كانت بتتقال هنا، عمرها ما بتخرج من الباب ده، غير إن حادثة خديجة كانت غير مقصودة، انتقام طفولي سخيف اتحول لمأساة، لا ليكي ذنب فيها، ولا هو.. وكل ما اتقبلتي ده واقتنعتي بيه، كل ما كان افضلك، علاجك يا خديجة بيكمن في حاجتين ملهمش تالت.. اولاً ترمي من على كتافك ذنب موتها، وثانيًا تسامحي مراد وتعرفي انه هو كمان مكنش يقصد.. وقتها سارة هتختفي من حياتك، ومن كوابيسك.. سارة هي صوت ضميرك الي أنتِ بتجلديه كل دقيقة على موتها، من كتر ما مبقاش متحمل خرجلك في صورة هلاوس، فهمتِ؟"
هزت رأسها بتفهم، ورفعت كفها تمسح دموعها بوهن وهي تقول بحزنٍ دفينٍ:
"غصب عني والله، بس انا عمري ما هشوف مراد برئ."
في جملتها الأخيرة حدث تغير ملحوظ في ملامحها، وحتى نظراتها، بدت ملامحها شرسة، غاضبة، وبدت نظراتها كارهة، ترغب في الانتقام! وهذا أخبره عن كم ما تحمله "خديجة" بداخلها تجاه المسكين "مراد"!! وهل وصفه للتو بمسكين دون أني يعلم عنه شيء! ربما ما دفعه هو نظراتها التي هيأت له أنها لو رأت "مراد" ذلك أمامها الآن لقتلته في طرفة عين!
حاول تهدأتها بكلماته الهادئة، المسايرة:
"تمام، خلينا منتكلمش عن مراد دلوقتي، خلينا نحاول معاكِ الأول إنك تقتنعي وتقنعي نفسك بأنك ملكيش ذنب في موتها، تمام؟"
اومأت برأسها وقد لانت ملامحها ونظراتها مرة أخرى، هز رأسه برضا وهو يخبرها:
"بصي، معاكِ خمس أيام، عاوزك فيهم تقعدي مع نفسك، تتكلمي معاها في كل حاجة تخص علاقتك بسارة زمان، ولما توصلي للحادثة، تخيلي سناريو غير الي حصل وشوفي هل نتيجته كانت هتبقى إن سارة هتفضل عايشة؟ يعني لو كنتِ دخلت ولحقتيها، لو كنتِ مقولتيش لمراد انها وقعتك قاصدة، لو كنت اول ما فتحتوا الدولاب جريتِ بلغتِ حد بالي حصل، وهكذا، والإجابة متكونش من دماغك.."
نهض واقفًا واتجه لمكتبه صغيرة في أحد اركان المكتب، التقط منها كتابًا ضخمًا وعاد إليها يقدمه لها وهو يخبرها:
"اقري الكتاب ده كويس، وبعدها ابقي اسألي نفسك الأسئلة وجاوبي عليها، بس بعد قراية الكتاب."
التقطت الكتاب تطالع عنوانه وهمست تقرأه بشفاها:
"مصير الإنسان بين الفلسفة وعلم النفس" من سلسلة "شبهات وردود"
رفعت رأسها له وهي تخبره بتزمر واضح:
"٥ أيام! خليها اسبوع يمكن الحق اخلصه، أصل ممكن اقرأ صفحتين في اليوم بالعافية عشان مشاغلي وكده."
ضحك بخفوت وهو يخبرها برحابة صدر:
"اسبوعين يا ستي، بس تخليه معاكِ في شنطتك دايمًا واول ما تحسي بضغط نفسي تخرجيه وتقرأي هتلاقيكِ بتهدي تلقائي، وكمان أهم حاجة تقرأي بتركيز ودقة، وتحللي السطور كويس عشان تفهمي المغزى من الكلام، وكمان ترجعي تاخدي ادويتك بانتظام يا خديجة ها!؟"
اومأت برأسها وهي تنهض واقفة، ووضعته في حقيبتها وقالت:
"حاضر، انا ناوية ابدأ بجد والله، وأن شاء الله اخلص من كل ده قريب."
ابتسم لها بلطف وهو يؤمن رجائها:
"إن شاء الله."
***
تحتجزه منذ نصف ساعة أمامها تصر عليهِ أن يسرد لها كل ما حدث بينهما في لقاء الأمس، ورغم سرده لكل ما حدث لكنها تصر على أن للأحداث بقية! هز رأسه بنفاذ صبر وهو يخبرها:
"يا لولة ماعنديش حاجة تانية احكيها، ارحميني بقى عندي شغل مش كفاية إني صاحي متأخر النهاردة!"
كانت كطفلة صغيرة تلح على والدها ليكمل سرد حكاية ما قبل النوم لها، ورغم انهاءه للحكاية إلا أنها تصر أنه مازال هناك بقية! هزت رأسها بحماس وهي تسأله مرة أخرى:
"يعني هي معرفتكش خالص!؟"
ابتسم ثغره بالكاد وهو يجبها بنفاذ صبر:
"سألتيني السؤال ده ٤ مرات لدلوقتي، وقولتلك لأ، يعني لما تسأليني تاني الإجابة هتتغير!؟"
امتعضت ملامحها وهي تخبره بحيرة:
"أصل ازاي ملحمتش حتى! يعني معقول مش فاكرة أي ملامح ليك للدرجادي!"
"الإنسان بينسى يا ماما، لو تعرفي حد ومر وقت طويل مشفتهوش بتبدأي تفقدي ملامحه، ما بالك لو طفلة لسة، ده انا اهو الي كنت وقتها ١٣ سنة مش فاكر شكل والدتها ولا والدها، شوية ملامح كده الي فاكرهم ميكونوش شكل واضح، فليه مستغربة أنها نسياني!؟"
"معاك حق، بس يعني انتَ كتت قريب اوي لها يمكن عشان كده شايفة أنها كان لازم تشبه عليك حتى."
تفهم مبررها، فعقب بهدوء:
"يمكن، بس الموضوع مش دايمًا بالقرب ولا بالبعد، وبرضو هرجع اقولك متنسيش انها كانت صغيرة، والاحداث الي حصلت زي موت اختها وغيره اكيد خلوها مش عاوزه تفتكر الوقت ولا الذكريات دي بكل الناس الي فيهم."
بدأت تقتنع بوجهة نظره، فهزت رأسها متفهمة وهي تسأله:
"قولي طيب ليه ما تقولهاش وتخلص بدل اللف والدوران ده؟ يعني تعرفها عليك، وأكيد لما تعرف إنك مراد صديق طفولتها هتفرح والطريق بينكوا هيكون أسهل، بدل مالسه هتعرفها عليك من أول وجديد، بصراحة مش فاهمة منطقك ولا أنتَ عاوز ايه!"
نهض وابتعد عنها قليلاً ينظر من خلف زجاج شرفته للحديقة الواسعة والخضرة المريحة للنفس التي تقبع أمامه، وشردت عيناه يتذكر تفاصيلها بكل ما فيها، كل تفصيلة مهما بدت صغيرة عاد يتذكرها منذُ وقعت عيناه عليها أمس، ونطق لسانه بما يجوب قلبه، فخرجت نبرته محملة بعاطفته القوية وهو يقول:
"عايزها تحبني من جديد، هي يمكن حبت صديق الطفولة واقرب حد ليها وقت ما كانت طفلة لسه بتتعرف على الدنيا، حبتني كأول حد خد بايدها وعلمها كل حاجة، اول حد استندت عليه وهي بتتعلم تقف وبتتعلم تمشي، حبتني كشخص كان داعم ليها في كل حاجة وفي أي وقت، حبتني كشخص شافت الدنيا بعنيه.. يمكن ده كفاية لأي حد، لكن انا لأ، انا طماع في حبها… طماع اوي، عشان كده عاوزها تحبني وهي انسة واعية زي ما حبتني وهي طفلة.. عاوز خديجة البالغة تحب مراد البالغ وهما الاتنين شخصيتهم اختلفت.. عشان لما اقول اننا حبينا بعض في كل زمن، وفي كل نسخة منا، مبقاش كداب."
استمع لصوتها من خلفه تقول بنبرة بها بعض الانبهار:
"يااه يا مراد، أنا عمري ما قابلت حد بيحب زيك كده! وأنا الي كنت فاكرة حبنا أنا وابوك حب افلطوني عشان رغم اني اتجوزت وبعدت منسناهوش وفضلنا نحب بعض، ده طلع ولا حاجة قدام حبك ده، اوقات باستغرب وبسأل نفسي ازاي طلع كل الحب ده منك أنتَ، رغم كل الي عانيته من صغرك، رغم إنك محصلتش على حب كفاية، لا من ابوك ولا من مني.. الأكيد إني بحبك اكتر حاجة في دنيتي بس للأسف ظروف حياتنا خلتني معرفتش اطلع كل حبي ليك في افعالي، بيقولوا إن الي محصلش على حب كفاية من صغره لما يكبر عمره ما يعرف يحب بجد.. بس لو دي قاعدة فأنت كسرتها بحبك لخديجة."
استمع لكل حرف قالته، وأكد على صوابه بداخله، هو نفسه يتعجب من حاله أحيانًا كثيرة، ويسأل ذاته من أين جاء مصدر كل هذا الحب الذي بداخله!؟ ففضلاً عن ما ذكرته والدته، فالعمل الذي دفعه والده إليه منذُ مراهقته كفيل بأن يجعله ذو قلب متبلد، قاسي، لا يعرف للحب ولا الرحمة معنى! وللعجب أن كل هذا حتى وإن نجح بالفعل مع الآخرين وسيطرت القسوة على كثير من تصرفاته إلا أنه لا ينجح معها! وكأن حبها مُحصن من كل العوامل المحيطة بهِ! ولربما ما لم يفهمه "مراد" أن الله قد حفظ حبها بهذا الشكل لأنه الطريق الوحيد لنجاته! النقطة البيضاء الوحيدة في عالمه الملطخ بالسواد..
التفت لها وهو يعقب على حديثها بحيرة زينت معالمه:
"بصراحة، أنا نفسي معنديش تفسير، بس خديجة هي كل حياتي فعلاً، الشيء الوحيد الي مكنش عندي استعداد اتنازل عنه أو يضيع من ايدي، الشخص الوحيد الي كفيل يوقف كل شياطيني ويقلب مزاجي ١٨٠ درجة، معنديش تخيل لحياتي معاها لو اتجوزنا، بس… بس حاسس إني ممكن اقفل علينا أنا وهي وننعزل عن العالم كله."
أردف بجملته الأخيرة بحرج ظهر كاحمرار بسيط على وجهه، يعلم سخافة حديثه، ولا يحب التطرق لمثل هذه السخافات كثيرًا لأنه بعدها يشعر بالحرج، ليس من شيء سوى لعدم منطقية ما يقوله، وقد جاء رد والدته مطابقًا لِمَ ذُكر وهي تقول بابتسامة مقتضبة:
"مش معقول يا حبيبي الي بتقوله ده! لا يا مراد، حتى الحب له حدود، لازم تأقلم نفسك إنكوا عايشين في مجتمع ووسط ناس، مش هتوقف حياتك عشانها برضو ولا هي هتعمل كده، التعلق الأوفر ده برضو مش صح، ومتنساش إن أحيانًا كتر الحب بيأذي وبيخنق، الاعتدال خير الأمور يا حبيبي."
اومئ برأسه ولم تفهم هل هذا يعد اقتناعًا بحديثها أم انهاءً للحديث عمومًا، خصوصًا وقد تحرك بعدها يلتقط أغراضه وسترته وهو يخبرها:
"همشي بقى يالولة عشان عندي شغل واتأخرت بما فيهِ الكفاية."
قبل رأسها أخيرًا وانسحب خارجًا من الغرفة، اتجهت للشرفة ووقفت خلف زجاجها الداخلي تتابع الحديقة حتى طلَ هو واستقل سيارته مغادرًا محيط المنزل، قطبت حاجبيها بامتعاض جلي، وبدت أنفاسها غير منتظمة لضيقها، زفرت نفسًا لها باختناق وهي تغمغم لذاتها بضيق:
"ماهو كل شيء له حدود برضو، يعني وكأنه لو بقت معاه واتجوزوا فعلاً مش هيكون عاوز حد غيرها، ده مش بعيد وقتها ماشفوش غير صدفة وميسألش عني!"
خطر بعقلها شيء، لتزداد تقطيبتها وهي تردد بفزع:
"ولا لو طلبت منه يسكنوا في فيلا لوحدهم، وقتها مش هشوفه فعلاً غير كل فين وفين.."
صمتت قليلاً والحديث يدور برأسها بلا هوادة، لتهتف بعد قليل باصرار ومض في عيناها:
"أنا مقدرة انه بيحبها، وبتمنى انه يعيش سعيد ومرتاح معاها، بس هو ابني برضو، ومش هسمح لأي واحدة مين من كانت تاخد ابني مني بالطريقة دي، حتى لو كنت بحبها."
غيرتها كأم شيء فطري ليس لها يد بهِ، لذا كان لها الغلبة بعدما استمعت لحديثه الذي القاه قبل ذهابه، رغمًا عنها انتابتها الغيرة، فقد شعرت أن تلك الفتاة تعني له أكثر منها هي شخصيًا، وهذا أمر لن تقبل بهِ، حتى وإن كانت على دراية بمدى حبه للأخرى وتعلقه بها وما لاقاه من عذاب حتى وصل لها، ولكنه بالأخير يبقى ابنها، لن تستطع رؤيته يفضل أخرى عليها، يهتم بها أكثر، وإن وُضعت كلاً منهما في كفة تكن كفتها هي الرابحة! تحت أي ظرفٍ كان لن تقبل "ليلى" بوضع كهذا.. ومن هنا، تُرى هل اكتسبت "خديجة" عدوًا جديدًا!؟
***
فتحت له باب الشقة ليخرج بعد أن انهى عمله، وأخبرها أخيرًا:
"كده تمام، ولو حصل اي حاجة بلغي عبده يعرفني اجي اشوفها."
هزت رأسها ببساطة وهي تخبره:
"تمام، تسلم."
انتظرت حتى ذهب من أمامها وما كادت تغلق الباب حتى وجدت الباب المقابل لها يُفتح وتخرج تلك الجارة السخيفة التي تسكن مقابلاً لها، لتضع القمامة الخاصة بها أمام باب منزلها، ولكنها كالعادة لم تسلم من لسانها وهي تقول بمغزى:
"ربنا يستر على ولايانا."
رفعت "رنا" حاجبها الأيسر بتعبير وشيك على اندلاع حرب الآن، وهي تضع ذراعها في جانبها بحركة متحفزة، وقالت بتحدي سافر:
"خير يا أم تامر، تقصدي مين بكلامك ده؟"
رفعت نظرها لها بعدما وضعت كيس القمامة جانبًا وظهرت السخرية جلية على وجهها وهي تجيبها:
"اقصد الي اقصده يا حبيبتي حد جه جنبك؟ ولا الي على راسه بطحة!؟"
تركت مدخل شقتها وتحركت للأمام قليلاً حتى أصبحت في منتصف الطرقة بين الشقتين، وأصرت على مواجهتها وهي تقول ببوادر غضب:
"بقولك ايه، انا بقالي فترة ملاحظة نظراتك الغريبة وكلامك وتلقيحك عليَّ في النازلة والطالعة، جرا ايه بقى؟ ايه العبارة عشان نبقى على وضوح كده!؟"
اقتربت الأخرى خطوتان ولكنها حافظت على مسافة مناسبة بينهما، وهي تقول بنبرة ساخرة:
"لا عبارة ولا نيلة، أنا بس ياختي هقولك كلمتين تحطيهم حلقة في ودانك، العمارة هنا كل الي ساكنين فيها ناس محترمة، وانتِ جديدة هنا مكملتيش خمس شهور، وشكل كده محدش بلغك الي بقولهولك ده، ومحدش قالك اننا مش هنقبل حد يسكن وسطينا يبوظ سمعتنا، فلو مش هتعرفي تحترمي المكان الي ساكنه فيه يبقى تشوفيلك مكان تاني."
اتسعت عيناها بعدم تصديق لِمَ تقوله تلك المتبجحة، لقد كانت تسمع لأحاديثها الهامسة حين تراها، ولكن لم تتوقع أن تقف في وجهها وتعبر عن شكوكها في أخلاقها! علىَ صوتها وهي تهتف بغضب:
"يبوظ سمعتكوا! أنا! ازاي تتكلمي عني كده أصلاً؟"
والأخيرة ارتفع صوتها بالتوازي وهي تعقب:
"بتكلم عن الي شوفته يا حبيبتي وأخرهم الي لسه نازل من شوية."
شهقت "رنا" بعدم تصديق لظنون تلك الحمقاء، فصرخت بها وغضبها قد تصاعد أكثر:
"قطع لسانك لو قال عني كلمة وحشة، أنتِ مالك أصلاً مين داخل ومين طالع! أنتِ قاعدة بتراقبيني؟"
أشاحت الأخيرة بذراعها وهي تهتف:
"اراقبك؟ ليه ياختي أنتِ مهمة للدرجادي! هو بس ربنا الي بيخليني اشوف بالصدفة عشان يكشف عمايلك."
ارتفع صراخ "رنا" وهي لا تصدق ما تسمعه:
"عمايلي ايه يا وليه أنتِ، لمي لسانك لأحسن والله اندمك إنك فكرتِ تتكلمي عني كلمة واحدة."
"ايه يا جماعة صوتكوا مسمع العمارة كلها، في ايه؟"
قالتها سيدة ترجلت من اعلى وخلفها سيدة أخرى، قد نزلا على صوت الشجار العالِ، التفتت لهما" رنا" بملامحها الغاضبة وهي تقول:
"الست دي باين عليها مجنونة، ولا مش عارفة حدودها عشان تتدخل في حياة الناس بالطريقة السخيفة دي."
شهقت السيدة بحركة سوقية وهي تقول:
"– شوف البت البجحة قليلة الرباية! بقى فاتحة بيتك للرايح والجاي ومش عوزانا نتكلم! لا يا حبيبتي ال**** دي متحصلش هنا في عمارتنا، ياختي كانت جيرة الهم والغم."
استشاطت أكثر وهي تستمع لِمَ تقوله تلك الجارة الحمقاء، لتحاول تخطي السيدتان الاخرتان كي تصل لها بعدما اصبحا حاجزًا بينهما، وهي تصرخ بصوتها ووجهها الغاضبان:
"أنا الي جيرة الهم يا ولية يا خرفانة أنتِ، اومال أنتِ تبقي ايه يالي حاطة عينك في حياة كل واحد في العمارة ورامية ودنك على الباب للي طالع واللي نازل."
أشاحت الأخرى بذراعيها بردح منفعل:
"اه، طبعًا مانتي عاوزه تكوني على هواكِ، مش طيقاني عشان أنا الي كشفاكِ وفاضحة عمايلك ال****."
أزاحت السيدة الواقفة أمامها تحتجزها كي لا يتطور الشجار إلي عراك بالأيدي، ونجحت في الوصول لتلك التي تتبجح أمامها وكأنها ولية أمرها! لتجذبها من ذراعها بعنف وقسوة وهي تهدر بها:
"اخرصي قطع لسانك ولسان أي حد يقول عليَّ كلمة *** زيه، وقسمًا بربي لو ما اتلميتي وبعدتي عن حياتي لامسح بيكِ بلاط العمارة فاهمة يا ولية أنتِ."
والأخرى خشت، خشت من ملامحها الغاضبة وعنفوانها، خاصًة وقد سأم السيدتان من فض العراك فاكتفيا بالمتابعة دون تدخل، مما جعلها تبتلع ريقها في وجل وهي تجذب ذراعها من الأولى، بينما تقول بصوت متوتر:
"ياختي انتِ حرة، يك تولعي الحق عليَّ خايفة على سمعتك."
ربطت على كتفها بقوة وهي تخبرها بسخرية:
"لا ياختي مستغنيين عن خدماتك، خليكِ في حالك، ولسانك جوه بؤك بس."
انهت جملتها وحدقتها بنظرة محذرة أخيرة قبل أن تنسحب من أمامهم ودلفت شقتها مغلقة الباب خلفها في وجوههم بقوة..
***
تهادت في خطواتها وهي تدلف للمستشفى بصحبة أبيها، وكالعادة تنجح في لفت الانظار إليها دون عناء، فيكفي ثيابها المثيرة لحد ما، بدأً من كنزتها الحمراء التي بالكاد تغطي بطنها، وتنورتها التي ترتفع عن ركبتيها قليلاً، بلونها الابيض الناصع، وقد ارتدت حذاء ذو كعب عالِ ليشد قامتها فتظهر مفاتنها كما يجب أن تكون، استمعت لوالدها يسألها:
"فين الدكتور الي قولتِ ساعدك كتير الفترة الي فاتت، حابب اشكره الحقيقة."
ابتسم ثغرها المطلي بلون احمر فاتح بلطافة وهي تجيبه:
"فعلاً يا دادي لازم تشوفه، متأكده أنك هتعجب بيه."
انفلتت ضحكة هادئة من "نبيل" وهو يسأله عابثًا:
"هعجب بيه ازاي يا بنت! وضحي كلامك عشان اوقات بيكون اتجاه غلط."
ضحكت هي الاخرى وقالت:
"مش قصدي، بس هو من الشخصيات الي حضرتك بتحبها، يعني شاب لسه صغير في السن بس باين عليه مجتهد جدًا، وساب بصمة له هنا في المستشفى رغم انه لسه شغال فيها قريب، غير بقى انه مرح كده وبيحب يساعد الناس."
توقف "نبيل" فتوقفت هي الأخرى مستغربة، فحدقها هو بنظرات مشككة وهو يسألها:
"كل ده عرفتيه من مرة ولا مرتين شوفتيه فيهم!؟"
وبدون تردد او قلق كانت تخبره:
"شوفته ٣ مرات، واخر مرة قعدنا مع بعض ربع ساعة كده، بس حضرتك عارفني بقرأ الناس بسهولة."
"الناس الي بيلفتوا نظرك."
هتف بها "نبيل" بتنبيه، ليغزي الاحمرار وجنتيها وهي تعقب بحرج:
"مهو فعلاً لفت نظري."
رفع حاجبه باستنكار وهو يسألها:
"بتقوليها في وشي كده؟ ده أنا أبوكِ حتى!"
رفعت منكبيها بمرح وهي تعقب بخبث:
"ماهو انا دلوقتي بكلم بُلبل صاحبي مش دادي."
هز رأسه ضاحكًا وهو يقول:
"بتثبتيني! ماشي يابنت نبيل، ويا ترى مجرد لفت نظر ولا في تطورات أنا معرفهاش؟"
نفت برأسها بصدق وهي تجيبه بجدية:
"أبدًا يا دادي، بعدين لو في أكيد مش هخبي عنك."
اومئ برأسه مصدقًا إياها، قبل أن يدير مقبض الباب دالفًا لغرفة زوجته التي نُقلت لغرفة عادية بعد تخطيها مرحلة الخطر، واستفاقت كليًا.
دلفا للغرفة لتبتسم تلك السيدة التي ربما في اواخر الاربعينات الجالسة فوق الفراش بوهن، ملامحها بدتقريبة لملامح ابنتها، عدا لون العيون فقد تميزت هذه بعيونها السوداء، واتسعت ابتسامتها حين ارتفع صوت طفلتها المدلله وهي تقول:
"good morning لاحلى لولو في حياتي."
اجابتها مبتسمة:
"good morning لحبيبة قلبي."
"عامله ايه يا لبنى!؟"
اتاه سؤال زوجها بنبرته الحنونة، المهتمة، لتجيبه بهدوء:
"كويسة، وهبقى كويسة اكتر لو خرجت."
"يا مامي مينفعش تخرجي من غير الدكتور ما يقول."
عقبت بها "جاسمين" بقلق، لتجيبها "لبنى" موضحة:
"يا حبيبتي الدكتور كان هنا الضهر وسألته وقالي ينفع."
"دكتور مين؟"
تسائل بها "نبيل" وقبل أن تجيب سمعوا لدق الباب، فسمحوا بالدخول، وفور فتحه طلَ "باهر" من خلفه برفقة الممرضة، وابتسامة هادئة تزين ثغره الوسيم وهو يقول:
"مساء الخير."
اجابه جميعًا تحيته، ورحبَ بهِ "نبيل"، وبعدما انتهى من فحص "لبنى" استمع ل"نبيل" يسأله:
"هو ينفع تخرج يا دكتور؟"
اومئ برأسه وهو ينتهي من تدوين ملاحظاته:
"ايوه، بس طبعًا راحة تام لمدة اسبوع، تتحرك في نطاق ضيق، تمشي على جدول الأكل والعلاج، وأن شاء الله تتحسن قريب."
اشارت "جاسمين" برأسها على "باهر" من خلف ظهر الآخر، ففهم "نبيل" اشارتها وهذا ما جعله يردف:
"متشكر لاهتمام حضرتك طول الفترة الي فاتت، وكتعبير بسيط مني عن مجهودك معانا رغم أن الحالة متخصكش، حابب اعزمك على حفلة صغيرة عاملينها اخر الشهر بمناسبة شفاء المدام."
تنحنح" باهر" بحرج وهو يدرك أن" جاسمين" قد أخبرت ابيها عنه، ألم تستطع الصمت! هل كان من الضروري أن تخبره ابيها عنه! لا يحبذ وضعه في مِثل هذه المواقف..!
"لا شكر ولا حاجة، يعني ده شغلي، معملتش حاجه زيادة."
اومئ "نبيل" متفهمًا وقال:
"فاهم طبعًا.. بس برضو الشكر واجب، قلت ايه عن الحفلة!؟"
وفي هذه اللحظة نظر لها، لا يعلم لِمَ، ولم تعلم هي معنى نظرته.. وبالأخير اعطى رده بعد فترة من الصمت…
***
كانت واقفة تعد احد انواع العصائر، وقد بدأت الزبائن بالقدوم للمطعم اليوم، وعقلها مشغول بحديثها الأخير مع طبيبها النفسي، تحاول أن تزِن الأمور بداخلها كي تستطيع الاقتناع بصواب ما فعلته، إذ تشعر أحيانًا أن المواجهة كانت خطوة متهورة منها، انتهت من اعداد الكوب ووضعته فوق الطاولة التي أمامها كي يأخذه "مراد" حين يعود من الصالة، امسكت هاتفها حين تعالى رنينه لتجد رقم "باهر" او كما اسمته على هاتفها "Bahbory" فتحت المكالمة فورًا وهي تجيب بمرح:
"عمي وعم قلبي."
اتاها صوته الضاحك وهو يقول:
"يلا ياواطية، بقى بدئاها كده عشان ماتكلمش، إن مكنتش أنا اتصل متسأليش صح؟"
اجابته ببراءة مصطنعة:
"انا يا بهبوري اخص عليك، ده انا طول اليوم على بالي، واقول هكلمه هكلمه، وبنشغل اعمل ايه!"
"مش مصدقك يا به.."
ضحكت بخفة وهي تعقب:
"عيب عليك بقى متصغرناش، هكدب ليه انا! بعدين انا اقدر استغنى عنك! انا اقدر انساك؟ لا مكانش العشم يا بهبوري والله."
وكالعادة تغلبه في الحديث ليقول بيأس:
"ماشي يا بكاشة، المهم عاوزك في موضوع مهم."
ابتسمت باتساع حين نجحت في جعله يتغاضى عن توبيخها وقالت:
"عنيا لعم الناس، قول يا حبيبي سمعاك…"
على بُعد قريب… قريب حد الخطر! ضم قبضته اليسرى بقل قوته، وهو يشعر بطاقة عارمة في تحطيم أي شيء.. أي شيء أمامه يخرج فيهِ طاقة غضبه المشحونة مما سمعه، يعلم مع من تتحدث، وهذا ما زاد اشعال نيرانه.. وأما عن طريقتها في الحديث فلم تمر عليهِ مرور الكرام!
تحرك بخطواته تجاهها يطوي الأرض تحت قدمه حتى وصل خلفها تمامًا ف…..
يتبع….
رواية بك احيا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ناهد خالد
"حب زائف!"
"أشعر بطوق يلتف حول عنقي يكاد يخنقني، ولا أجد للخلاص منه سبيلاً، والمضحك في الأمر إنني من لففت الطوق بيدي! فكيف لي أن اشتكي!"
شهقت بخضة حين التفت ووجدته خلفها تمامًا، لا يفصل بينهما سوى سنتيمتر واحد، حتى أن هاتفها سقط من يدها ولولا تمسكه به بتلقائية وسرعة بديهة لأصبح فتاتًا الآن.
ابتسم ثغره بغيظ وهو يعقب على الموقف مرددًا:
– واضح إنك كنتِ مشغولة في المكالمة لدرجة إنك محستيش بوجودي.
التقطت أنفاسها الذاهبة بتروٍ وعادت خطوتان للخلف، قبل أن تجيبه بابتسامة مهزوزة:
– أنا فعلاً محستش بوجودك، أنا لفيت صدفة أصلاً، بس كان لازم تنبهني، أنا قلبي كان هيوقف من الخضة.
لم يعقب على حديثها، وأصر على التحدث في نفس النقطة مندفعًا بغيظه الداخلي:
– الحقيقة الغلط مش عندي، أنتِ الي مش مركزة خالص.
ابتسمت بهدوء وهي تقول:
– يعني حتى مش هاين عليك تعتذر بالمجاملة!
رفع شفته العليا بحنق وهو يجيبها:
– الاعتذار مفيهوش مجاملات.
اندثرت ابتسامتها وهي تشعر بجديته في السخافة! بالطبع سخافة، فما له يأخذ الأمر على محمل الجد لهذه الدرجة، بينما هي تأخذه من باب الدعابة، ولكن إن آخذه هكذا فستفعل هي الأخرى، وهذا ما دفعها للتحدث بجدية وهي تخبره:
– هو الشغل متعطل ولا حاجة؟ يعني في مشاريب كنت جاي تاخدها ومكالمتي عطلتك؟
– لأ.
أجابها باقتضاب، لتهز رأسها باهتمام، وهي تمد كفها له:
– ممكن تليفوني!؟
رفع يده بالهاتف لها وهو يلاحظ تغير ملامحها، يبدو أنه بالغ في ردة فعله! فأخذته منه واتجهت للطاولة العريضة المرتفعة عليها الأكواب وأخذت ترتبهم بعناية رغم عدم حاجتهم لذلك، لكنها من الواضح تشغل ذاتها حتى ينصرف عنها.
شعرت باقترابه منها رغم حفاظه على مسافة جيدة بينهما، فلم تهتم، لكنها سمعت صوته يقول بمرح طفيف:
– مال وشك قلب ليه كده! كل ده عشان اعتذار المجاملة!؟
حنت رأسها قليلاً بلامبالاة وهي تجيبه بينما لم تلتفت له حتى:
– لا عادي، مقلبتش وشي ولا حاجة.
ضحك ضحكة بسيطة وهو يعقب على عصبيتها في نقل الأكواب:
– ماهو واضح! ده أنتِ ناقص تخبطيني بالكاس الي في ايدك ده.
وهنا نظرت له بجانب عيناها وهي ترفع كتفيها بغيظ:
– كويس انك خدت بالك.
اتسعت ضحكته وهو يتعجب من ردة فعلها، وسألها من بين ضحكته:
– ياساتر! ليه كل ده!
تركت ما بيدها والتفت بجسدها له وهي تخبره بحنق واضح:
– مبحبش اكون واخده الموضوع هزار والاقي الي قدامي قفل وواخده جد، يعني أنا كنت بهزر لما قولتلك اعتذر حتى لو مجاملة، لكن كان واضح في ردك عليَّ إنك بتتكلم جد، فقفلتني بصراحة.
أنهت حديثها وهي تحرك عيناها لأعلى دليلاً على ضيقها من موقفه، مما جعله يبتسم مرة أخرى وهو يجيبها:
– لا في دي معاكِ حق، أنا فعلاً اوقات مبعرفش افرق بين الجد والهزار، بس على فكرة انا كمان كنت بهزر.
رفعت حاجبها الأيسر بعدم تصديق وهي تسأله مستنكرة:
– بقى كده كنت بتهزر! اومال لو كنت بتتكلم جد بقى، ملامحك كانت باينة على فكرة، فانت كده مش بتصلح الموضوع أنتَ بتبوظه.
حك مؤخرة رأسه بكفه الأيمن وهو يعقب بحرج طفيف:
– ماشي، انا فعلاً كنت قفل ومفهمتش إنك بتهزري، بس المرة الجاية هاخد بالي واهزر معاكِ.
ابتسمت بلطف جعل عيناه تلمع، وهي تحني رأسها قليلاً وقالت بهدوء:
– ماشي.
– خير سايبين الشغل وواقفين ترغوا؟!
التفت على صوت "طارق" الذي صدح من خلفهما، ليضغط "مراد" على نواجذه محاولاً التحكم في أعصابه فقد علم الآن ماهو مقبل عليه "طارق" من فرض سيطرة سخيف، مستغلاً عدم قدرته على الرد أمامها.
التفت له ونظر بأعين محذرة:
– ابدًا يا استاذ طارق مش سايبين الشغل ولا حاجة.
التمعت أعين "طارق" بتلاعب ماكر، وهو يسأله ساخرًا:
– والله! ده انا سامع رغيكوا بقالي فترة.
– مفيش مانع نتكلم واحنا بنشتغل.
قالها "مراد" بحدة واضحة جعلت "خديجة" تهمس له من خلفه:
– اهدى ليرفدك.
وما زاده جملتها إلا اشتعالاً، هل أصبح "مراد وهدان" عُرضة للرفد! ومِن مَن! مِن "طارق" الذي يعمل لديه!
ضغطت على أعصابه وتحكم في ذاته وهو يقول:
– اقصد يعني اننا بنسلي وقتنا واحنا بنشتغل مش اكتر.
أومأ "طارق" برأسه وقد قرر تمرير الأمر بعدما رأى احتقان وجهه الذي يدل على وصوله لأقصى حالات تحكمه بذاته، وللحق لا يتمنى "طارق" أن يكون محل إفراغ شحنة غضبه هذه لاحقًا، فاكتفى بهذا القدر وقال قبل أن ينسحب:
– تمام، اهتموا بالشغل شوية عن كده.
لو باستطاعته لذهب خلفه الآن وأشبعه ضربًا، لكنه لا يريد لفت نظرها، لذا أخذ نفسه بعمق والتف لها بابتسامة هادئة، فوجدها تقابله بعتاب واضح وهي تقول:
– طريقتك معاه كانت ممكن تعمل مشكلة، أنتَ أول مرة تشتغل في مكان ولا ايه!؟ الطبيعي أننا بنكون أهدى وبنتجاهل طريقة المدير لو مش لطيفة عشان منترفدش.
هز رأسه بلامبالاة وهو يخبرها:
– مبحبش حد يكلمني بلهجة متعجبنيش، بس كويس إنك هديتيني عشان كنت هغشّم معاه.
ضحكت بعدم تصديق وهي تعقب:
– ده كويس إني لحقتك فعلاً، لا لازم تكون أهدى وأبرد من كده، الشغل مبيمشيش بالطريقة دي.
جاء أحد العمال الآخرين في المكان، وهو يقول موجهًا حديثه لـ "مراد":
– واحد أوريو واتنين جوافة لطربيزة ٧.
أومأ "مراد" برأسه ليذهب الآخر، وبدأت "خديجة" في إعداد المشاريب، قبل أن تسمع لصوت "مراد" يسألها:
– هي رنا اتأخرت ليه؟
عقدت حاجبيها بجهل وعقبت:
– مش عارفة، أنا برضو مستغربة ده احنا لسه تاني يوم شغل.
– مكلمتيهاش؟
نفت برأسها وهي تجيبه:
– مخدتش رقمها لسه.
أومأ برأسه متفهمًا، وتابعها وهي تعد المشروب، عيناه تلتهم كل شيء يخصها، كل تفصيلة بها تتروى نظراته عليها ببطء، يشبع عيناه منها، ولا يصدق أنه أصبح يستطيع فعل هذا، لم تعد في مخيلته فقط، بل أصبحت أمامه، يتحدث معها، وينظر لها، ويستطيع لمسها لولا الرقابة!
في لحظة واحدة كان يقبض على كفها بنفس اللحظة التي اصطدم ظهرها بصدره، كل ما حدث لم يأخذ ثانيتين ولا يعرف أحدهما كيف أصبحا متلاصقين هكذا! كل ما في الأمر أن الخلاط الكهربائي الذي استخدمته لصنع المشروب أصابها بماس كهربائي طفيف جعلها تنتفض للخلف، بنفس اللحظة التي لاحظ هو بها ما حدث فاندفع يبعدها عنه ليصبح المشهد كما هو الآن، ملتصقة بصدره وكفه الأيسر يقبض على معصمها الأيسر، لم يتعدى الأمر الثانية الواحدة قبل أن يبتعدا، ولكنها كانت كفيلة لبعث الكثير من التساؤلات، والمشاعر!
انتفاضة أصابت قلبها حين شعرت بهِ خلفها، ورعشة لذيذة سرت في جسدها أثر تلامسها معه، ولكن تلك اللمسة لم تكن عادية بطبيعة الوضع الذي هما فيه، لكنها كانت رعشة خاصة، ترتبط بشيء ما في الماضي البعيد!
"حين تتشتت ذاكرتك، وتفقد ذكرياتك، تتبع دقات قلبك، فإنها.. لا تخيب!"
زفرت أنفاسها بتوتر بالغ وهي تشعر بقلبها يعيد التعرف عليه، بالأمس شعرت بألفة عيناه، واليوم شعرت بألفة لمسته!
وعنه فقلبه استكان بعد ركضًا طويلاً قُطعت فيه أنفاسه، منذ قليل اشتكى من عدم شعوره بلمستها، وكانت هي الناقصة لتكتمل صورة واقعها لديه، وها قد حدثت، فبات قلبه متأكدًا من وجودها، وعودتها، وهويتها، فإن كان لديه شكًا ولو واحد بالمئة من كونها هي نفسها "حبيبته" فالآن بات موقنًا من هويتها الحقيقية، قلبه عرفها.. كما عرفتها روحه بالأمس، وجسده تعرف على لمستها كما كان يفعل سابقًا.
لملم شتاته وأجلى حنجرته وهو يقول:
– خليني أشوف الخلاط ده بيكهرب ليه.
تنحت بعيدًا وهي تخبره بقلق:
– حاسب ليكهربك.
هز رأسه لها وهو يتفحصه بعناية، بينما وقفت هي تتابعه بقلق من أن يؤذيه مثلما فعل معها منذ قليل، ولا تعرف هل هي قلقة على شخصه، أم قلقها طبيعي كقلقها لأي شخص آخر محله..!!
--------------
ها هي تخطو أولى خطواتها صوب "القاهرة" أو "مصر" كما يسمونها أهل القرى، وكأنهم يعتبرونها ممثلة عن مصر بأكملها، ووجدتها كما يقولون، تعج بالكثيرون، والزحام المروري المتكدس رحب بها من الوهلة الأولى، الأبخرة المتصاعدة مع الهواء جعلتها تشتاق لنقاء هواء بلدها.
التفت لخالها حين استمعت له يقول:
– مالك مصدومة أكده من وقت ما اتدلينا مصر.
– زحمة جوي يا خال.
رددتها بينما عيناها تدور بتفحص من حولها لكل شيء يمر بجانب السيارة المستقلان بها، ضحك "منصور" على اندهاشها الواضح، وغمغم بتفهم:
– بكرة تتعودي على زحمتها.
هزت رأسها باهتمام وهي تتابع حركة السير وتركض عيناها فوق المحلات والمستعمرات السكنية، تتعرف على الحياة الجديدة التي تخطو إليها في سبيل تحقيق ذاتها ونجاحها.
--------------
أسبوع مر على أبطالنا بسلام..
تغيرت حياتهم بمختلف الأحداث، ربما ليست أحداث مهمة لكنها حققت تغيرًا ما..
القى نظرة أخيرة على ذاته في المرآة معدلاً من سترته الكحلية، وتأكد من ترتيب خصلاته، قبل أن يلتقط هاتفه ومفتاح شقته وباقي أغراضه وأغلق نور الغرفة خارجًا من الشقة بأكملها قاصدًا حفل عائلة وهدان المدعو له.
أغلق باب شقته وكاد يتجه للدرج، لكنه توقف على صوت فتح باب الشقة المقابلة وظهرت "فريال" من خلفه ملتفة بوشاحها الأسود أعلى جلبابها المنزلي، وأردفت:
– باهر أنتَ خارج؟
ابتسم بهدوء وهو يجيبها:
– أيوه، محتاجة حاجة أجبهالك وأنا جاي؟
اتسعت ابتسامتها للطفه وبدلاً من أن تجيبه على سؤاله حدقته بنظرات مرحة، قبل أن تقول مغازلة:
– ايه الشياكة والأناقة دي؟ وه شكلك وكأنك رايح تتقدم لعروسة.
اتسعت ابتسامته فبرزت الحفرتان المزينتان لوجنتيه وهو يساير مرحها:
– يعني ميمشيش معاكِ إني رايح حفلة مهمة وعشان أنا دكتور لازم أهتم بشياكتي.
نفت برأسها وهي تضيق عيناها بتفكير زائف:
– له، مامشيش.
ضحك بخفة وهو يخبرها غامزًا لها بجانب عيناه:
– عشان هو فعلاً مش ده السبب.
اتسعت عيناها بشكل مضحك وهي تسأله بعدم تصديق:
– هو في عروسة بجد؟ لا متقولش! بقى في عروسة وبتداري علينا يا باهر؟ لا ومفهمنالك إنك محترم!
ضحك على سخافة حديثها وهو يعقب باستنكار:
– يعني لو في عروسة هبقى مش محترم؟ أنتِ هبلة يابت؟
انتبهت لما قالته فوضحت مقصدها:
– مقصديش، بس كنا ابتدينا نشك إنك مش هتحب صنف الحريم كله، من كتر ما كنت بتجفل أي كلام يتفتح في موضوع جوازك، طلع في واحدة واحنا مش عارفين.. طب إيه اللي معطلك تتجوزها؟
هز رأسه بيأس منها وهو يقول:
– مين قالك إني أعرف واحدة؟ ومين قالك إن معرفها من زمان، لأ وفي حاجة معطلاني أتجوزها، أنتِ بتختري كلامك من دماغك؟
– وه! مانت لسه جايل كده!
– أنا مقولتش فيه عروسة، أنا قولت إن سبب شياكتي مش الحفلة بس مش معناها إن في عروسة! وعشان تفهمي أكتر، مش عروسة ولا حاجة، كل الحكاية إنها بنت حاسس ببوادر إعجاب من ناحيتها، وهتكون موجودة في الحفلة.. ده كل الحوار.
رفعت حاجبيها بتفهم للأمر وقالت بغمزة:
– إعجاب، قولتلي، يلا ربنا يهني سعيد بسعيدة.
رفع جانب شفته العليا باشمئزاز وأشار لها برأسه مردفًا:
– امشي يا به ادخلي جوه واقفلي الباب، قال سعيد وسعيدة قال..
رمقته بجانب عينها بضيق وهي تغلق الباب في وجهه بشدة، ليتملكه الغيظ وهو يرفع صوته كي تسمعه:
– يلا ياللي مشوفتش ترباية.
عدل سترته للمرة الألف قبل أن ينزل الدرج لأسفل فيكفي ما أضاعته تلك المعتوهة من وقت..
--------------
في غرفة مكتب "حسن وهدان" جلس قبالته نجله "مراد" الذي انتهى للتو من ترتيب أوراق الصفقة الأخيرة وعرضها عليه كي يقوم هو بدوره بعرضها على مرؤوسه.
أحنى "مراد" رقبته قليلاً بإرهاق وأردف بنبرة مرهقة أكثر:
– كده تمام، الورق كله اتصفى وجاهز إنك تسلمه.
أومأ "حسن" برأسه وقد رجع بظهره للوراء باسترخاء هو الآخر، وقال:
– كويس إننا خلصناه، البوص مستعجل عليه.
أومأ الآخر برأسه بعدم رد، لكن تحفزت كل ذرة بجسده الذي تصلب لوهلة وهو يستمع لوالده يقول:
– مقولتليش يعني إنك لقيت خديجة، ده أنا حتى كنت هفرحلك.
ثُبت نظراته القوية على "حسن" لقليل من الوقت، كأنه يزحزح ثبات الآخر بتلك النظرات قبل أن يسأله بعدم راحة وحذر:
– وأنتَ عرفت منين؟ ولا مخلي حد يراقبني؟
لوى فمه ساخرًا وهو يجيبه:
– يراقبك؟ أنا مش محتاج أعين عليك رقابة عشان أعرف أخبارك، أنا أخبارك بتجيلي من غير مجهود، ولا نسيت مين حسن وهدان؟
لم يهتم بكل هذه الهرتلة في الحديث، وهو يرفع كتفه بلامبالاة قائلاً بنبرة جامدة:
– معتقدش كان هيهمكن تعرف حاجة زي دي، يمكن لو كنت شايفك مهتم بموضوعها أصلاً كنت عرفتك إني لاقتها.
وحتى هو لم يهتم بحديثه، وكأن الولد والوالد يتطبعا بنفس الطبع! وأردف بسخرية بطنت جوانب حديثه:
– وهي برضو اللي خلتك تروح تشتغل مرمطون في مطعم؟
ابتسم باستفزاز له:
– هي تعمل اللي هي عايزاه.
وبالفعل نجح في استفزاز الآخر وإثارة غضبه حين ضرب بقبضته على المكتب بعدما اعتدل في جلسته، وظهر الغضب جليًا على وجهه وهو يهتف بصوتٍ مرتفعٍ:
– بطل استفزاز، أنتَ إزاي تسمح لنفسك تبهدل نفسك وتنزل بمستواك كده، بقى ابني أنا، ابن حسن وهدان يروح يشتغل جرسون في مطعم عشان حتة ب…
قاطعه "مراد" على التو بعدما تحفزت ملامحه للغضب والشجار، وأردف من بين أسنانه بنبرة محذرة:
– كلمة واحدة عنها متعجبنيش، تصرفي مش هيعجبك.
اهتاج "حسن" أكثر لتهديده فسأله صارخًا بغضب:
– هتعمل إيه يا مراد بيه؟ هتضربني؟
نهض "مراد" بجسد متصلب ونظرات غاضبة، وأردف بنبرة هادئة لكنها حملت وعيدًا واضحًا:
– في حاجات عندي لو اتعرفت مش هتبسط.
نهض يواجهه وهو يسأله بعدم فهم:
– حاجات، حاجات إيه؟
أخرج علبة سجائره، والتقط واحدة بين إصبعيه وأخرج قادحته مشعلاً إياها بعدما وضعها في فمه، كل هذا تحت نظرات "حسن" المشتعلة من تصرفاته المستفزة، أخذ منها نفسًا عميقًا ثم أخرجه بتروٍ قبل أن ينظر للآخر ويسأله ببرود:
– أنتَ عارف إني بحبها، والي بيحب مستعد يعمل أي حاجة عشان حبيبه، واعتقد إنك عملتها قبلي ولا إيه؟
لم يفهم "حسن" تغييره لضفة الحديث، لكن سؤاله الأخير نجح في استدراجه لفخه، فوجد ذاته يسأله مستفسرًا:
– قصدك إيه؟
أخذ نفسًا آخر من لفافة التبغ وزفره على مهل قبل أن يجيبه:
– قصدي إن ماما لما عرفت حقيقتك العلاقة انقطعت بينكوا، إيه اللي خلاك متتجوزش عليها مثلاً! رغم إنه حقك، بس أنتَ خوفت تاخد الخطوة دي عشان كنت عارف إنها هتقضي عليها، وعشان كده مفكرتش تتجوز لإنك بتحبها وخايف عليها، صح ولا غلط؟
هدأت انفعالات "حسن" قليلاً، وهو يستمع لتحليل ولده للوضع القائم بينه وبين والدته منذ عدة سنوات، فأجابه بهدوء:
– صح، رغم كل اللي عرفته عني، والي مش سهل بالنسبالها، لكن كنت عارف إن ده كوم وحكاية جوازي عليها دي كوم تاني، كنت عارف هتأثر فيها إزاي، وهتوجعها إزاي، ورغم إنها بتبين إنها مش طيقاني طول الوقت، إلا أني في أوقات بشوف في عينيها نظرة حنين، النظرة دي عمري ما كنت هشوفها لو اتجوزت عليها.
– وعرفت.
رددها "مراد" مكملاً حديث والده الذي نظر له بعدم فهم، ليعود ترديد كلمته في سياق الجملة:
– عمرك ما كنت هتشوف النظرة دي لو اتجوزت عليها وعرفت..
انعقد حاجبي "حسن" بعدم فهم وهو يسأله:
– قصدك إيه؟
نفسًا آخر أخذه بعمق قبل أن يخرج دخانه، وهو ينظر لوالده باستمتاع قبل أن يلقي عليهِ قنبلته المدوية، والتي أردف بها بنبرة متلذذة وهو يجيبه:
– قصدي إنك محبتش تتجوز عليها وهي تعرف عشان السبب اللي قولته، لكن تتجوز عليها من غير علمها ده مكانش عندك مشكلة فيه… وده يخليني مفهمش حبك ليها الحقيقة، يعني أنتَ بتحبها وكل شوية في حضن واحدة شكل تحت مسمى جواز عرفي! بتعرف تعملها إزاي طيب! ده الواحد لما بيحب واحدة بيقرف من جنس الحريم كله وعينه مبتفكرش تشوف واحدة غيرها، ولا جسمه يقدر يقرب لواحدة غيرها، إزاي أنتَ بقى بتعملها مش عارف! ولا أنتَ مبتحبش ليلى وواهم نفسك ولا إيه حكايتك؟
شحوب وجه "حسن" بهذا الشكل كان قمة الامتاع لعين "مراد"، شعر بالانتشاء وهو يرى أثر الصدمة على وجهه، لقد صمت لسنوات ولم يرد فتح حديثًا في هذا الأمر كي يستغله في الوقت المناسب، وشعر إن هذا هو الوقت المناسب تمامًا.. "مراد" بإمكانه فضح والده أمام "ليلى" التي ستصدق ولدها دون مجهود أو دليل منه، وهذا ما أوصله لوالده الآن وبالطبع الآخر قد فهم الرسالة جيدًا.
ابتلع "حسن" ريقه بصعوبة قبل أن يقول باضطراب:
– أنتَ… أنتَ عرفت منين؟
ضحك ساخرًا وهو يجيبه بنفس إجابته منذ قليل:
– من غير مجهود أخبارك بتوصلني، وأعرف ده من زمان على فكرة، من ٣ سنين كده.. وأنا عارف إن جوازاتك دي أصلاً من بعد ما انفصلت عن ليلى تقريبًا.
جلس "حسن" على مقعده بقلة حيلة، يعلم جيدًا أن "مراد" لم يصمت كل هذا الوقت عبثًا، بل سيستغل الأمر لصالحه بطريقة ما هو يجهلها، وعلى أي حال ما باليد حيلة، فما عليهِ الآن سوى مسايرته، فأردف موضحًا موقفه:
– أنا متجوزتش على ليلى غير بعد ٤ سنين من انفصالنا، ومش معنى كده إني مبحبهاش، أنا بحب ليلى وهفضل أحبها، بس كل راجل وله احتياجاته، وهي قفلت أي طريق يوصل بينا، مع ذلك محبتش تعرف بجوازاتي، رغم إني كنت أقدر أتزوج رسمي، أو حتى مهتمش تعرف ولا لأ، بس معملتش ده لأني خوفت عليها، ومحبتش تكرهني بجد.
أطفأ "مراد" لفافته في المطفأة وهو يرفع شفته العليا مستنكرًا:
– احتياجات! أنتَ لو بتحبها بجد مش هتعرف تشبع احتياجاتك دي مع حد غيرها أصلاً! مش تروح تتجوز ولا ١٠ عليها وتقول بحبها!
انفعل "حسن" عند هذه النقطة وهو يضرب بقبضته فوق المكتب مرة أخرى وقال بوجهٍ محمرٍ:
– مين قالك إني لاقيت راحتي معاهم! كوني اتجوزت كذا مرة ده مش أوحالك بحاجة؟ أنا ولا واحدة منهم عرفت ارتاح معاها، وكل مرة بقرر اتجوز واحدة جديدة بقول يمكن دي اللي تريحني، بس بكون غلطان، عشان كده مفيش واحدة منهم استمرت معايا أكتر من ٥ شهور، أنتَ مش فاهم حاجة ولا فاهم اللي بمر بيه، فياريت تسكت.
رفع منكبيهِ ببرود ولا مبالاة:
– ميهمنيش أفهم، بس يهمني ميكونلكش علاقة بأي حاجة تخصني أو تخص خديجة، عشان أنا اللي يفكر بس يكون سبب في مشاكل بيني وبينها مش هعمل اعتبار هو مين ومش هبقى على حاجة.. واظن إنك فاهم كلامي.
وايحائة الأخيرة كان واضحًا بما يقصده، وانسحب من أمام "حسن" الذي أطاح بعدة أشياء من فوق مكتبه أرضًا بغيظ، وقد نجح "مراد" في إثارة غضبه وحنقه، فهل وقف أمامه يهدده بدم بارد هكذا! هل أصبح إصبعه تحت ضرس ولده الذي لم يتخطى العشرين عامًا بعد! لقد هُزلت حقًا! ولكنه عاد يفكر وعقله يدور حول حديث ولده، وسؤال واحد بدا يتردد على عقله هل كان حبه لليلى حبًا زائفًا!؟ هل بالفعل وَهِم بحبها!!!؟.. والإجابة مجهولة..
--------------
عمومًا جو الحفلات لا يليق به، ولا يستسيغه، ولكنه لا يدري السبب الحقيقي وراء تواجده هنا، هل هو من أجل بوادر إعجابه بها كما اعترف لفريال! أم فضولاً منه للتوغل في حياة تلك الفتاة التي أثارته بتصرفاتها العفوية وطريقة حياتها التي وضع حولها علامة استفهام، فلديه شعور داخلي بأنها تصطنع وأن خلف حياتها المليئة بالعفوية والضوضاء حياة أخرى كئيبة لا يتسلل لها شعاع نور، وصدقًا يتمنى أن يكون مخطئًا.
رأى "نبيل" مقبلاً عليه من بعيد، فشد قامته يستقبله بابتسامة هادئة، فسمع الآخر يقول بينما يمد يده ليصافحه:
– ازيك يا دكتور، منور الحفلة.
صافحه "باهر" بود:
– الحمد لله، اخبار حضرتك إيه؟
– تمام، وادي المدام جت ترحب بيك بنفسها أهي.
التف فوجد تلك السيدة الأنيقة، المرتدية لثوب بني ناسب سنها وشياكتها تمامًا، تقبل عليه مبتسمة، وحين أصبحت أمامه مدت يدها تصافحه بابتسامة، مرددة:
– أهلاً دكتور باهر.
صافحها وهو يقول:
– أهلاً بحضرتك، ماشاء الله هو التعب بيحلي كده؟!
ضحكت برقة وهي تضيق عيناها التي تشبه عينا ابنتها:
– دول عنيك الحلوين يا دكتور، والله ياريت كل الدكاترة زي حضرتك كده.
– والله في مني كتير، خصوصًا بقى لو تحت التدريب زي حالتي كده.
قاطع حديثهم إشارة "نبيل" على موضع ما وهو يقول بابتسامة:
– أهي برنسيس الحفلة ظهرت أخيرًا.
التف بنظره ناحيتها، فاختفت ابتسامته رويدًا وهو يرى ما ترتديه، سحقًا ووالدها يبتسم! لقد كان فستانًا بحمالة واحدة مائل يأتي من الناحية اليمنى ليزين كتفها الأيسر، بلون زهري رائع، ولكن ما له قصير لهذا الحد! بالكاد يصل لأسفل فخذيها، ومجسم بشكل مستفز لمنحنياتها، ووالدها يبتسم..!!!
– هاي يا جماعة.
عقبت والدتها مبتسمة:
– إيه القمر ده ياروح مامي.
– ثانكس مامي، وأنتِ كمان تجنني.
قالتها بابتسامة رائعة، وأعين لامعة فرحًا وزهوًا، ثم التفتت له ترحب بهِ مبتسمة:
– هاي دكتور باهر، نورت البارتي.
ابتسم لها بالكاد وهو يجيبها بهدوء:
– شكرًا.
– تعالي يا نبيل نسلم على الوزير وعيلته وصلوا أهم.
وانسحبا الوالد والوالدة، نظرت له مبتسمة برقة، وهي تأخذ خطوة واحدة تجاهه وقالت محاولة فتح حديث:
– أصل دادي كل معارفه ناس مهمة..
لم يستطع مواكبة حديثها، فرد باقتضاب:
– كويس.
عقدت حاجبيها باستغراب من رده المقتضب، ولكنها لم تعقب، وقررت الخوض في حديث آخر، فسألته وهي تدرك الإجابة جيدًا والتي بالطبع ستكون إطراءً كبيرًا:
– إيه رأيك في الفستان؟
وبغبائها أعطته الفرصة على طبق من ذهب، فبدون أن يطالع فستانها، أجابها ونظراته الساخرة مثبتة على وجهها:
– أنتِ شحتاه؟
عقدت حاجبيها بعدم فهم تسأله:
– شحتاه؟ يعني إيه؟
وضح مقصده وهو يقول بنبرته التي بدت جادة:
– واخداه من حد يعني؟
اتسعت عيناها برفض:
– of course not, أنا مستحيل ألبس مكان حد!
لوى فمه ساخرًا وهو يخبرها:
– أصلُه صغير عليكي، فبالنسبة لي بالمنظر ده، شحتاه.
وكان ردها شهقة خرجت منها كادت تزهق روحها…
رواية بك احيا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ناهد خالد
تسلل مشاعر
الحقيقة أن المشاعر لا تأتينا دفعة واحدة، بل تتسلل إلينا رويدًا رويدًا دون شعور منا، ولا نشعر بها إلا بعد أن تتمكن منا تمامًا، ويصبح الهرب منها مستحيلاً
تأفأف بنزق وهو يراها تتجنبه منذُ أخبرها عن رأيه في فستانها، أليست هي من سألته عن رأيه؟ لم تعقب فقط شهقة غير مصدقة خرجت من فاهها قبل أن تحدقه بنظرة نارية وتنسحب، ومن وقتها ونظراتها الحانقة لا تتركه، كلما نظر إليها يجدها تنظر له بغيظ وحنق واضحان، وفي مرة منهما انفلتت ضحكة من فاهه أثر نظرتها التي بدت طفولية حانقة، وكأنه أخذ منها الحلوى!
استغل انفرادها أخيرًا بعد نصف ساعة تتجول من هنا لهناك، واتجه لها حين رآها تقف أمام طاولة المشروبات لترتشف قليلاً من العصير، فاتجه لها ووقف خلفها يقول:
_ هتفضلي ترميني بالنظرات كده كتير؟!
لم تلتفت له وهي تجيبه بنبرة فاترة:
_ نظرات ايه، أنا جيت جنبك.
رفع حاجبه باستنكار وهو يردد كلمتها بتقليد:
_ أنا جيت جنبك! نظراتك باينة على فكرة، واضح إنك اتضايقتي من رأيي بس أنتِ الي سألتيني.
التفت له وقد تملكها الغيظ وهي تهتف بنبرة نزق:
_ طلبت رأيك عشان فكرت إنك هتقول رأي كويس، لكن لو كنت اعرف رأيك ده عمري ما كنت هطلبه، ثم في زوق في ابداء الرأي، في طريقة لطيفة توصلي بيها رأيك مش بالطريقة السخيفة الي قولتها دي.
شعر بأنه قد أخطأ في طريقة ابداءه لرأيه لها، ربما تجاوز قليلاً، وليس له حق في أن يبدي رأيًا سخيفًا هكذا، فما كان عليهِ سوى أن يقول كلمة جيدة حتى وإن كان نفاقًا، فما دخله هو إن كان الفستان صغيرًا أو واسعًا ومهرتلاً! وهذا ما جعله يقول بهدوء:
_ معاكِ حق، سوري مقصدتش اضايقك كده، وعمومًا مادام لبستي الفستان يبقى عاجبك، مش مهم رأي الناس فيه.
رفعت رأسها بكِبر وهي تقول بأنفة:
_ عاجبني طبعًا، ومش مهتمة برأي حد.
ابتسم بهدوء وهو يخبرها:
_ كويس، ده الصح.
نظرت حولها بمتابعة زائفة لأحداث الحفل قبل أن تعود له بنظراتها وهي تسأله بصوتٍ خافتٍ:
_ هو.. هو بجد وحش؟
نظر لها وهو يتصنع الغباء وسألها:
_ هو مين؟
زفرت بضيق موضحة:
_ الفستان.. أصل يعني عمر ما حد قالي على حاجة لبساها وحشة، دايمًا بينبهروا بلبسي.
قلب شفتيهِ بدون اهتمام وهو يعقب:
_ مقولتش انه كفستان وحش، هو زوقيًا لطيف، لكن اخلاقيًا مش قد كده.
_ على فكرة أنتِ بتعك!
رددتها بتنبيه وأعين متسعة فكلما شعرت بقوله شيئًا جيدًا يفاجئها بحديث اكثر انعدامًا للذوق، ابتسم لها ببرود مُصرًا على رأيه:
_ مقولتش حاجة غلط، انا بس بوضحلك، يعني أنتِ مش شايفة انه أوفر! يعني قصير زيادة عن اللزوم، هو مداري ايه أصلاً.
لالا لايمكنها الصمت عن تبجحه هذا اكثر، نهرته للمرة التي لا تعلم عددها وهي ترمقه بنظرات حارقة مقرنة بقول حاد:
_ Watch your language, please، ثم أنا مش هسمحلك تتكلم بالطريقة دي عني.
_ لا إله إلا الله مش أنتِ الي مُصره تعرفي رأيي!
جعدت ملامحها باشمئزاز وهي تقول:
_ لأ، بجد مش عاوزه اعرف، تعرف تسكت بقى.
رفع منكبيهِ بلامبالاة وقال:
_ سهلة، اديني سكت.
واستمر الصمت لعدة دقائق بالفعل، حتى قطعته هي للمرة الثالثة وهي تسأله بضيق:
_ يعني لو عملتله extension “توصيل” هيكون حلو؟
كبت ضحكته بصعوبة وهو يجيبها بجدية:
_ هيكون برفيكتو.
رفعت حاجبيها المنمقان وهي تردد:
_ برفيكتو دي الي هي perfect؟ “ممتاز”
اومئ مبتسمًا، وبنظرة سريعة على فستانها اخبرها:
_ ومتنسيش تعملي كتف تاني عشان شكلهم نسيوا يعملوه.
وانهى جملته وذهب من أمامها منسحبًا من الحفل بأكمله، تاركًا إياها تطالعه بنظرات مندهشة غير مصدقة لطريقته معها! متى رفعت الحدود بينهما ليتعامل بأريحيه هكذا!؟
ولكن أريحيه راقت لها…!!
اليوم التالي.. عصرًا..
جلست فوق أحد كراسي شقتها الصغيرة، ممسكة بالهاتف بيدها وعلى شاشته أحد الأرقام التي تتردد في الاتصال بصاحبها، مرت أيام ولم يفكر هو في الاتصال بها، وهذا ما دفعها لأخذ هذه الخطوة، فيبدو أنه لن يقبل على مهاتفتها، فلتفعل هي، ربما لديه عذر ما، ربما مشغول بعمله ومسؤولياته، وأخذت تعدد الأعذار له حتى وجدت إصبعها يضغط زر الاتصال عليهِ، وبالفعل اتاها جرس الانتظار وقلبها ينتفض مع كل دقة، تشعر بالتوتر، والخجل في آنٍ واحدٍ، لكنها تعود لتذكر ذاتها بأنه زوجها، فلا حرج إن بادرت هي مرة.
أتاها صوته الخشن وهو يجيب على الهاتف:
_ السلام عليكم، مين؟
صوته اربكها ووترها أكثر، ولكنها استجمعت نفسها وهي تجيبه بصوتها الهادئ الرقيق:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أنا.. أنا فريال يا إبراهيم، كيفك ياواد عمي؟
اتاها رده المقتضب:
_ بخير، كيفك أنتِ؟
انفرج ثغرها بابتسامة وقد شعرت بقرب تبادل الأحاديث بينهما كما خططت وأجابته:
_ بخير، أنا جولت اكلمك اطمنك عليَّ، اكيد مشغول، باهر الله يكرمه لجالي شجة جدام شجته طوالي، وطول اليوم بيطمن عليَّ ويسألني إن كنت رايدة حاجة.
استمعت لهمهمة خافتة صدرت من الجهة الأخرى، فشجعتها على الحديث أكثر، فأكملت وهي تقول:
_ الدراسة هتبدأ من اول السبوع، يعني كلها يومين وهنزل الجامعة، حاسة إني خايفة بس باهر جالي إن ده طبيعي وشو…
قاطعها صوته حين قال باستعجال:
_ طيب يا فريال مضطر اجفل عشان مشغول، هبجى اكلمك، سلام.
واغلق الهاتف قبل أن ترد تحيته، امتعضت ملامحها، وانتابها الحزن لدقائق بعدما وضعت الهاتف جانبًا وشردت بفكرها في طريقته معها، ولكن سرعان ما حاولت اقناع ذاتها بحقائق باطلة، وهي تبرر له بأنه بالتأكيد لديه عمل هام وسيعاود مهاتفها، فلا دعي لأن تحزن..
ضحكت بخفة وهي تستمع لحكاوي “رنا” عن جارتها التي تتشاجر معها يوميًا تقريبًا، والأولى لا تقصر في افحام الأخرى بردودها، وكل يوم تسرد على مسامع “خديجة” ما حدث، ومهما نصحتها لا تستمع لها، فأصحبت تسمع وتضحك وفقط، استمعا لصوت “مراد” الذي دلف للمطعم للتو وهو يلقي التحية عليهما بابتسامته الساحرة التي تجعل عيناه تلمع:
_ مساء الخير يا بنات.
وكانت “خديجة” هي أول من اجابته بلهفة حاولت اخفاءها:
_ مساء النور، اتأخرت ليه؟ ده أنا فكرتك هتاخد النهاردة اجازة.
ولم تخفي لهفتها عنه، فاتسعت ابتسامته، وازدادت لمعة عيناه وهو يجيبها:
_ هاخد اجازة بمزاجي عشان يتخصملي يومين! لا كان عندي مشوار بس قولت اخلصه الأول.
اومأت برأسها وقد شعرت بتسرعها في السؤال فعادت لِمَ تفعله، واتجه هو لتبديل ملابسه والبدء في عمله، ولم يمر الأمر مرور الكرام بالنسبة ل “رنا” التي عقبت بمرح وهي تنكز “خديجة” في ذراعها:
_ هي ايه العبارة! مالك ملهوفة كده في سؤالك له!؟
رفعت “خديجة” أنظارها لها بتوتر طفيف، لكنها ردت بثبات:
_ لهفة ايه! انا كنت بسأله عادي، بلاش خيالك يسرح يا رنا.
لم تقتنع “رنا” بحديثها لكنها لم تشاء أن تطول في الأمر فقالت:
_ بكره كله يبان، ياخبر النهاردة بفلوس.
_ يوه، هتبدأي سخافة مش نقصاكِ.
أردفت بها “خديجة” وهي تبتعد للجهة الاخرى، فضحكت “رنا” بخفوت والتزمت الصمت، دقائق وخرج “مراد” بعدما بدل ثيابه، ووقف أمامها يسألهما وعيناه على خديجة تحديدًا:
_ ها في طلبات؟
ردت “رنا” هذه المرة:
_ اه في طلبين بنجهزهم اهو.
لم يعقب على حديثها سوى بهمهمة بسيطة وهو يتابع” خديجة” في الخفاء بعيناه، كعادته في الأسبوع المنصرم، ربما تقاربا من بعضهما قليلاً، لكن هذا القليل لا يكفيه، لذا سيحاول التقرب أكثر، ولكنه يجهل الطريقة للآن، انتبه على سؤال “رنا” ل “خديجة” :
_ مقولتيش الراجل الي اسمه البغل ده كلمك تاني؟
التفت لها “خديجة” بحاجبين منعقدين وهي تسألها بعدم فهم:
_ بغل؟ تقصدي مين؟
أشاحت “رنا” بذراعها وهي تقول:
_ الراجل ده الي زين اتخانق معاه عشان مراته الي ضربها.
ضحكت وهي تهز رأسها بعدم تصديق مرددة:
_ تقصدي الوحش! بقى بغل امتى؟ بس تصدقي لايق عليه فعلاً.
_ هو اتعرضلك؟
خرج هذا السؤال من “مراد” الذي لم يعنيه مزاحهما بهذا الشأن، فقط توحشت عيناه وهو يرجح احتمالية تعرض ذلك الأبله لها، وربما نظرته هذه لم يستطع اخفاءها، فسرت رعشة غريبة بجسدها أثرها، شعرت لوهلة بأنها تعلم هذه النظرة الداكنة، المنذره بشر قادم، تذكرها بشيء ما، شيء يتعلق بالماضي، كتلك النظرة التي لطالما رأتها في عيني “مراد” حين تشكو له من ضرب والدتها أو شقيقتها لها، نفس النظرة ونفس لون العينان الذي دكن الآن، هل كل هذا صدفة! هل بالفعل مجرد صدفة تربط بين الشخصيتين، أم هناك شيء أقوى بكثير يربطهما!
حاولت تجاهل الصوت الذي يصرخ بداخلها بأشياء إن صدقتها لفرت هاربة الآن، أو سقطت مغشى عليها، واجابته بنبرة مهتزة قليلاً:
_ مش بالضبط.. هو بس وقفني من يومين كده وسألني عنك، عاوز يعرف معلومات يعني أنتَ مين ومنين وكده، بس قولتله إني معرفش حاجة، فمصدقنيش وفضل يهددني إني لو مجاوبتوش على اسئلته بدل ما هيكون تاره معاه هو بس هيكون معايا أنا كمان، بس أنا قولتله إني معرفش حاجه عشان اقولهاله أصلاً، فقالي يبقى أنتِ الي اخترتي وسابني ومشي.
ضغط على أسنانه بقوة كادت تطحنها قبل أن يسألها بحذر:
_ اتعرضلك تاني؟
نفت برأسها وهي تجيبه:
_ لأ، مشوفتوش من يومها، بس مراته جاتلي امبارح وحذرتني منه، قالتلي كمان احذرك منه عشان هو اكيد مش هيخلي الي حصل يعدي بالساهل، كونك بهدلته قدام المنطقة كلها وقليت منه ده مش هيعديه، وسكوته مش خير أبدًا، حتى قالتلي أنه ردها.
_ ردها؟ ازاي؟ ماهو طلقها بالتلاتة قدام الكل!
شرحت له بهدوء:
_ ماهو الطلاق بالتلاتة في المرة الواحدة بيعد طلقة واحدة وحقه يردها في أي وقت.
ضرب الطاولة بيده بغيظ وهو يردد:
_ ابن الك**، ماشي هيروح مني فين.
تركت ما بيدها واتجهت له حتى أصبحت أمامه فسألته بضيق واضح:
_ وأنتَ مالك بالموضوع؟ لحد هنا وكفاية ميخصكش الي يحصل بعد كده، الراجل ده شراني ومحدش يقدره، وأنتَ مش مضطر تعك نفسك معاه.
بداخله انشرح لشعوره بخوفها وقلقها عليه، ولكن غضبه من ذلك الأحمق جعله يعاندها وهو يقول:
– الست اتحامت فيَّ، وكنت فاكر إني خلصتها منه، لكن قولتيلي انه ردها واكيد ده غصب عنها، وغير كده بقى تعرضه ليكِ مش هعديه على خير.
رفرفت بأهدابها توترًا من جملته الأخيره وحاولت الثبات أمام نظرات عيناه التي تربكها وهي تقول:
_ إذا كان على الست فهي الي قالتلي خليه يبعد عن طريقه، وإن كان عليَّ فهو ماتعرضليش ولا حاجة هو سألني عليك ومن بعدها مشفتوش.
لم يهمه مبرراتها ولم يعنيه ما قالته بأكمله، لكنه قرر تمرير الأمر الآن وهو يقول:
– خلصتوا الطلبات؟
وهي بفطنتها أدركت تهربه من الحديث لعدم اقتناعه، فلوت فمها بضيق وهي تنسحب مبتعده لتكمل عملها..
توحشت نظراته وهو يشيح بوجهه للناحية الأخرى، يقسم أنه سيذيق ذلك الوحش أشد عذاب إن لمحه يمر من أمام المطعم حتى..
خلاص يا هاجر كفاية.
هتف بها “دياب” بضيق بعدما سأم من كمية الأوراق التي قام بإمضاءها، ابتسمت له “هاجر” بلطف وهي تخبره:
_ خلاص يا دياب باشا باقي خمس ورقات بس.
وبالفعل بعد ثانية واحدة كانا انتهيا من امضاء الورق، فاسترخى “دياب” على كرسيه، ورتبت “هاجر” الأوراق بعناية تحت نظراته المتفحصه لها، وفجأه وجد ذاته يسألها:
_ أنتِ عمرك ما فكرتي تتجوزي يا هاجر؟
رمت نظرة سريعه له قبل أن تعود لِمَ تفعله وبضحكة ساخرة أجابته:
_ اتجوز واسيبك يا باشا!
_ لا بتكلم جد.
انتهت مما تفعله فوقفت باستقامه تجيبه بجدية:
_ شغلنا مينفعش يكونلك فيه نقطة ضعف، وأنا ربنا كرمني إني مليش عيلة، يعني مليش حد اخاف عليه، او يتلوي دراعي بيه، اقوم انا بقى اجيب نقطة ضعفي بنفسي! بعدين الي بيشتغلوا شغلتنا دي ميجيش معاهم الجواز سِكه.
هز رأسه باقتناع تام وهو يقول:
_ معاكِ حق، أنا اقتنعت.
ضحكت بمرح وهي تعقب:
_ كويس، همشي أنا بقى.
_ متنسيش تروح تستلمي عربون الصفقة الجديدة بكره من بورسعيد.
_ مش ناسية متقلقش، سلام.
هز رأسه دون إجابة وتابعها حتى خرجت تمامًا، فردد باقتناع:
_ ميجيش معانا الجواز سِكه..
انتهت من عملها وبدلت القميص الخاص بالعمل بقميصها الخاص، واتجهت للخروج وهي تودع “رنا” على باب المطعم، وما إن ذهبت الأخيرة وكادت هي أن تتحرك لوجهتها حتى استمعت لصوت خطوات خلفها، فالتفت فجأة حتى كاد يصطدم بها حين توقف على بُعد سنتيمترات معدودة، شهقت بخضة وهي ترتد للوراء مرددة:
_ ايه ده؟ أنتَ ورايا بتعمل ايه؟
أجابها بهدوء تام:
_ جاي اوصلك.
اتسع بؤبؤ عيناها بعدم تصديق لاجابته، يصلها! لأين؟ وهذا ما عبرت عنه وهي تسأله باستغراب:
_ توصلني ايه؟ ده أنا بيتي في اخر الشارع!
رفع حاجبيهِ بمرح وهو يعقب:
_ أنتِ قولتيها اهو آخر الشارع مش أوله، هو آخر الشارع ده قريب!
ضحكت بعدم تصديق وهي تقول:
_ أنتَ بتهزر يا زين؟ يلا امشي ميصحش وقفتنا كده.
في كل مرة تذكر فيها اسمه المستعار يتصدع شيئًا بداخله، في كل مرة تنطق فيها باسم “زين” يتمنى لو تنتهي هذه المسرحية السخيفة ويستمع لاسمه بدلاً عنه، يتمنى لو يغمض عينيهِ ويفتحها ليجدها تعرف حقيقتها، والأهم تتقبله، ليس سهلاً أن تحتل مكانة لدى حبيبك بشخصية مستعارة، ليس سهلاً أن تتقبل كل مشاعره برحابة صدر وأنتَ تعلم أنها ليست موجهها لشخصك بل لشخص وهمي ليس له وجود، حتى وإن كان كل الأمر يتعلق بكنية زائفة وهوية مؤلفة..
حاول تغاضي كل مشاعره السلبية الآن وهو يقول بجدية:
_ مش مطمن للراجل ده، خليني اوصلك اضمن.
هزت رأسها ببساطة وهي تخبره:
_ على فكرة هو بقاله يومين مقربليش، فاعتقد انه مش ناوي يقربلي تاني، والا مكانش صبر يومين يعني.
رفع منكبيهِ بجهل:
_ مش عارف بس مش مرتاح.
ابتسمت بحب لخوفه الصادق عليها، وكم امتنت لِمَ شعرت بهِ في هذه اللحظة، كونها مهمة لأحدهم، كون أحدهم يخاف عليها، مشاعر فقدت حلاوتها منذُ زمن، وكم راقها أن تشعر بها الآن، قالت بهدوء:
_ بجد شكرًا على اهتمامك ده، بس بجد مفيش داعي توصلني، اتفضل يلا.
زفر بضيق وهو يشعر بعدم الراحة حقًا، وقلما يخيب شعوره هذا، لكنه رأى الاصرار في عيناها ففضل الانسحاب:
_ ماشي، قولي رقمك بقى عشان اطمن عليكِ لما تروحي.
قالها بعدما فتح هاتفه وضغط رقمين الصفر والواحد، ثم رفع رأسه لها يسألها:
_ ٠١٠، ولا ٠١١..
رفعت حاجبيها بعدم تصديق لجرأته، ولم تجيبه، لتسمعه يزفر بضيق وهو يخبرها:
_ يلا يا بنتي.
هزت رأسها بعدم تصديق لأفعاله وقالت:
_ بجد مش طبيعي… اكتب..
قالتها وقد قررت أن تعطيه رقمها حقًا! لشعورها أنها ستحتاجه، وتتمنى أن يخيب هذا الشعور.
انتهى من تدوين رقمها فاغلق الهاتف وأشار لها بتوديع:
_ يلا مع السلامة.
_ مع السلامة.
رددتها بهدوء والتفت ذاهبه في طريقها والابتسامة لم تفارق وجهها، بينما هو أشار لأحد الرجال المختبئين بالشارع ليأتي له فورًا، فأخبره:
_ تروح وراها وتطمن أنها دخلت بيتها، ومتمشيش من هناك سامع.
اومئ برأسه وانتظر قليلاً ثم انطلق يلاحقها دون أن تنتبه.
زفر انفاسه بقوة متمنيًا أن تكون بخير دومًا وألا يصيبها مكروه حتى وإن كان خدشًا صغيرًا، فخدشًا بها يصيبه هو بجرح غائر ينزف دون توقف..
صوت دقات عالية فوق باب شقته جعلته يتنفض من فراشه بعدما استيقظ من نومه العميق، نظر للساعه ليجدها الثانية صباحًا، فتمتم بقلق وهو يركض للباب:
_ استر يارب.
وصل للباب ففتحه فورًا بثياب نومه وعينيهِ النصف مفتوحة، فوجد حارس العمارة أمامه:
_ في ايه يا عم عبده؟
_ الحق يابيه الست قريبتك في دخانه جامده اوي طالع من مطبخ شقتها، وبقالي عشر دقايق اخبط عليها مبتردش.
اتسعت عيناه بذعر وهو يهمس بينهما قدماه ركضت للشقة المقابلة:
_ فريال!
وصل لباب شقتها فدق فوقه بعنف ولم يجد اجابة، فاستعان بالحارس ليضربا الباب سويًا بخطفهما حتى انخلع من مكانه، وهنا خرج دخان كثيف أعماهم عن الرؤية، واوشى بخطورة موقف المسكينة التي بداخل…
وصلت للبناية الساكنة فيها وصعدت درجاتها بارهاق بعد يوم طويل كالعادة، ولكنها شهقت بصرخة كُتب لها الكتم حين وُضع كف غليظ فوق فمها، مكبلة من الخلف بذراع قوية وكف يمنع خروج صوتها، وجسد بدى قويًا يصطدم بظهرها، كل هذا جعل جسدها ينتفض بقوة ودموعها تهوى بفزع، حاولت التملص أكثر من مرة لكنها لم تنجح، واستمعت لصوته الكريه يهتف بجوار أذنها…..
رواية بك احيا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ناهد خالد
وصلت للبناية الساكنة فيها وصعدت درجاتها بارهاق بعد يوم طويل كالعادة، ولكنها شهقت بصرخة كُتب لها الكتم حين وُضع كف غليظ فوق فمها، مكبلة من الخلف بذراع قوية وكف يمنع خروج صوتها، وجسد بدى قويًا يصطدم بظهرها، كل هذا جعل جسدها ينتفض بقوة ودموعها تهوى بفزع، حاولت التملص أكثر من مرة لكنها لم تنجح، واستمعت لصوته الكريه يهتف بجوار أذنها:
"بقى مراتي جاتلك عشان تحذرك أنتِ والواد ابن ال**** مني مش كده! هي بقى وخدتها جزتها، وجه وقتك تاخدي جزاتك عشان رفضتي تتعاوني معايا ووقفتِ في صف ننوس عين امه."
حاولت التملص وهي تتحرك بلا هواده والذعر تملكها أكثر، ولكن قبضته المحكمة عليها حالت دون ذلك، وفي اللحظة التالية كانت تتلقى عقابها كما أشار منذُ قليل، فوجدت رأسها تُصدم بالحائط المقابل لها بقوة طفيفة جعلتها تشعر بأن رأسها قد رُجت من الداخل، وانتابها دوار طفيف، جعلها تستند على الحائط بضعف بعدما تركها أخيرًا وهو يقول:
"دي قرصة ودن بسيطة، المرة الجاية صدقيني هتندمي إنك وقفتِ مع واحد وقف في وش الوحش، وهعتبرك عدوتي زيه."
أنهى حديثه ونزل الدرج في ثواني تاركًا إياها وقد تهاوى جسدها أرضًا بتعب بعدما شعرت بسيل خفيف من الدماء يسير فوق جبهتها نزولاً لوجنتها اليمنى، ظلت هكذا لثواني حتى استطاعت أن تشعر بخفة الدوار فنهضت مستندة على الجدار لتصعد بعض الدرجات الفاصلة بينها وبين شقتها، وضعت المفتاح في الباب وفتحته ببطء كي لا توقظ شقيقها في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل ويفزعه مظهرها هكذا، ونجحت في أن تدلف دون ضوضاء، حتى وصلت لحمام الشقة والتقطت علبة الاسعافات الأولية واتجهت بها لغرفتها كي تداوي جرحها.
وقفت أمام المرآة تعقم الجرح وتمسح الدماء المنسدله منه وهي تتأفأف بغيظ محدثة نفسها:
"أنا ايه دخلني في الموضوع من أصله! حاجه غريبة بجد أنا لا اتكلمت ولا اتنيلت ودخلوني في الموضوع بالعافية."
استمعت لرنين هاتفها فاتجهت له لترى من المتصل، وجدته رقم غير مسجل، وهذا جعلها تحتار هل تجيب أم لا، ولكن ضرب في رأسها أن “زين” قد أخذ رقمها فلّعله هو المتصل! وهذا ما جعلها تفتح الخط مقررة القاء السلام ولكن قبل أن تقول أي شيء، وجدته يندفع كالاعصار وهو يسألها بهياج:
"ابن ال**** ده كان بيعمل ايه في بيتك؟"
ابتلعت ريقها مجفلة من اندفاعه الغير متوقع، وقد خشت نبرة صوته حقًا، فحاولت الرد بهدوء كي لا تخلق مجزرة على وشك الحدوث إن سمع “زين” منها ما لا يرضيه:
"مفيش حاجه.. هو مجاش أصلاً."
استمعت لصياحه بها مرة أخرى:
"متكدبيش، أنا متأكد انه كان عندك، هتخلصي وتقولي ولا اروح اسحله من بيته دلوقتي من غير حتى ماعرف عمل ايه."
حسناً هي ترى جانب في شخصيته لم تراه من قبل، ولم تتوقعه! ولكنها كانت محقة حين قررت عدم اخباره بما حدث، فأصرت على قرارها، واجابته ببعض الحقيقة وهي تخبره:
"تمام، هو فعلاً كان هنا، كان مستنيني على السلم، وأول ما شافني هددني ان دي اخر مره هيحذرني فيها، وقالي انه عارف ان مراته جاتلي هنا، وانها جت تحذرني منه، وقالي لو اتدخلت في الموضوع تاني بأي شكل مش هيحصل كويس.. بس كده، ممكن تهدى بقى!"
وهل سيهدأ وهو يسمع منها قدومه لها في دارها وتهديده السخيف ذاك! هل سيهدأ وهو يعلم أن أحدهم يطاردها وبث بعض الخوف في نفسها! لا لن يهدأ حتى يلقنه درسًا يجعله يتجنب رؤية ظلها حتى..
"تمام."
فقط! فقط هذا ما قاله قبل أن يغلق الخط في وجهها! ولكنها لم تهتم كثيرًا وهي تفكر فقط، في سبب انفعاله الزائد هذا! ومن أين علم وجود الوحش في منزلها؟ هل يراقبها؟ ولِمَ يفعل؟ بدت تشعر بتصرفات غير مفهومة من جهته، تصرفات لا تصدر سوى من شخص مهتم! ولِمَ يهتم لها؟ هل تعجبه أم تراوده مشاعر تجاهها؟!
زفرت أنفاسها بقوة وهي تستشعر ارتفاع وجيب قلبها وقالت:
"وبعدين بقى، بلاش افكر كده ليكون بيتعامل معايا عادي واكون وهمت نفسي على الفاضي."
وهكذا قررت بالفعل كي تنهي افكارها الغريبة التي بدأت تراودها..
***
فتحت عيناها للدنيا مرة أخرى وهي تشعر أنها حقًا قد عادت من الموت، التقطت أنفاسها المختنقة، واعتدلت في نومتها جالسة بعدما أبصرت “باهر” أمامها، نظرت له بتيه في بادئ الأمر حتى تذكرت ذلك الدخان الكثيف الذي قابلها فجأة حين فتحت باب غرفتها، كان كثيفًا لدرجة انها لم ترى أمامها وثواني ووجدت ذاتها غير قادرة على التقاط أنفاسها، شعرت بالاختناق، وكأن أحدهم يطبق على عنقها، مما جعلها تسقط فاقدة للوعي، وهي تشعر بأنها نهايتها..
تساقطت دموعها بخوف حقيقي حين عاد ذلك الشعور ليراودها مرة أخرى، وثواني وكانت تنساق لبكاء قوي أخرجت فيه كافة مشاعرها السلبية، وهو تركها لأنه يعلم حالتها الآن… حتى بدأت تهدأ فهتف برفق:
"هديتي شوية؟"
هزت رأسها بايجاب وهي تمسح دموعها، فسمعته يسألها باستفسار:
"ايه الي حصل؟"
ضمت شفتيها بأسف وهي تكبح بكاءها بينما تخبره:
"مخبرش.. انا فجأة شميت ريحة دخان، افتكرت اني كنت سايبة الطاسة على النار وفيها زيت بيسخن عشان اجلي بطاطس، جريت افتح الباب لجيت دخانه رهيبة جابلتني معرفتش اوصل للمطبخ اصلاً، واتخنجت فوجعت على الأرض."
هز رأسه بيأس منها وهو يردف:
"وبعدين يا فريال، انتِ مش ناوية تركزي شوية، من وأنتِ صغيرة وموضوع النسيان ده عندك مش طبيعي، مجرد ما بتنشغلي بحاجة تانية بتنسي الي كنتِ بتعمليه."
"اعمل ايه طيب هو بمزاجي!"
"ما أنتِ كده خطر تقعدي لوحدك."
أردف بجملته التقريريه وهو يفكر في حل لتلك المعضلة، حتى وجده أخيرًا، حين ضربت فكرة ما برأسه، فقال:
"تحبي تروحي تقعدي مع خديجة؟"
رفعت رأسها له على الفور تسأله بلهفة حقيقية:
"هو ينفع؟"
اومئ برأسه وهو يخبرها:
"ينفع، بس هيكون بعيد شوية عن الجامعة."
"مش مشكلة، بس انا هكون مرتاحة اكتر."
اومئ برأسه متفهمًا، فهو يعلم ارتباطها بخديجة، واشتياقها لها منذُ غابت عنهم، وبالأخير هي فتاة مثلها فسيكون التعامل بينهما اسهل على أي حال، وستستطيع المكوث معها بنفس المنزل:
"تمام، هكلمها اعرفها واشوف هتقول ايه؟"
"هي ممكن ترفض؟"
سألت بها “فريال” بجبين مقطب استغرابًا، واكملت حديثها متسائلة:
"هي زعلانة مني يا باهر؟ الي حوصل مكنش ليا دخل فيه، بس يمكن زعلانة مني عشان الي أمي سوته!"
نفى برأسه وهو يجيبها:
"لأ، ليه بتقولي كده! خديجة مبتاخدش حد بذنب حد، هي بس يمكن خافت تتواصل معاكِ ليعرفوا، وبقول هعرفها عشان طبيعي اعرفها الأول، اكيد مش هتطبي عليها فجأة كده."
لم تقتنع كليًا بحديثه لكنها قررت تمريره، فأومأت له برأسها بارهاق، فنهض هو قائلاً:
"هروح انام بقى، وبكره هجيب حد يدهن المطبخ الي باظ ده عشان صحاب الشقة ميكتشوفش الي حصل، تصبحي على خير."
"وأنتَ من أهل الخير."
رددتها وهي تنهض مغلقة الباب خلفه، ولم تعلم لِمَ لكنها شعرت برغبة ملحة لتحدثه.. هو زوجها، من لم يعاود مهاتفتها كما أخبرها! لكنها لم تهتم الآن، والتمست له ألف عذر، ورغم تخطي الساعة الثانية صباحًا، لكن رغبتها الملحة دفعتها لمهاتفته غير عابئة بالتوقيت، امسكت هاتفها وبتردد طفيف كانت تطلب رقمه، وفي الرنة الأخيرة بعد ان تملكها اليأس كان يجيب مكالمتها، ليشرق وجهها وهي تستمع لصوته، كان واضحًا من نبرته أنه كان نائمًا، فكان أول ما هتفت بهِ:
"أنا أسفة إني صحيتك."
اتاها صوته الاجش وهو يسألها:
"في حاچة حوصلت!؟"
شعرت انها قد تسرعت حقًا، فكان عليها الإنتظار للصباح حتى! لم يكن عليها الاتصال بمثل هذا الوقت، فقالت بارتباك:
"لا، خلاص كمل نومك."
انتفصت فجأة على نبرته الهادرة بها وهو يقول:
"ايه الهزار الماسخ ده! بتتصلي جرب الفجر وبعدين تجولي كمل نومك!"
ادمعت عيناها من حديثه وهي بالأساس لا تحتمل أي غضب منه، فيكفي ما عانته منذ قليل، وكي تتجنب غضبه قررت اخباره بالسبب الحقيقي لاتصالها، فقالت بنبرة مختنقة:
"أنا… أنا الشجة كانت بتولع بيا من شوية، ولولا باهر كسر الباب ودخلي مخبراش كان جرالي ايه، خصوصًا ان اغمى عليا من ريحة الدخان."
وياليتها لم تخبره فبكل برود كان يعقب على حديثها:
"زين، بتتصلي بيا دلوجتي ليه؟ مش هو لحجك وبجيتي زينة! هسوى ايه اني زيادة!"
"أسفة إني جلجتك."
واغلقت المكالمة، ليس لشيء، سوى لكي تنهار في البكاء، اوجعها رده، جعلها تشعر ان حياتها لا تفرق معاه في شيء، رده الذي لم تتوقع أن يكون قاسيًا هكذا! لجأت له لأنها شعرت أنها تريد طبطبته عليها بشكل او بآخر، شعرت أن مجرد الحديث معه سيبثها الأمان، لانها وللأسف ليس لديها أم كباقي الأمهات تخشى عليها ويهمها أمرها لتحدثها، بالعكس هي موقنة أن رد والدتها كان سيكون أقسى، لهذا لم تحاول محادثتها حتى.. وبين قسوة وأخرى تُدهس هي وسط إناس قاسية قلوبهم كقسوة الحجارة وأشد قسوة.. لم تمر عليهم المشاعر الإنسانية بكافة معانيها..
***
دلفت للمطعم بقلب يخفق وجلًا مما على وشك الحدوث، تعلم أن ذلك الهائج في مهاتفته معها أمس حين يرى جرح جبينها والملصق الذي وضعته لتخفيه، ستثور ثائرته، ربما السبب الرئيسي سيكون كونها كذبت عليه ولم تخبره بكل ما حدث، لم تخبره أن ذلك الحقير قد رفع يده عليها مثلاً! هل يجب أن تخشى رد فعله؟ لِمَ؟ هو لا يخصها بشيء! لكنها تفعل!!
بدلت ملابسها وخرجت من الغرفة الخاصة بالتبديل متجهة لمحلها كالسارقة تمامًا، تخشى أن يراها رغم معرفتها لحدوث ذلك بالتأكيد، وقفت تجهز لعملها، كانت مستديرة حين سمعت صوته من خلف ظهرها يهتف بنبرته المميزة:
"مساء الخير يا خديجة."
ارتفع وجيب قلبها، وشعرت بالدماء تموج في رأسها وهي تجيبه بتوتر دون أن تستدير:
"مساء النور."
عقد حاجبيهِ باستغراب لعدم استدارتها له، هل هي مشغولة فيما تفعله لهذه الدرجة!؟
"عاملة ايه دلوقتي؟"
وللمرة الثانية كانت تجيبه بنفس الوضعية:
"الحمد لله."
تحركت بخطواته مجتازًا القطعة الرخامية الكبيرة وقد تأكد بوجود خطب ما بها، وبعدما أصبح خلفها تمامًا كان يسألها:
"أنتِ بتكلميني بضهرك ليه؟"
توترت أكثر حين شعرت بهِ خلفها وسمعت صوته القريب، إذًا لا مفر، هكذا قالت لذاتها وهي تستسلم لتستدير له بثبات واهي:
"مفيش انا بس كنت…."
ارتدت للوراء بأعين متسعة حين رأت نظرته تلك… كانت نظرة سوداوية بحتة، لا يتخللها أدنى شعاع نور، نظرة تعبر عن كثير من الغضب والشر الذي انتباه فور وقعت عيناه على ضمادة جرحها، اصطدام ظهرها بالقطعة الرخامية خلفها هو ما اوقفها…
***
استيقظت “هاجر” من نومها على صوت رنين الهاتف، لتتأفأف بنزق فقد انهت عملها صباحًا وكانت تريد النوم حتى المساء دون أن يوقظها أحد، مدت ذراعها تلتقط الهاتف وقد نوت اغلاق المكالمة، لكن سرعان ما أفتر ثغرها عن ابتسامة محبة حين قرأت اسم المتصل والذي لم يكن سوى حرفان “Sh”، اجابت المكالمة وهي تردف بصوتٍ ناعم:
"صباح الخير."
اتاها الصوت على الجهة الأخرى:
"صباح الورد على عيون أجمل جوجو… بس احنا بقينا العصر."
اجابته مبتسمة:
"خلصت شغل الصبح، فنمت محستش بنفسي."
همهمة بسيطة ظهرت منه ثم سمعت صوته يقول بنبرته التي تذوب بها:
"وحشتيني."
اغمضت عيناها تستشعر حلاوة كلمته مع نبرته التي تدلف لاعماقها دون حاجز:
"وأنتَ كمان وحشتني اوي."
"هنتقابل امتى طيب؟ أنا مبقتش متحمل كل البُعد ده، احنا بقالنا ٣ شهور متقابلناش."
بدت نبرته نزِقة، وغير محتمل بُعد أكثر حقًا، مما جعلها تنصاع لرغبته وهي تخبره:
"خلاص يا حبيبي ايه رأيك نتقابل على ١ بليل كده."
"تمام، بس متتأخريش عشان مفتاح الشقة ضايع مني على ما اطلع نسخة."
ابتسمت بلطف وهي تخبره:
"عيوني، يلا بقى سبني اكمل نوم."
استمعت لرده العابث وهو يخبرها:
"هسيبك طبعًا، عشان تفوقيلي بليل، بقولك بقالنا ٣ شهور متقابلناش!"
ضحكت بدلال انثوي ازاد من اشتياقه وهي تقول:
"خلاص بقى.. فهمت على فكرة، يلا باي."
تنهيدة قوية صدرة منه تبعها بقوله:
"باي يا حبيبي."
اغلقت الهاتف لتتسطح بظهرها فوق الفراش وابتسامة واسعة تزين ثغرها وهي لا تصدق أنها ستجتمع بهِ أخيراً اليوم بعد ثلاثة أشهر من الاشتياق!
***
ابتلعت ريقها بوجل، وهي تتابع نظراته، ذكرتها بأحدهم! وهذا ما جعلها تغمض عيناها لوهلة لتزيل من ذاكرتها شبح تلك النظرات المماثلة التي تأتي لها من ماضي بعيد، وفي أثناء هذا وقبل أن تفتح عيناها كانت تشهق بخضه حين شعرت بأصابعه فوق جبهتها، فتحت عيناها وهي تحاول التراجع بنصف جسدها العلوي قدر الإمكان وتحرك رأسها بعيدًا عن مرمى يده بأعين متسعة، لكنه فاجئها حقًا بخطوته التالية حين أمسك بفكها بقوة ليثبتها وهو يهتف بنبرة خشتها:
"اثبتِ."
ولا تعلم كيف، لكنها ثبتت! ثبتت محلها كالتمثال تمامًا، وكأن كلمته اعطت الأمر لجسدها فورًا دون الرجوع لها.
خفتت انفاسها، بل في الثانية التالية كانت تحبس نفسها تمامًا، حين كان بهذا القرب، الفاصل بين وجهه ووجهها لا يتعدى العشر سنتيمترات! حتى كادت تشعر بقرب ملامسة أنفه لأنفها.
يتملكه طاقة غضب إن أذن لها بالخروج ستحرقها هي أولاً، فقط لانها كذبت عليهِ بالأمس حيال حقيقة ما حدث، لم تخبره أن ذلك اللعين قد ضربها، لو أخبرته لضاعف ما تلقاه على يده أمس، وهذا ما يشعره بضرورة زيارة أخرى له! بأصبعيهِ كان يزيل اللاصق الطبي الذي وضعته برفق ليتفحص جرحها، يعلم اهمالها جيدًا فأراد أن يطمئن على حالة الجرح لعلّه يستدعى رؤية طبيب، أزال اللاصق لتتجعد ملامحها قليلاً أثر نزعه، وظهر جرحها الذي لم يكن يستدعي رؤية طبيب لكنه لم يكن هين أيضًا فقد تورم المكان حول جرحها، ولم يأخذ الجرح مكانًا هينًا، حبس أنفاسه الحارقة في صدره وهو يسألها بخبرة:
"خبطك في الحيطة؟"
اتسعت عيناها ذهولاً فكيف تبين الأمر! تجاهلت ذهولها وهي تحاول شرح الأمر له:
"هو مكانش…"
ابتلعت باقي حديثها بشهقة حين تحرك كفه القابض على فكها ليقبض على كتفها بقوة آلمتها وهو يردد محذرًا:
"خديجة!"
وجدت ذاتها تومئ برأسها وقد خشت شره! خشت ما تراه في عينيهِ وقوته المباغته التي بدأ في استخدامها عليها! زفرة حارقة خرجت منهُ اصطدمت بوجهها قبل أن يسألها ثانيًة:
"عمل ايه تاني؟"
هزت رأسها بسرعة وهي تخبره بصدق:
"معملش والله…"
ثبت نظراته لنظراتها للحظات استشف فيها صدقها، ليخفف قبضته من عليها وتحتل عيناه نظرات غامضة، قبل أن يربط بكفه على كتفها برفق وهو يخبرها:
"اهدي."
وقد قالها بعد أن أصبحت أنفاسها متسارعة من كثرة الضغط الذي وضعها بهِ، رفع كفه الممسك باللاصق الطبي ووضعه على جبينها باهتمام ورفق، قبل أن يرحمها أخيرًا ويبتعد..!!!
سُلطت نظراتها على ظهره بينما يسير مبتعدًا، نظراته وقربه وحديثه واهتمامه، كل ما حدث منذُ قليل جعل شكها يبلغ العنان فوجدت ذاتها تقترب خطوتان قبل أن تهتف بصوت مرتفع بهِ اهتزاز واضح:
"مرااد.."
والزلة قد أتت منهُ حين توقفت خطواته عن السير وتجمد محله، لتتسع عيناها بفزع، ويغمض هو عيناه لاعنًا ذاته من بين أسنانه.. فكيف له أن يخطأ خطأ كهذا؟! هل كشف عن ذاته للتو بغبائه!!!!
رواية بك احيا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ناهد خالد
"المقتل الثاني"
"مابين الوقعة والنجدة لحظة تكن هي الفاصلة"
ابتلع ريقه بهدوء قبل أن يلتف لها بحاجبين مقطّبين وهو يهتف بجدية زائفة:
_ مين مراد؟ كان معاه؟
للتو عاد تنفسها إليها، للتو استطاعت أن تأخذ أنفاسها الذاهبة، زفرت نفسها بهدوء قبل أن تجيبه:
_ لا مش حد، أنا بس اتلخبطت كان قصدي أناديلك.
ابتسم لها باصطناع قبل أن يحرك رأسه بلا معنى، ويلتف ذاهبًا.
وعلى باب المطعم توقف حين استمع لصوت طارق من خلفه ينادي عليه، فالتف له بملامحه التي عاد الغضب إليها الآن ليحتل كل شبر بها.
ابتلع طارق ريقه بتوتر من ملامحه التي لا توحي بالخير أبدًا، واقترب منه حتى أصبح أمامه، فأردف بهدوء:
_ رايح فين بس يا باشا، مش كفاية اللي حضرتك عملته امبارح، احنا مش عايزين شوشرة أكتر من كده.
ابتسم مراد ابتسامة صفراء وهو يجيب باقتضاب:
_ لا ما هو اللي أنا عملته امبارح كان قبل ما أعرف اللي هو عمله بالضبط، ده له حساب وده له حساب تاني، وأنت عارف ما بحبش أبيت حساب حد عندي.
حاول طارق كبح انفعاله وهو يردف بضيق خفي:
_ هتعمل له إيه تاني؟ ما أنت كسرت رجله وشوهت معالم وشه، فيه ناقص حاجة ما عملتهاش ولا ناوي تقتله المرة دي يا باشا؟
جعد مراد ملامحه باشمئزاز وهو ينظر لطارق بجانب عينيه، مرددًا باستهزاء:
_ أنا بحس إن بعد كل الكلام اللي بتقوله في الأول ونبرتك دي، ماينفعش بعد كده ترجع تقول يا باشا.. يعني أنت اللي باشا.
تنحنح طارق بحرج مرددًا:
_ العفو يا باشا أكيد ما أقصدش، بس أنا خايف على سعادتك، مش حابب نعمل شوشرة هنا كمان والعين تبقى علينا وخصوصًا إنك مش حابب تظهر شخصيتك الحقيقية.
_ طارق أي كلام هتقوله وفره، عشان ما أمنوش فايدة، أنا قلت هيتأدب يبقى هيتأدب.
حاول طارق الحديث مرة أخرى، لكن نظرة واحدة من مراد كانت كافية لتجعله يصمت تمامًا، وتركه يذهب، فما باليد حيلة، وكان الله في عون ذلك الوحش!
***
دلفت للمطعم وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة، فأوقفتها خديجة وهي تسألها باستغراب:
_ مالك يا رنا؟ داخلة بتبرطمي ليه؟ وشكلك متضايقة، في حاجة حصلت في الطريق؟
أجابتها رنا بغيظ كان كافيًا لحرق ما حولها وهي تقول:
_ لا مش في الطريق، أم 44 اللي أنا ساكنة قصادها دي مش هترتاح غير لما أخنقها وأخلص منها، الولية دي ما بتتهدش، كل يوم نتخانق، وكل يوم أسمعها كلام زي السم في جنابها، إنها تتهد وتبعد عني أبداً وكأنها نحست، خلاص بقى كيف عندها إنها تتهزق مني كل يوم الصبح بتفور دم بنت الـ***.
هزت خديجة رأسها بيأس على مشاجرة رنا وجارتها التي لا تنفك عن حشر أنفها في حياة الأولى لتخبرها بمواساة:
_ معلش يا رنا، هدي نفسك شوية ووسعي خلقك، أنتِ كده ممكن بجد في خناقة تعملي فيها حاجة وتجيبي لنفسك مصيبة، يا ستي اعتبري نفسك مش سامعاها وخليها تقول اللي تقوله، يمكن لما تلاقيّك متجاهلاها تتهد شوية وتبعد عنك.
أجابتها رنا بضيق:
_ غصب عني، أنتِ ما بتسمعيش كلامها يا خديجة، بجد مستفزة، بتقعد تخبط بالكلام وتحسسني زي ما أكون فتاة ليل عايشة معاها في العمارة، حاطة نقرها من نقري، في الطلعة والنزلة أي حد داخل عندي، حد طالع من عندي بتشوفني، حتى لو داخلة لوحدي من غير أي سبب تلقح بالكلام وأنا أعصابي ما بتتحملش يا ستي.
اقتربت منها خديجة وهي تربت على ظهرها برفق:
_ معلش يا رنا، معلش حاول تتحملي وتهدي نفسك، ولو عرفتي تنقلي انقلي يبقى أحسن واهو تبعدي عنها.
نظرت لها بحزن حقيقي وهي تخبرها بابتسامة متألمة:
_ الفكرة مش في النقلان يا خديجة، والفكره مش بس في جارتي دي، أي مكان هروحه مجرد ما يعرفوا إن أنا مطلقة وعايشة لوحدي هتلاقي واحد واتنين وعشرة بيجيبوا في سيرتي، في الطلعة والنازلة هتلاقي ده بيبص بصة مش ماتعجبنيش وده بيلقح بكلمة ما أحبهاش، لو فضلت أهرب من كل مكان أروحه عشان حاجة قابلتني، يبقى مش هلاقي مكان أعيش فيه.
طالعتها خديجة بنظرتها الحزينة هي الأخرى وهي تسألها بتعجب مستنكرة:
_ للدرجادي؟!
تنهدت رنا بثقل وهي تجيبها:
_ آه للدرجادي، ما تعرفيش أنتِ نظرة المجتمع للست المطلقة، والأحسن ليكِ ماتعرفيهاش، يلا خلينا نبدأ شغلنا، هروح أغير هدومي.
تابعتها خديجة بنظراتها، وهي حقًا حزينة على حال تلك الفتاة التي ظنت عندما رأتها للوهلة الأولى أن حياتها خالية من أي مشاكل قد تقابلنا كبشر، لتتبين فيما بعد أنها ليست بأفضل حال منها!!
***
وهل ذهابه له بمفرده يعد جرأة أم تهور؟
في البداية يبدو وكأنه يحمل كلا الاحتمالين، ولكن الحقيقة أنه جرأة لمن يدرك مقدار قوته، وتهور لمن يشك بهذا.
ولأن مراد يدرك جيدًا ما هو قادر على فعله، فلم يكن ذهابه للوحش كما يُلقب، تهورًا ليس محسوبًا بل هي جرأة محسوبة، ولتأكيد الأمر فما يحدث الآن خير دليل أنه لا يندرج تحت بند التهور!
لولا تلك القماشة التي حُشرت عنوة في فمه، لاستمعت الحارة بأكملها لصوت صراخه الآن، ولكن الفضل يعود للقابع فوقه! ليس بأكمله ولكن بقدمه التي يضغط بها على ظهر الأول بقوة كادت تمنعه من التنفس، ويفعل به الأفاعيل..!!
وبعد أن انتهى من فقرة التعذيب التي أعدها للقابع أرضًا، انحنى نصف انحناءة وهو يهمس لذلك الذي يتلوى ألمًا، بملامح قاسية تدب الذعر في قلب كل من يراها:
_ امبارح أنا كسرتلك رجلك وعملت الصح في وشك، ما كنتش أعرف لسه اللي أنت عملته معاها، اللي حصل لك بقى دلوقتي حسابك على كل اللي أنت عملته امبارح، وصدقني لو بس لمحت ضلها وما مشيتش من الشارع التاني، المرة الجاية هاخد روحك وأنا ما بهددش أنا بعمل.. ونصيحة أخيرة مني، بلاش تتعامل معايا، أنتَ ما تعرفنيش.. ويوم ما هعرفك بيا اعرف إنها هتبقى آخر دقيقة في عمرك.
أنهى حديثه والتف خارجًا من المنزل بكل هدوء، كأنه لم يفعل شيئًا، تاركًا خلفه جثة على قيد الحياة…!!!
***
أواخر يناير لعام ٢٠١٩..
أسبوعان آخران مرا….
وإن كنت تريد التعرف على ما حدث فيهما لدى أبطالنا فلنبدأ أولاً ب… "مراد وخديجة"…
ما زالت العلاقة بينهما كما هي لم يحدث فيها تطورًا، ولكن مع مرور الأيام يزداد الشك بداخل خديجة ولا تعرف لِمَ أحيانًا تتساءل عن السبب الحقيقي وراء شكها.. لكنها لا تدري، تشعر وكأنه هناك شيء خفي بداخلها يهمس لها بأن الواقف أمامها ليس سوى شخصًا من الماضي، شخصًا تعرفه جيدًا وتدعو الله ألا يكون هو…
وعن مراد، فقد نجح في إخفاء ما فعله في ذلك الوحش، وحين سألته خديجة حين عاد يومها عن أين ذهب؟ أخبرها بكل هدوء وثقة أنه كان لديه عمل ما تذكره فذهب ليقضيه، وقتها لم تقتنع بإجابته، لكنها حين لم تسمع فيما بعد شيئًا يخص ذلك الرجل ولم يتعرض لها شعرت بصدق حديثه، أو ربما قررت تجاوز الأمر، على أي حال لم يحدث ما يثير شكوكها.
حدثها باهر منذ أيام عن أمر مكوث فريال معها بعدما أخبرها بما حدث في شقة الأخيرة، ولأن خديجة لم تخبره بحالتها المادية الحقيقية التي تعيشها، ولم ترد أن يعرف شيئًا عن سوء وضعها تحيرت في قبول فريال للعيش معها، ولكنها بعد يومين شعرت بسخافة فعلها، فعلى أي حال لا يجب أن ترفض مكوث صديقتها معها، لذا تحدثت شخصيًا مع فريال ودعتها للقدوم والعيش معها، فأخبرتها الأخرى أن تعطيها يومين حتى ترتب أشياءها مرة أخرى وتأتي إليها مع باهر، ومن المقرر أن تأتي فريال بعد الغد…
وعن فريال، فلم تستطع منع نفسها من محادثة إبراهيم مرة أخرى، رغم حزنها الشديد من طريقته في الحديث معها آخر مرة وعدم اهتمامه بها ولامبالاته التي أوجعت قلبها، وعلى أي حال فهي كانت تعلم جيدًا أنها إن لم تهاتفه فهو لن يفعل، لذا فلم تشأ أن تصنع فجوة بينهما، وللمرة التي لا تحسب لها عددًا تنازلت، وقررت هي محادثته، وكالعادة.. رده باردًا، غير مهتمًا، ومقتضبًا، وكأنه لا يريد تلك المحادثة وهي كالعادة تتجاهل..!!!
وعن باهر وجاسمين، فقد ظهر الحساب الشخصي لها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أمام باهر ذات ليلة، أو بمعنى أدق بحث هو عنه حتى وجده، فتصفحه ووجدها قد نشرت صورة لها من ذلك الحفل بذلك الفستان اللعين، وقد أظهر كل مفاتنها بلا استحياء، فلم يستطع منع ذاته من التعليق على تلك الصورة، ولأنه يعلم أن تعليقه لا يجب أن يراه العامة، فبعث لها على الرسائل الخاصة رسالة مختصرة كان مضمونها "على فكرة الفستان وحش والصورة وحشة" وتلك الرسالة جلبت مشاجرة كبيرة بينهما تلك الليلة.. استمرت لنصف ساعة تقريبًا حتى هدأت الأمور بالأخير، وقد اقتنعت جاسمين بحديثه، وأن تلك الصورة لا تبرز جمالها بل هي بالحقيقة تقلل منها وتجعل تفاصيل جسدها الخاصة متاحة للجميع كما أخبرها، وللعجب لم تعترف له بانها اقتنعت بحديثه، ولكن بعد دقائق كانت تمسح ذلك المنشور وازالت صورتها من على الحساب الخاص بها، وهو قد أرضاه ذلك بشكل أو بآخر فلم يهتم كونها لم تعترف بأحقيته في الحديث، فيكفي أنها قد اقتنعت وأخذت خطوة تثبت له اقتناعها بحديثه، ومن ذلك اليوم وتوالت الرسائل الشخصية بينهما بمبرر وبدون مبرر، حتى بدأ يحكي لها عن مسار يومه ومشاكل عمله، وتحكي له عن صديقاتها وروتينها اليومي وما إلى ذلك… ونشأت بينهما صداقة ما زالت تحبو حبوها الأول…
***
"محتاجة حد يفهمني ليه معظم الوقت وأنا واقفة قدام زين أو لما بيحصل موقف ما بينا بحس إن شايفه مراد قدامي، أنا يمكن ما أعرفش مراد وما شفتوش لما كبر ولا عارفة شخصيته بقت عاملة إزاي دلوقتي، بس الغريب إن أنا بشوف الطفل اللي عنده 13 سنة… بشوف نظراته.. بحس بيه، رغم إن أنا أصلاً في مواقف كتير قوي أنا ناسيّاه، يا دوب اللي فاكرة ما بيني وما بين مراد أربع، خمس مواقف هي كل اللي أنا فاكراهم من طفولتي معاه، ليه بشوفه في حد تاني؟ لما ناديت باسمه يومها كان جوايا يقين إن هو ده مراد، نظرتُه وقتها، طريقة كلامه، قربه مني، لمسته ليا، كل ده خلاني أحس إنه لأ مستحيل ما يكونش هو، لما وقف قلبي وقف معاه ما كنتش متخيلة لو فعلاً هو وقف عشان ناديته باسمه الحقيقي وطلع هو الشخص ده كان رد فعلي هيكون إيه.. ده أنا لمجرد إني تخيلت إن ممكن يكون هو حسيت إني مش قادرة آخد نفسي! أنا حيرانة وتايهة مش عارفة إيه اللي بيحصل حواليا؟ ومش عارفة ليه أنا بحس كده!؟ عندك تفسير يا دكتور؟!"
قالتها خديجة بحيرة حقيقية، وهي تنظر لكمال طبيبها النفسي والذي وضع نظارته جانبًا ممسدًا مقدمة أنفه بإصبعه قبل أن يجيبها على تساؤلاتها قائلًا:
_ أولاً حابب أقول لك إنك مانسيتيش مواقفك مع مراد، أنتِ اتناسيتِ يا خديجة، عقلك قصد إنه ينسى كل ذكرياتك معاه، ما عدا كام موقف كده هما اللي فضلوا في ذاكرتك ما قدرتيش تنسيهم، منهم يوم موت سارة، لو بطلتي تحملي مراد ذنب موت اختك هتلاقي نفسك بتفتكري كل ذكرياتك معاه.
_ مش عاوزة افتكر.. مش عاوزة افتكر أي حاجة بتربطني بيه، ولو أقدر أنسى الكام موقف اللي لسه فاكراهم هعمل كده.
قالتها بعداء واضح ليهز كمال رأسه يائسًا وهو يخبرها بثقة:
_ عرفتي بقى إنك مش ناسيه، أنتِ أجبرتِ عقلك إنه ينسى عشان أنتِ مش متقبلة أي موقف يجمعك بيه، زي ما قلتي.. ده مش موضوعنا دلوقتي ولا موضوعنا المهم هو زين وحكايته الأهم، أنتِ لسه بتشوفي سارة؟
أومأت برأسها بضعف وهي تخبره:
_ رغم إني بقيت باخد الأدوية.
_ خديجة أنا ما قلتلكيش إن الدوا هو اللي هيخليكِ ما تشوفيهاش تاني، مش الدوا لوحده هو اللي هيساعدك، الأهم هو اللي أنا طلبته منك قبل كده، إنك تقنعي نفسك إنك مالكيش ذنب في موت سارة، قدرتي تعملي ده؟
هزت رأسها نافية بإرهاق وأجابته:
_ للأسف لأ، حاولت.. حاولت كتير بس ما قدرتش، فيه صوت في دماغي دايمًا بيقطع محاولاتي دي، ويقولي إن مهما عملت مش هقدر أكفر عن ذنبي في اللي عملته، مش هقدر أريح ضميري ناحيتها.
أخبرها كمال بجدية بحتة:
_ خديجة أنتِ عمرك ما هتقدري تسامحي نفسك، ولا هتعرفي تقنعي نفسك إنك مالكيش ذنب غير لما تعملي حاجة الأول.
نظرت له بلهفة وهي تسأله:
_ حاجة إيه؟
اخترقها بنظراته وهو يجيبها بثبات:
_ لازم الأول تقتنعي إن مراد ما كانش يقصد يقتل سارة وتسامحيه، لازم كل الحقد والغضب اللي جواكِ ناحيته يختفي، بل بالعكس وتحني لطفولتك مع أكتر شخص كان قريب منك.. مع صديقك الوحيد!
انتفضت واقفة وهي تلتقط حقيبتها وقالت ببرود، قبل أن تختفي من أمامه:
_ أعتقد يا دكتور إنك عارف كويس إن اللي بتقوله مستحيل.. أنا عندي أعيش عمري كله بشبح سارة ولا إني أسامح الشخص اللي دمر حياتي وحياة أختي، هنتظر بره عشان أقفل العيادة.
***
أغلقت العيادة وسارت في طريقها للعودة لمنزلها حتى وصلت أخيرًا مقررة أخذ حمامًا دافئًا ليزيل عنها تيبس عضلات جسدها من البرد أولاً، ومن أفكارها التي ستهلكها ثانيًا..
فتحت باب الشقة وهي تعلم جيدًا أن شقيقها ليس موجودًا الآن فحتمًا لم يعد بعد من دروسه، كادت أن تغلق الباب خلفها، ولكنها شهقت بفزع حين وجدت الباب يرتد ليفتح على مصراعيهِ وترى ذلك الوحش البشري أمامها بمظهر لا يدل أبدًا على أن القادم خيرًا.
كان مظهره مثيرًا لكثير من التساؤلات، ملامح وجهه مشوهة فعليًا ما بين ندوب، وآثار لكدمات قديمة قليلاً، وما بين جرح غائر يأتي من أسفل أذنه لمنتصف وجنته، ولم يغفل عنها عرجه بسيطة في قدمه حين تقدم مغلقًا الباب خلفه، ومن صدمتها لم تصرخ على الحال بل صرخت بعد أن أغلق الباب وقد سمحت له في خلال تلك الثواني أن يقترب منها مكممًا فمها بكفه، ليمنع صوتها من الخروج، شد وجذب استمر لفترة ليست هينة بينهما لا تدري ما أراده وما نوى فعله، لكنها تدري أنه لم يرد خيرًا، ولم يرد حتى الحديث كالمرة الأخيرة، أو حتى تهديدها كما فعل، يبدو أن الأمر هذه المرة أكبر وأعنف، استمعت لهمسة وهي تحاول التخلص من قبضته وهو يخبرها:
_ ورحمة أبويا وأمي، لا أحسر عليكِ زي ما حسرني على رجلي ووشي، وهطلع على جثتك كل اللي هو عمله فيا، واضح إنك غالية قوي عند البيه لدرجة إنه يعمل كل ده عشان بس خبطت راسك في الحيطة، تمام.. خلينا نشوف بقى هيعمل إيه لما….
قطع حديثه وهو يمرر نظراته القذرة على جسدها لتتسع عيناها ذعرًا وهي تدرك مقصده، قلبها كاد أن يتوقف، وهو يكمل:
_ الحقيقة كنت جاي أشوه وشك، أو حتى أكسر عضمك زي ما عمل فيا، بس أنا شايف إنه في حاجات تانية ممكن تتعمل وهتبقى أحسن بكتير.. ما تقلقيش كده كده بعد اللي هعمله لا هو ولا الجن الأزرق هيعرف مكاني، شكل البيه بتاعك ده واصل.. مش حتة عيل شغال في مطعم زي ما هو واضح، ومش فارق معايا أعرف هو مين ولا حكايته إيه.. اللي فارق معايا إني أعرفه أنا مين.. معلش بقى يا حلوة إن كنتِ جيتي في الرجلين بس هي الدنيا كده ناس بتخلص ذنب ناس.
لقد أدركت الآن نيته وما نوى فعله، ولأن غريزتنا كإناث تكمن في الدفاع عن شرفنا لآخر نفس بنا هذا ما أكسبها قوة مضاعفة لتحاول الفكاك منه، وقد نجحت حين رفعت قدمها بغتة راكلته في أسفل بطنه ليتأوه بعنف مرتداً للخلف، ولأنه كان يسد طريق خروجها من الشقة لم تستطع الوصول للباب، ولسوء حظها وقبل أن تأخذ أي خطوة كان يعتدل واقفًا مرة أخرى متجهًا ناحيتها، فأجبرها على التراجع والدلوف لما خلفها والذي لم يكن سوى المطبخ!
فركضت سريعًا إليهِ وقد شعرت حينها بأنها وقعت في فخ أحمق صنعته بنفسها! فإن كانت قد ركضت إلى أحد الغرف لاستطاعت بسهولة أن تصرخ بعلو صوتها من أحد النوافذ ليأتي الجيران لنجدتها، ولكن الآن فقد فقدت فرصتها في النجدة بأحد فإن حدث ما حدث في ذلك المطبخ لن يسمعها أحد من الخارج مهما حاولت، لذا وبأقل من ثوانٍ كانت تفكر في الحل دون تردد ولو للحظة…
وبالخارج ابتسم بشر حين رآها بحماقة تتجه لذلك المطبخ المغلق، ولقد أعطت له فرصة على طبق من ذهب، فاتجه لباب المطبخ بكل ثقة متأكدًا من تحقيق غايته… خطوة والثانية كان يتخطاها بها باب المطبخ.. ليصرخ حين شعر بشيء حاد يخترق صدره ولم يكن هذا الشيء سوى سكينًا تحملها خديجة بيدها طعنته به في صدره بكل غل وحقد ودفاع عن ذاتها…
سقط هو أرضًا غارقًا بدمائه، وارتدت هي للخلف ناظرة للسكين الذي بيدها وهو يقطر دمًا ينسال على طول ذراعها…
رواية بك احيا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ناهد خالد
"أنانيًا"
لحظة الإدراك هي اللحظة الأخطر على عقلك، حين يبدأ في استيعاب ما غاب عنه للحظات، يكن بين الصدمة والزعر، فيسقط صريعًا بينهما، لولا عناية الله، لفقد الكثير منا عقله في تلك لحظات الإدراك العصيبة التي مرت بهِ.
وأتت لحظة الإدراك لها الآن، وهي تستوعب أنها طعنت بشرًا! طعنته في منتصف صدره دون تردد، مندفعة بتمسكها بشرفها. ارتعشت كفها الحاملة للسكين وهي تقترب منهُ في صدمة تامة مسيطرة عليها. انحنت فوقه وكل ذرة بها ترتعش متفحصة نبضه، وقد لقت ما خشته. لم تشعر بنبضة واحدة حتى. ذهب نبضه وذهب تنفسها معه. اتعشت بشدة واقعة أرضًا بجواره، ولم تستطع فعل أي شيء. لدقائق لم تحسب لها عددًا. وبالأخير اقتحم الصمت دلوفه من باب الشقة. لم تنتبه له حتى وهي تنظر للجثة القابعة أمامها بصمت مخيف.
أخبره رجله الذي كلفه بمراقبة بيتها بدلوف ذلك المخنث للبيت. وفقط مسافة وصوله من المطعم لبيتها، الأمر لم يأخذ دقيقة ربما، فقد قطع المسافة ركضًا وهي قريبة بالأساس. وقف يلتقط أنفاسه الهادرة بعنف وهو لا يصدق أن تلك المدة القصيرة أحدثت كارثة كهذه. دقيقة واحدة جعلتها تقتله! إذًا لقد حاول إيذاءها فور دلوفه.. ويستحق ما لاقاه على يدها.. يبدو أن فتاته الصغيرة تعلمت كيف تدافع عن ذاتها أخيرًا..!!
اقترب منها بخطوات ثابتة غير مبالية بالراقد غارقًا في دمائه. انحنى عليها يأخذ السكين من بين يدها، لتنتفض مستوعبة وجوده. نظرت له بتيه، ليخبرها بلطف:
"متخافيش."
وهل هذه كلمة مناسبة لموقف كهذه! يخبرها ألا تخاف وهي للتو قتلت أحدًا ودمائه لم تجف على كفها بعد!
"أنا… هو.."
حاولت قول جملة مفيدة لكنها فشلت، ليقترب منها يفعل ما يشعر بهِ الآن، ألا وهو عناقها… وبمعنى أدق احتوائها. وبالفعل طوقها بين ذراعيهِ، وفي خضم تشتتها تعلقت بشدة في أحضانه وهي تشهق ببكاء اندفع فجأه خارجة عن حالتها الصامتة. شدد من احتضانها وهو يهمس في أذنها بنبرته المألوفة لها:
"اهدي يا ديجا."
شهقت شهقة قوية شعر فيها بخروج روحه معها لينحني مقبلاً رأسها يدعمها، فاستمع لها تقول بينما تدفن رأسها في صدره، وتخرج منها الكلمات بلا وعي:
"هو.. هو الي كان هيأذيني.. هو السبب.. انا.. انا كنت بدافع عن حقي.. كنت بدافع عن نفسي يا مراد، انتَ قولتلي مسيبش حقي صح؟"
حُبست أنفاسه في صدره وهو يستمع لإسمه من بين شفتيها، لأول مرة تهتف باسمه وهي تعنيه، تقصده هو بشخصه، توجه حديثها ل "مراد" وليس ل "زين"، تحتمي ب "مراد"، تذكره بما قاله لها في الماضي حين أخبرها مرارًا ألا تترك أحد يؤذيها، ألا تتنازل عن حقها. كل هذا كان أكبر من أن يستوعبه قلبه دفعة واحدة، ناهيك عن وجودها بهذا القرب، بين أحضانه، رأسها تستند على قلبه تمامًا. حاول تجميع شتات نفسه للتخلص من ذلك الذي يبدو أن روحه قد فارقت جسده، وقال لها بمهاودة:
"صح يا حبيبتي، قومي معايا يلا."
أنهى جملته وقد نهض بها عن الأرضية ولكن قدميها لا تحملها حرفيًا، فانحنى هو يضع ذراعه أسفل ركبتيها ورفعها بكل سهولة حاملاً إياها وكأنها فراشة. دلف بها للغرفة التي قابلته ووضعها فوق الفراش وهي مازالت ممسكة بهِ بشدة، لا تريده أن يتركها في خضم ذعرها هذا. وبصعوبة كان يسلت نفسه منها بعدما همس لها:
"هرجعلك، خليكِ هنا متخافيش محدش يقدر يقربلك طول مانا هنا."
وطواعيةً كانت تتركه مُفلته يدها الممسكة بقميصه، لينسحب للخارج. واغمضت هي عيناها محاولة تخطي الصدمة او على الأحرى الهرب منها…!
وبالخارج وقف أمام الجثة بابتسامة متشفية. على أي حال إن لم تفعلها هي وتقتله لكان فعلها هو، والنتيجة واحدة، بل والآن الوضع بات أفضل وسيسهل له أمورًا كثيرة فيما بعد! اقترب من المثجي أمامه وانحنى هاتفًا بغضب عاد إليه في هذه اللحظة:
"رحمتك مني بقتلها ليك… رغم إني مش طايقك بس مانكرش إنك هتفيدني كتير."
في ظرف دقائق كان قد طلب رجله الواقف بالأسفل ليأخذ الجثه ويتصرف بها كما يجب. والآخر قام بدوره باتقان حين لفَ الجثة في أحد الأفرشة واستطاع بحنكته واعتياده على مِثل هذه الأمور أن يخرج بها من البيت دون أن يلفت الأنظار. وكانت السيارة قد اصطفها أمام الباب تمامًا. وبالأعلى…
بمهارة واتقان كان قد محى أي أثر للجريمة، حتى سكين الجريمة لفه في كيس بلاستيكي محكم الغلق ووضعها في ظهره بين حزام بنطاله وجسده. ودلف لها مرة أخرى..
ابتسم باتساع وقد رأى ما توقعه، لقد هربت للنوم كعادتها، مازالت كما هي تمامًا، لم يغيرها شيء، وهذا ما جعل ابتسامته تتسع وهو يشعر أن تلك العشر سنوات التي مرت في الحقيقة لم تمر. يشعر بهذا مع كل مرة يرى فيها لمحات من طفلته المفقودة. اقترب منها جالسًا أمامها فوق الفراش يتابع ملامحها بشغف. هذا أجمل منظر قد يراه بلا مبالغة، يكفيه أن تطل عيناه عليها. ولكنه الآن يطمع في المزيد، فما المانع من عناقها! أو التمدد بجوارها! ليس هناك مانع بناءً على معتقداته، لذا وبدون تردد كان ينوي فِعل ما أراده، ولكن ما إن تحرك حتى فتحت هي عيناها بذعر منتفضة من نومتها، كأنها رأت كابوسًا. أمسكها من ذراعيها وهو يهدأها:
"اهدي يا ديجا، مفيش حاجة خلاص."
نظرت له تستنجد بهِ بنظراتها:
"أنا قتلته.. مراد أنا قتلت واحد صح؟ أنا ازاي عملت كده!؟"
وآهٍ من "مراد" التي تنطقها بكل أريحية هكذا، تجعله يذوب حين يسمعها، رغم تأزم الموقف. امسك كفيها بين كفيهِ مرددًا بهدوء تام وكأنها لم تقتل بشرًا للتو:
"عشان ده الصح، عشان لو مكنتيش قتلتيه كان هيأذيكِ، مش هو كان جاي يقتلك؟"
نفت برأسها بقوة وهي تخبره ببكاء بدأت بهِ مرة أخرى، ومن بين شهقاتها كانت تجيبه:
"لأ، مكانش.. جاي يقتلني..هو..هو.."
لم تستطع المواصلة لكنها احتضنت نفسها بذراعيها تلقائيًا فأوشت له بما تعرضت له. طحن أسنانه حتى كاد يكسرها محاولاً كبح لجام غضبه الحارق. زفر أنفاسه بتروي كطريقة منه لتهدئة ذاته، قبل أن يقول مبتسمًا:
"شوفتي يعني كان هيأذيكِ، وأنا قولتلك قبل كده اوعي تسيبي حقك واللي يأذيكِ قيراط أأذيه ٢٤ حتى لو كان ابوكِ نفسه.."
أغمضت عيناها لتنهمر دموعها بغزارة تِباعًا، فمد أصابعه يزيلها بلطف بالغ، وقال بحدة طفيفة:
"بطلي عياط يا ديجا، قولتلك أنتِ عملتي الصح، اهدي بقى ومتندميش إنك قتلتيه."
فتحت عيناها وكادت تتحدث له لكنها توقفت وهي ترى شبحها خلفه. اتسعت عيناها وهي تسمعها تقول بنظرات متشفية وابتسامة مقيتة:
"قتلتيه يا خديجة! بقيتِ قاتلة زيك زيه!"
وهذه المرة وهي بهذه الحالة لم تستطع تجاهلها، لتنطق بوهن مدافعة عن ذاتها:
"كنت بحمي نفسي، انا مقتلتوش من غير سبب."
ظنها تحادثه فأجاب وهو يهز رأسه بتأكيد:
"بالضبط يا حبيبتي، ده الي لازم تقنعي عقلك بيه."
"برافو يا خديجة بقيتِ قاتلة زيه! دلوقتي بقى تقدري تسامحيه، كده كده بقيتوا شبه بعض."
فقدت أعصابها فهاجت وهي تهتف بها بصراخ:
"قولتِلك كنت بدافع عن نفسي، أنتِ ليه دايمًا بتشيليني الذنب.. ليه بتحمليني ذنب حاجات مليش ذنب فيها!"
انتبه الآن أنها لا تنظر له! هي تنظر لشيء ما خلفه. التف للخلف ولم يجد أحد، فعاد إليها ليجد انظارها مثبتة على نقطة فارغة. لم يفهم ما بها، لكنه ارجع الأمر أنها لربما فقدت أعصابها مما هي فيه، فاقترب منها يحدثها بحنو وهو يجذب وجهها تجاه لتنظر له وبالفعل فعلت:
"ديجا، انتِ أعصابك تعبانة لازم تنامي تريحي شوية، اوك؟"
أومأت برأسها بضعف، لتتسطح فوق الفراش المتهالك مرة أخرى، وجذب هو فوقها الغطاء وما كاد يبتعد حتى أمسكت كفه بذعر وهي تردد برجاء ظهر واضحًا في مقلتيها:
"متسبنيش يا مراد."
جملتها هذه التي أحيت قلبه بلا مبالغة، وهل له أن يتركها أساسًا!؟ لكن أن تطلبها هي شعور مميز للغاية كان بحاجة إليهِ، وفي الوضع الطبيعي أي شخص آخر لكان اسند حديثها الآن لحالتها الغير طبيعية، فهي لا تشعر بما تقوله او بما تفعله، وخير دليل على هذا أنها تدعوه "مراد" بتلك الأريحية! ولكنه هو الأكثر دراية بهذه الحالة، حالة الذعر والخوف تلك هي الأصدق على الإطلاق، فكل ما تتفوه بهِ الآن لا يمر على عقلها، بل يخرج من خضم مشاعرها وقلبها للسانها مباشرةً، لذا فهي الأصدق! وربما هذا ما يسعده ويؤجج مشاعره بالراحة.
جلس جوارها ممسكًا بكفها بقوة وهو يخبرها بكل ثقة:
"عمري في حياتي ما هسيبك يا ديجا، حتى لو أنتِ الي طلبتِ ده."
أغمضت عيناها براحة وكأنها التمست أمانها المفقود..
***
كان يسير في طرقات المستشفى متابعًا عمله قبل أن يتوقف فجأة وهو يراها تخرج من أحد الجوانب. عقد حاجبيهِ مستغربًا وجودها هنا، وهي لم تنتبه له فكادت تكمل سيرها للخارج إلا أنها توقفت حين استمعت لصوته يناديها. التفت له بملامح جامدة، استغربها، ولكنه ابتسم ابتسامة صغيرة وقد وقف أمامها مرددًا:
"ايه ده بتعملي ايه هنا؟"
أجابته بنفس ملامحه الواجمة:
"كنت عند مريضة بزورها."
وبغرابة كان يعقب:
"بس مقولتليش إنك جاية؟ بعدين مريضة قريبتك؟"
لم يبدو أن مزاجها جيد، فاجابته بضيق:
"معتقدش اني ملزمة اقولك!"
استغرب هجومها ليخبرها بهدوء حذِر:
"مقولتش إنك ملزمة! بس كنا بنتكلم الصبح ومقولتيش إنك جاية كنت قابلتك."
مسدت جبينها بكفها بتعب وهي تقول:
"سوري يا باهر انا بس مش في المود، يلا باي."
انهت جملتها ناوية الذهاب لكنه شعر بأنها ليست على ما يرام فوقف أمامها بحذر كي لا يلامسها وهو يوقفها:
"استني بس، أنا حاسس إنك مش كويسة.. مالك يا جاسمين؟"
اخفضت نظرها للأرضية وقد ادمعت عيناها بشدة ولكنها تصنعت الابتسام وهي تخبره دون ان تنظر له:
"مفيش حاجة، بقولك ايه لو فاضي تعالى اعزمك على الغدا."
رفعه حاجبه باستنكار وهو يدرك محاولتها للهرب من الحديث، وهو لم يرد الضغط عليها، فسار مع تيار حديثها وهو يخبرها ساخرًا:
"أنتِ الي تعزميني؟"
رفعت عيناها له وقد نجحت في محو دموعها اللامعة من مقلتيها وعادت بسمتها وهي تخبره:
"جنتل بقى وكده! خلاص يلا اعزمني أنتَ، بس مترجعش تشتكي من الحساب."
ابتسم لها براحة:
"ياستي اطلبي براحتك، هضيع مرتب الشهر ولا يهمك، هغير بس هدومي واجيلك.. معايا ساعة بريك عشان النهاردة هاخد النبطشية ل ١٠ بليل…"
"مش المفروض بتخلص ٦ المغرب!"
"لا ما الدكتور هيتأخر النهاردة لظروف خاصه فهستمر ل١٠، دقايق وهرجعلك."
أومأت برأسها وذهب هو بعيدًا ليغير ثيابه، بينما وقفت هي وقد طفرت الدموع في عيناها مرة أخرى. الأمر فوق طاقة تحملها لكنها تلتزم الصمود ليس لأجلها بل لأجل عائلتها.. والدها، ووالدتها، حتمًا سيتأذون بشدة إذا علموا مصابها، وهي لن تسمح أن يعيشوا اوقات عصيبة هكذا، يكفي هي ما تعيشه لمدة سنة وستة اشهر للآن!
***
فاقت بعد نصف ساعة فقط لتجد نفسها بمفردها. وفجأة ضرب بعقلها ماحدث، لتخرج مهرولة من الغرفة وهي تتوقع رؤية الجثة بالخارج لكنها توقفت محلها بصدمة وهي ترى الشقة كما كانت وكأن شيئًا لم يكن، حتى أنها شكت في كونها قد توهمت ما حدث. وقفت ضائعة ما بين التصديق وعدمه، هل كل ما رأته كابوسًا! أم خيالها المريض تدهور لهذا الحد؟ "زين" هو الفاصل بين الحقيقة والخيال. اتجهت لهاتفها فورًا تلتقطه من حقيبتها وهي تطلب رقمه. مع كل جرس يصدح في أذنها كانت أعصابها تُهلك، حتى أجاب أخيرًا:
"زين!"
قالت اسمه بهمس خائف، ليجيبها هو متفهمًا أن خوفها وترددها مما حدث:
"متخافيش يا خديجة، أنا اتصرفت في الجثة ومحدش هيعرف حاجه عنها، ده سر هيدفن بيني وبينك متقلقيش…"
هوت جالسة ارضًا وسقط الهاتف من يدها، واعصابها في حالة تشنج تام. دموعها هي ما تعبر عن شعورها، وهي تسمع همس "سارة" في أذنها وهي تكرر عليها:
"بقيتِ قاتلة خديجة… بقيتِ مجرمة خلاص!"
ظل الوضع هكذا لدقائق طويلة قبل أن تجهش في بكاء مرير وهي تردد بدون وعي:
"مكانش قصدي.. مكانش قصدي.."
***
اغلق المكالمة معها وجلس يفكر في حالتها الآن. لابد أنها مذعورة، وفي حالة صدمة مما ارتكبته، ولربما أو بالتأكيد سيعود لها ذكريات الماضي. مسد وجهه بكفه بسأم من الوضع برِمته، وعقله يحدثه أنه استغل الأمر لصالحه، ولربما يُعد هذا تصرفًا أنانيًا. نهض مطفأً لفافة تبغه، ووقف أمام الشرفة بصدره العاري مرددًا بشرود بينما ينظر للخارج:
"مكانش ينفع الموضوع يخلص غير كده، مكانش ينفع اضيع فرصة جاتلي على طبق من دهب زي دي. لو كنت بلغت الشرطة كانت هتخرج منها بسهولة وهيكون واضح أنها حالة دفاع عن النفس، بس أنا مكنتش هستفيد حاجة، لكن دلوقتي الي حصل هيقربنا من بعض…"
تخيلها أمامه ليبتسم لها بيأس وهو يخبرها:
"مكانش قدامي حل تاني، مسبتليش خيار تاني يا خديجة، أنتِ قافلة كل الطرق بينا.. دلوقتي هكون بالنسبالك بطلك الي انقذك من جريمة قتل واتستر على جريمتك معاكِ. وحتى بعد كده لما تعرفي إني مراد، مش هتقدري تتهميني إني قتلت اختك، لأن زي ماقتلتِ واحد عشان تدافعي عن نفسك وأنتِ مش قاصدة تقتليه، أنا كمان قتلتها عشان ادافع عنك… بس الفرق…"
لمعت عيناه بنظرات غامضة، مليئة بالشر، وعيناه الخضراء الممزوجة بالرمادية حال لونها للأخضر الداكن المخيف، وهو يردد بابتسامة عابثة:
"اني كنت كده كده هقتلها حتى لو موقعتكيش يومها…!!!!!!"
رواية بك احيا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ناهد خالد
"حاسة سادسة!"
جالسة أمامه في ذلك المطعم الراقي الذي أتيا إليه لتناول الطعام. شحوبها وتبدل حالتها المزاجية على عكس المعتاد هو ما دفع فضوله للتحرك، متسائلاً عن سبب حالتها هذه. ولعلَّ علاقتهما التي توطدت قليلاً في الفترة الأخيرة هي ما أعطته الجرأة لسؤالها عن ما أصابها، فلم يمنع لسانه من السؤال وهو يسألها:
– أنتِ كويسه؟ حاسس في حاجة قالبة مودك، وبعدين مش حاسس إنك كنتِ في المستشفى بتزوري مريضة.
رفعت عيناها عن طبقها الذي كانت تعبث به، ونظرت له لدقيقة تقريبًا بلا أي حديث، حتى أن نظراتها أربكته. بدت شاردة بنظراتها لحظة وتفكر لحظة أخرى، ولا يعلم أكان سؤاله يستحق كل هذا التفكير؟ كاد يسحب سؤاله شاعرًا بتسرعه في طرحه، علّها لا تريد إخباره، فلِمَ تطفل لهذا الحد؟!
لكنها أوقفته وهي تقول بنبرة هادئة تمامًا وكأنها لا تلقي على مسامعه خبرًا فاجعًا الآن!
– أنا عندي الحاسة السادسة.
نظر لها لثوانٍ وكأنه يستشف إن كانت تمزح أم تتكلم بجدية! وصمود ملامحها وثبات نظراتها أكدا له أنها لا تمزح، ولكن لِمَ يجعلها هذا واجمة لهذا الحد؟! استند بمرفقيه على الطاولة أمامها وهو يعقب باستغراب:
– لو بتتكلمي جد، ليه مضايقة! دول بيقولوا الحاسة السادسة دي هبة من ربنا!
هزت رأسها باستنكار وهي تخفض عيناها لوهلة تستعيد ثباتها، قبل أن ترفع رأسها له وهي تخبره بنبرة بدت سخريتها:
– دي لو زي مانتَ فاهم، قولي تسمع إيه عنها؟
تنحنح واعتدل في جلسته حين وصلت إليه سخريتها التي شعر بأنها تخفي ألمًا ما خلفها، فتحدث بجدية أكثر وهو يخبرها:
– الموضوع له علاقة بالطب النفسي أكتر، بس أنا سمعت عنه أيام الكلية. هي ممكن تبدو للبعض خرافة، لكن هي واقع بيحصل مع بعض الناس، وهي إنهم بيشوفوا الحاجة قبل ما تحصل، أو بيحسوا بيها، تنبؤ يعني سواء كان بدليل زي حلم أو رسالة من أشخاص مجهولة، أو من غير دليل زي مجرد إحساس. والموضوع كان غريب بالنسبالي لدرجة إني بحثت عنه وقتها وحبيت أعرف رأي الدين فيه كمان، وعرفت إنه هبة من ربنا، ومش حرام مادام الإنسان مسعاش ليها زي حوار الروحانيات والكلام ده. وحصلت مع واحد صاحبي مرة، حلم إن أخته حامل رغم إن الدكاترة أكدوا إنها مستحيل تخلف، وفعلاً بعد يومين عرفوا إنها حامل وكانت معجزة وقتها، فعشان كده مستغرب ضيقك للدرجادي.
لم تعقب على استغرابه وهي تخبره بابتسامة مُرهقة:
– أنا مكنتش بزور مريض في المستشفى، أنا كنت بزور ميت في المشرحة.
عقد ما بين حاجبيه باندهاش وهو يسألها:
– قريبك؟
التواء ساخر ظهر من جانب فمها وهي تجيبه:
– ولا عمري قابلته تخيل!
بدى الأمر محيرًا له، وبدت هناك ألغاز حول الأمر، فتعاظم اهتمامه وهو يخبرها بجهل:
– مش فاهم.
أغمضت عيناها تتنفس باختناق، محاولة الهدوء، الذي لم يأتي لها، بل بالعكس فقد انتابتها رغبة عارمة في البكاء، ولم تستطع كبحها، فكانت بدايتها شهقة فاجأته وبعدها رأى سيل من الدموع يغطي وجنتيها قبل أن ترفع كفيها لتحجب عنه رؤية وجهها بأكمله منتحبة في صوتٍ منخفضٍ، أربكه بكاؤها ولم يعرف ما عليه فعله، سوى أنه حاول تهدئتها ببعض الكلمات الواهية، وهو يتململ في جلسته بغير راحة وكأنه يمنع ذاته من النهوض ومواساتها بالطريقة التي تناسب الموقف.
– ممكن تهدي طيب، وأيًا كانت مشكلتك أكيد لها حل، وأنا هساعدك تلاقي الحل ده، بس اهدي وفهميني.
وهل ستتحكم في بكائها من بضع كلمات؟ أخذ الأمر منها دقائق تحت نظراته الحزينة عليها وعجزه عن تهدئتها، حتى أزالت كفيها أخيرًا وهي تمسح دموعها جيدًا كأنه لا يعرف أنها كانت تبكي! التقطت أنفاسها وهي تتجنب النظر إليه، فنظرت لكفيها اللتان تتفحصهما بتوتر، وهي تسرد على مسامعه قصتها التي اكتشفت أنها مأساوية قبل ساعات قليلة:
– من لما كان عندي 15 سنة وأنا بحلم بأحلام غريبة، ناس معرفهمش ولا عمري شوفتهم بشوفهم في حلمي بيحصلهم حوادث وحشة، ولأني معرفهمش مهتمتش، وعمري ما فكرت أبحث عن الموضوع أو أشغل دماغي بيه، كنت بعتبرها مجرد كوابيس ملازماني، ورغم إنها كانت بترهقني لكني اتعودت عليها مؤخرًا من كتر ما بقت تزورني، يمكن مبشوفهاش بشكل يومي، بس غالبًا مبيعديش شهر من غير ما أحلم بكابوس منهم، وأوقات كنت بحلم بيهم مرتين في الأسبوع، كل ده كان عادي، وممكن يحصل لناس كتير، لحد أول امبارح…
التقطت أنفاسها مرة أخرى، قبل أن تطفو الدموع في مقلتيها، وبدأ كفيها في الارتعاش وهي ترفع نظرها له مُكملة بشفاه مهزوزة:
– من كام يوم حلمت بشخص عمري ما شوفته بيعدي الطريق وبتخبطه عربية وبيموت، حلمت بكل تفاصيل الحادثة لحد ما اتنقل للمستشفى والدكاترة قاله إنه كويس ومات بعدها فجأة، وكالعادة مهتمتش للحلم، رغمه إنه دايمًا بيكون في ترتيب أحداث غريب، والاغرب إنها بتفتكره، بفتكره بكل تفصيلة فيه. أول امبارح كنت رايحة النادي، وأنا في الطريق العربية اللي جنبي خبطت واحد كان بيعدي فجأة، وقفت طبعًا ونزلت أشوف حصله إيه، ووقتها اتفاجأت بأنه نفس الشخص اللي شوفته في حلمي. رجلي خدتني وراه لحد المستشفى.. كل اللي شوفته في حلمي حصل بالضبط، حتى والدته اللي شوفتها في الحلم جت وأنا في المستشفى. الدكتور بعد شوية قال إنه كويس مجرد رضوض وكدمات وكسر في رجله مش أكتر. مشيت وأنا مرعوبة، لأني شوفت ده في حلمي، وشوفت بعدها الدكتور واقف جنبه والممرضة بتقوله "إزاي مات يا دكتور ده حالته كانت كويسة" عشان كده اترعبت لده كمان يتحقق. سِبت رقمي لموظفة الاستقبال وقولتلها إنه قريبي وتبقى تبلغني لو حصل حاجة..
سقطت دموعها ولم تخفيها هذه المرة، بل انتحبت بقوة وهي تكمل سرد باقي قصتها من بين شهقاتها وقد تفاعلت يدها مع سردها للأحداث:
– كلمتني من شوية… وقالتلي إنه مات. حسيت إني اتشليت لما عرفت الخبر، فضلت شوية مش مستوعبة اللي بيحصل، وبعدها جريت… على المستشفى، وسمعت نفس الجملة والدكتور والممرضة واقفين قدام المشرحة… عشان يسلموا جثته لأهله. سألت الدكتور عن سبب الوفاة، قالي مفيش سبب واضح، بس اشتباه في وجود نزيف داخلي مظهرش في الأشعات. خرجت من هناك وأنا مش شايفة قدامي ومش فاهمة تفسير للي بيحصل… سألت عن دكتور نفسي ودلوني على دكتور… كان في جلسة مع مريض، استأذنت وقاطعت جلسته وحكيتله اللي حصلي، وهو اللي قالي عن الحاسة السادسة.. أو اللي بيسموها في الطب النفسي الحدس، وقالي إن ممكن كل اللي شوفته قبل كده.. اتحقق هو كمان بس أنا معرفتش.
التقط كوب ماء يناوله لها وهو يحدثها بشفقة:
– أهدي يا جاسمين، خدي نفسك واشربي، حالتك دي غلط وممكن تدخلك في مشاكل نفسية سيئة.
التقطت منه الكوب بكف مرتعش، وشهقاتها لم تهدأ بعد، ارتشفت القليل منه، ووضعته جانبًا وهي تكمل حديثها بعدم تصديق بدأ يعود لها مرة أخرى:
– أنتَ متخيل أنا شوفت كام واحد بيموت، طيب سيبك من دي، تخيل شوفت كام واحد بيتقتل وكان ممكن ألحقه بس بغبائي اتجاهلت الموضوع.
عقد ما بين حاجبيه بغرابة وهو يسألها:
– أنتِ تعرفي أماكنهم؟
هزت رأسها نافية، وهي تمسح دموعها بكفها، ليبتسم على تفكيرها المضطرب وهو يخبرها:
– كنتِ هتنقذيهم إزاي؟
رفعت منكبيها بجهل وهي تجيبه:
– مش عارفة بس حاسة إن كان المفروض أعمل حاجة، وخايفة أوي إن أشوف اللي بحلم بيهم من هنا ورايح، هيبقى الموضوع صعب أوي عليا.
حاول ممازحتها ليصرف تفكيرها عن الأمر كارهًا رؤيتها في هذا الحزن، فقال بفكاهة زائفة أدركتها هي لكنها قررت تخطيها ومجاراته، ربما لأنها كرهت أن تبدو في موقفها هذا الذي يظهر ضعفها أكثر:
– تفائلي خير إن شاء الله ده مش هيحصل، وبعدين متركزيش مع الموضوع عشان متتعبيش، ويلا بقى أكل لاحسن خلاص بطني بتصوت وذنبها في رقبتك.
هزت رأسها له بابتسامة باهتة دون حديث آخر، ولكن عقلها لم يتوقف عن التفكير في الأمر رغم محاولاته لصرف ذهنها عنه.
***
في عصر اليوم التالي…
كان عليها أن تذهب لعملها رغم كل شيء، ليلة أمس كانت من أسوأ الليالي التي مرت عليها بعد ليلة مقتل “سارة”، وربما تأتي هي في الصدارة من حيث الأكثر سوءً، فعلى الأقل هي لم تقتل سارة فعليًا، هي فقط شاركت في قتلها، بالصمت والتستر، ولكن هذه المرة هي قتلت فعليًا، وربما وقتها كانت أصغر سنًا وإدراكًا للموقف، لكن ما حدث بالأمس مختلف تمامًا. لا تعلم كيف مر عليها الليل، ولا تعرف متى ارتدت ثيابها وأتت للعيادة تباشر عملها. رفعت هاتفها لترى رقمه يزين شاشته للمرة التي لم تحسبها، فهو يهاتفها منذُ أمس، وهي لا تجيبه، ليست مستعدة لمواجهة الشخص الذي شهد على جريمتها ولا تعلم كيف جاء لمنزلها ولم تهتم بمعرفة السبب حتى. خرجت من شرودها على صوت الطبيب بجوارها وهو يقول:
– إيه يا خديجة لسه قاعدة ليه؟
نهضت وهي تجيبه بتوتر:
– لا مفيش، هلم حاجتي أهو.
طالعها بتفحص ثاقب وهو يسألها:
– أنتِ كويسه؟
فتحت فاهها ناوية إخباره بما حدث وقد شعرت برغبتها بهذا، ولكنها تراجعت في آخر لحظة مستشعرة خطورة الأمر فقالت:
– لا، أنا كويسه.
هز “كمال” رأسه يائسًا منها وهو يذكرها بحديثه محذرًا:
– خديجة، افتكري إني قولتلك الكذب مش هيوصلك لحاجة، ومش هيحل الأزمة، بالعكس هيعقدها، وأنا دكتورك يعني مينفعش تخبي عليَّ أو تكدبي.
وحديثه أفاقها بالفعل، وأشعرها بخطئها الذي ترتكبه لثاني مرة، فقالت بتنهيدة حائرة:
– أنا مش كويسه، وفي حاجة حصلت معايا بس… مش جاهزة أقولها دلوقتي.
ابتسم لها بهدوء وقد سعد بنجاح حديثه معها:
– خدي وقتك، وأنا مستنيكي تيجي تحكيلي، يلا قفلي العيادة وامشي.
أومأت موافقة وهي تتابع ذهابه بتفكير، هل عليها أن تخبره وتطلب مساعدته لتخطي الواقعة؟ وهل يستطيع مساعدتها بالفعل؟ أ سيعيد قتيلها للحياة! أم سيخفف شعورها بالذنب؟ جلست خلف المكتب ووضعت وجهها بين كفيها بتعب وعقلها يكاد ينفجر من الحيرة والتفكير… والتشتت.
***
مساءً….
لم تأتي للمطعم اليوم ولا تجيب على هاتفه، لكنه علم بذهابها للعيادة، إذًا لِمَ لا تجيب اتصالاته ولم تأتي للعمل بالمطعم؟ أم أنها تقصد التهرب منه؟ لِمَ؟ أليس من المفترض أن يكون أقرب لها بعد ما حدث بالأمس؟ أم أتى بنتيجة عكسية؟ لكنه على أي حال لن يسمح لها بالبعد، ولن يسمح بوقوع النتيجة العكسية. زفر أنفاسه باختناق بعدما تعالى رنين هاتفه مرة أخرى برقم “طارق”، تجاهله لأول مرة لعدم رغبته في الحديث مع أحد الآن وهو بهذه الحالة العصبية، لكنه لم يستطع تجاهله للمرة الثانية، وأجابه بضيق ظهر في نبرته:
– خير؟
أتاه الرد على الجهة الأخرى، ليستمع له بهدوء زائف قبل أن يهتف معقبًا بعصبية:
– يعني محصلش كارثة ولا الدنيا اتهدت! أنت عارف إني مبحبش الزن، جرالك إيه يا طارق؟ رنيت مرة مردتش خلصنا.
– أنا آسف يا باشا والله أنا بس…
لم يدعه يكمل حديثه ليغلق المكالمة والقى بالهاتف فوق الفراش بعصبية، واتجه لجزئه الخاص بمشروبه المفضل، تناول أحد الكؤوس الفارغة وصب فيه بعض المشروب من الزجاجة ذات المظهر الفاخر، رفع الكأس ليتناوله دفعة واحدة قبل أن يضعه مرة أخرى وهو يغمغم بأنفاس حارقة:
– ماشي يا خديجة… أما أشوف آخرتها معاكِ.
اتجه لمفاتيح سيارته وباقي أغراضه يجمعهم على عجالة قبل أن يتجه للخارج بخطوات مسرعة قاصدًا وجهة معينة..
***
حاولت أن تبدو طبيعية وهي تستقبل ابنة عمتها التي جاءت في الموعد المحدد كما اتفقا سلفًا، وانقضت الجلسة على خير لحدًا ما رغم شعور “باهر” بشيء ما ليس جيد بها. “باهر” الذي تفاجأ من الشقة القاطنة بها ومدى تدهور حالتها، لم يعلق على ما رآه أمامهم رغم ظهور هذا جليًا على صفحة وجهه، والتقطته “خديجة” بسهولة لكنها اصطنعت عدم الملاحظة، حتى انقضت الجلسة أخيرًا، وما كادت تلتقط أنفاسها براحة، حتى حُبست تلك الأنفاس وهي تسمع لصوت “باهر” يحدثها بوعيد خفي:
– خديجة تعالي وصليني لتحت عشان تقوليلي أخرج منين.
هزت رأسها طواعية مجبرة، وهي تقوده بخطواتها للأسفل، وتستعد بداخلها للمواجهة التي لم تكن بعيدة أبدًا، فبمجرد وصولهما لمدخل البيت، حتى أوقفها بحديثه:
– مكنتش أعرف إنك كدابة هايلة كده.
رفعت رأسها بتعب وهي تلتف له، حقًا ليست حمل أي عتاب أو لوم، ففيها ما يكفيها ويفيض، تحدثت بهدوء تحاول شرح الوضع له:
– باهر، اللي أنتَ شوفته ده مكانش ينفع أحكي عنه لأي حد مهما كان مين، أنا أبويا الله يرحمه، في عز ما كنا بنبقى محتاجين عمره ما اشتكى ولا بيّن حاجته لحد، حتى لأخوه، وأنا طلعت له في الموضوع ده، مقدرش أبين حاجتي لحد ويعطف عليَّ.
أغاظته بحديثها فانفعل عليها وهو يشيح بيده في غضب:
– أنتِ عبيطة يا به؟ عطف إيه وزفت إيه! أنا ابن عمك، يعني مش واحد غريب عشان أعطف عليك، ده حقك عليَّ إنك لما تكوني في ضيقة أكون جنبك، أومال اسمنا قرايب إزاي؟ ولا هي القرابة عندك لها مفهوم تاني!
مسحت جبينها بتعب واضح وهي تخبره بمهاودة:
– أنتَ صح، عمومًا خلاص أنا دلوقتي فعلاً معايا فلوس ودخلي زاد، تعال بعد شهر وشوف الشقة دي هتبقى مليانة عفش إزاي.
رفع جانب فمه ساخرًا وهو يعقب:
– مش هستنى شهر يا حلوة، بكرة الصبح هتيجي معايا نشتري عفش للبيت بدل الكراكيب اللي عندك دي.
رفعت حاجبها برفض تام وهي تقول:
– لا طبعًا، وبعدين كراكيب إيه! أنا العفش اللي عندي حلو، هو بس ناقص شوية.
اشمأز بملامحه وهو يسخر منها:
– عفش! هو فين العفش ده عشان مشوفتهوش.
لم تهتم لسخريته وهي تخبره بضيق:
– باهر، مفيش داعي تتعب نفسك، أنا هدبر أموري.
– بس يا به.
أردف بها متحركًا وهو ينوي الذهاب ليغضبها عدم اهتمامه لحديثها فأمسكت ذراعه توقفه لتخبره بإصرارها على رفضها لتدخله، لكنها توقفت وهي تستمع لصوت مألوف يقول:
– مساء الخير.
شخصت ببصرها تجاه الصوت لتجده واقفًا أمام مدخل البيت، وعيناه ليست معها، بل هي مثبتة تمامًا فوق كفها الممسك بذراع “باهر”، وكرد فعل تلقائي كانت تفلت ذراعه من قبضتها وهي تهمس بقلق من ظهوره في هذا الوقت بعد أن تعمدت تجاهل مكالماته:
– زين!
***
قبعت بين أحضانه براحة وسعادة فهي لا تصدق أنها تراه مرتان في نفس الأسبوع، تمرمغت في أحضانه أكثر كقطة لطيفة تأخذ حنانًا من صاحبها، ليضع لفافة تبغه جانبًا وهو يضحك بخفوت على تصرفاتها مردفًا:
– إيه يا جوجو أنتِ وخداكِ العاطفة ولا إيه؟
رفعت رأسها وهي مازالت على صدره تسأله برفعة حاجب:
– عندك مانع؟
رفع كفه مستسلمًا يخبرها:
– أبدًا يا كبير، بالعكس ياريت أوحشك كده على طول.
اعتدلت في جلستها وهي تنظر له بأعين تنضح عشقًا مردفة بصدق:
– أنتَ بتوحشني وأنتَ معايا، عشان ببقى عارفة إنك هتغيب عن عيني فترة بعدها.
رفع كفه يمسد خصلاتها وهو يقول مبتسمًا:
– كله هيتحل يا روحي، ياما دقت على الراس طبول يا جوجو مالك كده!
امسكت كفه بين كفها وهي تخبره بنظرة حزينة:
– المرة دي أنتَ معايا والبعد تاعبني، وخايفة.. خايفة أوي ليحصل حاجة ويكتشفوا اللي بينا.
اعتدل في جلسته وجذبها لأحضانه يطوقها بحنو، بينما قبل رأسها وهو يخبرها بنبرته التي تبعث السكينة لنفسها الثائرة:
– هاجر خلي عندك إيمان إننا مش هنفترق أبدًا، وخليكِ واثقة إن حبنا أقوى من أي وحش ممكن نقابله.
أغمضت عيناها وابتسمت بحالمية وهي تقول:
– نفسي يكون عندي بيبي منك، امتى هنقدر نعيش حياتنا زي الناس بجد.
ضمها لصدره أكثر وهو يقول بتنهيدة حملت الكثير:
– إحنا اللي اخترنا يا هاجر، ده كان اختيارنا من البداية، والغلط مش في اختيارنا، الغلط في حبنا لبعض وأنتِ عارفة ده، مكانش لازم نحب بعض للدرجادي، مكانش لازم تبقى العلاقة دي بينا أصلًا!
أغمضت عيناها بتألم، وهي توقن واقعية حديثه وهمست:
– عارفة..!!!
شدد عليها بين أحضانه وهو يخبرها بنبرة عاشقة بهذه المرأة منذُ أن وقع نظره عليها من عامان:
– أنا بحبك يا هاجر وعمري ما حبيت ولا هحب غيرك، وواثق إننا هنحقق كل اللي بنحلم بيه في يوم.
شعر بابتسامة ثغرها الملاصق لصدره قبل أن يسمع صوتها المتأثر بدفئ مشاعرها:
– وأنا بعشقك يا طارق..
رواية بك احيا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ناهد خالد
لم يعتاد يومًا التحكم في ذاته كما يفعل الآن. لو كان الأمر مختلفًا، لاختلف رد فعله أيضًا. لو فقط كانت تعلم بهويته وأحقيته بها، لآراها الآن كيف تضع يدها على جسد آخر. ضم قبضته بقوة، مخفيًا إياها وراء ظهره، يحاول إخراج غضبه بتلك القبضة، أو ربما هي وسيلة ليتحكم في ذلك الغضب كي لا يظهر أمامهم الآن. ابتسم بالكاد وهو يهتف بنبرة هادئة كالصقيع:
مساء الخير.
شخصت ببصرها تجاه الصوت لتجده واقفًا أمام مدخل البيت. عيناه ليست معها، بل هي مثبتة تمامًا فوق كفها الممسك بذراع باهر. وكرد فعل تلقائي، كانت تفلت ذراعه من قبضتها وهي تهمس بقلق من ظهوره في هذا الوقت بعد أن تعمدت تجاهل مكالماته:
زين!
قطب باهر حاجبيهِ جهلاً بهوية من يقف أمامه، خاصًة وأنها تعرفه. فقد استمع لهمسها جيدًا. ليتحرك لسانه يسأله وهو يقترب منه خطوتين:
مساء النور، مين حضرتك؟
أو له الحق في التساؤل عنه؟ أيقربها لهذه الدرجة؟ ولِمَ لا وقد كانت تتمسك بذراعه منذُ ثواني! ضغط على نواجزه بغضب يعصف بصدره قبل أن يجيب الواقف أمامه:
أنا زين، زميل الآنسة خديجة في الشغل.
ازدادت تقطيبة حاجبيهِ وهو يسأله باستغراب أكثر:
أيوه وزميلها تيجي البيت ليه؟
هنا ولم يستطع التحكم في ذاته أكثر. هل كان ولي أمرها ليقف أمامه يستجوبه بهذا الشكل؟ فاطلق العنان لذاته وهو يردف بنبرة هادئة تسبق عاصفة غضبه:
وحضرتك مين عشان تسأل؟
ما هذا التبجح؟ هذا أول شيء جاء لعقله من رد هذا الغريب الذي استفزه بشدة. وما كاد يجيبه بحدة، حتى تدخلت خديجة تنهي سوء الفِهم بينهما حين شعرت بقرب تعقد الأمر:
ده باهر ابن عمي، وده زين زميلي في الشغل زي ما قالك يا باهر.
باهر! ليته لم يعرف هويته لكان أرحم مما شعر بهِ الآن. أهذا الذي كانت تحدثه وهي تضحك وتدلله بـ “بهبوري” كما دعته حينها! أهذا هو ذلك السِمج الذي تمنى لو يقابله فيخنقه بيده جراء علاقته الغير ملتزمة بأي حدود مع فتاته! تفاقم غضبه، وازداد حنقه حيال الواقف أمامه. لقد كانت تمسك بذراعه منذُ قليل، ويترجل من شقتها، وغيرت طريقتها معه في الهاتف، كل هذا جعله يشك في علاقتهما. هل يمكن أن تكون علاقة من نوع خاص! لقد سمع عن هذا الباهر منذُ عرف بمكانها، وسمع عن علاقته بها، ولكن وعلى أي حال، ومهما كانت شكل علاقتهما فلا يهمه، فالحقيقة هو من سيحدد شكل هذه العلاقة لا أحد غيره، هو من سيضع الحدود التي نسيا أن يضعها. فليتركوا له هذه المهمة بكل رحب وسعة. استمع لصوت باهر وهو يتسائل بفظاظة:
أيوه حضرتك ما جاوبتشنيش، جاي لها البيت ليه؟
اعتقد هي عارفة. قالها بعبث وهو يوجه نظراته لتلك التي انتفضت ذعرًا وقد أدركت مقصده تمامًا، فاسرعت تنهي اللقاء وهي تدفع بجسد باهر للأمام وهي تخبره:
يلا يا باهر هتتأخر، مش قلت عندك شغل.
حاول التوقف والتحرر من دفعها له وهو يقول بنزق:
مش لما اعرف عاوز ايه الأول، في ايه يا خديجة اصبري يا بنتي!
تنحى مراد جانبًا وهو يبتسم بتشفٍ والأخرى تدفعه خارج مدخل المنزل بهذا الشكل، ولكنه لم يفته كفها الذي يدفع ظهر الآخر، فأمسك برسغها يوقفها وهو يهمس بصوت وصل لمسامعها هي فقط:
هو عارف طريق الباب.
وترك رسغها محذرًا إياها بعيناه من التمادي. اتسعت عيناها ذهولاً وهي ترى جرأته ليلمسها بهذا الشكل، لكنها فاقت من صدمتها على صوت باهر الذي أصبح خارج المنزل الآن وهو يقول بعدم رضا:
خديجة أنا مش ماشي غير لما اعرف بيعمل إيه هنا ده، بعدين إزاي أسيبك معاه وأمشي أنتِ اتجننتِ!
جن أما يلغلطك. همس بها مراد بداخله ناقمًا على هذا السِمج سليط اللسان. ورفع صوته تاليًا يخبره بابتسامة بدت مهذبة:
أستاذ بهير، مفيش داعي للقلق ده، أنا بس هبلغها حاجة عن الشغل وأمشي، اتفضل أنتَ عشان متتعطلش.
بهير! رددها باهر بضيق وهو ينظر له وقد بدأ غضبه يتصاعد تجاه هذا الشخص ذو الابتسامة المستفزة. وأردف بنبرة ضائقة:
باهر يا أستاذ، اسمك إيه أنتَ، ثم مين قالك همشي وأسيبها معاك؟
زين، شكلك بتنسى باين، معلش معذور باين إنك دخلت في التلاتين تقريبًا! وفي ناس بتجيلها الأعراض دي في السن ده.
رغم كلماته التي تصرخ بالاستفزاز والوقاحة، إلا أن ملامحه الهادئة ونبرته الأهدأ وبسمته المزينة لثغره توهمك بأنه لا يقصد إهانة! ولكن باهر لم يستطع التحكم في غضبه من كلماته المستفزة. وما كاد يدفع خديجة دالفًا للداخل مرة أخرى يواجه المستفز بارد الأعصاب حتى سبقته خديجة وهي تخبره بهمس:
يا باهر عشان خاطري امشي، والله ما تقلق، هو بس هيعرفني حاجة عن الشغل ويمشي.
رفع صوته وهو يهدر بها:
بطلي تقولي امشي، أنتِ شايفاني بقرون؟ والله ما همشي غير لما يمشي الأول.
وقفت حائرة بينهما، تعلم أن زين أتى ليتحدث معها في أمر جريمتهما، ولا يجب التحدث أمام باهر على أي حال، لذا عادت بنظرها لزين الذي رفع حاجبيهِ إليها بعبث وهو يخبرها بمكر:
خليه عادي.
رفعت حاجبها الأيسر له بنزق، وتوعدته بسرها وهي تعود بنظرها ل باهر وتخبره بترجي:
خلاص هنتكلم وانت واقف، بس ممكن نتكلم بعيد شوية، أصل.. أصله هو غشيم شوية في كلامه وأخاف يقولي حاجة كده ولا كده تمسكوا في بعض وانتوا أصلاً شكلكم مش طايقين بعض.
وهو بيكلمك وحش ليه؟ غشيم على نفسه.
ماهو أصل أنا بقالي يومين ما روحتش الشغل وهو رئيسي في الشغل.
هو زميلك ولا رئيسك ولا إيه، مبقتش فاهمكوا.
رددها باهر ساخرًا، لتبتلع ريقها بتوتر وهي تجيبه كاذبة:
لا، هو زميلي أه، بس أقدم مني وكده فيعتبر مسؤول عن شغلي.
طالعها بضيق لثوانٍ رافضًا رغبتها، ولكنه أسفل رغبتها الملحة وترجيها الظاهر في عينيها كان يقول:
ماشي، خمس دقايق مش أكتر وأنا واقف أهو.
أومأت برأسها موافقة بلهفة، وهي تلتف متجهة ل مراد الذي نظر ل باهر الذي اتخذ باب المدخل مسندًا له وهو يعقد ذراعيهِ أمام صدره معبرًا عن عدم تحركه انشًا واحدًا، ليرفع جانب فمه ساخرًا واشاح بنظره عنه مثبتًا اياه على خديجة الواقفة أمامه ليبتسم لها بغضب دون حديث، فباشرت هي وهي تسأله:
أنتَ جاي ليه؟
التمعت عيناه بالغضب وهو يسألها:
وأنتِ مبترديش على مكالماتي ليه؟
اتسعت عيناها من جرأته الغريبة عليها لتهتف بنزق:
وأنا مش مجبرة أرد! افرض مش عاوزة أرد أنا حرة، بس ده ما يخليكش تيجي البيت!
قلقت عليكِ، خصوصًا إنك مجتيش الشغل، خوفت تكوني تعبتي بعد اللي حصل وقولت لازم آجي أطمن عليكِ.
قال ما قاله برفق جعل غضبها يتبخر بلحظات، بل واصابها التوتر الذي أشعل وجنتيها بالحمرة، وهي ترى نظراته الخاصة التي تشعرها وكأنها شيئًا مهمًا له، فاخفضت نظرها عنه وهي تسأله خجلًا:
خوفت عليَّ ليه؟
أتته فرصته على طبق من ذهب، وهو خير من يستغل الفرص، فلم يتوانى عن استغلال هذه الفرصة وهو يخبرها بصدق ونبرة أذابتها:
عشان في مشاعر جوايا ليكِ بتكبر كل يوم عن التاني، مسألتش نفسك ليه مهتم بيكِ كده؟ ليه غضبت يوم ما عرفت إن الحيوان اللي مات اتعرضلك؟ ولا ليه ساعدتك تخلصي منه؟ محدش هيعمل كل ده من فراغ يا خديجة، أنا عملت كل ده عشان مشاعري اللي بتحركني ليكِ، خوفي عليكِ هو اللي خلاني مستعد حتى أشيل جريمته بس أنتِ متتأذيش.
رفعت نظرها له بوجهها المشتعل بالحُمرة، تشعر بحرارة قاتلة تغزو كل شبر في جسدها. لم تتعرض لموقف كهذا من قبل. قضمت شفتيها بتوتر وهي تعدل حجابها، لا تدرك ما يجب عليها قوله في هذا الموقف. وأدرك هو حيرتها وخجلها، فابتسم بهدوء مقررًا رحمة خجلها:
على فكرة أنا كنت عاوز أعترفلك من فترة بس مجاتش مناسبة.
تلفت حوله ليطالع المكان ساخرًا ثم قال باستنكار جعلها تضحك بخفة:
فملقتش أنسب من بير السلم عشان أعترفلك فيه.
تنحنحت بارتباك وهي تسأله متحاشية النظر له:
بس.. يعني أكيد ما كنتش بترن عليا وجاي هنا عشان كده.
رفع منكبيهِ وهو يجيبها:
قولتلك كنت جاي أطمن عليكِ.
مش هنخلص بقى ولا إيه؟
هدر بها باهر بضيق من طول مدة حديثهما، ليناظره مراد بتحدي قبل أن يتجه إليه يقف أمامه وجهًا لوجه وهو يخبره بتحدي وابتسامته المستفزة عادت لتزين ثغره:
أستاذ باهر، أنا عارف إن المكان مش مناسب، بس أنا حابب آخد معاد عشان أتقدم للآنسة خديجة.
شهقة منخفضة صدرت منها وهي تضع كفها فوق فمها غير مصدقة لعرضه الذي ظهر الآن فجأة! متى اعترف بمشاعره تجاهها ومتى طلب زواجها؟
***
بعد ثلاث ساعات…
في ميناء الإسكندرية تراصت السفن الحاملة للصناديق الضخمة التي تخص الشحنة الجديدة لهم. اقترب مراد وهو يدخن سيجاره بكبرياء شامخ. تحرك بخطواته الثابتة حتى وقف أمام من نزل من السفينة، كان رجلاً يرتدي بدلة وقبعة كلاسيكية، يبدو عليه الترف. اقترب من مراد وهو يهتف بلكنة إيطالية:
مرحبا سنيور ابرام.
هز مراد رأسه بهدوء وهو يجيب تحيته:
مرحبا سنيور ماركوس، هل كل شيء جاهز؟
أومأ ماركوس وهو يخبره بهدوء:
نعم، هل المال جاهز؟
وهل تسألني حقًا؟ وكأنك تتعامل معي للمرة الأولى!
أردف بها مراد ساخرًا، ليتنحنح ماركوس مجيبًا:
عذرًا، ولكن أتيت لأسلم الشحنة لسنيور فكتوار ولست أنتَ.
كاد أن يجيبه لينتبه لسيارتين تأتيان خلف بعضهما، فالتوى فمه ساخرًا وهو يقول:
ها قد وصل.
وبالفعل توقفت السيارة ليترجل منها دياب ورجاله ومن ضمنهم هاجر التي ألقتهما بنظرة غاضبة، قبل أن تتبعه. اقترب دياب منهم ليهتف بنبرة غاضبة موجهًا حديثه ل مراد:
أنتَ إيه اللي جابك هنا؟
التفت له يحدقه بنظرته القاتمة وهو يجيبه:
نفس اللي جاب جنابك.
هو الباشا من إمتى بيجمعكم في مهمة واحدة؟
أردفت بها هاجر ساخرة، ليلقيها مراد بنظرة متهكمة قائلاً:
ابقي روحي اسأليه، بعدين ما تعلم رجالتك ميتكلموش في وجودك، ولا أنتَ قائد على ماتفرج!
ضغط دياب على أسنانه غاضبًا، وهكذا فعلت هاجر الذي شعرت بالغضب من أسلوبه المتهكم معها ونعته لفظ “رجال” عليها. ونظرت ل طارق الواقف خلفه بنظرة غاضبة، فحرك الآخر عينيهِ بعيدًا عنها غاضبًا من الموقف برمته.
صدح صوت مراد يحدث ماركوس:
أنا المسؤول عن إتمام الشحنة سنيور ماركوس، وحقيقًة لا أعلم ما هو الدور الخفي للسيد فكتوار.
كانت جملته الأخيرة تحمل سخرية واضحة، جعلت دياب يزمجر بغضب وهو يهتف:
أتيت بأمر من الزعيم، لأتفق مع سنيور ماركوس على شحنة جديدة.
قطب ماركوس حاجبيهِ مستغربًا:
ولكن لمَ لم يكلف سنيور ابرام بالأمر؟ بما أنه هنا بالفعل ليستلم مني البضاعة.
لمعت عينا دياب بمكر وهو يجيبه:
سنيور ابرام لا يكن طرفًا في مثل هذه الصفقات، لديهِ معتقدات خاصة.
احتل الغضب الجحيمي وجه مراد وهو يردد من بين أسنانه:
تجارة أعضاء.
القى دياب نظره جانبية له قبل أن يشيح بنظره بلامبالاة، فكور مراد قبضته هادرًا ب طارق:
طارق أمن على البضاعة، خلينا نخفى من هنا.
تحرك طارق فورًا ينفذ الأمر، ومراد بالكاد يقف متحكمًا في أعصابه. دقائق وعاد طارق برجاله هاتفًا باختصار:
تمام.
هات الفلوس.
أمره مراد ليشير طارق لرِجاله فتحركوا على الفور يضعوا أربع حقائب سفر كبيرة ممتلئة أمام قدم قائدهم. وانحنى أحدهم يتولى فتح الحقائب لتظهر الأموال متراصة بالداخل، فهز ماركوس رأسه راضيًا وهو يهتف:
عهدتك أمينًا سنيور ابرام.
حرك مراد رأسه باهتمام وتحرك الرجال ينقلون البضاعة للسيارات الكبيرة. وما إن انتهوا حتى تحرك مراد واقفًا بجوار دياب يهمس له:
احتفل بآخر صفقة هتعملها في الو**** دي عشان مش هتتكرر تاني، وبكرة تقول مراد باشا قال.
انفجر صدر دياب غضبًا من حديثه المقلل من شأنه، ليردف بنبرة كالفحيح وهو يميل على مراد أكثر:
معتقداتك معقدة زيك، السلاح والدعا*رة وتجارة المخدرات والأعضاء كلها واحدة يا… يا باشا، مفيش حاجة اسمها بعمل ده ومعملش ده، ولو طبلت على دماغنا هتطبل على الكل.
نفى برأسه وهو يقترب الخطوة الفاصلة مبتسمًا بخبث:
تؤ، فهمتني غلط، أنا قصدت آخر صفقة ليك أنتَ.
أنهى حديثه وخبط بكفه على كتفه منفضًا غبار وهمي قبل أن ينسحب من أمامه بكبريائه الملازم له، وهيبته التي تفرض نفسها في أي مكان. قضم شفتيهِ غاضبًا وهو يهمس بينما عيناه مسلطة على ظهر مراد:
يابن ال****، اعمل بس خطوة واحدة، وأنا أطلع عليك القديم والجديد يابن وهدان.
وليه تستناه ياخد خطوة؟ ماتخلص أنتَ منه يا باشا.
قالتها هاجر التي استمعت لهمسه ليجيبها باختناق:
البوص لو عرف إني هويت ناحيته مش بعيد يخلص عليَّ، أنتِ عارفة قواعد المنظمة، ممنوع حد منا يغدر بالتاني أو يأذيه من غير مبرر يستاهل، وخصوصًا لو كان الحصان الأسود ده.
أومات برأسها بتفهم، وقد اتضح أمامها سبب تواني دياب عن أذية مراد بطريقة مباشرة رغم كرهه الواضح له.
***
انتفضت فزعة من نومها، وهي تلهث بتعب. قد كان كابوسًا آخر رأت فيهِ شخص جديد يُقتل. وللغريب هذه المرة رأت المكان جيدًا، حتى أنها شعرت بمعرفتها لهذا المكان. وبالفعل بعد بعض التفكير أدركت هويته، أنها المستشفى التي يعمل بها باهر!
انتفضت ممسكة بهاتفها وطلبت رقمه بأنفاس لاهثة. ثوانٍ وفُتح الخط، لتهتف بلهفة:
باهر، أنتَ في المستشفى صح؟
استغرب نبرتها الفزعة لكنه رد بهدوء:
أيوه، أنتِ عارفة عندي نوباتجية بليل النهاردة.
أنا جايلك استناني في الاستقبال.
أغلقت الخط فورًا تاركة الآخر في حيرة من أمره، وليست حيرة فقط، بل فزع أيضًا. يبدو أن أمر جلل قد حدث لتحدثه بتلك النبرة وتأتي إليه والساعة قاربت على الثانية صباحًا.. الثانية صباحًا! وهل ستأتي بمفردها في هذا الوقت!؟
حاول مهاتفتها لأكثر من مرة لكنها لم تجيب، ليزفر بضيق ملقيًا الهاتف فوق المقعد لاعنًا من بين انفاسه الثائرة فلن يستطع فعل شيء الآن، لن يقدر على الذهاب إليها فبالتأكيد قد تحركت من المستشفى بالفعل، فما عليهِ سوى الانتظار الذي سيقتله قلقًا.
***
آه، تعبت خلاص مبقتش شايفة، هقوم أنام.
أردفت بها خديجة وهي تنظر للساعة التي تخطت الثانية صباحًا، وقد قضيا الوقت في الحديث عن كل ما مر عليهما في الفترة السابقة، وانحصر الحديث بشكل خاص على إبراهيم وأفعاله التي سخطت خديجة منها، فانهت حديثها لها بنبرة قاطعة:
فريال، طول ما أنتِ سلبية وهايفة كده في تعاملك معاه، هيركب ويدلدل رجليه يا حبيبتي، وبكرة يعاملك زي الجارية عنده، ومش هتقدري تعترضي ولا ترفعي صوتك، اللي بيتعود على حاجة بيتعود عليها دايمًا، ومستحيل تغيري فكرته بعدها، أنتِ اللي بتفرضي شخصيتك متستنيش حد يعمل كده، خصوصًا مع عدو المرأة ده.
تنهدت فريال بتعب وهي تخبرها بحزن حقيقي:
بحبه يا خديجة، بحبه ومش قادرة آخد موقف معاه.
لوت فمها ساخرة متشدقة:
حبيه يا روح قلبي بس مترجعيش تشتكي، يلا هقوم أنام، سديتي نفسي بسيرته، أنا عارفة بتحبي فيه إيه ده، ده حتى وشه يقطع الخميرة من البيت بتكشيرة أمك دي.
الله! وأمي مالها؟
صاحت بها فريال معترضة، لتبتسم لها خديجة بسماجة:
مهو أمه وأبوه مش كشريين، وناس زي السكر، محدش في العيلة يشبهه غير الحرباية عمتي.
شهقت فريال بتفاجئ من سب خديجة لوالدتها علنًا فحذرتها:
خديجة! دي أمي متنسيش!
أشاحت بيدها بلامبالاة مرددة:
والله لولا إنها أمك كان زمانك بتشتميها معايا.
والتزمت فريال الصمت غير قادرة على النفي، فحولت ضفة الحديث وهي تسألها:
قوليلي طيب، هتعملي إيه في العريس ده؟
ارتبكت، وتوترت ملامحها وهي تجيبها:
مش عارفة والله، هو فاجئني، متوقعتش إنه يعترفلي بمشاعره من هنا، ويطلب يتقدملي بعدها بالشكل ده، حسيت إني اتشليت من المفاجأة، خصوصًا وهو بيقول لباهر هستنى ردك عليَّ بكرة! مجنون ده في حد بيقرر في سواد ليل!
ليه باهر مقالوش كده؟
تنهدت حائرة وهي تجيبها:
لا باهر قاله، بس هو رد عليه وقاله أنا بقالي معاها في الشغل أكتر من شهر ونص، هتفكري في إيه، مهو يا متقبلاني يا لأ.
اقتنعت فريال بحديثه لتقول:
بصراحة معاه حق، يعني لو عندك قبول له، ييجي ويتقدم، أنتوا مش هتتجوزوا، ده لسه هيتقدم ويقرأ فاتحة وبعدها خطوبة، الموضوع طويل.
بس المفروض نسأل عليه يا فريال.
انتِ عارفة هو منين؟
ضمت شفتيها بجهل:
لا، بس المفروض باهر يعرف ويسأل عليه.
اقترحت فريال وهي تقول بحماس:
عندي فكرة، إيه رأيك ييجي ويتقدم وقبل ما تقرأوا فاتحة باهر يبقى يسأل عليه، أصل أكيد لما ييجي يتقدم هيجيب حد من أهله، وساعتها هنشوف برضه أهله إيه نظامهم، فهماني، يعني كحاجة مبدئية، وباهر بعدها ياخد وقت يسأل عنه براحته.
هزت خديجة رأسها موافقة وهي تهتف:
خلاص هكلم باهر بكرة وأقوله كده، أشوفه هيقتنع ولا إيه، ولو اقتنع أخليه يحدد معاه معاد ييجي يتقدم.
ابتسمت لها فريال باتساع وهي تضمها لها في عناق دافئ مرددة بفرحة:
ربنا يرزقك بابن الحلال ويكتبلك الخير يا روح قلبي، ويجعل نصيبك أحسن من نصيبي.
أردفت جملتها الأخيرة بحزن جلي، لتخرج خديجة من حضنها هاتفة بمغزى:
إحنا اللي بنختار نصيبنا بإيدينا، محدش غصبنا يا فريال، وحتى لو في يوم اتغصبنا، أي خطوة بتيجي بعد كده بتكون بإيدينا.
أنهت حديثها وخرجت من الغرفة بهدوء لتدلف للحمام قبل أن تعود لتنام بجوارها، تاركة فريال غرِقة بأفكارها التي تعصف برأسها، وحديث خديجة لا يتوقف عن التردد في عقلها.
***
وأخيرًا أبصرها تأتي تجاهه بمظهر مزري، لا يصدق أنها خرجت من المنزل بهذا الشكل! ترتدي ثياب بيتيه عبارة عن ترنج بكنزة قصيرة لحد ما، وبقدمها ارتدت خُف منزلي! حتى أنها لفتت أنظار الناس إليها. هرولت إليه حتى توقفت امامه، وقبل أن يسألها عن شيء كانت تبادر هي بالحديث:
أنا شفت واحد بيتقتل هنا، في حد هيدخل يخنقه، أنا شفت رقم الأوضة… ٣٤٥ هي فين يا باهر، يلا بسرعة أنتَ متسمر كده ليه؟
جذبته من يده قبل أن يبدي أي رد فعل حتى، وهرولت بهِ في طرقات المستشفى وهي تخاطبه أن يرشدها لمحل الغرفة، وقد كانوا عرضًا مزريًا لكل من في المستشفى خصوصًا من يعرفه! وهم يرونه يهرول مع فتاة ترتدي ثياب بيتيه بل وهي التي تجذبه تحثه على الركض! ضاعت هيبته!
وصلا أخيرًا للغرفة المنشودة لتقتحمها دون سابق إنذار فاتسعت عيناها ذهولاً وصرخت وهي ترى حلمها يتحقق، رجل يحمل وسادة ويضعها فوق وجه المسجي فوق الفراش. أزاحها باهر من طريقه حين اقترب الرجل منها يكتم صرختها، فواجهه باهر ودارت بينهما معركة دامية، أصبحت الغرفة ساحة قتال. وهي ركضت خارجة من الغرفة تصرخ في طرقات المستشفى تطلب الأمن، أو المساعدة بشكل عام، فأتى الأمن وبعض الممرضين لينتشلوا الرجل من بين يدي باهر، وتدخلت الشرطة في الأمر بعد أن طلبوها، وتبين أن ذلك الرجل المريض لم يكن سوى لواء في الداخلية، وشُكر باهر من قِبل كل رجاله الذين أتوا للإطمئنان عليه. وبعد انتهاء الأمر، جلس باهر في غرفته الخاصة وامامه جلست جاسمين بابتسامة واسعة وهي تضع القطن المغموس في المحلول المطهر على جروحه المتفرقة في وجهه. اغتاظ من ابتسامتها ليهتف بضيق ضاربًا بشرتها بأنفاسه الحارة:
بتضحكي على إيه مش فاهم؟ أنتِ مبسوطة فيَّ؟
نفت برأسها بأعين لامعة:
لا، مبسوطة ليَّ، متتخيلش يا باهر مبسوطة إزاي..
وضعت القطن جانبًا وهي تتنهد براحة جمة:
أنا أنقذت حياة إنسان، أنتَ متخيل، أنا فرحانة أوي أوي، الحمد لله.
ابتسم هو أيضًا وهو يردف مرحًا:
هو أه أنا اتعملي خريطة في وشي، بس معاكِ حق، إحساس حلو أوي.
ضحكت بخفة وهي تضع أصابعها على أحد جروح وجهه وأردفت:
دي علامة شهامتك في إنقاذ الموقف، يعني المفروض تشكرني، ده أنا حتى خليت رجالة الداخلية يقفوا يشكروك.
تاه في لمستها، وفي نظرات عينيها القريبة منها، قربها بهذا الشكل يشكل خطر على قلبه الذي ينبض بسرعة غير مسبوقة، فوجد لسانه يهمس:
جاسي..
توقفت عن الضحك وهي تشعر بنظرة مختلفة من عيناه، وتوترت لمناداته لها بتلك النبرة، شعرت أن القادم سيوترها أكثر ولا تعلم لِمَ، لكنها وجدت ذاتها تجيبه بنبرة خافتة وقد دق قلبها بقوة. وتاهت هي الأخرى في نظراته:
نعم؟
استفاق من سحر اللحظة وشعر بتهوره إن كشف عن مشاعره الآن، لابد أن يتأكد أولاً، فابتسم بعبث وهو يخبرها:
امسحي رقمي من عندك، أنا مش عاوز خرايط تانية في وشي يا حبيبتي، أنا الحمد لله ربنا راحمني ومبحلمش بحد ولا بنقذ حد.
فاتسعت عيناها لجملته، توقعت أن يكن الأمر عاطفيًا أكثر، فالتقطت زجاجة المطهر تقذفه بها بغيظ، والتقطها هو بسهولة ضاحكًا، فاردفت وهي تنهض واقفة:
خسارة فيك إني عالجتك، وهتصل بيك غصب عن عينك، وهتساعدني يا باهر وابقى قول لأ، يا اسمراني أنتَ.
أنهت حديثها تاركة اياه وذهبت، ليشخص ببصره وهو يردد لذاته بتعجب:
اسمراني! هي دي مدح ولا ذم؟؟!
***
في عصر اليوم التالي….
انتبه باهر لرنين هاتفه، فالتقطه وقد توقف عن عمله خارجًا من غرفة المريض الذي يتابعه بعد أن استفاق من أحد العمليات. كان رقمًا غير مسجل ففتح الخط مجيبًا:
السلام عليكم.
أنا زين، أعتقد فاكرني.
كان رده البارد الذي فاجئ باهر فهتف:
ما ترد السلام يا عم الأول.
اعتبرني رديته، ها إيه الرد؟
زفر باهر بغيظ وهو يجيبه:
للأسف خديجة موافقة، رغم إني شخصيًا مش موافق، لكن هي قالت نديك فرصة تيجي تتقدم، وأن شاء الله مش هتوافق بعد كده.
أتاه رده المستفز وهو يخبره:
مسألتكش أنتَ موافق ولا لأ، ميهمنيش رأيك، المهم هاجي أتقدم إمتى؟
أنتَ إنسان مستفز وبارد، أنتَ جبت رقمي منين أصلاً؟
وبنفس البرود أجابه:
مش مهم، المهم آجي إمتى؟
استغفر الله العظيم.
رددها باهر يحاول تهدئة نفسه بصعوبة، واردف من بين أسنانه:
آخر الأسبوع.
نعم! هو أنا قولتلك ترد عليَّ النهاردة عشان آجي آخر الأسبوع؟ بقولك إيه يا دكتور، أنا هاجي بليل..
صاح باهر معترضًا:
بليل إيه يا جدع أنتَ هو سلق بيض! لا طبعًا.
الساعة ٩ كويس؟
يا عم أنتَ مجنون؟
أردف بها باهر وقد علا صوته حتى التف المارة على صوته، فحاول التحكم في ذاته مراعيًا وقوفه في طرقة المستشفى، ولكن طار تحكمه وهو يستمع للآخر يقول:
يبقى كويس.. سلام.
نظر باهر للهاتف بفاه فاغر، حقًا! ياله من بارد، مستفز، سِمج، أحمق.. والكثير من تلك الصفات. هز رأسه بعدم استيعاب للموقف، وطلب خديجة وفور أن أجابت أخبرها بهياج عصبي:
ابن المجنونة اللي وافقتِ عليه خد معاد من نفسه النهارده الساعة ٩!!
***
وعلى صعيد آخر، ابتسم مراد براحة ما إن أغلق المكالمة، حتى أتى بعقله أحد الجمل التي قيلت أثناء المحادثة وهمس لذاته بسخرية:
قال رد السلام قال، عالم متخلفه.
أنهى حديثه، متجهًا لكأس المشروب الخاص بهِ، ورفعه شاربًا اياه على دفعة واحدة، وما إن انتهى حتى طلب رقم طارق وفور أن اتاه الرد هتف:
طارق، الراجل اللي طلبته منك يكون جاهز النهاردة الساعة ٩، وزي ما قولتلك لو غلط في حرف هطير رقبة أمه.
أتاه رد طارق المتوتر:
ما تقلقش يا باشا أنا فهمته هيقول إيه وهيُتصرف إزاي، وحفظ دوره كويس!
رواية بك احيا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ناهد خالد
ها هي تدق التاسعة مساءً لتعلن عن موعد قدوم عريس الغفلة كما ذكره “باهر”.
جلست “خديجة” على أحد الكراسي من ضمن ثلاث كراسي متواجدين في صالة الشقة، التي تفتقر للكثير، بعدما تزينت في فستان أسود أنيق رغم بساطته الشديدة، وحجاب أحمر به نقوش سوداء بسيطة.
لم تضع على وجهها أي مساحيق تجميل مكتفية ببشرتها الخمريّة دون أن تحاول تغيير حقيقة لونها، فقط كحل أسود حددت به عيناها السوداء ذات الأهداب الكثيفة.
كبحت ضحكتها بصعوبة على مظهر “باهر” الجالس أمامها يتلوى في جلسته، وهو يردد بنزق:
_ الساعة ٩ وخمسة ياترى بقى البية ناوي ييجي نص الليل!
احتفظت بضحكتها وهي تجيبه بتعجب:
_ نص الليل عشان اتأخر خمس دقايق! باهر أنتَ ناوي تطفشه بطريقتك دي!؟
زفر باختناق وهو يغمغم بحنق:
_ وهطفشه ليه ياختي بيني وبينه إيه؟ أنا بس مبحبش عدم الالتزام في…
وقبل أن ينهي جملته كان جرس الباب يعلن عن قدوم الزائر المنتظر.
انتفضت واقفة وخرج “مصطفى” من الغرفة بعد أن انتهى من ارتداء ثيابه للتو، واردف ضاحكًا:
_ العريس ده محترم أول ما خلصت لبس جه على طول.
حدقه “باهر” بنظرات ضائقة مرددًا بسخرية:
_ محترم أه.
فتح “باهر” باب المنزل ليبصر عريس الغفلة ومعه شخص غريب!
_ اتفضلوا.
دلفا للداخل ووضع “مراد” علبة الحلويات كبيرة الحجم فوق الطاولة المجاورة للباب.
اتخذت هي خطوتان للخلف مبتعدة عن الكراسي بعدما نظر لها “مراد” مبتسمًا وعيناه تلمع بنظرة خاصة.
أشار لهما “باهر” بالجلوس، ليجلس “مراد” وبجانبه هذا الغريب.
ثواني ودلفت “خديجة” للمطبخ وخرجت بأربع أكواب عصير، وضعتهم فوق الطاولة.
وما كادت تدلف مرة أخرى حتى سمعت صوت الغريب يهتف:
_ ما تقعدي يا عروسة.
ابتسمت بخجل واتجهت للجلوس.
فأسرع “مصطفى” يجلب كرسي لها من الداخل، فجلست محتفظة بخجلها.
بدأ الحديث بصوت “باهر” يردف بنزق خفي:
_ منورين يا جماعة.
كانت جالسة بجوار “زين” والفرق بينهما عدة سنتيمترات لتسمعه يشيح بوجهه تجاهها وهو يهمس لها:
_ منورين وهو عاوز يطردنا أصلاً.
ضحكت بخفوت على حديثه الهامس، فعقب ضاحكًا:
_ بالضحكة دي قلبي متعلق.
ازدادت حمرة خجلها وهي لا تصدق لِمَ تسمعه منه، هل هذا هو “زين” الهادئ، المحترم!
_ ما تخليك معانا هنا يا عريس، ولا رقابتك ملووحه!
لف رقابته له وهو يبتسم باصفرار:
_ أه أصل باين كده نمت نومة غلط بليل، فرُقبتي شادة بعيد عنك.
ضغط “باهر” على نواجذه سائمًا من هذا السمج، ونهض فجأة متجهًا لكرسيها وأمرها:
_ قومي اقعدي مكاني.
نهضت على مضض فيبدو أنها أحبت همس الآخر!
واتجهت لذلك الكرسي البعيد قليلاً جالسة فوقه، ليخبط “باهر” بكفه على فخذ “مراد” قائلاً:
_ منور.
أزاح “مراد” كفه برفق مبتسمًا باصفرار:
_ ده نورك.
_ وحضرتك بقى والده إن شاء الله؟
تسائل بها “باهر” لهذا الغريب الصامت، ليهتف:
_ لا أنا خاله إن شاء الله.
قطب حاجبيهِ متعجبًا، ليهتف “مراد” فورًا موضحًا بنبرة حزينة:
_ أصل أنا أهلي متوفيين، مفاضلش منهم غير خالي، هو كمان مسافر كندا دي إجازة بس لكن مسافر بكرة.
أومأ برأسه متفهمًا، ولانَ “باهر” قليلاً وهو يستمع لحديثه ونبرة الحزن الظاهرة بها، فتنهد قائلاً:
_ الله يرحمهم.
_ هو مين ده؟
قالها “مراد” بجهل مصطنع وهو ينظر ل “مصطفى” الذي تولى الرد معرفًا عن ذاته:
_ أنا مصطفى، أخو خديجة.
ابتسم له بود مردفًا:
_ عاشت الأسامي يا درش.
تنحنح الرجل وأردف بوقار:
_ المهم يا دكتور باهر إحنا جايين نطلب إيد الآنسة خديجة لابننا زين.
أجلّى “باهر” حنجرته قائلاً:
_ إحنا عاوزين نعرف طيب تفاصيل عنه، إحنا تقريبًا منعرفش حاجة عنه.
تولى “مراد” الحديث قائلاً:
_ أنا زين محمود السويسي، عندي ٢٣ سنة، شغال شغلتين، واحدة في المطعم، والصبح في مكتب هندسي، عندي شقة جاهزة فاضل بس العروسة..
قالها وهو ينظر ل” خديجة” مبتسمًا، ثم عاد يكمل حديثه:
_ جهزتها من ورثي، والحمد لله تقدر تقول شغلي ماشي كويس، يعني مش هحرمها من حاجة، وأهلي زي ما قولتلك، وعمومًا الخطوبة بتتعمل ليه، مهو عشان تعرفني أكتر وتطمنلي.
نظر لها “باهر” بتفحص لعلّه يستشف ماهية الرجل الجالس أمامه، أهو جيد أم سيء؟ لكنه بالأخير فشل، فتنهد حائرًا واردف وهو ينظر ل “خديجة” :
_ تمام ماشي، بس خديجة محتاجة وقت تفكر وبعدها هنرد عليكوا.
ابتسم “مراد” بخبث قائلاً:
_ بس خديجة تعرفني بقالها فترة من شغلنا مع بعض، وأكيد كونت وجهة نظر عني، معتقدش محتاجة وقت تفكر، هي أكيد حاسة هي عاوزاني ولا لأ.
ورغم رفض “باهر” لهذا التسرع إلا أن طرق “مراد” الملتوية أجبرته على الموافقة، بحنكته استطاع جعل الخطبة بعد يومان فقط من الآن!
أغلق الباب وقد ضاق ذرعه بما حدث، ليلتف لها بغضب حقيقي:
_ إيه الواد ده! خطوبة إيه اللي بعد يومين ابن العبيطة ده!
رفعت منكبيها ببرود:
_ الله! مش أنتَ اللي وافقت أنا مالي؟!
_ مهو بني آدم مستفز و..
_ هي معاها حق يا باهر، انتَ اللي وافقت فعلاً.
هذا ما أردفت بهِ “فريال” وهي تخرج من الغرفة، ليزيد اشتعال غضب “باهر” الذي أشاح بيده وهو يلتقط أغراضه:
_ أنا مش ناقص حرقة دم، أنا ماشي.
خرج مغلقًا الباب خلفه، لتنفجر الاثنتان بالضحك على حديثه وغضبه.
وما إن انتهيا حتى سألتها “فريال” بجدية:
_ المهم، أنتِ مرتاحة يا ديدا؟
أومأت “خديجة” مبتسمة بخجل فطري:
_ يعني.. تمام..
غمزت لها “فريال” بعبث مردفة:
_ لا ده شكله تمام جدًا مش تمام بس.
وانطلقت ضحكات الفتاتان تعم أرجاء الشقة من جديد.
بالأسفل..
ابتسم الرجل بسخافة وهو يردف:
_ إيه رأيك فيَّ يا باشا عملت الدور مظبوط صح؟
نظر له” مراد” بجانب عيناه دون أن يجيبه، ليكمل سخافته مرددًا:
_ دول صدقوا إني خالك بجد، ولو كنت قولتلي أقولهم إني أبوك كانوا صدقوني برضو.
توقف “مراد” بغتًة يحدقه بنظرات جامدة أثارت ريبته وهو يشير له بعيناه:
_ غور من هنا.
ولم يحتاج لكلمة أخرى قبل أن يفر هاربًا في الاتجاه المعاكس.
مراد.
توقف على صوت” ليلى” الذي علىَ يناديه، فالتف ليجدها في الطرقة المؤدية للغرف، سار ناحيتها بخطى هادئة مبتسمًا تلقائيًا كعادته حين يراها.
انحنى أمامها يحدثها بلطف:
_ عاملة إيه يا لولا؟
ابتسمت له بحب مجيبة:
_ بخير يا عيون لولا، قولي وشك منور كده خير؟
أجابها بثبات تام:
_ أبدًا، بس حسيت خديجة بدأت تطمنلي.
عبست بوجهها تسأله:
– كل ده يا مراد ولسه هتطمنلك! أومال هتعرفها بنفسك إمتى يابني؟
اقترب مقبلاً وجنتها وهو يخبرها بلطف:
_ كله بآوانه يا لولا.
تنهدت باستسلام:
_ ربنا معاك يا بني.
وقف مستأذنًا منها ودلف لغرفته، في نفس اللحظة التي صعد فيها “حسن” درجات السلم، وأصبح أمامها، التفت بكرسيها لتعود لغرفتها لكنها توقفت على صوته يقول:
_ ليلى عاوز أتكلم معاكِ.
التفت بالكرسي له تسأله باقتضاب:
_ حاجة تخص مراد؟
قطب ما بين حاجبيهِ ضيقًا:
_ هو مفيش كلام بينا غير إذا كانت حاجة تخص مراد!
أومأت مؤكدة برأسها:
_ أعتقد قولت ده من سنين ليك، إيه اللي جد؟
زفر أنفاسه مختنقًا وهو يخبرها:
_ اللي جد إني تعبت يا ليلى، تعبت ومبقتش متحمل الوضع ده، هيفضل كده لامتى؟
وبجمود أجابته:
_ لحد ما حد فينا يموت وينقضي أجله.
رفع عيناه للاعلى بملل واردف:
_ ليلى، ده مش حل! إحنا متجوزين، بس بقالنا أكتر من ١٥ سنة عايشين كأننا أخوات! ده حتى الأخوات بيتكلموا مع بعض عننا!
_ وهنفضل كده، أنا وانتَ استحالة نرجع زي الأول ولا إيه يا جورج؟ أنا ديني بيمنعني أعاملك كزوج.
اقترب منها خطوة يردد من بين أسنانه:
_ أنتِ عارفه إنه مجرد اسم في بطاقة عشان الشغل و…
قاطعته باستهجان واضح:
_ يارتني كنت عارفه ده، المصيبة إني متأكده إنه مش مجرد اسم في بطاقة، أنتَ مش مسلم يا حسن، لا قولاً ولا فعلاً.. أنا عمري ما شوفتك بتصلي، عمري ما شوفتك بتصوم رمضان، وكنت دايماً أقول بكره ربنا يهديه، عمرك ما ذكرت ربنا في أي حاجة أصلاً! إن كنت فاكر إنك تبقى مسلم لما تقول أنا مسلم، يبقى لازم تراجع دينك اللي متعرفش عنه حاجة، وعزائي الوحيد في مراد إنه جاي منك، هو إني مكنتش أعرف حقيقتك.. لكن رجوع تاني بيني وبينك انسى، مش هيحصل أبداً.
أنهت حديثها والتفت بكرسيها دافلة لغرفتها وخيم الصمت على المكان من حوله، لا يصدح فيهِ سوى صوت تنفسه العالي غضبًا.
يومان مروا…
وأتى اليوم الموعود.
اليوم أولى خطواته في امتلاكها، اليوم سيصبح جزءً منها ملكًا له، ويتطلع للحصول على الباقي في أقرب قريب!
_ اختاري اللي تحبيه ملكيش دعوة بالسعر.
همس لها بينما يقف جوارها في محل الصائغ، وهي تنتقي ما يعجبها من ذهب شبكتها.
اكتفت بنظرة خجلة له بجانب عيناها وهي تومئ بحرج.
دقائق أخرى وكانت تهتف:
_ خلصت.
رفع حاجبه الأيسر باستغراب مرددًا بينما يشير لِمَ وقع اختيارها عليه:
_ دول بس؟ خاتم ودبلة!
أومأت مؤكدة، ليكمل حديثه:
_ لا اختاري حاجتين كمان.
نفت برأسها وقد أبت:
_ لا كفاية، مش عاوزة غيرهم.
_ لو حاملة هم الفلوس مليكيش دعوة، أنا عاملي حسابي.
هزت رأسها نافية:
_ لا، مش فكرة كده، بس معلش أنا هبقى مرتاحة أكتر بدول.
لم يرد الضغط عليها أكثر، ولكنه طالع المحل بنظرة شاملة لدقيقة ربما، حتى وقعت عيناه على سلسال ذهبي تتدلى منهُ فراشة رقيقة بها فصوص ماسية، فاشار للصائغ عليها مرددًا:
– هاتلي السلسلة دي، وحطهالي مع الحاجة اللي اشتريناها.
حاولت أن تبدي اعتراضها لتسمعه يهمس لها بحدة طفيفة:
_ دي هدية خاصة مني ليكِ ملهاش علاقة بحاجة، مش من حقك ترفضيها أصلاً.
فالتزمت الصمت مرغمة.
ألقى بكل ما على مكتبه بغضب حارق، لا يصدق الوضع الذي بات فيهِ الآن، صفقته الأخيرة في تجارة الأعضاء لم تتم، علمت الشرطة بها وأصبحت في قبضتها الآن هي وبعض رجاله.
استمع لرنين هاتفه ورأى رقم الرئيس يزينه، ليحاول الاستعداد لهذه المواجهة، فاخذ نفسًا عميقًا، وأخرجه بمهل، قبل أن يجيب على المكالمة.
_ إيه اللي حصل ده يا دياب باشا! الشحنة اتمسكت! أنتَ عارف دي مكلفة كام؟ لو اشتغلت ٤ شحنات غيرها مش هتسد تمنها..
حاول الدفاع عن نفسه، فبرر بتوتر:
_ يا بوص والله أنا…
_ بوص إيه وزفت إيه، أنتَ ودّيتني في داهية، اعمل حسابك دي آخر صفقة ليك في الصفقات دي، وغلطة كمان يا دياب وهصفيك بنفسي..
وأغلقت المكالمة!
وهو يغلى بمراجل الغضب، بداخله يشتعل كلما أعاد حديث الرئيس برأسه، هل هو من توبخ بهذا الشكل قبل قليل؟ هل هو من أُقصيَ عن هذا العمل!؟ لم يكن في أحلامه حتى أن يتعرض لموقف كهذا.
وفجأة ضرب بعقله سؤال، من أفشى سر صفقته للشرطة؟ ولم يحتاج لتفكير كثير، فالجواب واضح، هو لا أحد غيره، من هدده بآخر مرة وأخبره بوضوح أن هذه الصفقة ستكون الأخيرة من نوعها.. ذلك الفاسق، الأرعن.. مراد وهدان!
وبفحيح مرعب كان يردد:
_ ماشي يا بن ال****، إن ما خليتك تلف حوالين نفسك مبقاش دياب..
وكان وعيدًا سيكن سببًا في شن الحرب بينهما ذات يوم!
تحرك كلاً من “خديجة، مراد، باهر، فريال” خارجون من محل الصائغ، وأصر “مراد” على أن يتناولوا الغداء معًا، ومع إصراره خضعوا لرغبته.
وبعد تناول الطعام أصر ثانيًة على تناول أحد المشروبات في مقهى قريب، وأثناء تواجدهم بالمقهى.
_ ها يا خديجة ناوية تعملي هيصة وكده عشان الشبكة؟
قطبت حاجبيها رافضة الفكرة، وأردفت بنبرة قاطعة:
_ لا يا باهر، مش حاسة إني حابة أعمل حاجة، يعني كفاية الفرح إن شاء الله وخلاص، وعوزاه بعد سنتين، مش قبل كده.
أومأ برأسه دون حديث، ليتولى “مراد” الحديث هذه المرة وقد لمعت فكرة برأسه متجنبًا الحديث في موعد الزفاف الآن:
_ طيب بما إنك كده كده مش ناوية تعملي هيصة، ما نلبس الشبكة هنا وخلاص.
وهي لم يكن لديها مانع، فمن غيرهم ستريد حضوره!؟
وبالأخير الأمر لا يستحق تفكير، فبالنهاية هي مجرد خاتم ودبلة، لذا أومأت موافقة وتولت “فريال” أمر توثيق الذكرى بتصويرهما بهاتفها القديم.
وهو يرى الحلقة الذهبية تلتف حول إصبعها الرقيق شعور لا يمكن وصفه، راحة.. هي الشعور المسيطر، ويخلفها الكثير.. انتصار، حب، لهفة، ووله بتلك الجالسة أمامه.
لا يعلم إن كان هذا بمجرد خطبتها، إذًا ماذا عن ليلة العرس!!
وهي كانت النقيض تمامًا، وكأن هذه الحلقة الذهبية التفت حول رقبتها، حتى أن أنفاسها خفتت لمجرد الشعور! لم تشعر براحة أبدًا، وأقلقها الأمر، لكنها بالأخير حين رفع رأسه يبتسم لها، ابتسمت، وقررت تجاهل شعورها الأحمق، ونست أننا يجب أن نستمع لشعورنا أحيانًا! فربما هو مجرد إنذار من العقل!!
_ مبروك.
همس لها بنبرة محبة، لتبتسم هامسة بالمثل:
_ الله يبارك فيك، مبروك لينا.
وهل باتت تجمعه معها في جملة؟ يا لسعده!
_ توعديني إنك متقلعيش دبلتك من إيدك مهما حصل؟
قالها بنبرة عميقة ونظرة خاصة أربكتها حقًا! وكالذي يراهن على بقاء السمك حيًا خارج المياه، كانت تهمس له بحماقة:
_ أوعدك.
_ الف مبروك يا ديدا، الف مبروك يا أستاذ زين.
رددتها “فريال” مبتسمة، لتسمع ل “مراد” يحدثها:
_ بلاش أستاذ بقى، زين كفاية، ده أنا خطيب أختك خلاص.
وانصهرت الجالسة بجواره خجلاً على لقبه الجديد الذي أطلقه للتو، بينما تستمع لمباركة “باهر” المقتضبة، ورد “مراد” الأكثر اقتضابًا، يبدو أن هذان الاثنان لن تنشأ بينهما علاقة طيبة!.
في المطعم الذي يعملان بهِ.
وقفا يستقبلان التهاني من زملائهما، وطارق يراقب الوضع من بعيد، وضع لا يعجبه بتاتًا، ولكنه مجبر على الصمت.
وبالبعيد أكثر كان يلتقط عدة صور لِمَ يحدث وأرسلها لرئيسه على موقع التواصل الاجتماعي، مسجلاً أسفلها مسجل صوتي يقول بهِ
“باشا، مراد باشا خطب واحدة من المطعم الغريب اللي شغال فيه، ودي صور وزمايلهم بيباركوهم على الخطوبة”
وفي مكان أبعد بكثير…
وصلته الصور والرسالة، ليضحك غير مصدقًا وهو يريها ل “هاجر” الجالسة جواره مردفًا:
_ تتخيلي مراد وهدان يروح يخطب بت بيئة ملهاش أصل ولا فصل، لا وكمان يتنكر عشانها! تفتكري إيه هدفه؟
نظرت للصور بتتمعن لتردف مبتسمة:
_ مش هدفه حاجة، هو بس بيحبها.
– نعم!؟
رددها “دياب” مستنكرًا وغير مصدقًا في الوقت ذاته، لتؤكد له مبتسمة:
_ شوف كده نظراته ليها وأنتَ تعرف يا باشا، ده واقع فيها خلاص.
التقط الهاتف منها يطالع الصورة بتتمعن، ثواني وكان ينتفض واقفًا وهو يردد بذهول احتل قسماته:
_ رنا!!!!
_ في حاجة يا باشا؟
لم يجيبها فقط طلب رقم ما، وما إن أجاب حتى أردف بسرعة:
_ سيبك من مراد والبت اللي معاه، في بت لابسة أزرق واقفة وراهم في الصورة، البت دي أوعى تضيع منك، تمشي وراها وتعرفلي بيتها فين وتبلغني ومتتحركش غير لما أجيلك، فاهم؟
أتاه الرد، ليغلق الهاتف وهو يتنفس بسرعة، وعيناه لم يختفي الذهول بها، بينما يهمس بداخله:
_ يااه! دي الدنيا أصغر من علبة كبريت! بقى بعد كل ده ألاقيكِ وأعرف مكانك من صورة! والله ليكِ وحشة يا أم ابني..!
وكلمته الأخيرة قالها بأعين تحمل نظرات تشبه الجحيم بألوانه، وهو يتذكر طفله الذي لم يراه، بفضل فرار والدته بهِ، هاربة من وحش يطاردها، لم يكن سوى هو… والد الطفل! والآن سيبدأ عقابها!
أواخر يونيو لعام… ٢٠٢٠..
وها قد مر عامان الخطبة وفوقهما أشهر قليلة، العامان التي قررتهما “خديجة” ورغم محاولات “مراد” معها لم تتنازل عن العامان، ولو بشهر واحد.
عامان وبضعة أشهر تغير فيهم الكثير والكثير.
تم زواج “باهر” و “جاسمين” خلالهما، بعد أن لم يجد “باهر” مفرًا من حبها، ووالدها كان أكثر من مرحب بهِ، وقد انتقى شقة جيدة الحال في مكان مترف نوعًا ما ليليق ببعض مستواها، زواجهما الذي تم منذُ ثلاثة أشهر فقط.
“جاسمين” التي تفاقمت لديها أحلامها، وباتت أكثر من مرهقة، ورغم استطاعتها لإنقاذ الكثير، إلا أن البعض لم يُقدر له النجاة، فيصيبها بالاكتئاب، ومع ذلك فباهر لم يتركها لحظة، فكان خير العون لها، ولكن لنقول أن لكل شيء حد!
“فريال” أصبحت في عامها الدراسي الثالث، لم تبدأ بهِ بعد، و”إبراهيم” الذي لم يتغير أبدًا، كما هو غير مراعيًا لها ولا لمشاعرها، وهي تصبر كالعادة!
وأما عن تعيسة الحظ “رنا” فقد نجح “دياب” في إعادتها لقبضته مرة أخرى لتلاقي الذل والمرار على يده، وتعيش ما لم تعشه معه من قبل، وكل هذا بصنع يديها!
واليوم… اليوم هو يوم سعده، يومه الذي انتظره سنوات وسنوات، اليوم ستصبح ملكه قلبًا وقالبًا، سيمتلك كل أنثى بها، ويدمغه بدمغه الخاص، ستصبح حرم” مراد وهدان” دون أن تعلم…!!!
رواية بك احيا الفصل الثلاثون 30 - بقلم ناهد خالد
تصببت عرقًا وهي ترى كابوسًا آخر في نفس الأسبوع، ظلت تصارع، تتحرك بعصبية مبغتة، وتمد ذراعها كأنها تحاول الوصول لشيء ما، حتى أيقظت النائم بجوارها، فانتفض مستيقظًا وأنار الإضاءة التي بجانبه، ليراها بحالتها العصبية هذه، فاسرع يحاول إفاقتها وهو يهزها بلطف مرددًا:
_ جاسمين، حبيبتي اصحي ده كابوس، جاسي.
انتبهت لمحاولاته لإفاقتها ففتحت عيناها بخضة، وهي تلهث من فرط المجهود الذي بذلته داخل كابوسها وفي الواقع، وكان وجهه هو أول ما رأته، وهو يقول بينما كفاه تمسحان العرق من فوق وجهها بحنان:
_ حبيبتي اهدي، خدي نفسك بهدوء يلا.
واستجابت لنصيحته، فبدأت تلتقط أنفاسها بهدوء واعتدلت بمساعدته لها، ومرت دقائق بينهما يحاول هو فيها تهدئتها كالعادة، وبعد فترة كانت قد هدئت، فاستمعت له يقول:
_ يلا يا حبيبتي نرجع ننام، النهار قرب يطلع وعندي شغل بدري.
نظرت له بتوتر وتردد بالغين، ففهم هو نظرتها وما ورائها فقال بتحذير:
_ يلا يا جاسي ننام.
لم تستطع الصمت أكثر لتعرب عن رغبتها، فقالت برجاء ظهر واضحًا:
_ باهر، ارجوك، المرة دي بس..
امتعضت ملامحه ورد رافضًا:
_ لا، لأن المرة اللي فاتت واللي قبلها كانت آخر مرة، كفاية بقى بهدلة وقلة قيمة، أنتِ نسيتي كام مرة اتبهدلنا والناس مصدقّتناش؟ نسيتِ كام مرة كانوا بيقولوا علينا مجانين واطردنا من كام مكان، أنا مش رايح في حتة تاني يا جاسمين.
انسدلت دموعها بغزارة وهي تنتفض من فوق الفراش صائحة به بغضب:
_ أنتَ ليه مش حاسس بيَّ؟ ليه مش مقدر اللي بمر بيه؟ عاوزني أشوف حياة حد بتنتهي أو في خطر وأسكت! أعمل نفسي مشوفتش حاجة؟ ولو عملت كده، هشيل ذنبه إزاي من على كتافي؟
انتفض يقف في مواجهتها وهو يهتف بعصبية:
_ وأنا ذنبي إيه! قولتلك روحي لدكتور نفسي يساعدك تبطلي تشوفي اللي بتشوفيه ده، وأنتِ اللي بترفضى كأنك حابة تعيشي دور البطلة اللي بتنقذ الناس.
أشارت لذاتها بذهول:
_ أنا يا باهر؟ أنا حابة أعيش دور البطلة؟ أنتَ بجد شايف الموضوع كده؟ مش شايف قد إيه بعاني من اللي بشوفه! أنا حابة اللي أنا فيه؟
وبنفس الغضب كان يجيبها:
_ اومال ليه رافضة تشوفي حل؟ ليه رافضة تروحي لدكتور أو شيخ يمكن يساعدوكِ، أنا تعبت، المرمطة اللي احنا فيها كل يوم والتاني دي مش نافعة، فاكرة يوم ما صحيتِ وصممتِ تسافري الغردقة عشان حلمك اللي شوفتيه في مكان مشهور هناك، ومشيت وراكِ وطلعنا على الطريق الساعة ٢ بليل وفضلتِ تستعجليني لحد ما عملنا حادثة لولا ستر ربنا مكناش خرجنا منها بأقل الخساير كده، عارفة كام مرة بروح شغلي مش مركز ومش فايق بسبب مشاويرك دي، كام مرة بطلع معاكِ وأرجع وش الصبح ملحقش أنام وأروح مصدع وعاوز أنام ومبقاش مركز مع العيانين ولا في العمليات اللي بدخلها، هي مش دي أرواح ناس برضو وأتحاسب عليها! ولا المطلوب مني أسيب شغلي وأقعد أتفرغ لمشاويرك؟
هزت رأسها بألم وهي تهتف بنبرة متهكمة رغم قسوة حديثه عليها:
_ لا مش مطلوب منك حاجة، بس أنتَ من قبل ما تتجوزني وأنتَ عارف حالتي دي، جاي دلوقتي ومش متحمل؟ أنا مخدعتكش ولا خبيت عليك، وأنتَ بنفسك قولتلي أنا هقف معاكِ وهنعدي أي حاجة تشوفيها سوا، وقولتلي برضو إنك هتفضل تساعدني ننقذ اللي نقدر ننقذه، جاي دلوقتي وتخلف بكلامك معايا؟!
ضغط على نواجذه بغضب وهو يخبرها بضيق:
_ لا أنا مبخلفش بكلامي، بس واضح إنك نسيتِ كام مرة وقفت معاكِ وساعدتك، نسيتِ كام مرة جريت معاكِ، وسفر وبهدلة، احنا بقالنا سنتين في الوضع ده، وبقالنا سنة متجوزين وعمري ما اشتكيت، بس الشيء لما بيزيد عن حده بيمسخ، وأنتِ مش قابلة أي حلول بقدمهالك عشان نخلص من القرف ده.
_ قرف!
رددتها "جاسمين" بوجه محتقن بحمرة الغضب، وبعدها بأعين دامعة من فرط عصبيتها كانت تشيح بذراعها بهياج:
_ أنا بقى لقيتلك حل هيريحك خالص، وهخلصك من القرف اللي تاعبك ده.
أنهت جملتها واتجهت لأزرار الإنارة الرئيسية لتفتحها، فعم الضوء في الغرفة، وأسفل نظارته المتابعة لها اتجهت للخزانة تخرج ثيابها وجذبت حقيبة كبيرة من أسفل الفراش تضعها فوقه وتفتحها، ليستغفر بسره محاولاً تهدئة ذاته، قبل أن يردف بضيق:
_ أنتِ بتعملي إيه دلوقتي؟ الموضوع يستاهل اللي بتعمليه ده؟
رفعت عيناها الباكية له تجيبه:
_ آه يستاهل، هروح بيتنا عشان أشيل عنك القرف.
_ بيتكم! أعتقد ده بقى بيتك دلوقتي.
_ لأ، بيتي هو بيت دادي، ده بيتك أنتَ، وأنا هسبهولك عشان ترتاح من قرفي.
أشاح بيده بعصبية بالغة وهو يخبرها:
_ هو أنتِ مسكتِ في الكلمة! مكانتش كلمة قولتها وقت غضب، سيبي اللي في إيدك ده وبطلي جنان.
عاندته وهي تقف في مواجهته مرددة بنفس عصبيته:
_ لا مش هسيب، واه مسكت في الكلمة، عشان أنتَ قصدها وفعلاً مبقتش متحملني، وأنا بقى مش هعيش مع حد شايفني حِمل عليه.
رفع حاجبه ناقمًا:
_ يعني إيه بقى الكلام ده؟
وبنفس إصرارها أجابته:
_ يعني هروح عند دادي، لحد ما ألاقي حل لمشكلتي، بعيد عنك، عشان مترجعش تتفضل عليَّ باللي بتعمله معايا.
_ أتفضل عليكِ؟!
قالها بملامح مندهشة من جملتها وتفكيرها، وسريعًا ما تحولت ملامحه لتصبح أكثر جمودًا:
_ تمام، روحي ولو عاوزة تفضلي هناك على طول براحتك.
أنهى حديثه وخرج من الغرفة بخطى عصبية لا يتحمل حتى النفس الذي يأخذه، وهي سالت دموعها مرة أخرى وهي تنظر لموضع خروجه بحزن، لم تتوقع أن يحدث بينهما ما حدث الآن ولكن الحياة ومواقفها دائمًا غير متوقعة، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقات.
***
_ لا بقى يا زين، أنتَ كده بتهزر، هو إيه اللي ميحضرش كتب الكتاب أنتَ ناسي أنه ابن عمي!
هذا ما هتفت بهِ "خديجة" أثناء حديثها مع "زين" في الهاتف في صباح يوم عقد قرانها، حين أعرب الأخير عن رغبته في عدم حضور "باهر" لعقد القران، "زين" و "باهر" ما زالا لا يتقبلان بعضهما بتاتًا وهي تقع حائرة في المنتصف بينهما، لا تعرف كيف عليها مراضاة الطرفين، أتاها صوته البارد يقول:
_ هو مش ده كتب كتابي ومن حقي اختار مين يحضر ومين لأ! ده واحد مبحبوش يحضر ليه بقى؟
_ أيوه بس كتب كتابي أنا كمان، من حقي أعزم اللي أحب أعزمه، وده ابن عمي، يعني مش محتاج عزومة أصلًا.. أنا عاوزة ألفت نظرك لحاجة أكيد مش واخد بالك منها، وهي إن من غير وجود باهر مفيش كتب كتاب هيتم.
_ وده ليه بقى؟
سألها باستنكار واضح، لتتنهد بضجر قبل أن تجيبه:
_ عشان هو هيكون وكيلى، يعني من غيره مش هينفع كتب الكتاب.
_ يعني إيه وكيلك دي؟
سألها بجهل، لتقطب حاجبيها بتعجب من جهله بأمر بسيط كهذا، وظهر هذا في حديثها:
_ أنتَ بجد متعرفش؟ وكيلى يعني اللي هيجوزني ليك، اللي هتحط إيدك في إيده في كتب الكتاب.
شعر بخطأه ليردف بمزح:
_ أيوه طبعًا مانا فاهم، بس يعني مينفعش أنتِ تقومي بالدور ده، ده حتى إيدي بتدفي في البرد اللي احنا فيه ده.
هزت رأسها بيأس من حديثه الذي لا يخلو دومًا من الإيحاءات لأي تلامس بينهما، وقالت:
_ لأ، أنا مش مقطوعة من الأهل عشان أكون وكيلة نفسي، ومصطفى صغير مينفعش يكون وكيلي، عدّي الليلة بقى يا زين بلاش نكد.
_ أنا بنكد يا بنت عمي محمود، طب أقولك بقى هتشوفي النكد الحقيقي لو مخدتش حضن وبوسة كتب الكتاب.
شهقت بتفاجؤ مصطنع وهي تردف بحدة:
_ بقى أنتَ مش عارف يعني إيه وكيلى وعارف بس الحضن وقلة الأدب، بقولك إيه أنا مش مطمنالك، أنا عاوزة أفسخ الخطوبة دي.
أتاها صوته الخطر وهو يخبرها:
_ وماله، عشان أفسخ رقبتك عن جسمك يا حبيبتي.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجيبه:
_ إيه ده في إيه؟ أنا بهزر يا حبيبي أنتَ مبتهزرش.
_ لا بهزر، وهوريكِ الهزار اللي بجد بعد كتب الكتاب.
صاحت بهِ بضيق:
_ بقولك إيه متوترنيش زيادة، أنا أصلًا مش على بعضي من امبارح.
أتاها صوته اللعوب وهو يسألها:
_ متوترة يوم كتب الكتاب، الله! اومال هتعملي إيه يوم الفرح، وأنتِ بتفكري كده إنك هتروحي معايا و...
أغلقت الهاتف دون أن تستمع للمزيد، وقد أضرمت نيران الخجل في وجهها لمجرد تخيل ذلك اليوم، تعلم أن أعطته فرصة لسرح بخياله لأبعد من الذي قاله والأكثر خجلًا، فقد عهدته قليل الحياء، بهِ جرأة تجعلها تتمنى لو تختفي من أمامه، ولكنها وللعجب أحبتها منه! طوال العامان ولم يمر حديث بينهما بسلام دون أن يلقي في منتصفه ما يخجلها ويجعلها تهرب من تكملة الحديث معه، لذا لم يعد الأمر غريبًا لها كما كان في بداية الأمر.
***
أجرى مكالمة هاتفية بـ "طارق" الذي أجابه على الفور ليسأله:
_ ها عملت إيه في موضوع المأذون؟
أجابه الأخير بنزق:
_ مفيش ولا مأذون وافق على اللي سعادتك عاوزه، كلهم رفضوا ويقولوا حرام.
التوى فمه ساخرًا وهو يردد بعصبية:
_ حرام! أنتَ واقف تتساهل معاهم يا طارق ولا تاخد رأيهم! هاتلي أي مأذون من قفاه واخلص.
حمحم "طارق" وهو يهتف بهدوء:
_ حاضر يا باشا.
أغلق الهاتف بضيق، لمَ تسير الأمور ضد رغبته! استمع لصوت دقات فوق باب غرفته، فاتجه بخطى متأنية يفتحه وهو على الأغلب يعلم من الطارق، وبالفعل وجدها والدته "ليلى"، ابتسم لها ابتسامة صغيرة، وأفسح المجال لتدخل، فتحركت بكرسيها حتى وصلت لمنتصف الغرفة، التفت له تسأله مبتسمة:
_ إيه يا حبيبي بقالك كذا يوم مشغول وبشوفك بالصدفة، إيه اللي شاغلك أوي كده؟
وهل سيخبرها أن انشغاله يعود لتحضيراته الأخيرة لعش الزوجية، تلك الشقة الفاخرة التي اشتراها في أحد الأحياء الراقية بمدينة القاهرة، والتي سعى في تلك الأيام الأخيرة لإنهاء كل تجهيزاتها كما تريد "فتاته" بالضبط، لذا لم يترك الأمر لرجاله واعتنى هو شخصيًا بكل تفصيلة صغيرة، لن ينسى يوم أن نزل معها ليشتريا أحد مستلزمات الشقة، حينها وهما في إحدى المحال حين أحبت أن تأخذ برأيه وهي تسأله: "زين، إيه رأيك أجيب النجفة الفضي ولا الدهبي؟" نظر لما تشير له، ولم يبالي كثيرًا وهو يجيبها: "هاتي الدهبي". نظرت للاثنين بتفكير قليلاً قبل أن تقول للبائع: "خلاص هاخد الفضي". رفع حاجبيه مندهشًا من قرارها، إذًا لمَ أخذت برأيه من الأساس! وبعدها حين كانا يشتريا السجاد سألته مجددًا: "زين، أخُد السجادة البني ولا الكاشمير؟" نظرا للألوان بسأم مجيبًا: "يعني دي لون ودي لون تاني خالص، حسب ألوان الشقة بقى". "أيوه مانا عندي الحيطة اوف وايت، والركنة هعملها كاشمير، بس حيطة الشاشة إحنا عاملينها خشب بني، فالاتنين هينفعوا". قلب عيناه بلا اهتمام مجيبًا: "هاتي البني". أومأت باقتناع، أو هكذا بدا، قبل أن تقول للبائع: "خلاص هاخد الكاشمير". "هو أنتِ بتسأليني ليه مادام مش هتعملي برأيي؟!!" سألها بتعجب وغيظ في الوقت ذاته، لتبتسم له تلك الابتسامة التي تسحره وهي تجيبه بنبرة بها بعض الدلال: "يا حبيبي أنا ببقى محتارة، بس أول ما باخد رأيك بلاقيني ارتحت لعكس اللي اخترته تلقائي". ضرب كفيه ببعضهما وهو يغمغم لذاته: "حاجة تفقع المرارة، مش كفاية مراد وهدان نازل يلف على المعارض ويشتري سجاد ونجف، لا كمان مش عاملة رأيي حساب!". "ها يا حبيبي، يلا؟" نظر لها مبتسمًا بغيظ، وأومأ برأسه لتجحظ عيناه وهو يسمعها تخبره بينما سبقته بخطواتها للخارج: "يلا هات السجادة بقى". عاد من ذكرياته وهو يمنع ضحكته بالكاد، لا يستطيع أن ينسى مظهره وهو يحمل السجادة ويسير بها وسط العامة، شعر حينها أن الجميع يعرفه ويستنكر فعلته، رغم أنه اختار مكانًا لا يذهب إليه ذوي المكانة الرفيعة، ولكن الهواجس لم تتركه حينها. " مراد؟ سرحت في إيه يا بني؟" فاق من شروده ليجيبها بهدوء: _ معاكِ اهو يا حبيبتي، معلش كان عندي شغل كتير الفترة الأخيرة والفترة الجاية كمان هيبقى أكتر. _ ربنا معاك يا حبيبي ويقويك يارب. هز رأسه بلا اهتمام، وأقبل عليها يقبل وجنتها بحنان وهو يخبرها: _ أنتِ عاملة إيه؟ محتاجة حاجة؟ نظرت له لثواني بتوتر وتردد ظهر واضحًا في عينيها قبل أن تقول: _ مراد، أنا.. أنا.. يعني.. _ في إيه يا ماما ما تقولي! قالها بتعجب من توترها البالغ، لتزفر أنفاسها بضيق قبل أن تقول: _ أنا عاوزة حاجة فعلاً، بس مش عارفة هتقدر تحققهالي ولا لأ؟ ابتسم ابتسامة جانبية وهو يخبرها بثقة: _ مفيش حاجة في الدنيا مقدرش أنفذها، قولي بس عاوزة إيه؟ أدمعت عيناها، وفركت في كفيها بتوتر بالغ، وبصوت مهزوز قالت: _ مراد أنا، أنا عاوزة أمشي من هنا، عشان خاطري مشيني من هنا لأي حتة، بس مبقتش متحملة أعيش هنا أكتر، أنا.. أنا حاسة إني لو فضلت هنا أكتر من كده هموت. تجمدت ملامحه وهو يسألها بنبرة تبشر بهبوب العاصفة: _ بابا عملك حاجة؟ بيضايقك؟ نفت برأسها صدقًا: _ لا، بس أنتَ عارف إن أنا وهو منفصلين من سنين وعايشين مع بعض بس عشانك، لكن دلوقتي أنتَ كبرت، مبقتش محتاج لوجودنا احنا الاتنين سوا، أنا استحملت خوفًا عليك إنّي أسيبك لوحدك معاه وأنا عارفة إنه قاسي، لكن دلوقتي خلاص أنتَ كبرت ومبقيتش محتاجني أحميك، أنا اللي محتاجالك تحميني دلوقتي يا مراد وتحققلي اللي يريحني. لم يرد الضغط عليها أكثر وهو يشعر بقرب انهيارها، فأومئ لها برأسه وهو يخبرها: _ حاضر، اديني بس كام يوم وهخرجك من هنا، مش لوحدك، هخرج أنا وأنتِ مش هتخرجي لوحدك، مش هسيبك تعيشي لوحدك بعيد، بس اديني فرصة أرتب أموري. أومأت برأسها موافقة وهي تلتقط أنفاسها وكأنها أزاحت حملاً كبيرًا من فوق كاهلها، ولكن يبقى خوفها الأكبر منه هو.. حسن، بالتأكيد لن يمرر الأمر على خير.
***
بعد ساعة طلبه "طارق" يخبره بوجوده برفقة المأذون، ليذهب لهما بالقرب من منزله، سار بخطواته الثابتة وظهره المفرود تجاههما حين رأى "طارق" ورجل غريب يقفان خارج سيارة "طارق"، رأى اهتزاز حدقتي الرجل وهو يراه يقترب منهما، فابتسم بثقة وهو يتوقف أمامهما، يردف بصوت جامد:
_ خير يا حضرة المأذون، رافض تكتب الكتاب ليه؟
توتر في وقفته وهو يجيبه:
_ ياباشا البيه بيقولي إنّي هكتب باسم غير الاسم، وده حرام شرعًا.
هتف "مراد" بنبرة خطرة:
_ بقولك إيه يا شيخ أنتَ راجل كبير في السن ومش عاوز أزعلك مني، هتكتب في الورق بتاعك اسم "مراد وهدان"، وفي الخطبة اللي بتقولها دي قول "زين"، سهلة أهي.
بدى الامتعاض والرفض واضحًا على محيا الرجل وهو يقول:
_ ازاي بس يا بني، يعني أكتب في عقد القران اسم، وأقول خطبة القران باسم تاني؟ وأخد موافقة العروسة إزاي وهي فاكراك شخص تاني! كده الجواز كله باطل!
اقترب ومد كف يده يضعه على كتف الآخر وردد بتحذير قاتل:
_ بقولك إيه يا شيخ، هتكتب الكتاب ولا أكتب أنا اسمك في تعداد الوفيات؟
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وهو يومئ برأسه موافقًا حين حرك "طارق" سترة بدلته وظهر المسدس المثبت في جانبه، فجعل الرجل يدرك مع من يتعامل.
***
_ يابنتي يعني إيه اللي حصل؟
تسائلت بها والدة "جاسمين" لتلك الباكية التي لم تتوقف عن البكاء منذُ أن أتت، وترفض أن تبوح بشيء، وفي نهاية المطاف، كانت تجيبها من بين بكائها:
_ مفيش يا مامي، زعلانة مع باهر شوية بس.
_ طيب إيه اللي حصل يا حبيبتي؟ غلط فيكِ؟ ضربك؟
نفت برأسها وهي تجيبها:
_ لا، محصلش كده، هو بس سوء تفاهم، سيبيني بس يا مامي وأنا هبقى كويسة.
تنهدت والدتها بيأس وقررت ترك مساحة لها كي تستطيع إخراج حزنها دون حاجز، فانسحبت من الغرفة بهدوء، وانخرطت هي في بكاء أعنف وكل كلمة قالها لها تُعاد في ذهنها، والتي كان وقعها على قلبها أقسى من وقعها على مسامعها.
***
كان جالسًا في مكتبه في الشركة الخاصة بهِ، حين أتاه اتصال من الرجل المكلف بمراقبة ولده، فأجاب على الفور وهو على ثقة أنه سيعلم جديد..
_ ها؟
كان هذا رده الذي حث الأخير على الحديث حين قال:
_ باشا أنا عرفت حاجة من شوية بالصدفة، وقولت لازم أبلغك.
_ أخلص.
_ أنا شايف تجهيزات كده في بيت خديجة، ولما سألت أهل المنطقة قالولي إن النهاردة كتب كتابها على واحد من اللي شغالين معاها في المطعم، وأكيد ابن سعادتك مراد باشا.
انتفض "حسن" من مجلسه وهو يهدر بهِ:
_ كتب كتاب مين يا حيوان أنتَ؟ كتب كتاب إزاي؟ هم اتخطبوا امتى عشان يكتبوا كتابهم؟!
رد الرجل بتوتر:
_ ياباشا مهو طلعوا مخطوبين من سنتين لما سألت الراجل قالي كده، ومش عارف إزاي اتخطبوا وأنا ملاحظتش، ده أنا حتى سمعت إنه كان بياخدها ويروح ينقوا العفش، معرفش كل ده حصل امتى وإزاي.
_ أنتَ زي قلتك، لو كنت عرفت اللي بتقول ده من زمان، حسابك معايا بعدين يا بهيم أنتَ.
أغلق الهاتف وألقاه أرضًا بعصبية بالغة، وأخذ يدور حول نفسه في محيط المكتب، شاعرًا بقرب توقف عضلة قلبه من فرط غضبه، وهو يتمتم بين أسنانه:
_ عملتها يابن وهدان، عملتها وهتتجوز الجربوعة دي، لعبتها صح وعرفت إزاي تخبي عليَّ، بس ماشي، ابقى شوف مين هيسيبك تتمم الجوازة.
أردف بالأخيرة بغل وهو يتجه لهاتفه يلتقطه طالبًا نفس الرقم مرة أخرى، وما إن سمع الإجابة حتى هتف:
_ هتسمع اللي هقولك عليه وتنفذه بالحرف الواحد....
***
واتى الموعد المنتظر..
بداخل غرفتها المتهالكة كانت تقف أمام المرآة وخلفها "فريال" التي تنظر لها مبتسمة بفرحة، ابتسمت "خديجة" واللمعت عيناها بالسعادة التي لم تعرف طريقها يومًا وهي تطالع انعكاس صورتها، ترتدي فستانًا أبيض بتصميم بسيط، بهِ بعض الكريستالات المرصعة عند منطقة الصدر، وحجابها الأبيض المماثل، واليوم سمحت لنفسها بوضع مستحضرات التجميل الخفيفة على وجهها، فبدت ساحرة!
_ وه! يابوي على الحلاوة، تتاكلي أكل يابت خالي.
أردفت بها "فريال" بابتسامة واسعة، لتلتف لها "خديجة" وهي تقول بتوتر:
_ أنا خايفة أوي، وحاسة إني مش متمالكة أعصابي، متوترة وحاسة إني مش طالعة حلوة، وخايفة من الحياة الجديدة اللي داخلة عليها و...
_ بس بس، على مهلك، إيه يا خديجة كل ده، طبيعي تكوني خايفة وجلجانة ومتوترة، أنا لما كتبت كتابي كنت نفس إحساسك ده، رغم إني خابرة إنه مجرد كتب كتاب والفرح بعد ٤ سنين، بس شعور طبيعي، فاهدي ومتجلجيش استعيذي من الشيطان أكده، واقري الفاتحة في سرك.
أومأت "خديجة" موافقة وأخذت تردد الفاتحة وهي تفرك كفيها ببعضهما بتوتر، حتى استمعت لطرقات "مصطفى" فوق الباب وتبعها فتحه وهو يخبرها بابتسامة:
_ يلا يا خديجة، المأذون عاوزك عشان يسمع رأيك.
زفرت أنفاسها المتوترة مرارًا حتى استعدت للخروج..
وبنفس اللحظة أخبرتها "فريال" حين وقع بصرها على الطاولة المجاورة للباب وفوقها ظرف كبير:
_ ياخرابي على مخي، نسيت أقولك إن في حد جه قبل العصر وسابلك الظرف اللي هناك ده.
قطبت "خديجة" حاجبيها متعجبة:
_ ظرف! ظرف إيه ده؟
واتجهت له ملتقطة إياه، وما كادت تفتحه حتى استمعت لصوت "مصطفى" يخبرها:
_ مش وقته يا خديجة، الناس مستنية بره، يلا وشوفيه بعدين.
فتركته فوق الطاولة مرة أخرى وخرجت، وفقط لو تعلم ما بهِ لتخلت عن أي شيء وفتحته، فقد كان منقذها... لكنها ترتيبات القدر!
طلت عليهِ لتأخذ دقات قلبه، طلتها جعلته يتصنم محله وهو يراها بهذا الجمال، وهذا السحر، كأنها جنية سحرته، أو نداهة تلك التي رويَ عنها في الأساطير قديمًا، وفجأة رآها تتجسد في صورة تلك الطفلة الصغيرة ذات الثماني سنوات، تلك "صغيرته" و "فتاته" التي ارتبط بها قلبًا وقالبًا، رآها مقبلة عليهِ، وابتسامتها تزين ثغرها، حتى أنها كاد ينهض ليلتقطها بين أحضانه لولا سماعه لصوت "باهر" الذي أفاقه وأعاده لأرض الواقع وهو يقول:
_ العروسة أهي يا شيخنا.
وعلى مضض كبير نظر لها الشيخ آسفًا وهو يسألها:
_ قوليلي يا آنسة خديجة، تقبلي تتجوزي الأستاذ...
صمت وكأن لسانه غير قادرًا على النطق بالزور، لولا نظرة "مراد" القاتلة له والتي جعلته يكمل:
_ الأستاذ زين محمود السويسي.
أخفضت رأسها بخجل وهي تجيبه بخفوت:
_ أيوه، أقبل.
_ من غير ما يكون حد ضاغط عليكِ أو جابرك؟
سألها الشيخ ثانيًا كأنه يتمنى لو تغير رأيها، لكنها خذلته وهي تؤكد بالقبول، ومرغمًا ألقى خطبته وتم عقد القران، لا يتوقف سوى على إمضائها، والتي تولى "مراد" هذا الدور وهو يخبره:
_ عنك يا شيخ أنا همضيها.
عارضه "باهر" وهو يقول ممتعضًا:
_ وممضيهاش أنا ليه؟
نظر له "مراد" بجمود قائلاً:
_ عشان أنا بقيت جوزها مثلاً!
أنهى جملته واتجه لها بالدفتر، وضعه فوق قدمها وأعطاها القلم، وتعمد وضع كفه على محل إمضته هو، وكأنه يشير لها بمكان إمضتها، وبحنكته المعهودة استطاع جعلها تمضي جميع الأوراق وتبصم دون أن ترى اسمه، حتى انتهت، فأسـرع بإغلاق الدفتر، وأعطاه للمأذون..
خطوتان وعاد إليها ليباغتها وهو يلتقطها بين أحضانه، غير عابئًا بالجميع، ولا بشهقتها هي الخجلة، احتضنها وشعر حينها بأنه ملك العالم بأسره، كأنه للتو استطاع أن يتنفس، أغمض عينيه وترك خياله يسبح في هذه الضمة، ترك مشاعره تثور، وتعلن عن وجودها، ولم يشعر حتى بدمعته التي انسدلت فوق وجنته تعبيرًا عما هو فيه، ولأول مرة منذُ سنوات تعلن دموعه عن تواجدها، دفن رأسه في كتفها وهو يشدد من احتضانها، غير مباليًا بطول مدة العناق.
وعنها فجسدها ينتفض بين جسده، لقد ظنت أنه حين قصد "حضن كتب الكتاب" سيكون بينهما، بمفردهما، لكنه فاجأها ولم يهتم لأحد، ولكن قلبها ما بهِ؟ إنه ينتفض حقًا؟! تشعر بقشعريرة لذيذة وغريبة تسري في جسدها، أحبت عناقه، لكن وجود من حولها يثير خجلها أكثر ويوترها، حاولت أن تهمس له بأن يبتعد، لكن كيف سيسمعها وهي رأسها تقريبًا مدفون بكتفه، وجاءت النجدة من "باهر" الذي تنحنح وهو يقول بعدما صرفَ المأذون و "طارق" الذي حضرَ كشاهدًا، ورجل آخر من طرف "مراد":
_ مش كفاية كده ولا إيه؟
فتح "مراد" عينيه على جملة الأحمق، السخيف، ليتوعد له وهو يستقيم، ولم يفلتها، بل أحاط كتفيها بذراعه بكل راحة وهو يقول:
_ مراتي، حد له عندي حاجة؟
ابتسم "باهر" بغيظ يخبره:
_ لا، بس في حدود برضه، بعد الفرح اعمل اللي تعمله.
_ طيب مش من حقي أقعد معاها على انفراد دلوقتي؟
رددها ببراءة شككت "باهر" بهِ لكنه لديهِ حق، فمن سيعترض!
_ لا، حقك، أنا همشي أنا يا خديجة، تعالى يا مصطفى عاوزك.
قالها "باهر" وهو يخرج من الشقة و"مصطفى" يتبعه، تنحنحت "فريال" بحرج وهي تقول:
_ خديجة، أنا هدخل يا حبيبتي أروق المطبخ وكده.
أومأت لها "خديجة" بخجل من الموقف بأكمله، لتسرع "فريال" في الاختفاء.
_ حبيبتي ما تسبقيني على أوضتك وهحصلك.
اتسعت عيناها فزعًا وهي ترتد للخلف وقد سقطت ذراعه من على كتفها:
_ أوضتي!!
أوضة إيه يا زين؟ ده كتب كتاب مش فرح!
_ يا حبيبتي عارف، بس هنقعد في الصالة إزاي واللي رايح واللي جاي، مش هناخد راحتنا، ياستي لو عاوزة تسيبي باب الأوضة مفتوح معنديش مانع.
وما قاله بالأخير طمأنها قليلاً، وبالفعل شقتها صغيرة لدرجة إن جلسوا في الصالة وتحدثوا ستسمعهما فريال بالتأكيد وهكذا مصطفى حين يعود.
دلفت للغرفة بتوتر وتردد كبيران لكنها بالأخير فعلت..
انتظر حتى عودة "مصطفى" وابتسم له بلطف زائف وهو يناديه:
_ تعالى يا درش عاوزك.
اقترب منهُ "مصطفى" مبتسمًا، لا يعرف لمَ أحب هذا الرجل منذُ أول مرة رآه بهِ، وللعجب ليس هذا فحسب بل أُعجب بهالة من الكبرياء والشموخ التي تحيط بهِ رغم عدم رؤية أحد لهذا، لكنه رآها بوضوح، رغم تعامله اللطيف والطبيعي! وهذا ما جعله لا يستطيع نطق اسمه مجردًا.
_ نعم يا أبيه.
أحاط "مراد" بذراعه كتفه وهو يسأله بود:
_ قولي باهر كان عاوزك في إيه؟
أجابه بصدق:
_ كان بيقولي أول ما تمشي اتصل عليه أعرفه، ولو طولت اتصل عليه قبل ما تمشي، عشان هو يتصرف ويخليك تمشي.
ضاقت عيناه بمكر وهو يستمع لحديث الآخر، إذًا "باهر" يريد فرد سلطته حتى وهو بعيد! إن بدأ هذه اللعبة فهو خير من ينهي المباراة لصالحه، فاخرج من جيبه حافظته وعبث بها قليلاً مخرجًا بعض العملات الورقية ربما تخطت الأربعمائة جنيهًا، ووضعهم في جيب "مصطفى" أسفل نظرات الآخر المصدومة، ليبتسم له "باهر" بود قائلاً:
_ خلي دول معاك يمكن تحتاج حاجة للدروس، ومن هنا ورايح أي حاجة تحتاجها تقولي أنا عليها ملكش دعوة بخديجة، ويا ريت متعرفهاش عشان الجنونة بتاعتها متقومش علينا وتقف تدينا محاضرة عن الكرامة وعزة النفس.
ضحك "مصطفى" بسعادة بالغة وهو يومئ برأسه سريعًا:
_ لا لا مش هقولها خالص.
ربط على كتفه وهو يقول:
_ جدع يا مصطفى، عاوزك بقى كمان عشر دقايق كده تتصل بابن عمك ده وتقوله إني مشيت، ماشي يا حبيبي؟
وبدون تفكير كان "مصطفى" يجيبه:
_ عشر دقايق بالثانية وهكلمه.
_ جدع يا درش.
رددها وهو يبعثر خصلات شعره بمرح، وتركه متجهًا لغرفة "فتاته".... دخل الغرفة ليتسمر محله وهو يراها واقفة أمام المرآة بعد أن تخلت عن حجابها سامحة لخصلاتها السوداء بتغطية ظهرها، ما زالت بنفس فستانها وزينتها البسيطة، لكنها تخلت عن حجابها فقط، رآها تفرك كفيها بتوتر واضح، وأخفضت نظرها فور انعكاس صورته في المرآة خجلًا، اقترب بخطواته التي ترفع من دقات قلبها وقلبه هو قبلها، حتى أصبح خلفها تمامًا، فقبض على كتفيها برفق يديرها له، فاستدارت وما زال نظرها يطالع الأرضية، استمعت لتنهيدة عميقة خرجت منه قبل أن تسمعه يقول بنبرة لم تسمعها منهُ من قبل، نبرة مليئة بالمشاعر:
_ وهل يرضيكِ إن أهديت عيني إلي عينيــكِ
تنظـرها ثوانيفأسقط والفـؤاد صريع حبٍومغشيٌّ عليه بمـا غشـانـيوحسبي في الهوى أنّي جليسٌلمن جلست على عرش الحِسانِتفيض من الرّبيع أريج عطرٍوتمـلأ روحهــــا ريـح المكـانِ
هي الحسناء ما أسكَتُ عنها مساعي القربلو جاءت زمانيولكنّ البديـع أراد منهـا عزيـزاً في المنال لكي أعـاني.
رفعت نظرها له مندهشة وسألته باستغراب:
_ أنتَ ليك في الشعر؟!
ضحك بخفوت وهو يجيبها:
_ عمري، بس حسيت إن أي كلام هقوله ليكِ مش هيوصلك للي جوايا، وكنت سمعت حد مرة قال أن الشعر بيعبر عن اللي منقدرش نعبر عنه بكل كلامنا العادي، ففضلت أدور وأبحث لحد ما لقيت دي وحسيت إنها ممكن توصل جزء من احساسي.
أدمعت عيناها وهي تنظر له بامتنان جم وقالت ضاحكة:
_ حلوة أوي، عجبتني.
رفع كفيهِ ليكوب وجهها بينهما غير مهتمًا بتلك النفضة التي أصابتها ولا بالقشعريرة التي انتابته، وأعينه تحمل حبًا وشوقًا، لهفةً وعشقًا، كان يهمس لها بأعين لامعة:
_ خديجة، أنا بحبك، بحبك أكتر حاجة في دنيتي، وأكتر من أي حاجة ممكن تتخيليها، مش هبالغ لو قولتلك بحبك أكتر من نفسي بمراحل، بس ده هتكتشفيه لوحدك مع الوقت، هتعرفي إني مستعد أضحي بروحي عشانك، هتعرفي إن بكلمة منك تقدر تغير مزاجي وتقلب يومي كله، أنا عمري ما حد قدر يسيطر عليَّ، ولا يفرق معايا لدرجة إني أغير قراري عشانه، عمري ما حطيت روحي في إيد حد، ولا سمحت لحد ياخد جوايا أكتر من اللي المفروض ياخده، لكن أنتِ...
تنهيدة أعمق وهو يهز رأسه يأسًا على حالته معها:
_ أنتِ كسرتي كل القواعد، خلتيني أحط روحي في إيدك وأنا راضي، تخيلي!؟
انسدلت دمعاتها بسعادة، لم تتخيل في أضغاث أحلامها أن تسمع كلامًا كهذا من أحد، لم تتوقع أن يحبها أحدهم هكذا!
_ أنا... أنا كمان بحبك، مش عارفة حبيتك إزاي وأنا كنت حالفة ما أعيش الحب ولا أجربه، بس لقيتني بقع فيك من غير ما أحس، لقيتني مهتمة بتفاصيلك وبسلامتك، لقيت قلبي طاير لما اعترفتلي بمشاعرك وإنك جاي تتقدملي، كل يوم في سنتين الخطوبة كنت بحبك أكتر، لحد ما.. ما مبقتش شايفة حياتي من غيرك، أنا بحبك أوي يا...
قاطعها كي لا تكمل، قاطعها لأنه لا يريد أن يسمع لإسمه المستعار، لا يريد أن يفقد حلاوة حديثها بذكرها لإسم لا يخصه، ومقاطعته لها كانت بشيء لم تتوقعه، شيء حبسَ أنفاسها بداخلها، حين اقتحم عذرية شفتيها ليثبت أنه الآن بات زوجها بحق!
دقائق وصلت بها مشاعرهما لأقصى ما يمكن أن تصل بهِ، والاثنان لا يصدقان أنهما يمران بتجربة كهذه، حتى ابتعد عنها ولم ينظر لها فقط احتضنها، وبقيت في أحضانه لأكثر من خمس دقائق.. لا حديث، فقط مشاعرهما تتحدث.
***
استمعت لدقات فوق باب غرفتها التي تتخذها مخبأً لها، فاتجهت بكرسيها لتفتحه، فوجدت "حسن" أمامها، امتعضت ملامحها وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى وهي تغمغم بضيق:
_ نعم؟
ابتسم ساخرًا وهو يخبرها بينما يستند بذراعه على جانب الباب:
_ مش جاي أزعجك متخافيش، أنا جاي أبلغك حاجة وأمشي.
نظرت له بنفس ملامحها تحثه على الحديث لتسمعه يسألها:
_ اومال المحروس ابنك فين؟
عقدت حاجبيها استغرابًا، اجابته:
_ إيه اللي فين؟ في الشغل.
ضحك بسخافة يخبرها:
_ شغل! لأ واضح إنك متعرفيش صحيح، ابنك يا ليلى هانم غفلني وغفلك.
_ أنتَ بتقول إيه ما تتكلم من غير ألغاز!؟
هدرت بهِ وقد قلقت من حديثه على ولدها، لتراه يردد بكره حقيقي:
_ ابنك راح يتجوز، النهاردة كتب كتابة على بنت الخدامة فاكراها؟ اللي زمان قولتيلي عيال وبيلعبوا، واقولك الأكتر بقى...
اقترب بجسده منها وانحنى ليكن وجهه مقابل لوجهها وهو يخبرها بابتسامة متشفية:
_ ابنك راح يتجوزها باسم تاني وشخصية تانية، عارفه ليه!؟
ملامحها مصدومة، عيناها واسعتان غير مصدقة ما يقع على مسامعها، هل "مراد" خدعها وكذب عليها كل هذه الفترة السابقة!
رأى صدمتها ليبتسم أكثر وهو يقول:
_ هقولك ليه... عشان هو زمان قتل أختها، سارة.. فاكراها، يعني ابنك مش أحسن مني يا ليلى.. قعدت سنين بتحاربي عشان يكون أحسن مني، لكن الحقيقة إنه من وهو عنده ١٢ سنة قتل! تخيلي...
حُبست أنفاسها في صدرها لثواني، وتجمدت دماؤها غير مستوعبة ما تسمعه، وكان أول ما هتفت بهِ وقد زينت دموعها وجنتيها، بانهيار تام كانت تقول:
_ لا.. لا أنت كداب، ابني مش كده، ابني مش هيكون زيك، أنا ضيعت عمري عشان ميكونش زيك.. مراد مش كده، مش كده سامع يا حسن، سااااامع...
صرخت بالأخيرة بقهر وقد ذهب من أمامها، بلا مبالاة بحالتها، فقد أوصلها ما أراد إيصاله.....
***
_ امشي بقى يا زين اتأخرت أوي..
أردفت بها "خديجة" وهي تسحب يدها من يده الممسكة بها منذُ ساعة مضت، أشبعها كلامًا معسولاً، حتى أرهق مشاعرها، خجلت بما يكفي اليوم، ألن يذهب إذًا!؟
تأفأف نازقًا وهو يخبرها:
_ أنتِ زهقانة مني؟
ابتسمت له وهي تجيبه:
_ لا والله، بس بجد كفاية كده، عشان برضه فريال مش واخده راحتها بره لتطلع في أي وقت.
وعلى مضض كان يعقب لاويًا شفتيهِ كالأطفال:
_ ماشي، بس هاجيلك بكرة تاني.
ضحكت وهي تهز رأسها بيأس على تذمره، وتمسكه بها وكأنها ستهرب، وبعفوية منها قرصت خده بلطف تخبره:
_ أنتَ تيجي في أي وقت براحتك أصلًا.
غامت عيناه بالمشاعر مرة أخرى واقترب بوجهه قليلاً يخبرها بوله:
_ همشي، بس هاتِ قبلة الوداع.
انتفضت مبتعدة عنه ضاحكة:
_ وداع إيه أنتَ مهاجر! بطل قلة أدب بقى.
أنهت حديثها وخرجت من الغرفة على الفور ليضطر هو أن يتبعها، وودعته أمام باب الشقة، وعادت لغرفتها تخبر "فريال":
_ فريال هدخل أغير وأطلعلك..
دلفت للغرفة مغلقة الباب خلفها استندت على ظهره تتنهد بحالمية، لقد كانت طوال الساعة المنصرمة ترتفع فوق السحاب، تمنت لو لا يمر الوقت، تمنت لو بإمكانها الذهاب معه لشـقته الآن...
خجلت من تفكيرها لتضرب جبهتها وهي تردد بمرح:
_ إيه الهطل ده، أنا لازم أتقل شوية مش كده، بس أتقل إزاي بعيونه الزرقا ولا الخضرا ولا الرمادي دي اللي محدش عارفلها لون ولا كلامه اللي...
توقفت وهي ترى ذلك الظرف الذي أخبرتها عنه "فريال"، فاتجهت له تتفحصه باستغراب، وقررت فتحه لتَرى ما بداخله....
وياليتها ما رأته، ليتها لم تفتحه من الأساس..
أوراق، صورة بطاقة، وصورة من جريدة لصورة تضم "مراد" وهو ببذلة أنيقة جدًا ويقف وبيده سيجار، وكُتب فوقها بالبنط العريض "رغم صِغر سنه، استطاع رجل الأعمال" مراد وهدان" أن يُثبت جدارته خلال سنوات قليلة، ليترأس قائمة أفضل رجال الأعمال الصاعدين"
ومرفق بهم صورة لها وله حين كانا طفلان.