امسكته بيد مرتعشة، رامقة لحروف اسمه، مترددة هل ترد وتفتح على قلبها سيل من الآلام من جديد، ام انها تلبي نداء القلب وتغرق في محبته وتوصل احبال الهوى التي انقطعت بسبب الطمع وحب المال. حسمت قرارها للتو وردت عليه بلهفة وحب سنوات ينمو ويكبر بداخلها هاتفة: -عرفت باللي حصلي يا حبة القلب؟
-لسه عارف من هبابه، وجتلك طوالي واستنيتك كتير جوي تحت شباكك يمكن تحني على الغلبان بنظرة، ولما غبتي مسكت التلفون واني بدعي ربي ان امك معتشوفش اسمي وتمنعك تردي عليا. ردت في قوة وتحدي لا تعرف من أي جاء بها للتو. هل من كثرة شوقها وحبها له؟ ام مما مرت به من موقف صعيب وبيعها بهذه الطريقة المهانه. لكن مهما يكن السبب، ارادت ان تتخلص مما فيه، لذلك اكدت عليه متشدقة:
-لا معتخافش تاني واصل يا حبة القلب ودقاته، اني من بعد اللي جرالي مبجاتش اخاف عاد تاني. صمت لبرهة يستوعب قولها، واذنيه لا تصدق ما سمعه، لذلك قال مترجياً: -يعني عتقفي جاري يا لبة القلب، ونتحدوا الكل عشان ننول المراد؟ -معاك لاخر نفس عنتنفسوه يا حبة جلبي من جوه. -عحبك جوي جوي يابسمة جلبي من جوه، واتوحشتك فوق ما عتتخيلي يا بَه. -واني كومان زيك واكتر هبابة منك يا معاطي، بس عنعمل ايه مع اماي؟
-سبيها على معاطي، عسوق عليها طوب الارض طوبة طوبة لحد ما عترضى على معاطي الغلبان. -يارب يا معاطي يسمع منك ربنا، ويهديكي علينا يا ماي، أني هقفل بقى وياك عشان معتحسش بيا وتعرف اننا عنتكلم سوا. -طب اطلعي هبابة املي عيني منك.
اغلقت معه وفتحت نافذتها التي كانت بمثابة طاقة نور وأمل بالنسبة للعاشق الولهان أسفل، فحين طلت عليه برغم كثرة بكائها وحمرة عينيها، إلا أنها كان وجهها يشع ضياء أضاء قلبه ووجهه. تبسمت له بحب، وشاور لها ثم انصرف والسعادة تغزو صدره تجعل قلبه يرفرف فرحًا. ***
ومرت الأيام سريعًا وكان "معاطي" عند قوله، وحاول مع والدتها كثيرًا وجعل كبار البلد تتوسط له لديها. كل اقاربها الرجال، طرق كل الأبواب وترجى خالها ليتوسط بينه وبين اخته، لكنها كانت عند موقفها بالا توافق إلا إذا كان يملك عملًا مربحًا، وأرض يبني عليها منزلًا كبيرًا مثل الذي تسكن فيه. لم تشفع لبكاء ونحيب ابنتها، فقد استعملت معها كل سبل الضغط لتؤثر عليها. جلست بمفردها في غرفتها، قاطعت الطعام لعدة أيام، قاطعت الحديث معها، كل هذا واكثر وهي متمسكة بموقفها الذي لا تتنازل عنه مهما حدث.
*** وفي ذات يوم توجهت لمنزل خالتها تطمئن عليها فكانت حالتها حزينة منذ ما حدث. وإذا فجأة تسمع طرقات على الباب، قامت بفتحه وإذا بها ترى الواقف أمامها "مهران" ابن خالتها. كان الانكسار والحزن يكسو وجهه، عيناه السوداوتين الحسرة والهم عشّش داخل الجفن والنني. من يراه لا يصدق بأنه "مهران". النظرة منه تشرح القلب الحزين تكون هيئته هكذا، حاله تبدلت. كادت ان تشاوره بالدخول، أوقفها صوت خالتها قائلة بصوت جهور:
-عندك يا ولد، اجف مكانك ولا تخطي خطوة واحدة جوه الدوار، ملكش حاجة اهنه، روح ما طرح ما جيت. مش اخترت المصراوية اللي بعدتك عن اهلك وارضك، وخليتك تعيش فريحها، جيت ليه تاني عاد؟ قال والدموع كونت سحابة أمام عيناه جعلت الرؤية مشوشة غير واضحة لكن نبرة صوته بها ترجي: -جيت عشانك يا أماه، جيت استسمحك ترضي على ولدك. قاطعته وقالت وهي تستمد قوتها من عجزها المتشبثة به مرددة:
-اني محديش ولاد، ابني مات ودفنته وسكن التراب، وملكش أم اهنه، ورجلك إياك طول ما أني عايشة تعتبها ولا تخطوها، ويوم ما ييجيك خبري؛ ما يعزاكش تمشي في جنازتي ولا حتى تاخد عزايا. حاول يقاطعها ويحنن قلبها، لكنها شاورت بيدها انه يقف عن الحديث بأي حرف، ثم قوت روحها بنفسها وقالت: -وعيكون في معلومك انت محداكش عندي لا أرض ولا مال، وكل اللي ليك راح اعتبره صدقة. خلي بقى بنت المصراوية تنفعك، مشي روح لحالك ومش عايزة المح طيفك تاني.
كانت "بسملة" ترمقه بشفقة على حالته، وايضًا لم تتعجب من قسوة خالتها، فهي واختها ورثوا نفس القوة وقسوة الطبع. وعندما أولاها "مهران" ظهره وتحرك بخطى ثقيلة محملة بخذلان أقرب ما لديه، سمع صوت "بسملة" منادية عليه قائلة: -استني يا ولد خالتي. التفت لها وعيناه تسألها:
-اني حاسة بيك والخذلان اللي عتشوفه في عينك كبير جوي، اسألني اني عن قسوة القلب، راح عقولك موجودة في أماي وخالتها، معليش يا مهران فترة وبإذن الله عتعدي وربنا عيهديهم هما الاتنين. أخرج "مهران" تنهيدة وجع من جوفه، ونظر لها بتمعن قائلا: -شكلك موجوعة أوي يا بسملة؟ -جوي جوي يا ولد خالتي، ومشكلتي ملهاش حل واصل غير في ربنا.
برغم حالته وما يشعر به، لكنه أشفق عليها فالذي ذاق مرار القسوة والخذلان يشعر جيدًا بغيره، فقال لها مؤكدًا: -مفيش مشكلة وملهاش حل، احكيلي ويمكن يكون عندي حلها. -عن جد يا مهران؟ -عن جد يابت خالتي، قولي مشكلتك؟
تنهدت "بسملة" وقصت عليه من بداية معرفتها وحبها لـ "معاطي" حتى هذه اللحظة. حزن على تفكير خالتها المادي، وكيف لها ان تخطط لتعاسة ابنتها من اجل ان تزوجها لرجل ثري يجلب لها مال وأطيان، تاركة رجل يريدها و يتمنى سعادتها. ربت على كتفها بحنان وقال بآسف:
-حقك عليا أنا كمان جيت عليكي وظلمتك يا بسملة، وكنت فاكر انك وافقتي على الراجل الثري بإرادتك، لما حكالي خالي بالمختصر انك هتتجوزي، لكن لما سمعتك دلوقتي؛ غيرت نظرتي وربنا يقدرني وحل مشكلتك تكون عندي، بس انتي اتصلي بمعاطي وخليه يجي يقابلني. تهللت أسارير صفحة وجهها وتوردت وابتسمت فظهرت لؤلؤ أسنانها، عيناها ترمقه بعدم تصديق، لكنه أومأ لها بصدق ما تفوه به. امسكت هاتفها ورنت على رقمه الذي حفظه عن ظهر قلب، فأجاب فورًا قائلا:
-لبه القلب من جوه بتطلبني، يادي الهنا اللي انت فيه يا واد يا معاطي. خجلت من رده وقالت بتوتر: -ملوش لازمة حديثك ده دلوقتي، هيم بسرعة وتعالى طوالي، ولد خالتي مهران عايزك ضروري. حين سمع باسمه استشاط غيظًا وقال بصوت مرتفع: -وماله بيكي الجدع ده، اني خلصت من عريس الغفلة؛ عشان يجي ولد خالتك يقف بينا، انتي واقفه بتتحدتي وياه ليه، في ايه بينك وبينه انطقي؟!!
توترها زاد حين سمعت صوته المرتفع الذي وصل لـ "مهران" فأشار لها بيده وأخذ منها الهاتف وقال له بهدوء عكس بركان الوجع المشتعل بداخله: -اهدي يا معاطي، بسملة حكتلي قصتكوا، وأنا حاسس ان من واجبي ناحيتها أساعدها، خصوصًا بعد اللي حصلها وكسر خاطرها عشان كده الحل عندي تعالى قابلني وبإذن الله ربنا هييسر لك وتتجوزها. -صحيح اللي بتقوله ده يا أستاذ مهران؟ -صحيح يا معاطي، متتأخرش وتعالى قوام.
-فريرة وهتلجيلني حداك، انت واقف في أي حتة؟ أبلغه بمكانه ومرت عشر دقائق وكان معاطي واقفًا أمامه وصوت أنفاسه تعلو من سرعة ركوضه مهرولًا له. انتظره حتى هدأت أنفاسه وقال "مهران":
-شوف يا معاطي انا جربت طعم الظلم، ومش عايز حد يجربه، وحاسس ان من واجبي اني أقف جنب بنت خالتي وأساعدها مادام في مقدرتي ده، وان كان حل المشكلة الفلوس؛ فأمرها سهل، ويمكن ربنا جعلني سبب اني جيت عشان أجمع شملكوا على سنة الله ورسوله، يهدي الحال بيني و بين أمي، وتسامحني هي كمان. ردت "بسملة" وآمنت على دعائه بصدق، وانتظرت ليكمل حديثه هاتفًا: -مشكلتكوا مادامت ديتها الفلوس تبقى مش مشكلة خالص، وحلها سهل.
رد بقلة حيلة وحزن "معاطي" متسائلًا: -كيف ده يا أستاذ مهران، هو اني حيلتي حاجة، أجيب منين الجرشنات عشان ترضى عني أمها؟ ربت على ظهره "مهران" وقال: -ملكش صالح بالفلوس، أنا هديك فلوس تشتري بيها أرض، وأزرعها وأبني بيت ليك ولبسملة، ساعتها خالتي مش هتمانع وهتوافق تتجوزها.
وقف متسمرًا "معاطي" الذهول هو من سيطر عليه، عيناه تجري بينها وبين "مهران" يحاول ان يقنع روحه ان ما يسمعه ويعيشه حقيقة مؤكدة وليس حلمًا يراوده في أحلامه. اغمض عينيه وقال بعدم تصديق: -والنبي بتتحك بحق، أجرصيني يابت يا بسملة عشان أصدق؟ ده ولا في الأحلام، وياما في لسه ناس طيبة وعتعمل الخير و هترميه في البحر، ربنا يسعدك يا أستاذ مهران يارب وينولك مرادك بحق ما انت بتساعدنا. تبسمت "بسملة" ورمقت "مهران" بامتنان،
ربتت على كفه قائلة: -أنا مش عارفة أشكرك ازاي يا ولد خالتي، جميلك ده عيبقى دين في رقبتي طول العمر. قاطعها "معاطي" قائلا بحب: -نذرًا عليا لو حصل وتم المراد وربنا رزقنا بعيل هسميه مهران عشان أفتكرك العمر كله، ولما يكبر ع أحكيله أنت كيف عملت معانا وكنت السبب انه يجي للدنيا.
ابتسم "مهران" وشعر بالسعادة عندما شاهدها على وجههما، وشاهد كم الحب الذي يفيض من عيونهما، لذلك قرر انه سيقف بجانبهما حتى يتم زواجهما. توجهوا تجاه سيارته، وأخرج منها دفتر الشيكات الذي يلازمه أينما يكون وكتب له مبلغًا يعادل شراء قطعة أرض، وطلب منه انه يكتبها باسم ابنة خالته ضمانًا لحقها، وهو لم يعارض وظهر حسن نيته، وعاهده بفعل ذلك، وبذلك لم تعارض والدتها. ثم صافحه بحرارة واستقل سيارته وسافر وهو يشعر بأنه فعل شيئًا عظيمًا.
بينما "معاطي" ينظر للذي بيده وعيناه لا تصدق هذا المبلغ الذي وقع عليه من حيث لا يدري، وظل يحمد ربه ويشكره. ودعا له بأن يهدي له الحال ويسعد كما أسعدهما، ثم قال لها: -اني مش قادر أصدق الحلم الجميل اللي عنحلموه ده يا بسملة!! -لا صدق يا عطعوطي، ده فرج ربنا علينا، المهم حافظ على الشيك اللي في يدك زين، لحد ما نصرفه بكره، وشوف واسأل على أرض زينة وعفية أكده عشان تشتريها.
-وه وه وه بقالك كتير أوي مقلتليش عطعوطي ولا سمعتها منك يا لبه جلبي من جوه. -يا خرابي عليك شوف بجقولك ايه، تجولي ايه؟ والله انت رايق يا معاطي. -ومروقش ليه وكلها أيام وهتبقي في داري وتفضلي تجولي عطعوطي دي طول النهار والليل، عشان أشبع منك يا جلبي. ابتسمت بتمني وهي تحلم بتلك اللحظة، ورمقته بنظرة كلها عشق وحب هاتفة: -يارب يا معاطي يكملها ربنا على خير، وعهد عليا ما بطّلش أبدا أناديك بيها يا حبة جلبي من جوه.
-هسيبك أنا لحسن عوجت جوي على خالتي وزمانها استعوجتني، وتبقى تجولي على اللي عملته بكره. -حاضر ياقلبي، في أمان الله وحفظه. عاودت لبيت خالتها، وما إن رأتها حتى سألتها: -كنتي فين كل ده يا بسملة؟ -عوجتي ليه أكده؟ -لا مفيش يا خالتي، اني كنت بتحدد مع مهران، بنطيبوا بخاطره بس. -وايه اللي عيوقفك وياه، ولا تتحدتي معاه مرة تانية واصل، ولا كأنك بتعرفيه من هنا ورايح. قالت كلامها بحدة وغضب، جعلت "بسملة" تقترب
منها وتحاول تهدئتها هاتفة: -ليه أكده يا خالة، ده مهما يكن ولدك ومعيستغناش عنيكي واصل، وإن كان غلط فقلبك كبير ومع الأيام عتسامحيه اني متأكدة من ده عاد. أغمضت خالتها عيناها بتسكن الحزن بداخلهما، ولا تظهر أمامها بالضعف الذي يحتل كل شبر بدواخلها، ثم فتحتهما قائلة:
-انتي معرفاش حاجة يا بتي، اني أبين قدامه وقدامكوا اني قوية وشديدة، لكن في الحقيقة اني ست ضعيفة وكنت بتمنى ولدي الوحيد يقف قدام الكل ويباشر أرضه بنفسه، بدل ما يختار مرته ويعيش بعيد عني، ويهمل كل فلوسه اهنه ويروح يفتح أي شركة يسفر فيها الناس، ولولا اني ضغطت عليه كان عاود تاني للسفر بره مصر، ربنا رزقني بولد كيف عامل زي القرع يمد لبره، وممنهوش فايدة ولا عازة لأهله.
-كيف ده يا خالة، والله ما في أطيب من قلب ولدك، ولا من حنيته، بكفاية كل شوية ييجي البلد يطلب رضاكي، حد غيره كان زهق ومعاودتش تاني، ادعيله يهدي سره يا خالتي ويسعده ويرزقه بالذرية الصالحة. -يارب يابتي، ويعوضك خير على ما صابك. ابتسمت "بسملة" وانشرح قلبها من دعاء خالتها، وتمنت ان ربنا يقرب المراد وتسعد مع من اختاره لها قدرها. ***
ومر ثلاث أيام كان من خلالها يسأل "معاطي" ويستفسر عن شراء قطعة الأرض حتى وجدها بسعر مناسب وتم الاتفاق عليها ودفع مبلغ مقدمًا وكتب عقد ابتدائي. وحين أمسكه بيده ركض مهرولًا تجاه منزل محبوبته، وطرق بابها وحين انفرج طاقة النور على وجهها الساطع، تبسم وطلب منها مقابلة والدتها. أدخلته وتوجهت نحوها واستعطفتها لمقابلته. وعندما رأته قالت: -خير يا معاطي، ايه اللي جابك وحدفك علينا السعادي؟ قام "معاطي" من مجلسه وقدم
لها عقد الأرض وقال بفرحة: -اني جبت مهر بسملة يا خالة، وكمان كتبت عقد الأرض باسمها عشان ترضي عليا وتوافقي تجوزهالي. نظرت متأملة في الورقة وتأكدت من صحة حديثه عاد، ثم عبس وجهها وقالت مستفسرة: -ومن وين جبت كل الجرشنات دي؟ سرقت ولا نهبت مين يا ولا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!