أنتهوا من الطعام وجلسا فوق الأريكة أمام التلفاز. أمسك سليم جهاز التحكم وقام بإغلاقه، فنظرت له داليا باستغراب. هتف لها موضحًا: -أنا بقولك هحكيلك عن اليوم، مش هنتفرج على التلفزيون. أنهى حديثه وهو يتمدد فوق الأريكة واضعًا رأسه فوق فخذها. شهقت بتفاجؤ وكادت تبتعد، إلى أن استمعت لصوته يقول: -جسمي مكسر والله ومش قادر. أنا، هدى، فاهدئي. صمت قليلاً ثم قال بتحسر: -الواد معتصم كان معاه حق لما قال إننا ناخد بكرة أوف من الشغل.
ابتلعت ريقها بتوتر تقول: -طيب ابعد، هقوم أقعد على الكرسي. رفع حاجبه باستنكار وهو ينظر لها: -وأنا أنام على إيه؟ ذمت شفتيها بغيظ تقول: -هو أنا مخدة يعني؟ ابتسم بسماجة يهتف: -هو الصاحب له عند صاحبه إيه يا دودو؟ رفعت حاجبيها باستنكار تقول بحده: -والله! ده على أساس إني لو صحبتك هتنام على رجلي عادي؟ -شوفي أنا فاهم قصدك، بس حظي الحلو إنك مراتي كمان، فيجوز أنام على رجلك عادي. لوت فمها في ضيق تقول:
-وكأن مراتي دي هتستغلها للطوارئ بس! أصدر صوتًا اعتراضًا وهو يقول بضيق: -بطل رغي في الفاضي بقي، عاوز أحكي. ضربت ذراعه بقبضة يدها وهي تقول: -وأنا مش عاوزة أسمع، قوم يلا، قوم. مسك كفها وهو ينظر لها باستعطاف يقول: -يعني أحكي لمين أنا بقي وأنا لا ليا حبيب ولا قريب ولا غريب. ضيقت عينيها بمكر تقول: -ليه ما تتصل بريهام تحكيلها؟ صمت قليلاً ثم زم شفتيهِ برفض يقول:
-وأنا أتصل وأتكلم في الفون وأتعب نفسي ليه وأنا ممكن أتكلم معاكِ، ده حتى الصداقة بتحتم عليكي تسمعيني. -طب قول يلا، أمري لله. قالتها باستسلام مصطنع. أخذ كفها الذي مازال ممسكًا بهِ ووضعه فوق صدره وكفه محاوطًا إياه، وكاد يبدأ حديثه حتى قاطعته هي تصيح بعد أن شعرت بجسدها ينتفض من قربه المُهلك: -إيه ده! أنت هتاخد إيدي كمان، سيب إيدي واحترم نفسك كده. نظر لها بجانب عينيه: -احترم نفسي!
تصدقي بالله أنتِ فصيلة، قومي ياداليا قومي. قالها وهو يزيحها بعد أن رفع رأسه من عليها. ضحكت تقول: -طب خلاص، خلاص بقي هسكت. زفر بضيق وعاد يلقي برأسه على فخذها مرة أخرى. تنهد بعمق وهو يجذب كفها عنوة وكأنه يعاندها. اكتفت بالابتسام رغم دقاتها التي تتعالى بصخب. شرع في الحديث يقول وهو ينظر أمامه وهي تطل عليهِ برأسها:
-معرفش إذا كان كلامي في المؤتمر رضاكِ ولا لا، بس صدقيني ملقتش حل تاني قدامي، معرفتش أتصرف ومعرفتش المفروض أعمل إيه. تسائلت بهدوء: -عرفت مين اللي سرب الخبر؟ -لا، بس كلفت معتصم يجيبلي الخبر، بكرة بالكتير وهنعرف. ترددت وهي تسأله: -لو ريهام هتعمل إيه معاها؟ -هطلقها. اتسعت عيناها بصدمة لرده السريع القاطع، تسائلت بذهول: -على طول كده؟ من غير ما تديها فرصة؟ تنهد يقول:
-ريهام لو عملت ده تبقى خدعتني، لما أكون متفق معاها على حاجة وتوافق ويبقي في دماغها تغدر يبقى ملهاش أمان، لو كانت من الأول رفضت كنت هحترم رغبتها، لكن توافق وتلف من ورايا وتعمل اللي هي عايزاه، مش هقبل بده. وكأنه يؤكد لها دون أن يقصد أنه لا يسامح. ضغطت على شفتيها تهدأ توترها وهي تقول: -بس أنت بتحبها، واللي بيحب بيسامح. رد بنفي: -مش دايماً، أوقات بيبقى المساحة كبيرة أوي أكبر من الحب حتى. صمت لثوانٍ
وعاد يقول بحيرة حقيقية: -بعدين أنا مبقتش عارف أحدد مشاعري ناحية ريهام، يمكن من كام شهر كنت عارف إني بحبها وعاوز أكمل معاها حياتي، لكن دلوقتي قلقان ومبقتش عارف هي مناسبة ليا ولا لأ. تسائلت بلهفة غير مقصودة ولحظها أنه لم ينتبه لها: -أنت قصدك بطلت تحبها؟ نفي يقول: -لا، بس مبقتش عارف أحدد مقدار حبي ليها، وكمان إيه الفايدة إني أحبها بس متكونش مناسبة ليا، الحب لوحده مش كفاية. تسائلت بإحباط: -ليه بتقول إنها مش مناسبة؟
-لما اتخانقنا امبارح مفكرتش تكلمني تشوف هعمل إيه، حتى بعد المؤتمر مكلمتنيش برضو، وكأن الموضوع ميخصهاش. وامبارح وأنا قاعد مع عيلتها حسيتها بتتمنظر بيا، أنا مبحبش إن القاعدة تبقى عليا أو حد يفضل يمدح فيا، وهي طول القاعدة مورهاش غير إنجازاتي وسفرياتي وخطط هي حاطاها للمستقبل إحنا مخططنهاش مع بعض. يعني فضلت تقول إحنا هنقضي شهر العسل في المالديف وكل إيفنتات عروض الأزياء اللي في لندن وباريس وروما هنحضرهم، بتتكلم وكأني فاضي مثلاً، وكمان موضوع شهر العسل اللي في المالديف ده أنا معرفش عنه حاجة!
ولا لما اتكلمت عن الفرح وخططها له، هي قررت وخططت وأنا آخر من يعلم. تخيلي لقيتها حاجز شاليه في الساحل من غير ما أعرف ولسه فاكرة تقول امبارح بالصدفة في العشاء، أنا اتفاجأت زيهم. لأ وكمان حاجزاه عشان تعمل فيه بارتي الحنة هي وأصحابها! والأغرب أنها بعد العشاء قالتلي إن أنا اللي هدفع الحجز وكمان عاوزاني أبعت حد من الشركة يعمل ديكورات الحفلة.
-منكرش إني انجذبت لريهام وشوفتها مناسبة ليا في الأول وده اللي خلاني أدخل معاها في ارتباط، بنت من عيلة ومعروفة ولطيفة، منكرش إنها جذبتني ليها ومعرفش امتى وإزاي ارتباطنا، بس أوقات بحس إن كل ده مش كفاية. عارفة أنا كنت بسكت على خروجتها ولبسها وعلاقتها بالشباب اللي بيشتغلوا معاها عشان كنت كل ما أكلمها تقولي إحنا مفيش بينا رابط ولا متجوزين عشان تتحكم فيا، كنت بضطر أسكت لأن فعلاً كانت علاقة من غير أي رابط رسمي، بس دلوقتي بعد ما بقت مراتي، أنا أكيد مش هسكت على طريقة حياتها دي ومش هقدر أتقبلها، بس عارف إن هي كمان هتعاند وهيحصل بينا مشاكل كتير.
سألته مباشرةً: -اتجوزتها ليه يا سليم لما أنت شايف كل العيوب دي؟ صمت هذه المرة فترة أطول ربما تجاوزت الدقيقة ومن ثم قال: -بسبب بابا. قطبت حاجبيها باستغراب تقول: -مش فاهمة! زفر بضيق وهو يعتدل في جلسته، يعلم أن ما سيقوله لن تتقبله هي، ما بال هذه الجلسة اتخذت مسار آخر غير الذي أراده! -مش وقته، هفهمك بعدين. ردت برفض: -بعدين إيه يا سليم، أنت لخبطت دماغي خالص ومبقتش فاهمة حاجة. رد بحماس قاصدًا تغيير الحديث:
-بقولك إيه، ما تقومي تعملي فشار وهجيب فيلم حلو نتفرج عليه. أمسك جهاز التحكم ووجه بصره للتلفاز. نظرت له بحيرة وما زال حديثه يتردد بذهنها، تُرى ما قصده بأن أبيهِ هو السبب! وهل ما زال يحب ريهام أم لا! *** -يعني هو مذكرش اسمي ليه؟ قالتها ريهام باستفسار. فرد حسن: -مش عارف، بس يمكن مرضيش يتكلم عنك عشان ميثبتش حقيقة جوازكم، ويمكن عشان معظم الكلام عليها هي. -أيوه بس الناس بتشتمني! -مش عارف ياريهام، طب ليه مكلمتيهوش تسأليه؟
-مبيردش، أصل اتخانقنا امبارح لما شك إني سربت الخبر، شديت معاه وكده. -خلاص اصبري يومين وكلميه أو روحي له الشركة. -طب ما أروح له بكرة. -لأ، غالبًا محدش منا هيروح بكرة. -ليه؟ سرد لها ما حدث منذ قليل وما فعله سليم وأكمل: -فاكر إنه بكده بيعيد ذكريات حلوة بينا، ميعرفش إنه كده بيشعلل النار جوايا أكتر، حتى ذكريتنا قدر يشتريها بفلوسه، لا وبيتفضل علينا ويقولنا النادي بتاعنا إحنا التلاتة. ضحكت ريهام تقول:
-والله سليم لو اتنازلك عن أملاكه ما هيعجبك برضو. أشاح بيده وقال: -المهم حاولي تنجزي ياريهام وتزني على سليم عشان يعمل الفرح. -طب بقولك إيه، ما أعمل اللي أنا عاوزاه من غير الفرح والحوارات دي. -ياسلام!
ده على أساس إنك هتعمليها إزاي مش فاهم، ده أنا نفسي معرفش أعملها، سليم مبيعديش ورقة من تحت إيده من غير ما يقرأها، وده دورك لما تتجوزوا، تخليه يمضي على الورق من غير ما يقرأه، لاغيه يعني، اتنططي قدامه المهم تخليه يمضي من غير ما ينتبه للي بيمضي، وزي ما قولتلك فهميه إنه ورق شاليه عاوزة تشتريه أو أي حاجة وشطارتك إنه ميقرأش الورق، وده مش هتعرفي تعملي ده غير لما تتجوزوا. -أنا زهقت، بقالنا سنتين ونص في حوارات وتخطيط.
-أعتقد الـ 50 مليون دولار يستاهلوا، كمان سليم مش سهل ومكنش ينفع نتصرف بغشومية. -طيب همشي أنا. -ماشي، وآخر مرة تجيلي البيت يا ريهام. ردت بعجلة: -ماشي، ماشي. *** في اليوم التالي... استفاق سليم من نومه على صوت كركبة بالخارج. زفر بضيق وخرج من الغرفة وهو يسب في سره. وقعت عيناه عليها وهي ترتدي وشاح فوق رأسها عقدته بطريقة غريبة. لحظة! إنها تفرش الطاولة! كانت تنفض الكراسي من الأتربة مصدرة ضجة مزعجة. صرخ من خلفها بضيق:
-بس يا ست الحجة أنتِ. التفت بخضة وما إن رأته بشعره المشعث ووجهه الذي يظهر عليه آثار النوم، قالت بضيق: -هو أنت شغلتك في البيت ده تخضني!؟ رفع حاجبه بغيظ يقول: -وأنتِ شغلتك تزعجيني! رفعت أصبعها في وجهه تقول بتحذير: -بقولك إيه يا سليم أنا على أخري وطالع عيني في التنضيف من الصبح، سبني في حالي أو تيجي تساعدني. اتسعت عيناه بصدمة: -أساعدك! أنتِ اتجننتِ؟ وضعت يدها في خصرها تهتف باستنكار: -وفيها إيه لما تساعدني ولا ده مش بيتك!
-وأنتِ بتعملي لي أصلاً، ما تطلبي حد من اللي تحت يطلع ينضف لك. لوت فمها تقول: -لا يابابا أنا بحب أعمل حاجتي بنفسي. أشاح بيده وهو يجلس فوق الأريكة: -يبقى اعملي أنتِ بقي، المهم اعملي لي فطار يلا. شهقت بجذع تهتف: -إيه اعملي لي فطار دي، هو أنا خدامة وبتتشرط عليا! أسبل عينيه وهو يقول ببراءة: -لا بس أنتِ أكلك جامد ومحدش بيعرف يطبخ أكل حلو زيك. حمحمت بتوتر تقول بابتسامة سخيفة: -بجد!؟ أومأ بخبث خفي. ابتسمت بخفة تقول:
-ماشي بس هتساعدني. رد بمرح: -حاضر يا أبلتشي. ضحكت بشدة عليهِ، لا تصدق أن هذا سليم المنشاوي الذي يراه الجميع صارم حاد دومًا يلتزم الجدية. وللحق هي أيضًا كانت تراه هكذا. ابتسم بدون وعي منهِ يقول: -ضحكتك حلوة. اختفت ضحكاتها فجأة وهي تنظر له ببلاهة. انتبه لما قاله، فحمحم بتوتر وقال وهو يتجه للمطبخ: -يلا بقي لأحسن كده هيبقى غدا مش فطار. تنهدت بعمق قبل أن تتجه خلفه. *** بعد يومان... -ها هنتغدى إيه؟
قالها حسن وهو يجلس أمام معتصم الذي طلب أن يتناولوا الطعام سويًا. -هاخد استيك مشوي وأنت؟ رد حسن بحيرة: -مش عارفة، هطلب زيك وخلاص. بعد دقائق بدأوا يتحدثون بمواضيع مختلفة حتى هتف معتصم فجأة: -أنت عارف إن سليم هيطلق داليا كمان يومين. قطب حسن حاجبيهِ بتفاجؤ وقال: -أنت بتتكلم جد؟ أنا عارف إن سليم هينفصل عنها بس هو قال بعد كام شهر وهيعمل فرحه مع ريهام. مضغ معتصم الطعام بهدوء وقال:
-سليم مقالش لحد، داليا نفسها متعرفش بس هو قالي أنا، عاوز يخلص من الوش اللي حاصل ده بقي. نظر حسن أمامه بشرود ولم يتحدث. أنهوا الطعام وذهب كلاً منه في طريقه. *** أخرج هاتفه يتحدث بهِ: -ريهام قابليني كمان ساعة في الشقة. -في حاجة حصلت؟ -لما أشوفك هقولك. -تمام، هكون موجودة. -تمام.
جلس بشقته واضعًا جهاز صغير أمامه يستمع لما يحدث عبره. استمع لمكالمته مع ريهام، فابتسم برضا فيبدو أن الأمر سيسير كما يريد. تذكر ما فعله حين كان مع حسن في المطعم وكان الهدف من ذلك اللقاء هو ما خطط له. استغل فرصة ذهاب حسن للحمام ليغسل يده، وجلب هاتفه الموضوع على الطاولة. قلبه في يده حتى جاءته فكرة فزال الغطاء الإضافي للهاتف (الجراب)
، ووضع شريحة سميكة قليلاً، واطمئن أنها لا تظهر من أسفل الغطاء، ووضع الهاتف مكانه سريعًا. كانت تلك الشريحة مسجل دقيق جلبه صباحًا من مهندس صديقه يعمل بشركة تكنولوجية كبيرة، أوصاه أن يجلب له مسجل صغير جدًا كي لا يظهر. *** -ها في إيه؟ -سليم هيطلق داليا بعد يومين. شهقت ريهام بصدمة: -بجد!!! فجأة كده، بعدين أنت إيه اللي عرفك؟ وليه هيطلقها بسرعة كده؟
-كل ده مش مهم أصلاً، المهم إن دي فرصتك، تروحي بكرة لسليم وتصالحيه، والأهم أول ما يطلق داليا تطلبي منه أن يعلن جوازكوا وتعلنوا الفرح وتزني على دماغه لحد مادة يحصل. -وأنت هتعمل إيه؟ -أول ما هتتجوزوا هبدأ أجهز جوازات السفر، وأنتِ معاكِ أسبوع واحد يا داليا وتكوني ممضية على الورق عشان هبعته للناس اللي تبعنا ويبدأوا في إجراءاتهم. -هياخدوا قد إيه؟
-يومين اتنين والفلوس كلها هتكون اتحولت من حساب سليم للحساب المزيف، وفي سرية تامة من غير سليم نفسه ما يعرف. -أنت متأكد إن البنك مش هيكلمه. -قولتلك متقلقيش بقي، الناس دي عارفة شغلها كويس. -وهنلحق نسافر قبل الموضوع ما يتعرف. -يابنتي في نفس اليوم اللي هيخلصوا فيه التحويل إحنا هنسافر فيه. *** ابتسم معتصم بظفر ورفع هاتفه يتصل بسليم. الذي رد بعد ثوانٍ... -سليم عاوزك ضروري، أنا جايلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!