أنت جاي تقولي أن صاحب عمري ومراتي بيخونوني وبيخططوا يسرقوني! ده أنا في أسوأ كوابيسي مكنتش أتوقع ده.
كانت لهجته ساخرة، يسمعها يظن أنه لا يصدق حديث رفيقه، لكن الحقيقة ليست هكذا. الحقيقة أن عقله هو ما يرفض التصديق. نبرة ساخرة لكنها محملة بالألم والصدمة، بعد أن استمع للمسجل الصوتي الذي جلبه معتصم، وبعد أن رأى الصور التي تجمعهما وسرد له معتصم التفاصيل. صمت لقليل من الوقت ثم بدأ حديثه بما قاله الآن. نظر له معتصم بشفقة. إن كان هو نفسه مازال مصدومًا مما فعلته ريهام، فما بال سليم. قال معتصم بحزن:
-سليم، نادية كانت قايلالي إن ريهام لها علاقات بشباب بس هي مفسرتش، وأنا فهمت إنها صحوبية يعني بتروح معاهم حفلات وسهرات وأحيانًا سفر وهكذا. بس معرفتش أجاي أقولك إيه. عرفت وقتها إنها متنفعكش، بس مكنش عندي دليل على أي حاجة هاجي أقولها. كمان كنت ممكن تفكر إنها علاقات شغل زي ما هي دايمًا كانت بتبررلك بكده لما تشوف شاب بيكلمها. بس كلام نادية وطريقتها كانت بتقول إن في حاجة غلط. والحقيقة أنا مكنتش أعرف علاقاتها دي واصلة لفين.
بس قررت إني أتابع أخبارها عشان لو قدرت أمسك عليها أي حاجة وأواجهك بيها. لما شوفتها مع حسن مصدقتش عيني. محبتش أجاي أقولك عشان لو كنت واجهتهم مكناش هنستفيد حاجة. هما عمرهم ما هيعترفوا باللي بينهم. وأنا كنت حاسس إن الموضوع مش مجرد علاقة أي كان نوعها. عشان كده قررت أسجلهم. وفعلاً طلع معايا حق، والموضوع مش مجرد علاقة. كمان اللي زاد شكي إن معرفتهم ببعض سابقة معرفتك بيها. أنا من أول ما عرفت كنت عاوز أقولك بس كنت متكتف.
معنديش معلومات أكيدة ولا عندي دليل ولا حتى فاهم طبيعة العلاقات اللي نادية قالت عليها. سليم، أنت سامعني؟
نظر له سليم بأعين شاردة تجمعت فيها سحابات الحزن وقال: -سيبني لوحدي يا معتصم. نظر له معتصم بقلق ورد: -سليم اا... صمت حين نظر له نظرة صارمة جعلته يبتلع باقي حديثه وينسحب من المكتب بهدوء. *** وصل لجناحه الخاص ودلف بخطوات بطيئة متثقالة. رفع بصره حين استمع لصوتها تقول وهي خارجة من الغرفة: -سليم، كويس إنك جيت بدري، كنت لسه هكلمك. ابتسم اغتصابًا ونظر لها بهدوء، ولكن لم يستطع أن يجعل عيناه تبتسم، وقال بمرح:
-ده أنا قلبي بيحس بيكِ بقى! ابتسمت بخجل حاولت مداراته وهي تقول: -طيب ممكن بقى تغير هدومك على ما أطلع الأكل. -تطلعي فين؟ -أصل اتخنقت من القعدة هنا، فقلت نطلع ناكل على الروف، الهوا النهارده حلو أوي والقعدة فوق تجنن. صمت يفكر ثم قال: -طب إيه رأيك ماتيجي أعزمك على العشا بره. رفعت حاجبيها بذهول: -بجد؟! -آه، مستغربة ليه؟ -أصل يعني أول مرة تعملها، حتى لما خرجنا قبل كده كان عشان تجيب هدية لريهام. تنهد بعمق
ونظر لها بابتسامة يقول: -يعني أرجع في كلامي؟ انتفضت بذعر تردف سريعًا: -ترجع إيه ياباشا، 5 دقايق وهكون جاهزة. أنهت حديثها وركضت لغرفتها. ابتسم بخفة على فعلتها واتجه للأريكة يجلس فوقها بإرهاق يضرب جميع أجزاء جسده. أغمض عيناه يدعو أن يحصل على بعض السلام النفسي الذي أهدره في الساعات السابقة. ***
-بقولك باين عليه إنه مرهق وتعبان بس بيحاول ميبينش، وكمان أنا حاولت أخرجه من المود فقلت أعمل قعدة لطيفة على الروف بس لقيته بيقولي عازمك على العشاء بره! -هو الواضح إنه مش عاوز يفكر في اللي حصل، فسبيه براحته وحاولي تساعديه إنه فعلاً ميفكرش في الموضوع. سألته بتوتر: -معتصم، هو يعني مقالكش ناوي على إيه مع ريهام وحسن؟ -لا مقالش حاجة، ربنا يستر. -طب أنت قلتله إنك كنت أعرف عمي؟ -لا مقولتش ومش ناوي أقول، كفاية اللي هو فيه.
-ماشي، سلام. أغلقت معه وأخذت تفكر، تُرى كيف سيتصرف سليم وماذا سيفعل؟ بعد خمسة عشر دقيقة...
انتهت من ارتداء ملابسها والتي كانت عبارة عن فستان أسود اللون لامع بلمعة طفيفة، مجسم قليلاً تتخلله بعض الزهور الصغيرة التي زينته باحترافية. كان يصل لأسفل ركبتيها تمامًا، بأكمام نصفية وفتحة رقبة دائرية أظهرت رقبتها بأكملها حتى أسفل عظمتي الترقوة بقليل. وتركت شعرها حرًا وارتدت حذاء ذو كعب عالٍ أحمر اللون يشبه لون الزهور وحقيبة من نفس اللون ولم تنس أحمر الشفاه المماثل.
خرجت لتجد سليم مغمض العينان وهو مستند لظهر الأريكة. اتجهت له وقبل أن تصل إليه كان قد فتح عيناه على صوت حذائها. رفع نظره لها لتثبت عيناه عليها بفم مطبق. عيناه تتجول على جسدها بحرية وكأنه يراها للمرة الأولى وبها انبهارًا لم يخفه. تذكر الفستان على الفور، فهذا الفستان الذي جلبه لها سابقًا. توترت من نظراته فقالت بخفوت: -لو مرهق ممكن نتعشى هنا، بلاش نخرج. حمحم بقوة يستعيد نفسه وهو يقف ومن ثم قال: -لا، أنا تمام.
نظر لها قليلاً ثم أكمل: -على فكرة، الفستان ده هيبردك. قطبت حاجبيها باستغراب تردد: -هيبردني؟ أومأ بثبات وأكمل: -آه، أنتِ مش لسه قايلة إن في هوا بره. -أيوه بس مش لدرجة إنه يبردني. -لا، أنا لسه جاي من بره وعارف أنا بقولك إيه، وكمان الروج ده أوفر شوية شكله مش حلو، ده مجرد عشا مش فرح يعني. -فرح! رددتها بذهول وهي تنظر له، ماله يتحدث هكذا! عن أي برد يتحدث في شهر مايو الحار!
حتى وإن كان هناك بعض الرياح فهي رياح دافئة، وما دخله إن كانت حمرة الشفاه زائدة أم لا! وكأن روح الأنثى العنيدة التي بداخلها ثارت على حديثه الفج من وجهة نظرها. ألم يقل سابقًا أن لا يتدخل أحد في شأن الآخر! عقدت ذراعيها أمام صدرها ببرود وقالت: -لا الروج مش أوفر، ده اللي بحطه في العادي، وكمان أكيد مش هبرد في الصيف يعني! وشكراً لاهتمامك، ممكن نمشي.
تنهد بغيظ قبل أن يومئ بصمت متوعد. استقلوا سيارته وسار بها حتى وصلوا أمام أحد المطاعم. ترجل سريعًا وكادت تفتح هي الأخرى بابها لتترجل حين وجدت يده تغلق الباب وهو يقول بابتسامة صفراء: -لحظة أشوف في مكان جوه ولا لأ، المطعم ده دايمًا زحمة. نظرت للمطعم ثم قالت: -المطعم ده بالحجز أصلاً، أنت حاجز؟ -لا، بس لو في مكان هنقعد. -طب ما تيجي نقعد في مكان تاني! ابتسم ببرود يقول: -مبرتاحش غيره هنا.
تركها واتجه للداخل. غاب لأكثر من نصف ساعة، حقًا أنتابها الملل كثيرًا، وكلما دقت له على الهاتف يفصل الخط. رأته يأتي وبيده حقائب كرتونية عليها شعار المطعم. دلف للسيارة ووضع الحقائب بالمقعد الخلفي وقال: -فعلاً المكان زحمة، قلت أجيب دليفري وخلاص.
كاذب، المكان لم يكن ممتلئًا بل هو من تعمد هذا. ربما لن يقدر على جعلها تغير ثيابها أو تقلل زينتها. يعلم ردها عليه إن أصر على هذا، ومن الأساس لا يرغب في أن يبين له حنقه على ما ترتديه، فتصرف بذكاء ماكر كي يصل لمبتغاه. شهقت بصدمة تقول: -يعني ملبسني ومنزلني عشان نجيب دليفري ونرجع! هو مفيش غير المطعم ده! -قلتلك مبرتاحش غير فيه، كمان مين قالك إننا هنروح ده أنا هاخدك مكان عظمه دلوقتي. نظرت له بجانب عينيها تقول: -بجد؟ أومأ
بتأكيد فابتسمت بحماس تقول: -طب يلا بقى عشان نلحق ناكل قبل الأكل ما يبرد. أومأ مبتسمًا واتجهوا للمكان المنشود. بعد دقائق كان يقف بالسيارة أعلى جبل المقطم. ترجل وجعلها تترجل معه وأطفأ مصابيح السيارة. جلب أكياس الطعام واتجه لها حيث ثقف أمام السيارة، أتكأ على مقدمة سيارته وأخرج الطعام يضعه فوقها على ضوء الإنارة الخفيف الآتي من بعيد ومن أسفل الجبل. استمع لتذمرها وهي تقول: -بقي ده المكان العظمه! جايبني الجبل يا سليم!
لا وكمان مختار مكان بعيد حتى عن الأماكن اللي فيها الناس، هو أنت خاطفني! ابتسم وهو يسحبها من يدها ناحية مقدمة السيارة، وبغتةً رفعها لتجلس عليها. شهقت بخضة وهي تنظر له بفم مفتوح، في حين عاد هو كما كان وتمتم ببرود: -أكيد مش هتعرفي تقفي بالكعب ده. أشار لكعب حذائها العالي والرفيع في آن واحد، الذي لا يتناسب مع طبيعة الأرض الصخرية للجبل. استمعت له يكمل وهو يعطيها ساندوتش (البرجر) الملفوف بعناية:
-مفيش أحسن من الهدوء، شايفه الجمال وشكل المباني حلو إزاي و... قاطعته بغيظ تقول: -أنت ليه محسسني إني أجنبية وأول مرة أجي هنا! على فكرة جيت هنا كتير جدًا مع بابا الله يرحمه ومع صحباتي. -عارفه بيقولك إنك ممكن تروحي المكان أكتر من مرة ومتستمتعيش بجماله، في حين ممكن تروحيه مرة وتحسي إنك أول مرة تشوفيه. قطبت حاجبيها تقول: -مش فاهمه يعني إيه الفرق؟ ما المكان هو هو. ابتسم بغرور وهو يقضم قطعة من الساندوتش وقال:
-بس الأشخاص مش نفسها، وده بيفرق جدًا، عشان كده بقولك دي هتحسي إنك أول مرة تشوفي فيها المكان. ضحكت بعدم تصديق وهي تقول: -تبًا لتواضعكم والله! لأكثر من ثلاث ساعات قضوها في الحديث والضحك، ولم يكن سليم موفقًا حين قال أنها ستشعر وكأنها لأول مرة ترى المكان. وبالفعل لم تشعر بحلاوة المكان وجماله كما شعرت به الآن. وللعجب لم يتطرق لأي حديث عن ريهام وحسن وكأنه يهرب من تذكر الأمر أو التفكير فيه. ***
شهر كامل مر بين استغراب حسن وريهام من عدم إتمام سليم للطلاق كما أخبره معتصم. وبين خطط سرية تنفذ بين معتصم وسليم. وبين تقارب ملحوظ في علاقة سليم بـ داليا. وابتعاد محمد عن الصورة تمامًا بعد أن علم بأن ابنه أصبح على دراية بكل شيء. *** كان يجلس بمكتبه حين دلفت ريهام بعنف وتحاول السكرتيرة الخاصة بـ سليم أن تمنعها. وقفت أمامه وهي تشتعل من الغضب تصرخ به: -ممكن تفهمني إيه اللي حصل ده يا سليم؟ هتفت السكرتيرة الخاصة به:
-والله يا فندم حاولت أمنعها لكن... صرخت الأولي مرة أخرى: -وكمان إزاي الحيوانة دي تمنعني أدخلك؟! أشار سليم للفتاة كي تذهب. وما إن خرجت وقف ببرود يهتف بهدوء يُحسد عليه: -إيه اللي حصل لكل ده؟ مالك عاملة كده ليه؟ هوت على الكرسي بضعف وهي تقول له: -أنا اتنصب عليا يا سليم. قطب حاجبيه بتساؤل: -إزاي؟ تساقطت دموعها وهي تشرح له ما حدث:
-من أسبوعين قابلت واحد اسمه *** قالي إنه تاجر معروف وبيستورد القماش من بره وكلمني عن الأقمشة اللي بيستوردها من بيوت الأزياء العالمية وكمان إنه بيعمل منها فساتين الفنانات وفضل يكلمني عن جودة القماش وإن الفستان الواحد منها مبيتباعش بأقل من 200 ألف جنيه كقماش غير الشغل اليدوي. وقالي إنه لما بيعمل فساتين الفنانات دول أقل فستان بيعمله ليهم بيعدي 500 ألف ومكسبه بيوصل 200 ألف في الفستان الواحد. وأنت عارف إن مهووسة بالأقمشة
ودايمًا بدور على الجودة الأعلى عشان أكون متميزة في السوق وكمان أتشهر أكتر. اتفقت معاه إني عاوزة صفقة للأتيليه بتاعي. قالي إن أقل صفقة يقدر يشتريها من الأقمشة دي مش أقل من 400 ألف دولار. حاولت أقلل المبلغ بس هو قال إن ده أقل كمية بتخرجها بيوت الأقمشة. جمعت كل الفلوس اللي معايا وأخدت من بابا كمان 250 ألف دولار وأنت عارف إن بابا معظم فلوسه في السوق وإن كل شركات الاستيراد والتصدير بتبقى كده. واديته الفلوس والمفروض كان
يسلمني الشحنة من 3 أيام. اختفى فجأة وفضلت أكلمه تليفونه مقفول، ومش عارفة أعمل إيه؟
أنا هتجنن لو الفلوس دي ضاعت مني، ومش بعيد بابا يقتلني. رد ببرود: -وأنتِ جايلالي أعملك إيه؟ هو أنا أعرف مين الشخص ده؟ -لا، بس معتصم هو اللي عرفني عليه. -بجد؟ -أيوه في اليوم ده معتصم كان معاه ولما روحت أسلم عليه، عرفني على الراجل ده. ضغط سليم على زر هاتف الشركة برقم مكتب معتصم. -معتصم تعال عاوزك. بعد قليل وصل معتصم فسرد له سليم ما قالته ريهام المنهارة من البكاء وجسدها يرتعش من فكرة أن تكون قد خسرت أموالها وأموال أبيها.
رد معتصم بإنكار: -أنا لا قابلتك ولا أعرف الراجل اللي بتقولي عليه. جحظت عيناها بصدمة تقول: -أنت! أنت بتقول إيه؟ معتصم أنت... رد معتصم بمقاطعة: -روحي شوفي مين ضحك عليكِ بعيد عني. استدارت لسليم تهتف بجنون: -لا يا سليم، لا والله العظيم كداب، أنا عرفته عن طريقه. رجع بظهره يستند براحة على الكرسي وقال: -اعتبريه مش فاكر، عاوزاني أعملك إيه؟ تسارعت أنفاسها وهي تقول: -أنت لازم تلاقيه، لازم فلوسي ترجع. -هدور على حد ما عرفوش.
-معتصم عارفه. صرخت بها في جنون، فرد معتصم: -أنا يابنتي الله يسامحك. وقفت تدور حول نفسها بعصبية حتى قالت: -طب بص سلفني الـ 250 ألف دولار أديهم لبابا ولما الراجل يرجع هرجعهملك. ضحك سليم بقوة وتبعه معتصم. قال سليم بضحك: -أنا مبشتريش سمك في ميه ياريري. هتفت ببكاء: -سليم أنا مراتك أرجوك ساعدني بابا ممكن يموتني فيها. ذم شفتيه وهو يضرب على المكتب بيده: -أووه، إيه ده أنا نسيت أقولك صحيح. -نسيت إيه؟ ابتسم ببرود يقول:
-أنتِ طالق ياريري.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!