عم الصمت على الجميع، لا يدرون ماذا يفعلون، أو ماذا يقولون، أو ما يشعرون به الآن، أن بقلبهم فراغ وفرحة انتهت قبل أن تبدأ. ولكن ماذا سيحدث إن رضينا وقلنا الحمد لله؟ تكلم وهو يشعر بأن الدنيا تدور به، قائلاً بخوف: منيرة، بنتي، ماذا حدث لها؟ ردت عبير بسرعة: لا، إنما المولودة هي بخير. تنهد عبدالقادر قائلاً لنفسه: بلاء أهون من بلاء، المهم أنها بخير. كان كل ما يهم ناصر سلامتها، لا شيء آخر. أخذ ناصر البنت وقام بدفنها.
بعد وقت قليل، ذهبت إلى غرفتها، حيث كانت تتحدث بضيق وعصبية: من هي التي أنجبت يا جلال؟ ودخلت عمليات، أليست أنا؟ من هي التي أتت بحفيد للعائلة؟ أليست أنا. ولكن والدتك تذهب إلى منيرة، لمَ؟ لهذه الدرجة تستحقرني؟ لهذه الدرجة تكرهني؟ وتكرهك! هنا نظر لها جلال بضيق. ردت بكبر: نعم، تكرهك وتكره الخير لك. إن كانت تحبك ولو قليلاً لكانت سعدت لك. ولكن بالطبع ناصر حزين، إذن هي حزينة. فناصر أهم منك، هو أهم ما لديها، ليس أنت.
صمتت بتوجع، ثم قالت: لم تخبرني أي عملية فعلتها بعد الولادة. هنا بدأ جلال يرتبك وينظر يميناً ويساراً، إلى أن دخلت عبير قائلة: بعد إذنك، ولكن موعد علاجها. شعر جلال بارتياح، لأنه لا يعلم ماذا كان سيفعل إن أخبرها بأمر العملية. بعد ما خرج جلال، قالت نواهل بضيق: ألم أقل لكِ أن تختفي بعد الذي حدث؟ ردت عبير بسرعة: لن تنجبي مرة أخرى. قالت بلامبالاة: لا يهم، المهم أني أتيت بولد لهم لأخذ ما أريد.
المولود ليس ابنك، ابنتك توفت بمجرد ما ولدت، ومنيرة هانم. كانت نواهل لا تغير حديثها، اهتمامٌ إلى أن قالت بعصبية: لا تقولي لها هانم. تابعت عبير بسرعة: حسناً، حسناً. قالت نواهل بضيق: أتَ تعني أن ابني ابن منيرة، وابنتي هي بنت منيرة؟ قبل أن ترد، دخلت عزيزة وخرجت معها لتبتعد، على أمل أن يبتعد ويموت معها هذا السر. كانت كعادتها حزينة، لا تدري ماذا تفعل، إلى أن سمعت طرقاً على الباب.
بسرعة ارتدت حجابها وخرجت وفتحت الباب، وما أن فتحت الباب حتى عقدت حاجبيها عن هوية هذه المرأة. إلى أن قالت المرأة بهدوء: أنتِ لستِ هبة، أخت الست شربات؟ ردت هبة بسرعة: نعم، أنا. ماذا بها شربات؟ هل هي بخير؟ ردت بهدوء قائلة: أنا لا أعلم. كل ما أعلمه أنه جاء إليها ألم الولادة وأخذها الناس العيادة ولم تعد. ففكرت أنها عندك أو لديكِ علم بالأمر. أحرجت هبة قبل أن ترد، أتى بكر قائلاً:
اذهبي من هنا، زوجتي لن تذهب إلى أي مكان نهائياً. بدأت هبة في البكاء قائلة: أترجاك، اذهب لأختي. ليس لها سواي، أترجاك. قام بكر بدفعها بقدمه قائلاً بقرف: ألن نتخلص من أمر شربات هذا؟ لن تذهبي، وانتهى الأمر. في اليوم التالي، وأثناء عمله، قامت بهدوء واستعدت لتذهب. وذهبت للعيادة لتسأل الطبيبة: أتت مريضة هنا لتلد اسمها شربات، أين هي؟ قالت الطبيبة بحزن:
البقاء لله، توفاها الله. وحينما لم يأتِ أحد من أهلها، تم التبرع ودفنها حينما علمنا أن ليس لها أحد. كانت هبة تشعر أن الدنيا تدور من حولها، لا تدري ماذا تفعل أو تقول، أو كيف تصرخ. إلى أن قالت ببكاء: أين المولود؟ ردت الطبيبة بضيق: أخذتهم عبير إلى ملجأ، فهم تؤام. قالت بسرعة: أي ملجأ؟ وأين عبير؟ ردت بحزن:
لا أعلم. فأنا فوجئت بالأمر مثلك تماماً. وعبير لم تأتِ منذ ذاك اليوم. وعلمت أنها قامت ببيع كل شيء، فقدت التواصل معها. أنا قربت أتجنن، أقسم لكِ. ذهبت هبة تبكي إلى منزلها، حتى وجدت أن بكر عاد من عمله. فبدأ بصراخه المعتاد: أين كنتِ؟ ألم أمنعكِ من الذهاب لها أو الخروج؟ بدأت هبة أخيراً في الصراخ والبكاء: أختي ماتت، ماتت وأنا لم أكن بجانبها. صعق بكر من ما قالته، قال: ماذا؟ ردت بصراخ: آه يا أختي، كله بسببك.
حاول بكر أن يصلح أخطائه: حبيبتي، اهدي. ماذا تريدين وسأفعله. ردت بقوة: تطلقني، طلقني وإلا سأرفع عليك قضية. بدأ بكر في التراجع، حتى اصطدم بالحائط. هنا علم أنه سيخسرها. حينما تضمن ملكية الشخص، تبدأ في معاملته بكل قسوة حتى يستفيق من كبوته ويخرجه من سجنه. وحينما تبدأ أنت تستفيق على ما فعلته، تجد نفسك وحيداً في الطريق. عاد بها للمنزل والحزم على وجهها، فقال: ألست أنا أول أبنائك يا منيرة؟ بدأت في البكاء، فقال بحزن:
هكذا تحزنين قلبي يا نوري هانم. فلا تعلمي بعد مكانتك في قلبي، ونجاتك أهم من أي شيء يا نوري، صدقيني. قالت ببكاء: كنت خائفة لتحزن أنت، صدقني. ضحك ناصر قائلاً: سلامتك بالدنيا، نوري هانم. حاولت التمثيل أمامه، فقالت بلطف: صالح حبيبي، في القريب سيكون لك الكثير من الإخوة، يا حبيبي. قال جلال بحزن: لن يكون له إخوة، يا نواهل. صمتت تستوعب العبارة، ثم قالت بارتباك: ماذا تعني؟ رد بضيق: أعني أنكِ لن تنجبي مرة أخرى. هذا سبب العملية.
بدأت تستوعب أبعاد الجملة وهي تصرخ، وجلال يحاول تهدئتها. بعد مرور عدة أشهر. دخل المنزل قائلاً: يا أم فارس، أين أنتِ؟ خرجت وهي تحمله على يديها قائلة بحب: ستجعلني أنسى اسمي هكذا، عبدالوهاب. سأشتكيك لأبي. رد عبدالوهاب بضحك: أعتقد الشيء الوحيد الذي سيقف بجواري عمي به. اقتربت منه وحملت فارس، ثم قال بغمزة: كيف حال صغيري الآخر؟ قالت بحب: يرسل لك قبلاته. ضحك قائلاً: أريد فتاة اسمها فداء،
لكي أقول: أنهال حبك علي، ففديتك بقلبي، وأقول بقلبي فداء. بعد ما أظلم الليل، أخذ يتسلق الجدران ليسرق كعادته. ولكنه وجد من يحدث ابنه في الأسفل. سأله رجل كبير: ماذا تفعل هنا يا صغير؟ وما اسمك؟ رد قائلاً: اسمي مكرم خالد، وهنا لكي أساعد. إلي في سرقة هذا المنزل، وهو صعد الآن ليسرق. صمت الرجل لثوانٍ يستوعب، ثم بدأ بصراخ وجمع الناس، حتى ألقوا القبض عليه. وأتى عبدالوهاب لكي يخلصه، وهو يعنفه: ألا تخجل وتجعل ابنك مثلك؟
ها أنا أخوك، وإن كان لي ابنة لا أزوجها لابنك. ضحك خالد ورد ببرود: لا تقلق، سواء وافقت أم لا، سأزوج ابني ابنتك حينما يكون لك ابنة. تركه عبدالوهاب وذهب وهو يكاد يجن منه. مرت الأيام ثقيلة إلى حد الموت على نواهل، لا تعرف ماذا تفعل. ولكن كل ما تعلمه أنها ستأخذ كل الأملاك بحجة ابنها هذا، الذي يقضي معظم وقته مع منيرة، لأنها هي مرضعة. كانت تلاعبه وهي تنظر لهم بشدة، إلى أن وجدت منيرة رأسها تبدو وكأنها تدور، إلى أن سقطت أرضاً.
كانت نواهل أمسكت بصالح على الفور، وبدأت تنادي الجميع. لا تدري، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!