كانت تشعر لنفسها وكأنها طير سيطير وتحلق في السماء. ها هي عائدة للحياة، ولكن لحظة. ماذا؟ حياتها بين يديها. نظر ناصر بحب لها قائلاً: مبارك لنا نوري هانم. تبسمت قائلة: مبارك لنا يا أبا ريان. نظر لهم جلال أمام الباب وآمال رأسه ضاحكاً: ماذا يا عصفورين، راح زمانكم والآن ابتدأ زمن الطفل، انتهى عصر الحب والغرامات. رد ناصر بحب: من قال أنه انتهى؟ أنه سيبدأ بعد بحضور أميرنا ريان. ضحك جلال قائلاً: مبارك حبيبي، هيا ندخل لوالدك.
رد ناصر بغمزة: الله يبارك لك في صالح يا أبا صالح. وآمال عليه وقال قرب أذنه: وفي إخوته. نظر جلال له بحدة. أخذ ناصر منيرة ودخل إلى والده وهو يغمز إلى جلال. بعد عدة دقائق كان جلال وناصر يقفان كالأخشاب أمام والدهما، وهما يريان أختهما ويتذكران تلك المأساة التي حدثت منذ زمن لتؤماتها رقيه. قالت فاطمة تريد أن تمحي تلك الصدمة: ألن تسلموا مثل عزيزي؟ كان جلال أسرع من يستفيق، لأنه يعلم الآن أن ناصر يعاني أشد معاناة.
قال لها بتأتأة: أهلاً أهلاً فاطمة حبيبتي، أنرتي البلد. نظرت فاطمة إلى ناصر، عسى أن يتخطى ذاك الحادث، ولكن لا يوجد أمل، ها هو كعادته يجلس أرضاً قائلاً: والله لم أستطع يا رقيه، لم أستطع. بدأت فاطمة في البكاء في ذكرى ذاك الحادث الذي أبعدها عن أخيها. هبطت وجلست بجواره تقول: لا تفعل هكذا يا ناصر، هذا قدر الله، سواء كنت معها أم لا، قدرها أن تسقط من الأعلى، لا تلوم نفسك هكذا يا حبيبي.
بدأ وكأنه طفل صغير أُخذ من أمه بالإجبار ويبكي قائلاً: كانت تمسك يدي، كانت واثقة أني سأنقذها، لا أعلم كيف أفلتت يديها من يدي، ثم ثم أصبحت غارقة في دمائها، ضاعت رقيه أمام عيني يا فاطمة ولم أستطع فعل شيء. أخذته فاطمة في حضنها قائلة: هذا قدرها يا حبيبي. قم وأسعد بابنك. نظرت إلى منيرة قائلة: مبارك حبيبتي. نظرت نواهل لهم، وأيقنت أن المنزل ازداد شخصاً لن تحبه نهائياً.
ولم يهمها هذا بقدر خوفها من ابتعاد جلال عنها، ولا تدري لماذا. وحينما يموت من كان يسندك في هذه الدنيا، فأهلاً بكلاب الشوارع لتنهش بك. أن يكون لك مصدر أمان في هذه الدنيا، هذا والله بالدنيا وما فيها. وحينما يموت هذا المصدر، فأهلاً بالوحدة وفقدان الأمان المتبقي لك من باقي عمرك. وكأن الزمن يتنافس لكي يريد في عينيك نظرة انكسار. كانت نهال تشعر وكأن الدنيا تدور بها، ولا تدري ماذا حدث لها.
وبدأت تنظر بعينيها باحثة عن عبدالوهاب، عسى أن تجده بين الموجودين. ولكن هل للميت أمل في عودة مرة أخرى؟ كانت جالسة مع عبدالرحيم والدها، وعينيها تبكي دماً وهي تنظر إلى أبنائها. وكان عبدالكريم لا يدري ماذا يفعل، أيبكي كالنساء. ولمَ لا، فخير أبنائه قد فقده للأبد. قال عبدالرحيم بحزن: صبرك الله يا أخي. رد عبدالكريم يبكي: كيف لي الصبر وهذا المنزل خالٍ من عبدالوهاب.
كيف لي الهدوء وعدم الحزن وجدران هذا المنزل، إن سألتها عن عبدالوهاب ستجيبك كيف وكيف، وأنا فقدت فلذة قلبي. كيف وأنا كنت أرى بهجة الدنيا في عينيه، كيف أحيا دون وجود عبدالوهاب بها. رد عبدالرحيم بحزن: صبرك الله وحفظ لك خالد. بدأ بكاؤه يزداد قائلاً: والله إن كان خالد، لم أكن أحزن هكذا. كلهم أبنائي، ولكن هذا عبدالوهاب يا عبدالرحيم. دخل خالد بلامبالاة قائلاً: لمَ البكاء، البكاء يا أبي، أتخاف أن عمي يأخذ ابنته لمنزله أم ماذا؟
تفاجأ عبدالرحيم من كلامه، ثم قال له: ماذا تقول يا ولدي؟ ازداد بكاء نهال قائلة: أهذا كل همك؟ قال عبدالكريم: اخرج، اخرج، لا أريد أن أراك نهائياً. قال خالد ببرود: إن كان هذا السبب، أتزوج أنا نهال وأربي أبناء أخي، ولا داعي لخروجها من هنا. صاح عبدالرحيم قائلاً: ماذا؟ ماذا تقول أنت؟ نهال هيا بأولادك إلى منزل أبيك، هذا والله حدوثه بموتي. بدأت نهال تبكي أكثر وتقول: بعد ما كنت زوجة عبدالوهاب، أتزوج مثلك أنت.
ازداد صراخها قائلة: أين أنت يا عبدالوهاب. عبدالكريم بصوت جهوري: اخرج من هنا. لا تقلق يا أخي. رد خالد ببرود: لمَ يقلق، سأتزوجها أنا. قبل أن يكمل، قال عبدالرحيم: هيا بنا إلى بيتنا، بنتي هيا نهال. حاول عبدالكريم منعهم، ولكن دون فائدة. صار يصرخ قائلاً: خسرت ابني وأولاده بين ليلة وضحاها. وقف أمام خالد وصفعه بقوة قائلاً: لا أعرف ماذا أقول لك، سئمتك. جلس خالد أرضاً قائلاً: ما هذا، لم أحسب لهذا.
لم أقتل أخي لكي يأخذ عبدالرحيم بنته ويذهب. لابد أن أتزوجها في يوم، هذا أكيد. مرت الأعوام سريعاً. ربما تداوي جروحنا، ولكن كلما تمر الأعوام يزداد وجع الجرح أكثر. بعد مرور عشرين عاماً. كانت تسير بثقة وكأن الدنيا لا تعني لها شيئاً. لاحظت أن هناك شباباً تقف أمامها تحاول اعتراض طريقها. قال أحدهم: ماذا يا صغيرة، لمَ الخوف في عينيك، نحن سنأخذك في هذه السيارة ونذهب إلى مكان سيعجبك. هي بتوتر:
أبعد عن طريقي، سأصرخ، أهلي يستطيعون أن يقضوا عليك. حاول أن يمسكها، ولكن فوجئ بمن يمسكه قائلاً له: ابتعد عنها، إلا سأقتلك. قام بضربه وأبعده عنها. وقفت أمامه كالقطة، عيناها تترغرغ بالدموع قائلة: أشكرك، صدقاً أشكرك. قالت بصدمة: ما! ما هذا، يدك جرحت، أنا أعتذر لك، بسببي تأذيت. ضحك بهدوء قائلاً لها: اهدئي اهدئي، بسيطة. ثم قال لها: أنا اسمي صالح، وأنتِ؟ قالت بهدوء: رهف، اسمي رهف. قال بهدوء:
انتبهي يا رهف، أن تأتي هذه المنطقة مرة أخرى. ثم تركها وذهب بعدما أوصلها لأول الطريق. كانت تجهز الغذاء لأولادها، فهم يقتربون من الوصول. لم تشعر إلا وبه يقول بجوار أذنها بصوت مرعب: ماذا تفعلين يا نهال؟ شهقت بخضة قائلة: والله يا فارس، سأموت منك في مرة، هذا الأكيد. رد فارس بحب: بعيد الشر عنك يا منجايه. نظرت نهال إلى ابنها بشدة قائلة: أنت ابني، وأنا خير من يعرفك، أخبرني لمَ أنت متغير هكذا. حاول فارس المراوغة ثم قال لها:
لا. وقبل أن يكمل، كانت تميل برأسها وتبتسم وتقلده: لا، لا شيء يا نهال، لمَ تقولي هكذا؟ لأنني أضحك معك، أصبحت متغير، حسناً، لن أضحك مرة أخرى. كان ينظر لها وهو متسع العينين قائلاً: فداء، ما هذا، ستجعليني أصدق أني أنا من يتحدث. ضحكت قائلة بحب: أعجبتك؟ قالت نهال بقلة صبر: فعلتي الذي قلتُه يا حبيبة أبيك. قال فارس بضيق: لماذا دائماً تقولي لها هي حبيبة أبيها، وأنا يا فاااارس؟ قالت نهال بحزن: لأنها حبيبته. راوغت قائلة:
لم تقل ماذا حدث لك؟ رد بخجل: أريد أن أتزوج، ما رأيك؟ سعدت نهال بشدة قائلة: هذا أسعد أيامي، من هي؟ ظل فارس صامتاً إلى أن قالت فداء: لمَ الصمت، ألن تخبرنا هوية السنيورة التي تعجبك؟ تنحنح قائلاً: أريد الزواج من شمس بنت عمي خالد، ما رأيكم؟ عم الصمت، لم ينطق شيء. إلى أن قالت فداء: ماذا؟ من؟ بنت عمي خالد؟ قال فارس بسرعة: أتوسل إليكم، لا تأخذوها بذنب أبيها، هي غيره وسترون ذلك بأنفسكم. ردت فداء بفلسفة:
كل إناء ينضح بما فيه يا أخي. بعد فترة صمت، قالت نهال بقهر: لمَ يابني، لمَ من كل بنات العالم لم ترَ إلا هذه؟ لم تعجبك إلا بنت خالد، بنت الرجل الذي استغل موت أبيك وحاول. قاطعها فارس قائلاً: ما ذنبها هي يا أمي؟ أعلم كل شيء، ولكن قلبي تورط معها. ردت فداء بحدة: مع بنت الرجل الذي استغل فرصة موت أبي ليتزوج أمي؟ فارس بضيق بعصبية: أعلم كل ذلك، ولكن. نهال بشدة: ولكن ماذا؟ أليس هذا الصحيح، وهذا ما حدث؟ لمَ العصبية؟
تنسي هذا الموضوع، هذا الموضوع انتهى تماماً. تخيل أن تكون كل مشكلتك أنك تنسب لشخص، هو إلا عبارة عن شيطان في هيئة إنسان. أخذ منه التعب الكثير بفعل السنين التي مرت عليه وهو يبحث مع زوجته عن أبناء أختها. وها هو أخيراً علم معلومة عن تلك الممرضة. قال مصطفى بهدوء: هبه، زوجتي، مكافأتي في هذه الدنيا. أريد أن أخبرك شيئاً، ولكن حاولي التماسك. نظرت هبه بهدوء قائلة برفعة حاجب: ماذا؟ رد مصطفى:
علمت مكان تلك الممرضة التي وضعت أبناء أختك في ملجأ، علمت مكانها. نهضت هبه قائلة بصدمة: ماذا؟ كان ابنها كريم من مصطفى، ذو الخمسة عشر عاماً، يشاهد ذلك بصدمة هو الآخر. رد مصطفى: أقسم لكِ، وجدت مكانها وسأذهب لها. هبه سريعاً: لا لا، سنذهب يا مصطفى. أومأت له مصطفى بحب. ربما تأخر ما رجوته من الله، لكي لا يأتي لك يبهرك وينسيك وجع كل هذه السنين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!