ها هو قد علم بسكون الليل فبدا يتسلق المباني وهدفه مبنى معين ولا يدري ماذا يفعل لكي يصل إليه ولكنه هدفه ولابد أن يصل. ظل يتسلق إلى أن وصل وبدأ ينزل بهدوء حتى وصل إلى فناء الدار. وقبل أن يفعل أي شيء وجد من تقول وهو يعلم أنها علمت هوايته: يا كلب يا كلب امشي من هنا. بدأ يمشي سريعا يتخبط في كل شيء إلى أن عاد إلى زوجته. وجدها تسأله بقلق: ماذا بك يا خالد؟ راوغ خالد في نظراته وهو يلهث بشدة قائلا:
ليس هناك شيء يا تهاني، فل تنامي. لماذا لم تنامي إلى الآن؟ فوجئت تهاني من لهجته حتى قالت بخوف: كنت أنتظرك يا خالد. أهذا خطأ؟ يا خالد يا خالد. هبط قلب خالد إلى قدميه قائلا بصدمة: ماذا؟ عبدالوهاب؟ ذهب إلى الباب سريعا فتح الباب خائفا. قال عبدالوهاب بشدة: أين كنت يا خالد؟ راوغ خالد قائلا: كنت نائم يا عبدالوهاب، ماذا هناك؟ نظر عبدالوهاب لأخيه وهو يقسم أن عينيه رأته ورأت ما فعله. فقال ببرود: كنت نائم بالحذاء يا خالد.
بدأ خالد في التوتر لا يدري ماذا يفعل. إلى أن قال عبدالوهاب له بهدوء مرعب: أنا رأيتك يا خالد تفعل ما رأيته. مرة أخرى ففي هذه المرة سيكون قتلك. رد والده من خلفه بشدة: ماذا فعل؟ رد خالد سريعا: لم أفعل شيئاً يا حج عبدالكريم، لا أدري ما به ولدك. رفع عبدالوهاب حاجباً وقال: حسناً يا خالد. قبل أن يغادر قال عبدالكريم بهدوء: زواجك يوم الخميس من نهال يا عبدالوهاب. تبسم عبدالوهاب قائلا: حسناً أبي، إن شاء الله.
قال خالد لنفسه بحزن: حتى في الزوجة أخذ الأجمل وأبي يفضله عني، يا له من حظ سيء يا خالد. نظر عبدالكريم له بشر وقال: أعلم أنك فعلت مصيبة جعلت عبدالوهاب يأتيك الآن وأراد قتلك. مللت منك ومن أفعالك، افعل شيئاً في نفسك لا تجعلنا نحن وأولادك نعاني بسببك. قالها وغادر غاضباً منه. كان التعب قد أخذ منها الكثير. لا تدري أعليها الحزن لأنها فقدت زوجها قبل أن تلد وتضع جنينها، أم تبكي لأنها أصبحت بمفردها دون أحد؟
حتى أختها لا تستطيع أن تأتي لها. وكان الحزن قد أخذ منها الكثير وهي تفكر كيف ستربي ابنها أو ابنتها، من أين ستصرف عليه؟ كان القلق قد أخذ منها الكثير إلى أن نامت. كانت واقفة تضع يدها في خصرها وتقول: بكر إلى متى ستظل تمنعني عن أختي وأنت تعلم أن ليس لها أحد سواي؟ كان بكر ينظر لدخان سيجارته ويتأمله بضيق. إلى أن قال بهدوء مميت: انسي أختك هذه، انسيها يا هبة، وإلا فلن يعجبك ردة فعلي. جلست هبة أرضاً تنتحب وتبكي وتقول:
اعذريني يا شربات، ليس بيدي صدقيني. كان بكر يراها هكذا ويسعد. لا يحزن حزنها وكسرتها أمامه تسعده لا العكس. هكذا هم أشباه الرجال يعشقون إذلال المرأة معتقدين أن ذلك سيجعلهم يخضعوا لهم ويضمنوا بقائهم دائماً. الحياة هذه هي ما إلا صراعات، عليك التسابق لكي تنجو بنفسك يا ولدي. كانت تشعر بانفجار قريب في رأسها ولا تدري بعد ماذا تفعل. ففي كل الأحيان رأيها لا يهمه. نظرت لها أمها بحزن يأكل قلبها وقالت لها:
نهال اذهبي لوالدك وتحدثي معه بهدوء، فهو ليس هكذا صدقيني. نظرت نهال إلى أمها كوثر التي تكثر من إعطائها مشاعر الحب بكثرة دون ملل. ذهبت وهي تشعر بالرعب. طرقت الباب بهدوء قائلة بصوت يرتجف من الخوف: أبي. قال عبدالرحيم لها: ماذا بك يا نهال؟ اقتربي. بدأت في البكاء قائلة: أبي، اسمك عبدالرحيم، فهل رحمتني؟ أترجاك لا أريد، أترجاك. قام عبدالرحيم من مكانه يقترب منها وهي تتراجع. إلى أن أمسكها وقام بضمها إلى حضنه قائلا بحنان:
أتظنني أني سأزوجك لأي أحد؟
يا نهال، فإنك لا تعلمين قدرك عندي، فأنتِ بنتي الوحيدة وسيعز علي فراقك، ولكن صدقيني وثقي في أن ابن عمك عبدالوهاب هو على خلق والجميع يشهد بذلك، فهو ليس ذاك النذل خالد. شتان الفرق بينهما، ترفقي يا ابنتي بقلبي يا نهال ولا تبكي هكذا، واعلمي أنني ليس مثل باقي الرجال. إن طلبتِ الطلاق لا أفعل. ما يهمني سعادتك ويحزنني أن تعترضي على عبدالوهاب، فهو ونعم الرجل، والأيام ستقول ذلك. اذهبي حبيبتي واستعدي لزواجك، فأمك هذه فعلت مثلك وها هي لا تستطيع أن تتركني ولو لثواني.
ذهبت نهال وتشعر بشعور متناقض. شعور يقول لها: ثقي بأبي، فهو لن يؤذيكي. وآخر يقول: هذا يكون أخ لخالد. وضعت الشاي وجلست بجواره وهي تنظر بخبث قائلة: يا حج عبد العزيز، على ماذا تنوي؟ ضحك عبدالعزيز قائلا: ما يثير مضايقتي أني بت مكشوفاً أمامك في كل شيء، عزيزتي. قال عبدالعزيز بجدية: ستعلمين يا عزيزتي معنى ما أفعله بعد أن تضع كل واحدة منهن مولودها. عزيزة بنظرة شك: أعلم أن هناك شيئاً، ولكني سأنتظر.
جالسة في غرفتها تتذكر الطبيبة وهي ترفض عرضها. وهي تقول لنفسها: شكلك كان مثيراً للشفقة يا نواهل. ظلت هكذا إلى أن دخل جلال قائلا بحب: لولي حبيبتي، أين أنتِ؟ ضحكت قائلة: هنا حبيبي. دخل جلال وجدها يبدو عليها التعب. قال لها: ماذا بكِ حبيبتي؟ ألهذه الدرجة الحمل صعب؟ ما رأيك نتمشى قليلاً يا لولي؟ تبسمت ووافقت. ثم أمسكت ذراعه ونزلت معه سعيدة لفكرتها. ظلت تمشي وهي تفكر بحقد تارة في منيرة وتارة في الطبيبة، ولا تعرف ماذا تفعل.
إلى أن كادت تفقد عقلها. نزلت درج السلم فكانت تبدو وكأنها أميرة. إلى أن قالت لها ورد: هل أخبر السيدة عزيزة بأنكِ مغادرة؟ منيرة هانم. تبسمت منيرة قائلة بحب: لا تتعبّي نفسك، سأذهب لها أنا يا ورد. ذهبت منيرة إلى عزيزة قائلة لها وهي تستأذن الدخول: ماما عزيزة، هل أدخل؟ رد عبدالعزيز بحب: تفضلي بنتي. دخلت وسلمت عليهم. ثم عبست متفاجئة من وجود عزيزة قائلة لها: متى أتيتِ إلى هنا يا ماما؟ لقد رأيتكِ للتو بالخارج.
عقدت عزيزة حاجبيها قائلة: كيف ذلك، فأنا لم أقم من جانب الحج منذ أكثر من ساعة. ضحكت منيرة قائلة بشك: رأيت القمر منيراً ومضى، ظننته أنتِ. ضحكت عزيزة بشدة. إلى أن قالت: سلمتِ بنتي، وسلم ما شيء جميل من أجلك. قال عبدالعزيز باهتمام: أين تذهبين؟ ردت منيرة بحب: سأذهب لأرى أبي، فإنه يمر بوعكة صحية، لهذا كنت أريد أن أستأذنكم. قال عبدالعزيز بسرعة: ألف سلامة للسيد عبدالقادر. سأذهب له. قالت عزيزة بسرعة:
ألف سلامة له، بنتي. سلامي له. هل ستبيت ورد في منزلك بمفردها؟ ردت بحب: لا، أخذت اليوم وغداً إجازة. عزيزة بحب: إذنك معك. ذهبت. قالت عزيزة بحب: والله إني لا أحبها حب كبير، منيرة. قال عبدالعزيز بمكر: ولا تحبي نواهل؟ ردت عزيزة موضحة: أنت تعلم ماذا فعلت لكي يتزوجها جلال، ولكني تقبلتها لكي لا يحزن ابنك. والله تعلم أننا لم نفهم سبب فعلته هذه. عبدالعزيز بهدوء: أنا أعلم كيف يفكر جلال ولمَ فعل ذلك، وسيعاني كثيراً بسببها.
انقبض قلب عزيزة هنا على ابنها. بدأ دق الطبول وأخذها مبتسماً، وكوثر تبكي من الخلف. نظر لها بحنان قائلا: الشمعة التي كانت تنير بيتي ستذهب لتنير بيت آخر. أسأل الله لكي السعادة. بعد قليل مسك عبدالرحيم عبدالوهاب قائلا: أعطيتك قطعة من قلبي، إن لم تكن هي قلبي بالكامل، حافظ عليها واحميها واسعدها حتى لا تكون خصمي أمام الله. بعد قليل وقف عبدالوهاب أمامها مبتسماً قائلا:
أعلم أنك كنتِ لا تريديني، لكني والله سأجعلكِ ترين السعادة معي ولا شيء آخر يا نهال. جلست بجواره قائلة بحب: أنت بخير يا عبدالقادر؟ لم المكر؟ ضحك عبدالقادر بتعب ثم قال: أصبحت بخير بعدما رأيتك يا منيرة. ضحكت منيرة وقصت له على ما ينوي عليه عبدالعزيز. سألها باهتمام: هل تريدين الولد يا منيرة؟ ردت وهي تنهض: تعلم يا عبدالقادر أني لا أهتم بذلك، صدقني. ذهبت وهي تقبله قائلة: إن استطعت أن آتي لأراك الأسبوع المقبل، سآتي يا حبيبي.
كانت ذاهبة وهي لا تعلم أهكذا الصح أم لا. ثم تفكر بالمبلغ فتوافق على الفور وتسرع في خطواتها. أطرقت الباب ثم قالت بتوتر: أريد الست نواهل. نزلت نواهل الدرج بهدوء. ثم عقدت حاجبيها عن هوية من تراها. ثم وقفت قائلة بتوتر: أنا عبير الممرضة عند الدكتورة نهى، وأكثر شخص هي تثق به. هل تحدثنا دون إخبارها من فضلك؟ تبسمت نواهل لها وفي عينيها يلمع شر الانتصار. أخيراً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!