تشعر بفراغ شديد وبأن الزمن توقف في حياتها، فأمس مثل اليوم مثل غد، روتين يتكرر بنفس النظام والتفاصيل. كان كلامها يقل يومًا بعد يوم، تتحرك بنصف عقل، وتعمل أطرافها بشكل روتيني تمامًا ودون تفكير. تشعر بعقلها يكاد يحترق، فهو يمتلئ بأفكار وكلمات لا تستطيع أن تبوح بها، فلا أحد سيسمعها، فحديثها مع حسين لا يتجاوز الأوامر منها والطلبات منهم. فرض على عقلها سؤال أزعجها: لماذا تتحمل النساء حياة روتينية كهذه؟
من أجل زوج تحبه أو أطفال يملئون حياتها محبة وصخب، أما هي فمن دون النساء حرمت من الاثنين. فإلى متى تستطيع أن تصبر وتتحمل حياة كئيبة كهذه؟ إلى متى ستعيش سجينة الواجب خائفة من لسان الناس؟ ما يصبرها على هذا الوضع هو الاتفاق الذي بينهما، اتفاق شفوي لكنها اتخذته عهدًا على نفسها. لا يزال هناك شهران على نهاية الاتفاق، لهذا فهي ملزمة أن تمثل دور الزوجة وتقوم بواجباتها أمام الناس. لكنها في البيت ليست زوجة، بل ممرضة وخادمة.
كل يوم تزداد نقمتها على نفسها وحياتها، لا يمنعها من الثورة إلا أنها تبتغي الأجر من الله وتخشى أن تكون مقصرة أو تتركه وحده فيؤذي نفسه فتتحمل هي الذنب. تشعر بالشفقة لأجله فقد فرغت الحياة من حوله وصار هو وهي منقطعان عن العالم بين أربع جدران، حتى الشارع لم تعد تخرج إليه، بل تقضي احتياجات البيت بخدمة توصيل الطلبات. كانت تجلس على كرسي المائدة في الصالة شاردة ممتلئة بالضيق المكبوت.
وسمعت صوت إشعارات الرسائل في الموبيل، فتحته، فوجدت مجموعة من الصور على جروب المدرسة، ومعهم فيديو قصير للطلبة والطالبات في المعسكر وهم يحملون لوحات كتبوا عليها كلمات كل كلمة في لوحة مستقلة شكلت جملة عرضها الطلبة والطالبات أمام الكاميرا بشكل فني منظم جميل. وعندما قرأتها اهتز قلبها من التأثر: "We miss you, Miss Najat" ألقت بالموبايل على المائدة وأخذت تدلك وجهها بكفيها تحاول أن تسيطر على ذلك الحريق الذي شب في قلبها.
ابتعادها عن طلبتها كان يقتلها، فالتدريس بالنسبة لها ليس دروس تزيد من دخلها ولا عمل روتيني تقوم به لتثبت أنها ناجحة ومحترفة في مهنة ما، لكن التدريس بالنسبة لها هو حياة، عمل ترضي به ربها ورسالة إنسانية، التدريس هو الصلة بينها وبين البشر يشعرها بأنها لازالت إنسانة تشعر وتتفاعل وتعرف كيف تتواصل مع الناس.
كانت الأنشطة الصيفية هي مساحة الترفيه الوحيدة في حياتها، ففيها تكون على طبيعتها مع الطلبة بدون رسميات، فيها تستطيع أن تضحك. نظرت لجدران الصالة وهاجمها شعور رهيب بأنها سجينة وتريد الخلاص من سجنها. شعرت بالاختناق الشديد وأخذت تتنفس بصعوبة، وبدأت آلام منتصف صدرها تعاودها بشدة، فتناولت دوائها قبل أن تشتد الأزمة وتسوق حالتها. ثم ذهبت للحمام وغسلت وجهها بالماء عدة مرات حتى هدأت قليلًا وعادت تجلس إلى المائدة.
اهتز هاتفها طويلًا فهي تكتم صوته حتى لا يزعج حسين. فردت على المكالمة التي كانت من أخيها. قالت بود: "إزيك يا محمد، أخبارك إيه، وأخبار البلد إيه؟ طوال المكالمة وأخوها يلح عليها أن تعود للبلد لتحضر فرحه، وهي تعتذر عن الحضور بسبب إصابة زوجها فلا يزال حبيس البيت ملازمًا للفراش بأمر الأطباء ولا يمكنها تركه وحده.
انتهت المكالمة على تأثر أخيها وأسفه أنها لن تحضر فرحه، ووعد منها أنها ستزوره هو وعروسه في بيتهم بعد أن يمن الله بالشفاء على زوجها. ألقت بالموبايل على المائدة وعقدت ذراعيها على المنضدة وأسندت رأسها عليهما وزفرت بضيق. ونما في عقلها سؤال عجيب: لماذا يظهر الطعام الشهي أمام الصائم؟ الآن هي لا تستطيع التحرك لأي مكان، فيأتيها كل ما يغريها للخروج ويتزين أمام عينيها. كان حسين يقلب في موبايله في الفيسبوك.
وجد أمامه إعلان ممول عن فيلم كارتوني قصير تم إصداره حديثًا وسيعرض على إحدى المنصات الإلكترونية المدفوعة. ما كان ليهتم بالإعلان لولا أن الفيديو يحوي شخصيات يعرفها جيدًا، بل رسمها بيده خطًا خطًا، ومهما غيروا في عناصرها الخارجية، لن يعرفها أحد أكثر منه. اتصل على الفور بعبد الرحمن، لكنه لم يرد، فاتصل بداليا وصاح فيها: "إنتوا إزاي تعملوا كده!! إزاي تاخدوا شغلي وتحطوا عليه اللوجو بتاع الشركة بعد ما خرجتوني منها!! قالت:
"يا حسين إنت لسه في الشركة مخرجتش، وشغلك ده إنت عامله للفيلم اللي بتنتجه الشركة، يعني شغل خاص بالشركة مش شغل خاص بيك." صاح غاضبًا: "إنتوا عملتوا عليه تعديلات وأنا مش موافق على التعديلات دي." قالت: "يا حسين الشغل بقى ملك الشركة طالما كنت بتعمله جوه الشركة وللفيلم اللي هتنتجه الشركة، وال... أغلق الموبايل وهو يكاد ينفجر غيظًا، وأخذ يضرب رأسه في السرير ويعصر عينيه عصرًا.
نظر بحسرة إلى يده اليمنى المسجونة بالجبس، وتحطمت روحه، وانتهت كل أحلامه وفشل مشروعه وفقد كل أمل في أن يرسم مرة أخرى. فحتى لو شفيت يده، فلن تشفى روحه أبدًا. سمعت صوته يناديها صارخًا. فرفعت رأسها وزفرت غاضبة: "تعبت، تعبت مش قادرة أستحمى." أجبرت نفسها على القيام وذهبت. فقال بانفعال: "بنده عليكي، مبترديش ليه." كشرت وهي تنظر في وجهه الغاضب: "نعم، عاوز إيه."
كان يتنفس بسرعة ويحرك يده وساقه السليمة وهو يحاول أن يتذكر شيئًا يقوله لها، فقد تبعثرت أفكاره في كل اتجاه. ثم صاح بانفعال: "الأكل، فين الأكل؟ قالت بصرامة: "متزعقش، هجيبهولك." وقفت في المطبخ تجهز العشاء وتعمدت أن تبطئ في تجهيزه، ففي كل الأحوال لا يزال الوقت مبكرًا ولم يحن موعد العشاء ولا وقت الدواء.
لكنه لم يكف عن الصراخ باسمها كل دقيقة، حتى امتلأ جسدها بشحنة توتر عالية، وأخذت تتحرك بغضب شديد، وكلما سمعت صوته يصرخ سدت أذنيها لحظات ونفخت بغضب شديد، ثم تصرخ: "جاية، جاية." وضعت أطباق العشاء أمامه، وهو يحاول جاهدًا السيطرة على البركان الذي يغلي بداخله وتنطلق حممه من جوفه في كل اتجاه، ولم يكن هناك غيرها في المكان لتسقط فوق رأسها: "الأكل دلع، فين الملح." قالت: "إنت لسه مدوقتوش عشان تقول دلع." صرخ غاضبًا: "فين الملح."
كانت أقدامها تدب الأرض من الغضب وهي تأتي له بما يريد، لكنه لم يضع شيئًا منه على الطعام. لم يعد له القدرة على السيطرة على نبرة صوته الصارخة: "الأكل بارد." نفد صبرها: "إنت بتلكك!!! الأكل سخن، إنت اللي عاوز تتخانق وخلاص." صرخ بجنون: "مش واكل." دفع طاولة السرير بيده اليسرى من عليها بعنف شديد، فسقطت على الأرض وتبثر الطعام في كل اتجاه وتناثر على السجادة وجزء من الدولاب. أطبقت قبضتيها بغيظ شديد وهي تصرخ: "إنت اتجننت!!
إزاي تعمل كده!! خرجت من الغرفة قبل أن تفقد آخر خيط في عقلها وابتعدت عنه وذهبت للمطبخ تحاول أن تسيطر على أعصابها. ثم ضربت بكفيها على رخام المطبخ عدة مرات حتى آلمتها فتوقفت وأخذت تتنفس بصعوبة. لم تمض دقيقة حتى سمعت صوته يصرخ باسمها. سدت أذنيها بكفيها وأخذت تدب بأقدامها في الأرض، كان الموقف كله فوق قدرتها على التحمل. استمر يناديها بلا توقف، واضطرت هي أن تذهب إليه عندما قال: "تعالى وديني الحمام."
فكرت تلك اللحظة أن تكسر نظام الدواء الذي تحافظ عليه وتعطيه الدواء ليهدأ رغم أنه لا يزال ساعة ونصف حتى يحين وقته. فعادت له ودون أن ترد عليه أخذت الدواء من جوار سريره وأخذت تجهز الحقنة ويدها ترتعش وعينها ترمش تحاول التركيز بصعوبة. وصوته يصرخ في أذنيها: "أما أكلمك تردي علي." سيطرت على صوتها المرتعش بصعوبة والتفتت له: "حاضر، ممكن بقى تاخد الدوا والحقنة." صرخ: "مش واخد أدوية، وديني الحمام." زمت شفتيها وكشرت:
"مش هتروح في أي حتة قبل ما تاخد الدوا، ومتزعقش في." ضرب الدواء من على الكومودينو المجاور لسريره: "مش واخد زفت، وديني الحمام." ضربت كفيها في وجهها وأخذت تستغفر، ثم فركت وجهها بكفيها وأطبقت أسنانها بقوة كي لا تخرج منها كلمة أو صرخة تحرق البيت بمن فيه. انحنت بصمت تساعده على الوقوف وسارت به نحو الحمام وذراعه تلتف حول كتفيها.
تلك المرة شعرت بثقل ذراعه شديدًا غير كل مرة، أقوى من تحمل كتفيها، وبنبضات قلبه تدوي بعنف وانفاسه تخرج من أنفه عنيفة ساخنة كما لو كان تنين ينفث نارًا. عاد للصراخ: "امشي بالراحة متسبقنيش." انتفضت بانزعاج شديد فقربه منها جعل صراخه كالقنابل في أذنيها ورج جسدها رجا، فانفجرت فيه: "قلتلك متزعقليش، أنا مش خدامة عندك." خرج الغضب من صدره في وجهها عنيفا: "أنا أزعق زي ما أنا عاوز في بيتي، ولو مش عاجبك امشي."
صمتت لحظة، ثم دفعته بكفيها في صدره بكل ما في قلبها من نقمة وغضب، فاختل توازنه وسقط على الأرض. لم تدرك حجم ما فعلته إلا عندما أفاقت على صوته وهو يتأوه ورأته ممددًا أمامها على الأرض بجسده المصاب. تراجعت للخلف وهي تنظر لكفيها بذهول وندم شديد. لم تستطع أن تنظر في وجهه فهربت بسرعة وخرجت من باب الشقة وتركته على الأرض يناديها.
نزلت عدة درجات ثم انهارت جالسة على السلم، ووضعت كفيها على أذنيها وضغطت بقوة تحاول أن لا تسمع صوت صراخه المتتالي باسمها. وعندما انقلب صوته إلى بكاء مسموع، هاجمتها الأزمة بشدة بألم لا يحتمل في منتصف صدرها، وكان من المستحيل في تلك اللحظة أن تعود للشقة لتأخذ الدواء وهما على تلك الحالة من الجنون. فتحتاملت على نفسها وبقيت على السلم تتاوه وتتلوى من الألم الفظيع، وصوت صراخه الباكي يزيد من همها ويمزق قلبها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!