اقتنع حسين ونجاة من أول يوم أن نهاية الزواج حتمية، ولم يحاول أي منهما أن يقترب من الآخر. فقد أدركت نجاة أنه لا أمل في الاستمرار في زواج فاشل، ولم يبد حسين أي اعتراض. وكان عليهما أن يصلا لاتفاق لحل المشكلة بأقل الخسائر.
وكان الاتفاق هو أن يتحملا الوضع القائم لمدة شهر، وبعده يفتعلان شجارًا تترك على إثره نجاة البيت. وبعد محاولات صورية للسعي في الصلح، يتم الطلاق الرسمي بعد شهرين. واتفقا ألا يخبرا أي أحد، ولا يسمحا لأحد بالتدخل في حياتهما.
كان الأمر عجيبًا، فحسين لم يحسن الاتفاق يومًا مع إنسان مثلما فعل مع نجاة. فقد كان الاتفاق يناسب تمامًا أهداف ورغبات الاثنين. فحسين يريد المال من أخيه ولا يريد إغضابه أو إغضاب أمه، ونجاة تريد أن تصون ماء وجهها أمام الناس وتحصل على الطلاق بهدوء دون أن يؤذيها الناس بلسانهم.
كان الاتفاق يسير كأحسن ما يكون، وكل منهما لا يحاول أن يزعج الآخر أو يضايقه. والبيت هادئ جدًا على عكس ما توقعت أخته وما كانت تخشاه أمه أن جنان حسين وشجاراته مع زوجته سيسمعان بها كل يوم عن طريق شباك المنور. لكنه لم يحدث أن سمعا صوت أحد منهما. فمن أين سيأتي الشجار والكلمات التي تدور بينهما تعد على الأصابع. فكل منهما غارق في عمله وحياته الخاصة. حسين يعد لمشروعه القادم، ويعمل مع رنا في استوديو لصناعة أفلام الكارتون.
ونجاة عادت لعملها في المدرسة الإنترناشيونال التي تعمل بها معلمة ساينس مع سارة زوجة حسن. ثم تقدم دروسًا خاصة لطلبتها أون لاين أوقات تواجدها في البيت. *** ظنت سارة أن نجاة ستأخذ إجازة زواج طويلة، لكنها فوجئت بها في المدرسة بعد عدة أيام قليلة. فكانت مثار الأحاديث الخاصة لزميلاتها في المدرسة، وخاصة سارة التي كانت تتحدث مع منى زميلتها التي سألتها بدهشة: "صاحبتك دي حكايتها إيه! قطعت إجازة الجواز وجاية المدرسة ليه؟
هو العريس مش عاجبها؟ قالت سارة متأففة: "وهي كانت تطول! ده هو اللي كتير عليها." قالت: "آه، يبقى مش عايزة تفوت الصيف كورسات." "أنا مشوفتش حد بيجري كده ورا الفلوس، لا وأيه، دي أكتر حد بيطلبوه أولياء الأمور في الدروس أونلاين وفي الصيف كورسات." اقتربت منهما رودي التي تعمل في الإدارة وسألت سارة: "إيه يا ميس سارة! ما تشوفيلنا حل في قريبتك دي! داحنا مصدقنا اتجوزت وقلنا هتتهد، راجعة عشان تشغلنا في الصيف كمان."
سألت سارة باهتمام: "ليه عملت إيه؟ قالت رودي: "عند المدير دلوقتي بتعرض عليه فكرة جديدة من افتكاساتها." سألت منى: "فكرة إيه؟ قالت رودي: "ساينس كلوب في الصيف." سارة: "إيه؟ هو إيه ده؟ وهو المدير وافق على الكلام ده؟ رودي: "وافق وبس! ده متحمس جدًا ليها، دي عاملهاله مهرجانات، وحطت له خطة كورس برمجة للطلبة وهتجيبله مهندسة من بره تدي الكورس والمدير دلوقتي بينسق معاها."
قالت منى: "هو كل ما هتطلع في دماغها حاجة، المدير هيوافق عليها كده من غير اعتراض؟ سارة: "وهو يهمه حاجة غير الفلوس اللي هيلمها من الطلبة في الصيف." قالت رودي لسارة: "هو جوزها ده مبيتخانقش ويتعافرِت عليها زي أزواجنا ولا هو إيه حكايته؟ ما يلمها شوية في البيت مش ناقصين وجع دماغ." لوت سارة فمها: "جوزها! ثم أكملت في سرها: "اتنين دماغهم ضاربة واتلموا على بعض، واحنا اللي هييجي على دماغنا." ***
حاول أن يتهرب من لقاء أخيه، فنزل السلم متسللًا حتى لا يشعر به أحد. لكن أمه فتحت باب شقتها وهو يخرج من باب المبنى فنادته: "حسين، تعالى عاوزاك." دخل شقة أمه متأففًا، فاغلقت الباب وقالت: "مش هتبطل العادة المهببة اللي فيك دي، فاكرني مش هعرف أنت نازل وطالع إمتى." ألقى جسده على الأريكة وهو يعد أذنيه للمحاضرة المملة والتي لا يستمع لأغلبها عادة ويكتفي بهز رأسه وكأنما يستمع.
قالت أمه: "أخوك حسن عاوز يتكلم معاك، اتصلت بيه وقلتله إني قفشتك ومثبتك هنا." أخذ يهز ساقيه بتوتر ويفرك في أصابعه، ولم تمض دقائق حتى سمع صوت عكاز حسن، فاعتدل في مجلسه. كلما رأى أخيه يمشي، تتجه نظراته تلقائيًا لساقه العرجاء التي يجرها معتمدًا على عكازه، ويتوه وعيه في حركة مشيته البطيئة فينفصل للحظات عن العالم حتى يوقظه أحد بالصراخ باسمه لينتبه ويسترد وعيه بما حوله. صوت حسن جعله ينتفض: "حسين أنت سامعني."
قال بارتباك: "أيوة.. أيوة سامعك." زفر حسن بضيق: "لا مش سامعني، عمومًا أنا جبتلك فلوسك أهيه." نظر حسين فوجد أمامه حقيبة لم ينتبه متى وضعها حسن أمامه، لكنه قال بدهشة: "أنا.. أنا مش عارف أقولك إيه يا أخويا، سامحني لو كنت... قال بجديته المعهودة: "بطل تعتذر على أي حاجة." ابتسم حسين: "طيب أنا متشكر وبجد مش عارف أقولك إيه." قالت الأم بشك: "حسن، جبت الفلوس دي منين؟ انتبه حسين لما غاب عن باله، فنظر لأخيه ينتظر إجابته بقلق.
صاحت بقلق: "هتفصلوا من بعض؟! قال بضيق: "نفصل إيه بس يا أمي، دي فلوس المشروع اللي عاوز يعمله." قالت بقلق: "أومال جبت الفلوس منين؟ حسن: "جرى إيه يا أمي، فاكراني مش هعرف أدبر الفلوس؟ قال حسين بتوتر: "أنا مش عاوز أعملك مشكلة، لو الفلوس هت... قال حسن: "أنا عارف أحل مشاكلي كويس، المهم إنك تحافظ على فلوسك، ولما أتصل بيك ترد، مش تسيبني أتصل بيك 20 مرة ومتردش على أخوك." شعر بالخجل الشديد أمامه ولم يستطع أن يرد.
قال حسن فجأة: "فين تليفونك؟ اتصلت بيك الصبح ومقفول." وضع حسين يديه على جيبه الخلفي بتلقائية وتذكر أنه عاد من الإسكندرية بدونه فارتبك وطال صمته. فسأله حسن بشدة وقد توقع الإجابة من خبراته السابقة مع حسين: "تليفونك فين يا حسين؟ أشاح حسين بوجهه بعيدًا، ولم يستطع الرد من الإحراج فصاحت أمه وهي تضرب على صدرها: "يا لهوي! ضيعته! ده تالت تليفون تضيعه، يابني أنت كبرت على كده، دي أختك اللي في ثانوي...
لم يستطع أن يسمع كلماتها فنهض بعصبية وهم أن يخرج لكن حسن صرخ فيه بغضب: "حسين! تجمد في مكانه وقد وصل توتره أقساه، فقال حسن: "خد فلوسك." لم يستطع أن يفعل شيء سوى أن يطيعه فعاد وأخذ الحقيبة لكن حسن وضع يده عليها، فنظر له حسين لحظة ثم أشاح بوجهه بإحراج متجنبًا النظر إلى وجهه الجاد، فقال حسن: "اوعدني إنك تحافظ على الفلوس ومتضيعهاش." قال بخجل: "أو.. أوعدك."
أصوات جلبة صاخبة على الباب جعلتهما يصمتا ويبتسما منتظرين الهجوم القادم. وبمجرد أن فتحت أم حسن الباب حتى دخل آدم وآسر بصخبهما، وآسر يوزع قبلاته على الجميع وعلى عمه خصوصًا. سألهما حسن: "مروحتوش الحضانة ليه النهاردة؟ ردت أمه: "صحوا متأخرين قلت لسارة تسيبهم معايا." نظر حسن لابنه الكبير آدم: "مسلمتش ليه على عمك يلا." نظر آدم لحسين نظرة لوم غاضبة وقال وهو يضع كفيه في جيبه: "إزيك يا أونكل." صاح حسين بمرح جاذبًا
إياه من ملابسه: "إيه؟ بتقول إيه؟ أونكل! قالت أمه: "بالراحة عليه يا حسين لسارة تزعل زي كل مرة، أنت عارف، قمصانها وحشة." لم يسمع حسين كلمة مما قالتها أمه، فقد كان تركيزه كله مع أولاد أخيه. فأمسك آدم من حزامه ورفعه بيد واحدة فوق رأسه وقال: "أنت قد الكلمة دي! قول حرمت." انفجر الطفل بالضحك وقال: "حرمت حرمت." أنزله على قدميه وهو يؤكد عليه: "يا إيه! ضحك آدم الذي كان يحب مزاح عمه: "يا أونكل." ضحكت جدته: "برضه!!
ده شكله زعلان منك أوي." صاح آدم وهو يضربه بقبضتيه كلاعب بوكس وحسين يتلقى ضرباته بكفيه بمرح: "وعدتني إنك هتلعب معايا جيمز وكل ما أدور عليك مش ألاقيك يا حسحس." كان حسن يراقب حسين وهو يمزح مع طفليه ويجلسهما على ساقيه ويضاحكهما ويلعبهما ويدغدغهما ويقبلهما. ابتسم بحنان عندما حملهما على ذراعيه وأخذهما إلى الشاشة في غرفة المعيشة ليفي بوعده لآدم ويلعب معه جيمز.
هز رأسه متعجبًا وهو يضع كفه على حقيبة الفلوس ويبتسم. هذا هو حسين، ينتقل من وادي إلى وادي بسرعة غريبة، وينسى كل شيء عندما يلعب مع آدم وآسر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!