في الصباح الباكر كانت رنا تنطلق بسيارتها بعد أن قضت ليلة حزينة بلا نوم، لا تفكر إلا في حسين، الحب الذي ضاع منها. وعندما اتصل بها شادي وأخبرها بقصة العريس الهارب، صرخت بانفعال وارتدت ملابسها في دقائق واتجهت بسيارتها لتنتشله من على الطريق ليبحثا معًا عن حسين. كان شادي يعلم جيدًا أنها ستهب للبحث عن حسين بسيارتها، مما يعني أنه لن يدفع جنيها في المواصلات. أخيرًا رد حسين على تليفون شادي وأخبره بأنه في الإسكندرية.
أخذ شادي يضرب جبينه بكفه: هبت منك!! هبت منك عالاخر، هتفضل لامتى تمرمطنا وراك كده!! دا النهاردة كان المفروض تبقى صباحيتك. صاحت فيه رنا بعصبية: اسأله عن مكانه بسرعة قبل ما يقفل المكالمة. أسرعت رنا بالسيارة على الطريق وقلبها يسبقها إليه، فكل لحظة تقضيها مع حسين تساوي سنوات من السعادة. سار على الشاطئ يركل الزبد بقدمه في غضب وقد ابتل حذاؤه وبنطلونه حتى الركبة، كان يشتم شادي وهو يدس موبايله
في جيب بنطلونه الخلفي: جاي ليه دلوقت يازفت!! وكمان جايب رنا معاك!! أكيد حسن اللي اتصل بيك. كانت أعصابه كمادة قابلة للاشتعال، تنتظر فقط عود كبريت لتنفجر، لن يحتمل أن يسمع كلمة من أي إنسان. وصلت رنا إلى سيارته، وركنت سيارتها واجتازت سور الكورنيش وجرت إليه وامسكت كفه تحاول جره خارج الماء، ولحق بها شادي وهو يقول ساخرًا: إيه يا عم المنتحر، خلاص، الدنيا وقفت على الست ملك بتاعتك. صاح في وجهه: اخرس خالص، وإياك تجيب سيرتها.
قال بمرح: ماشي ياعم مقبولة منك، أدام عندك أزمة عاطفية كنت كلم أخوك يظبطلك سهرة حلوة، أكلة طعمة، شوية مزز، بدل الكآبة اللي انت فيها دي. قالت ملك بغيظ: بس ياض يا أهبل أنت، حسين ألف واحدة تتمناه. كان يقف شارداً ينظر للبحر وعقله لا يعي أغلب حديثهما، فقالت رنا بمرح وهي تتعلق بكفه وتقفز بأقدامها فوق الموج المتتابع: حسين، أنت سامعني، سرحان في إيه.
كان غضبه يهدأ تدريجياً ويحل محله برود عجيب وهو ينظر للبحر والسماء والهواء العليل يضرب وجهه وشعره، فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال لهما: يالله نرجع مصر. قال شادي: أيوة، يالله نرجع أحسن أخوك موصيني مسيبكش من إيدي. صاحت رنا: أنت عبيط يلا، هو شنطة هترجعها لصاحبها، دا راجل وحلو وزي القمر، وهو بس اللي يقرر امتى يمشي وامتى يرجع. قال شادي: منا خايف أخوه يستعجلنا يبلغ عني، منا اللي في وشه دلوقتي. قال حسين بضيق: يالله نمشي. تعلقَت
بذراعه وقالت بمرح: تمشي فين!! حد ييجي إسكندرية ويمشي من غير ما يشبع من جمالها. قال شادي بخوف: يا ستي أهله بيدوروا عليه وهيقدموا فينا بلاغ في القسم. قالت بعصبية: عارف لو مسكتش مش هاخدك معانا في أحسن مطعم في إسكندرية. صرخ شادي: مطعم!! يعني جمبري وسي فود!!! لا دانا أروح فيها، خدوني معاكم والنبي متسيبونيش. قالت بمرح وهي تدفعه في الماء حتى سقط وابتل من شعره لقدميه: يبقى إياك تفتح بقك ولا تقول أي كلمة تعصبني.
ابتسم حسين ابتسامة حزينة، وضحكت رنا من قلبها بعد أن تجدد أملها فيه بقوة. لقد انتهت أخيرًا قصة حبه، وصار زواجه مجرد غلطة سيتم إصلاحها قريبًا جدًا، فما من امرأة تقبل على كرامتها أن يهرب منها عريسها ليلة دخلتها، ولا شك أنها ستدعو أهلها جميعًا ليخلصوها من ذلك العريس المستهتر، وبعدها سيكون حسين لها ولن يكون لأحد غيرها.
قررت أن يكون اليوم هو أسعد أيامها معه فأخذت تجري على الشاطئ وتدور حوله وترش عليه الماء وهي تضحك وتصرخ من السعادة وتلتقط معه صور السيلفي، وهو غير قادر على مجاراتها، فقد تجمد عقله وأصاب مشاعره البرود والتبلد، ينظر لشادي ورنا وهما يتشاكسان ولا يستطيع أن يبدي أي رد فعل، وكأنه أصيبت أحاسيسه بالشلل فلا يضحك ولا يغضب ولا يفرح ولا يحزن، وكل شيء حوله صار رمادي محايد بلا لون ولا طعم ولا رائحة، فلا يستمتع ببحر ولا جو ولا طعام ولا أي شيء.
استيقظت على صوت جرس الباب فقامت بصعوبة وهي تشعر بآلام في رقبتها وظهرها، فلم يكن النوم على الأريكة مريحًا لجسدها، لكنها حمدت الله أن مرت الأزمة بسلام واختفت الآلام من منتصف صدرها. ارتدت الإسدال وفتحت الباب وهي تعلم أنهم أهل زوجها، ولن يزورها سواهم. فأمها وأبوها متوفيين وإخوتها عادوا جميعًا للبلد في نفس الميكروباص الذي استأجروه ليصحبهم لفرح أختهم.
دخلت أم حسن وأخذت تحضنها وتقبلها وترسم على وجهها ابتسامة ودودة تحاول بها إخفاء خجلها البالغ، وسارة وفاطمة من بعدها، ودعتهما العروس للدخول وجلس الجميع في غرفة الاستقبال. كانت أم حسن تفرك يديها بتوتر وخجل،
ثم استجمعت شجاعتها وقالت: والله يا حبيبتي ما عارفة أقولك إيه، امبارح كانت ليلة صعبة أوي على حسين، تخيلي، أعز أصحابه وهو مروح بالليل من الفرح حصلت له حادثة فظيعة، وحسين أول ما جاله الخبر مقدرش يستحمل وطلع يجري عالمستشفى زي المجنون. مالت عليها فاطمة سألتها بسماجة: صاحبه مين ده اللي عمل حادثة. زغدتها بكوعها في جنبها: صاحبه شادي يا بت. نظرت للعروسة وقالت بإحراج: معلش أصل المسطولة دي كانت امبارح نايمة لما جالنا الخبر.
متزعليش يا حبيبتي، أصل حسين طيب أوي وحنين، ومش ممكن يسيب صاحبه في وقت أزمة. تدخلت سارة: مش محتاجة أي حاجة؟! قوليلنا بس، ده خلاص بقى بيتك واحنا هنا أهلك. كانت تنقل نظراتها بينهم بصمت، تعلم جيدًا أنهم يكذبون، وتلك هي أكثر خصلة تكرهها في البشر، لكنها اعتادت ألا تبوح برأيها ولا بما في قلبها، ففي كل الأحوال لا شيء سيتغير. أخذت تتمتم بكلمات قليلة مجاملة، حتى انتهت الزيارة. بمجرد أن
دخلت فاطمة شقتهم حتى صاحت: أووووف، إيه البلوة اللي اتحدفت علينا دي، دي عليها تكشيرة تقطع الخميرة من البيت، لأ وتقيلة تقل، بتطلع الكلام من تحت ضرسها. زغدتها أمها: اخرسي بقى، عاوزاها تعمل إيه بعد العملة المهببة اللي عملها أخوكي، تقوم تتحزم وترقص. قالت: والله ليه حق يطفش من وشها، دي دمها تقيل أوي. زفرت الأم: طيب يا حسين، بس أما ترجع هعرف شغلي معاك، بقى ده موقف تحطنا فيه.
عاد حسين أخيرًا للبيت مع دخول الليل، وصعد السلم بخطوات ثقيلة، فقد تولى شادي تهدئة أعصابه بالطريقة التي يتبعها دائمًا كثير من الشباب بسيجارة غير عادية. خرجت أمه بسرعة من شقتها، وصعدت معه السلم وهي تلقنه بتكرار ما سيقوله لعروسه: صاحبك شادي عمل حادثة ودخل العناية المركزة وانت فضلت جمبه لحد ما اتطمنت عليه، أوعى تغلط بالكلام وتقول حاجة تانية.
كان يهز رأسه باستسلام تام وهو يتثاءب بإرهاق، حتى أنهت أمه مهمتها وأدخلته شقته وأجلسته على الأريكة وهي لا تكف عن الحديث مع العروس بالاعتذار والأعذار، ورحلت عندما اطمأنت أن الجو هادئ ولا شجارات. أخذ يهز ساقه بتوتر ويفرك يديه ببعضهما ويبعثر نظراته لليمين واليسار محاولًا تجنب النظر إليها، برغم أنها كانت هادئة للغاية، ولا يحمل وجهها أي غضب. ثقل الصمت بينهما حتى مل من الانتظار، فتنحنح ليخرج صوته متحشرجًا،
ثم قال: أنا، أنا آسف. أخذت وقتًا لترد عليه: آسف على إيه!! كان توتره يزداد، فهو حقًا لا يجد ما يقوله، لكنها بادرت ومنحته طرف الكلام الذي يخرجه من الموقف بسهولة: صاحبك اللي عمل الحادثة، عامل إيه دلوقت؟؟ تنحنح بارتباك وكأنه فاجأه: صا.. صاحبي!! كويس، كويس. كان يتلفت يمينًا ويسارًا ويمسح عرقه بتوتر وكأنه وقع في حصار خانق. فجأة ودون مقدمات اندفع يقول بأنفاس متسارعة وقلبه يدق: مفيش، مفيش حد عمل حادثة، أنا مروحتش المستشفى.
رفعت حاجبيها بدهشة، فقد فاجأها صدقه، ثم أكمل بنفس النبرة المندفعة: أنا.. أنا مش عارف أنا عملت كده ليه وازاي، فجأة تفكيري اتشل ومعرفتش أعمل إيه غير إني أبعد، أنا.. أنا آسف.. حقيقي آسف، مش عارف أقول إيه غير كده. قالت بهدوء غريب: حصل خير، لو تحب تتعشى ممكن أحطلك العشا اللي مامتك جابته. قال بارتباك: لا.. لا.. أنا.. أنا مش جعان، متتعبيش نفسك يا.... لم يشعر بما فعل إلا عندما أظلم وجهها وضاقت عينيها.
عض على لسانه بارتباك، وندم أشد الندم على لسانه الذي يسبق تفكيره ويحاصره في مواقف محرجة جدًا. قامت من مكانها وقالت بلهجة جامدة: لما تحب تتعشى، ابقى انده عليا. قبل أن تترك الغرفة التفتت له وقالت: أنا اسمي نجاة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!