الفصل 15 | من 21 فصل

رواية بلا حب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سوكه

المشاهدات
18
كلمة
1,541
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

تعمدت أن تصل البلد في وقت متأخر ليلاً كي لا تلتقي أحداً من أقاربها أو جيرانها، فلم تكن تستطيع الكلام مع أحد في حالتها تلك، منهكة، خائرة القوى، محطمة الفؤاد.

لم تكن تشعر بكل ذلك وهي تدور طوال النهار في شوارع العاصمة. في البداية مرت على مدير المدرسة وقدمت استقالتها وغادرت مسرعة كي لا يقابلها أحد من الطلبة أو من زملائها، ثم ذهبت للتسوق والمرور على المحلات لتشتري ما تحتاجه لسفرها. وفي عقلها تقصد أن تؤخر سفرها حتى آخر النهار وتلهي نفسها بأي شيء كي تصل البلد ليلاً. أنزلت حقائبها من التاكسي الخاص أمام باب بيتها.

البيت في منطقة هادئة بالقرب من مسجد القرية، وبيوت الجيران تبعد عنه بعدة أمتار قليلة، فلم يشعر بقدومها أحد. وقفت أمام الباب المظلم وضغطت زر الجرس فسمعت صوت العصفور الذي رافقها طوال سنين عمرها. تعلم أن أمها ليست هنا لتفتح لها، لكنها كانت بحاجة لسماع صوت، أي صوت يؤنس وحشة قلبها، وهي تدخل لمكان تعلم يقيناً أنها ستكون فيه وحيدة.

فتحت الباب بمفتاحها ودخلت تسبقها الذكريات. ضغطت مفاتيح الكهرباء من صندوق الكهرباء بالتدريج فانزاح الظلام عن البيت جزء جزء، ومعه تستيقظ ذكرياتها. كانت تتخيل أمها وهي تجلس على السفرة تقطع البصل والخضار وهي تسمع صوت نجاة من الكاسيت ودموعها تسيل، وعندما تسألها: "بتعيطي ليه يا أمه؟ تجيب كاذبة: "البصل وجع عيني". على تلك الأريكة كانت أمها تتشاجر مع أبيها وتتوسل إليه ألا يرحل وهي تبكي وتنتحب.

دخلت غرفة النوم لتسمع صوت تاوهات أمها من المرض وتتخيلها على الفراش تتقلب من الألم بعد أن فشلت كل المسكنات في التخفيف من آلامها. لا يزال الكومودينو بجوار الفراش عليه علب الدواء التي غطتها الأتربة، ولم تجد فرصة للتخلص منها بعد موت أمها، فقد تركت البيت والبلد كلها وانتقلت للقاهرة بأمر من د. ميرفت التي نصحتها بتغيير البيئة وتغيير حياتها لتخرج من حالة الاكتئاب العنيفة التي لازمتها في مرض أمها وبعد وفاتها.

خرجت من الغرفة تترنح وصوت تاوهات أمها وبكائها يملأ أذنيها، وارتمت على الأريكة في الصالة تتنفس بصعوبة، ومعها أعراض الغثيان والتعرق وانقباض الصدر والاختناق والدوار. لقد عاودتها نوبة الـ panic attack من جديد. كانت تشعر بروحها تكاد تخرج من جسدها والدواء المهدئ ليس معها. لا تدري كيف تتصرف، هل تتصل بدكتورة ميرفت لتنقذها؟ لكن ما منعها أنها ستضطر للخضوع لاستجواب د. ميرفت، ولن تتركها قبل أن تحكي لها كل شيء.

وهذا ما لا يمكنها تحمله في الوقت الحالي. على كورنيش النيل أخذ حسين يسير بعصبية ذهاباً وإياباً ينفث دخان السيجارة كتنين ثائر ورأسه يكاد ينفجر. وقد وضع الموبايل على سور الكورنيش وشغله على بلاي ليست نجاة الصغيرة. وشادي يجلس على المقعد يأكل شطيرة لحم شهية ويراقب حسين وهو في تلك الحالة من التوتر والضيق. كانت الفكرة المسيطرة على حسين في تلك اللحظة هي لماذا رحلت؟ ما الخطأ فيه لتتركه كل فتاة يحبها؟

لماذا يخرج من حياته كل من يتعلق بهم؟ هل هو حقاً إنسان سيء لهذه الدرجة؟ هل لديه مرض نفسي ويحتاج لطبيب كما قالت نجاة؟ صاح شادي بفم مملوء بالطعام: "يا عم ما تيجي نروح مطعم ولا فندق بدل المرمطة دي، يعني آخرتها ناكل في الشارع؟ صاح حسين: "عاوز تقعد يبقى تقعد وانت ساكت يا أما تمشي."

دس لقمة طعام في فمه وسكت، ففي كل الأحوال لن يستطيع أن يتحدث إلى حسين قبل أن يهدأ. وهذه مهمة رنا، اتصل بها لأنه يعلم أن صديقه بحاجة إليها وهو على حالته تلك. وهو أيضاً بحاجة إليها، فوجود رنا يعني سهرة سعيدة في أغلى مكان وطعام جيد. وقف حسين لحظة ينظر تجاه النيل عندما مر لانش النزهات بالقرب، وهو يستعيد في ذاكرته اللحظات التي قضاها مع نجاة في نفس المكان، يستند إلى كتفها. انتبه على صوت الأغنية:

بنفس الشوق، شوق في القلب يومه بسنة بنفس الحب، حب سنين مليانة هنا بنفس الخوف عليكوا لما بعدتوا عننا بنفس اللهفة لما كنتوا زمان جنبنا قاعدين ليالي مستنينكم والدنيا صعبة بالبعد عنكم وتعبنا إحنا وزي ما إحنا رحتوا جيتوا فاكرين نسيتوا حتلاقونا يوم ما تيجوا زي ما إحنا، زي ما إحنا رحتوا جيتوا فاكرين نسيتوا حتلاقونا يوم ما تيجوا زي ما إحنا ليلة من الليالي فاتونا عيني لو صحيح نسيونا

ترقرق الدمع في عينيه ولم يعد يتحمل تلك النار التي تأكل ما بين ضلوعه. يشتاق إليها بقدر غضبه ونقمته عليها، فهي ترفض أن ترد على اتصالاته. فمنذ أن رحلت ولا يكف عن الاتصال بها، فلا ترد أو تغلق الموبايل. لم يكن باستطاعته أن يكرهها ولا لديه القدرة أن ينساها. لقد توقفت حياته عندها. كلما سرح بعقله يشعر بكتفيها تحت ذراعه، يشم رائحتها في كل مكان حوله. الألم الذي تركه فراقها بداخله أكبر بكثير من قدرته على التحمل.

قال شادي: "يا عم أنت مزعل نفسك كده ليه، واحدة راحت 100 ييجوا، أنت مش شايف نفسك، ده انت برنس، شوية وهاتيجي اللي تظبطك وتخرجك من المود وتوديني نتعشى في أحلى حتة." رن موبايله فقال ضاحكاً: "أهيه يا معلم.. رنا وصلت." لم يسمع كلمة مما قاله إلا الكلمة الأخيرة (رنا وصلت) التفت له بلا تركيز: "رنا مين؟ قال ضاحكاً: "رنا صاحبتك بتاعة إسكندرية والسمك." صرخ فيه: "انت اتصلت بيها؟

صدم من ثورته فقال بخوف: "لا والله، دي هي اللي عمالة تتصل بيا تسأل عليك عشان مبتردش عليها، عاوزة تعرف انت فين، قلتلها إنك هنا عالكورنيش.. إيه أنا غلطت ولا إيه؟! شعر بالاختناق فدفعه في كتفه بضيق ورحل مسرعاً وتركه فاتحاً فمه من الدهشة. بمجرد أن وصلت رنا وأخبرها شادي أن حسين رحل ثارت ثائرتها، فما كانت تتوقع ذلك التصرف منه: "كده يا حسين!! بتتهرب مني!! مش عاوز تشوفني."

قال شادي الذي كان أكثر ما يهمه أن يظل حسين ورنا أصدقاء ولا يفقد ميزة مصاحبتهما للعشاء في الأماكن الفاخرة: "معلش اصبري عليه، أصله لسه قايم من المرض." التفتت له باهتمام: "يعني إيه؟! حكى لها عن الحادثة، فصرخت غاضبة: "إزاي ميقوليش! وكنت فين أنت لما حصلتله الحادثة؟

قال: "أنا زيي زيك، معرفتش إلا من كام يوم لما رجع يتصل بيا، ده اتغير خالص، بقى كئيب ودمه تقيل، حتى ذوقه في الأغاني اتغير وبقى قديم أوي، ومبيسمعش إلا نجاة، تقريباً كده عنده صدمة عاطفية." التفتت له وفي عقلها جرس إنذار يرن وسألته: "هي مش العروسة اللي جوزوهاله أهله كان اسمها نجاة؟ قال: "والله ما فاكر، أهي حاجة كده قديمة أوي." "بس اللي فهمته منه إنها سابته ومشيت، وهو دلوقتي هيتجنن وأنا مش عارف أتكلم معاه كلمتين على بعض."

أدركت أن عليها استرداده بأي ثمن، ومهما فعلت فهو قليل على حسين الذي تعرفه وتحبه. تركت شادي وسارت عدة خطوات في اتجاه سيارتها ثم اتصلت بحسين لعله يرد عليها. سمعت صوت رنة موبايله من خلفها، فالتفتت بسرعة تبحث عنه، إنه قريب جداً منها. لكنها لم تجد خلفها سوى شادي وكان مظهره مريباً. كان يدور حول نفسه يبحث في ملابسه بارتباك، والصوت يصدر منه. عادت إليه بسرعة وهو يخرج الموبايل من ملابسه ويوقف الرنة، ثم

نظر إليها بارتباك مفضوح: "تخيلي، حسين نسي موبايله كالعادة وكان هيضيع لولا إني شيلتهوله وكنت هرجع... صفعته صفعة قوية وصرخت في وجهه: "هات الموبايل." أعطاه لها بخوف فقالت بتهديد: "يعني حسين مكنش بيضيع موبايلاته ولا حاجة!! وأنت اللي كنت بتسرقهم منه." حاول الدفاع عن نفسه لكنه فشل بعد أن كشفته فبكى أمامها: "أبوس إيدك متقوليلوش." صاحت في وجهه: "اخرس يا سافل يا حرامي! أنا هبلغ عنك." أخذ يرجوها ويستعطفها ألا تفضحه،

حتى قالت: "أنا هسامحك بشرط، تعمل اللي هقولك عليه، ولو منفذتش كلامي بالحرف هبلغ عنك البوليس." دخل البيت وبرغم أنه يترك النور مفتوحاً دائماً، لكنه شعر بالبيت وكأنه مظلم والجو فيه خانق. لكنه يعود دائماً إليه، فلا تزال رائحتها فيه، كل شيء كما تركته، كما رتبته يديها. لم يعد يستطيع النوم في شقة أمه رغم كل توسلاتها له أن يبقى معها في شقتها، لكنه يرفض بعناد. سمع جرس الباب فذهب ليفتح،

ليجد أمامه شادي: "إيه يا عم هو أنت كده دايماً طاير ومحدش عارف يلحقك، على فكرة أنت نسيت موبايلك عالكورنيش وجيت أرجعهولك، وكمان عشان رنا عاوزة تكلمك، وقعتنا في الغلط وزعلت البرنسيسة." أفسح لرنا التي تقف خلفه فتقدمت ودخلت الشقة مع شادي: "أزيك يا حسين وحشتني." رد بلا تركيز: "إنت جيتي إزاي." قالت: "جيت مع شادي، ومامتك فتحتلي الباب، على فكرة مامتك دي لطيفة جداً، أنا حبيتها خالص." قال: "قصدي.. قصدي." جيتي ليه؟

قالت: طيب ندخل الأول وبعدين نتكلم. سار أمامهما إلى غرفة الاستقبال. جلس على المقعد وساقه تهتز باستمرار وأصابعه تعبث بلا شيء وعيناه زائغة تنظر في كل اتجاه. قال شادي وهو يخرج الموبايل من جيبه ويلوح به في يده: موبايلك أهو يا عم، متبقاش تنساه تاني. قالت رنا بحزن: انت إزاي متقوليش إنك عملت حادثة؟ لو كنت أعرف كنت سبت الدنيا عشانك وركبت أول طيارة وجيتلك على المستشفى. بدا عليه أنه لم يسمع شيئًا مما قالته وأن عقله في مكان آخر.

فقالت ترجوه: حسين، أنت عارف أنت غالي عندي قد إيه؟ أنا جبت الفلوس من بابا عشان مشروعنا يكمل. حسين، أنت سامعني؟ التفت لها بلا تركيز: هه، مشروع إيه؟ قالت: أنا كلمت داليا وعبد الرحمن وفهمت منهم اللي حصل. أوعدك إن اللي حصل ده مش هيتكرر تاني، بس المشروع لازم يكمل والأفلام تستمر. قال: رنا، الموضوع ده اتقفل. أنا سحبت نفسي من المشروع ومستني عبد الرحمن يسوق الفيلم عشان يرجعلي فلوسي.

هبت قائمة وصاحت فيه: يا حسين مينفعش كده. مش كل مشكلة تقابلك تهرب منها. الموضوع بسيط وممكن يتحل لو قعدنا مع بعض. بدا لها شارداً وكأنه في عالم آخر. فاقتربت منه ووضعت كفها على كفه: يا حسين، أنا مقدرش أبقى في مكان أنت مش فيه. مينفعش يمر يوم عليا من غير مشوفك وأسمع صوتك. يا حسين، أنا بحبك. ارتمت على صدره فجأة ولفت ذراعيها حول رقبته واحتضنته.

فوجئ بالموقف وشل تفكيره للحظات ولم يستطع مخه أن يترجم رد فعل مناسب للموقف بالسرعة الكافية وبقي مشلولاً لحظات لا يعي كيف يتصرف. حتى أفاق أخيراً وأمسك بذراعيها يحلّهما من حول رقبته وهي متمسكة به. حتى قام من مكانه وابتعد عنها وهو يقول بارتباك شديد: رنا.. رنا.. لو سمحت.. أنا.. أنا.. من فضلك أنا عاوز أبقى لوحدي. شادي خدها وامشوا دلوقتي. انفجرت في البكاء وصرخت فيه: أنت إيه يا أخي، مبتحسش!

طول الوقت وأنا بحاول أقرب منك وأنت بتبعد. ليه! فيا إيه غلط يخليك متحبنيش! فقد قدرته على التحمل فصرخ بغضب: شادي.. خدها وامشوا أنا مش ناقص. تركته ورحلت باكية وخلفها شادي. وأغلق الباب خلفهما بعنف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...