كان حسن يجلس على السفرة يتناول العشاء مع سارة وآدم يجلس بجواره والصغير آسر يجلس على ساقه يطعمه بيده. سألته سارة بهدوء: "صحيح، هو أخوك حسين هينزل المصنع معاك؟ زفر بضيق وقال: "سارة، بطلي تتكلمي مع فاطمة عشان الكلام معاها بيعمل مشاكل." تركت الطعام واعتدلت بتحفز وكأنما تستعد لشجار طويل: "مش عاوزني أتكلم معاها ليه؟ ليها حق تخاف وتقلق، هو مش المصنع ده ورثك أنت وإخواتك وهي ليها فيه؟
قال: "دي بت مهبوشة وبتوقع الدنيا في بعضها، ولو كلامها هيعملي وجع دماغ هنزل دلوقتي أربيها وأعلمها متتكلمش تاني في اللي ميخصهاش." صاحت: "لا بقى يخصها، ويخصني أنا كمان ويخص ولادك، أخوك لو خرب المصنع كلنا هنضيع، وأنت عارفة، مفيش حاجة بيدخل فيها إلا لما تفشل." قال وغضبه يتصاعد: "حسين له في المصنع قد ما ليا ومحدش له إنه يتدخل في الموضوع ده." قالت بانفعال: "وأنا مش ممكن هسكت، دي فلوس ولادي ومستقبلهم."
صرخ في وجهها صرخة افزعت الصغير فنزل من على ساقه وجرى بعيدا: "ولادك ليهم أب شايلهم ومسئول عنهم وبيصرف عليهم وبيحافظ على مصالحهم، ولا أنت فاكرة إني فيزا تحوشي بيها؟ قالت منذرة: "دخول أخوك للمصنع هيضيعه، مصايبه كتير مش هتعرف تلاحق عليها." صاح: "أنا اللي بدير المصنع وأنا اللي أقول مين يدخله ومين ميدخلوش، أنا كبير العيلة دي والمسئول عن الكبير قبل الصغير." نظرت له
بدهشة ورفعت حاجبها بتحدي: "الله الله الله، دا كلام جديد على وداني، ده مش كلامك، ده كلام الست نجاة اللي أنا دخلتها البيت ده بإيديا، هي اللي غيرتك كده!!! قال بغضب: "لو أنت فاهمة إن جوزك كلمة توديه وكلمة تجيبه، يبقى اسمعي بقى الكلام الجديد، ملكيش دعوة خالص باللي بعمله في المصنع ولا تدخلي بيني وبين أخويا، ولا فاكرة إني نسيتلك اللي عملتيه فيه!!! متختبريش صبري عليكي."
"مصاريفك في إيدك كل شهر واللي بتطلبيه بتلاقيه، يبقى تربي ولادك وترتبي في بيتك وبس." قالت: "بقي كدة! بكرة تشوف إن كلامي هيطلع صح، وأخوك هيعمل مصيبة في المصنع وساعتها مش هتعرف تلم من وراه زي كل مرة، بس خد بالك، لو ده حصل أنا مش هقعدلك في البيت، هاخد ولادي وأروح عند ماما." قال بغضب: "دانتي بتتلككي بقي! قالت بتحدي: "أيوه بتلكك، وقاعدة بس لحد ما أشوف مصيبة أخوك بعنيا، وساعتها مش هتعرف ترد ولا تدافع عنه."
-بمجرد أن علمت د. ميرفت بوصول نجاة البلد حتى فاجأتها بزيارة. فتحت نجاة الباب ووقفت صامتة لحظات، ثم أفسحت لها لتدخل، وبمجرد أن جلست على الأريكة قالت نجاة: "هعملك شاي." قالت ميرفت: "تعالي تعالي، أنا عارفة طريق المطبخ ولو عاوزة شاي هقوم أعمله بنفسي، اقعديلي هنا بقى بتعبك بأرقك بإحباطاتك بهالاتك السودة دي، خلينا نشوف حل." ارتمت على الكرسي وقالت بزهق: "دكتورة أنا مش قادرة أسمع...
قاطعتها باصرار: "لا هتسمعي، وهتتكلمي كمان، أنت بتهربي مني ولا من نفسك؟ مش عاوزة حد يعرف عنك حاجة!!! إحنا صحيح بلدنا فيها صفات كتير خنيقة زي الفتي والحشرية والكلام الكتير في الفاضي، لكن أحيانا ده بيكون له فايدة مع الناس اللي زيك، اللي ممكن يموتوا من الوحدة ولا يشتكوا لحد." قالت وهي تضم شفتيها بألم وتغلق عينيها: "مين قالك إني وصلت؟ ردت: "أختك طبعًا، حتى أختك مش عاوزة تتكلمي معاها ولا تحكي لها!!
خليتها تتجنن منك وتتصل عليا عشان أشوف حل معاكي." "لو مش هتحكي دي لقريبة أمك، يبقى خليها رسمي واحكي للدكتورة اللي بتعالجك، اتفضلي سامعاكي." -زفر حسين بضيق شديد ومسح وجهه بكفيه وأخذ الأوراق والدفاتر وذهب إلى مكتب حسن ووضع الأوراق على مكتبه ووقف منتظرًا أن يخلو المكتب وينصرف العمال الذين يتحدثون مع حسن. وبالفعل صرفهم حسن بسرعة وهو يراقب حركات حسين المتوترة. وبمجرد أن انفرد به أغلق باب المكتب،
فاندفع حسين يقول بقلق: "أنا مش قادر، فعلاً مش قادر، أنا حاولت صدقني، بس مش فاهم حاجة، حسابات المصنع واللي داخل واللي خارج وطلعنا كم قطعة في اليوم، وبند المصروفات والخامات." "مش فاهم أي حاجة، أنا بحاول أركز صدقني، بس بلاقي دماغي سرحت غصب عني، وده بيخليني أغلط قدام الموظفين والعمال، وكل ما أبصلهم أحس إنهم بيتكلموا عليا وبيتريقوا بينهم وبين بعض، وده بيوترني جدًا."
سرح حسن في وجه أخيه وحركاته العصبية المتوترة وتذكر كلمات نجاة وهي تشرح له حالة حسين بدقة. لقد أدركت ما لم يدركه أحد ممن يعرف حسين. هي الوحيدة التي فهمت ما به. انتبه على صوت حسين يصيح في وجهه: "حسن أنت سامعني!! أنا بكلمك."
نفض رأسه وقال: "طيب أهدى وهنشوف حل سوا، أنا عارف إنك بتحاول ومش مقصر، بس لازم تكمل، لازم تفهم المصنع شغال إزاي، وبعد فترة ممكن تمسك شغل الدعاية والإعلان للمصنع، ده الحل الوحيد عشان تقدر تثبت لنجاة إنك اتغيرت وتقدر تشيل المسؤولية، وساعتها هترجعلك وأنت ناجح." سرح بحزن وقال بأسى: "مش هترجع، لو كانت عاوزة ترجع كانت على الأقل ردت على تليفوناتي." قال مواسيا: "حسين مينفعش تبدأ شغل وأنت بتقنع نفسك إنك فاشل وهتفشل فيه."
قال بتوتر: "مش دي الحقيقة!! مش ده رأي الناس كلهم وأولهم نجاة." قال بصدق: "لا مش دي الحقيقة، أنا مراقبك من ساعة ما نزلت المصنع، بتغلط ماشي، بس بتعمل شغل كتير صح وبتعمل مجهود كبير عشان تتحسن، وأخطائك يوم عن يوم بتقل، لازم تصبر وتكمل، صدقني هتنجح." نظر في عينيه يبحث عن الصدق والأمل والدعم. لازال أخوه يثق به. شعر بالراحة وبدأ يهدأ، وقرر أن يكمل الطريق لنهايته لأجل خاطر أخيه. -صاحت د. ميرفت بغيظ: "أعمل فيكي إيه!!
هتمرضيني يا بنتي أنا قلتلك تبدأي حياة جديدة بعيد عن الحاجات اللي بتوجعك، تفتحي بيت ويبقى لك زوج وعيال وتعيشي مع ناس، راجعالي بالهلكة!!! يعني عشان تنسي مأساة قديمة تعملي مأساة جديدة! "أديني سبب منطقي واحد يخليكي تسيبى جوزك وشغلك وترجعي البلد." قالت: "حسين اتغصب على جوازه مني، هو بس كان محتاجني الفترة اللي فاتت، لكن لا عمره حبني ولا هيحبني." قالت بغيظ: "عرفتي منين!! هو اللي قالك!!
أنت حتى مدتلوش فرصة يكلمك ولا اتكلمتي معاه، هتعرفي منين إنه بيحبك ولا لا، وبعدين حب إيه اللي بتتكلمي عنه، فيه حاجات كتير جداً بتقوم البيوت غير الحب، لو الإنسان ملقاش الحب في الجواز، هيلاقي حاجات تانية زي الرضا والاستقرار والشريك والونس والبيت والعيلة والولاد." تنهدت د. ميرفت وقالت: "عارفة، أنت كان عدلك لو أمك الله يرحمها كانت عايشة، كانت تديكي قلمين وتسحبك من رقبتك وترجعك بيت جوزك."
"آه والله، أصل إحنا الستات كدة ساعات يركبنا الهبل وتطلع الجنونة ونحتاج قلمين على وشنا يفوقونا." أطبقت نجاة شفتيها وضغطت أسنانها بغيظ، ثم انفجرت: "عاوزاني أرجع لواحد سابني ليلة دخلتي وراح لحبيبته!! لواحد مقضيها فسح وخروج مع صاحبته!!
أنا فعلاً عملت بنصيحتك وكان كل أملي في الدنيا إني أتجاوز وأستقر زي أي بنت، أحب جوزي خير، ورزق من ربنا، محبتوش يبقي أرضى بحياتي وأحب بيتي وولادي يملوا عليا الدنيا، بس اكتشفت إني كنت ساذجة إني أربط أحلامي بحد تاني وهو معندوش نفس الحلم ولا بيفكر زيي." "اللي كان بينا مكنش جواز، كان عقد إننا نكمل ٣ شهور قدام الناس في بيت واحد وبعد كده كل واحد يروح لحاله." نظرت د. ميرفت لوجهها، ثم فاجأتها بقولها: "عشان كده بترديهاله!
صاحت نجاة مدافعة عن نفسها: "أنا!!! قالت د. ميرفت: "أيوه، كرامتك حرقتك أوي ونفسك تنتقمي فسبتيه زي ما سابك وبترديهاله." "عقدة حياتك يا نجاة إن الإيجو عندك عالي أوي، وده بسبب إنك وأنت صغيرة كنتي بتتعرضي لتنمر كتير، ومقارنات من الناس باستمرار بينك وبين أختك، وده ربى جواكي تحفز داخلي ورغبة في الانتقام من أي إساءة تتوجه لك."
"حظه الأسود بقى إنه اتهور وغلط في حقك من قبل ما يعرفك، وأنت جواكي مقاتل شرس عاوز يرد الإساءة باثنين وعشرة." نظرت لها بأسى: "ياااه، أنا وحشة أوي كدة؟ قالت: عارفة يا نجاة، كلنا متدينين وعندنا أخلاق وتصرفاتنا ملائكية طالما ما وقعناش في اختبار حقيقي. لكن وقت الاختبار بننكشف قدام نفسنا وبتظهر قدام عنينا عقدنا وكلاكيعنا الداخلية. وساعتها محدش بيبقى متدين فعلاً وعنده أخلاق إلا اللي بينتصر على نفسه مش اللي بينتصر لنفسه.
جوزك مش ملاك، غلط وبيغلط ولسه هيغلط. لكن متمسك بيكي وبيدور عليكي ومستعد يبدأ صفحة جديدة. ارجعيله يا نجاة، ارجعيله بدل ما أعمل فيكي اللي كان المفروض مامتك الله يرحمها كانت هتعمله لو كانت عايشة. أقولهالك بأنهي لغة يا نجاة؟ الست ملهاش غير بيتها وجوزها يا نجاة. عاوزة أقفل ملفك في العيادة وأرتاح يا نجاة.
كان حسين يحاول جاهداً كل يوم أن يتابع عمله في المصنع، رغم شعوره بالملل الشديد وعدم الرغبة. وكان يبذل جهداً خرافياً في التركيز، مرة ينجح وعشرات المرات يفشل. ينزل يومياً لمساعدة العمال في الورشة وحل المشكلات الفنية والتقنية. وبعد جهد جهيد، بدأ إلى حد ما يعتاد العمل ويفهم كيف يسير. كان يقف بجوار إحدى الماكينات المعطلة ويتابع عملية التصليح مع متخصص الصيانة وأحد العمال. وأخذ يتململ وينفخ بزهق.
فتح الموبايل عندما كثرت تنبيهات إشعارات الواتس. فوجد رنا تحدثه. فزفر بضيق وكاد يغلق الواتساب. لكنها أرسلت رسالة هامة: "حسين، عبد الرحمن عاوزك تيجي الاستوديو عشان يتكلم معاك ضروري في موضوع الشركة والفلوس." رد برسالة: "مش فاضي. خلصوا انتوا وصفوا الشركة وخليه يبعتلي فلوسي." أرسلت رسالة: "مش هينفع. لازم تيجي. الفيلم فشل في التوزيع وعبد الرحمن مش عارف يلم الفلوس."
اهتز التليفون في يده وشعر بالدماء تغلي في عروقه. وحاول عدة مرات أن يكتب رسالة لكنه فشل. وفي لحظات امتلا جسده بالغضب وصارت دماؤه تغلي. وقد فقد تركيزه تماماً ولا يجد كلمات يرد بها عليها. أخذ يتحرك ذهاباً وإياباً وهو ينظر كل لحظة لرسائل الموبايل. ويمسح وجهه بكفيه ويمشي بأصابعه في خصلات شعره.
احتاج لمجهود خرافي ليسيطر على نبرة صوته وهو يرد على العامل وعقله شارد في ألف اتجاه. ولم يستطع أن يرد على أي من أسئلته. فأمره أن يستدعي حسن ليتابع الإصلاحات بنفسه. كاد أن يغادر الورشة لكن متخصص الصيانة ناداه للمساعدة. فرجع بخطوات غاضبة وحاول أن يسيطر على نفسه ويفهم ما يقوله مسئول الصيانة الذي أملاه بعض التعليمات التي لم يستطع أن يفهم منها شيئاً.
إلا كلمة واحدة: "أول ما أقولك تدوس مفتاح التشغيل، تدوس على المفتاح الأحمر." مضت لحظات طويلة على قدرته على الانتظار. وأخذ يحاول تذكر ما قاله مسئول الصيانة فلم يجد في عقله سوى كلمة "تدوس على المفتاح الأحمر." تحركت يده بشكل تلقائي لتنفيذ الأمر. ولم ينتبه إلا على صوت صرخة مدوية وماس كهربائي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!