كان يقود سيارته على طريق الإسكندرية بأقصى سرعة، لا يرى أمامه من الغضب، ولا يكاد يسمع صوت الموبايل الذي لا يكف عن الرنين لحظة، فعقله لا يفكر سوى في شيء واحد، وعيناه لا ترى سوى الوجه الذي أحبه لسنوات.
وصل إلى الإسكندرية بلا حوادث، ربما لأن الطريق كان خاليًا في تلك الساعة المتأخرة ليلاً. ركن سيارته إلى جوار الكورنيش، ثم أخذ الموبايل واتصل برقم يعرفه، وخرج من السيارة وترك بابها مفتوحًا. أخذ يمشي ذهابًا وإيابًا على الكورنيش بعصبية وتوتر. لم يرد الطرف الآخر إلا بعد الاتصال الثالث، فصرخ بغضب: "ملك، متقفليش، لازم أشوفك دلوقتي." لم يقبل باعتذارها ولا توسلاتها أن يتركها لحالها وأن كل ما بينهما قد انتهى مع فسخ الخطوبة.
بل ظل يصرخ في الموبايل: "لو منزلتيش دلوقتي تكلميني، أنا هطلعلك البيت فوق وخلي أبوكي يفتح لي ويحصل اللي يحصل." رضخت ملك لضغطه، فهي تعلم جيدًا كم هو مجنون و متهور وينفذ ما براسه دون رادع ولا يحسب حسابًا لأحد. فتسللت من البيت بهدوء والكل نائم، وانطلقت إلى الكورنيش حيث ينتظرها. بمجرد أن وصلت إليه حتى صرخت: "انت مجنون تجيلي لحد هنا!!! عاوز مني إيه!! خطوبتنا اتفسخت خلاص وبابا مش موافق أرجع لك ومامتك وأخوك فركشوا الجوازة."
قال بألم: "يا.. يا ملك أنا مش قادر أعيش كده، حاولت أبعدك عن دماغي مقدرتش، حاولت أتجوز غيرك مقدرتش، أنا سبت فرحي وجيت لك انت، حياتي كلها وقفت عليكي." انتقلت بدهشة: "يانهارك أسود، سبت فرحك!! وكنت بتتجوز ليه من أصله!! انت إيه يا أخي، معندكش أي شعور بالمسؤولية! أي حاجة تطلع في دماغك تعملها من غير تفكير، مبتقدرش الأمور ولا بتحترم مشاعر حد!!
شعر بطعنة مؤلمة في قلبه وقد تحولت دماؤه إلى نيران تكوي عروقه. كان جسده يتحرك للأمام والخلف بتوتر ودون إرادة منه، وتوقف عقله عن التفكير وبدأ لسانه وكأنه يتعلم بدايات الكلام: "أنا.. أنا.. أنا.. لا.. انت.. انت... صرخت ملك في وجهه: "أيوه انت، مندفع و متهور وكل ما تبدأ حاجة تبوظها وتفشلها، بابا كان عنده حق، انت مينفعش تشيل مسؤولية جواز." كان عاجزًا تمامًا عن رد إهاناتها وهو يشعر بأن عقله مشلول: "م..لك ملك، أنا...
قالت بتهديد: "اسمع يا حسين أنا اتخطبت، يعني مبقاش ينفع اللي بتعمله ده، ابعد عني، وإلا والله هقول لبابا، وانت عارف بابا مش هيسكت وممكن يقدم فيك بلاغ في القسم." "ارجع لأهلك ولعروستك، شيل المسؤولية وعيش حياتك وسيبني أعيش حياتي."
تركته وأسرعت لتعود للبيت قبل أن ينتبه أحد لغيابها. وانهمرت دموعها بعد أن أمسكتها أمامه، كانت تتألم بعمق وذكرياتها معه تجري في عقلها كشريط سينما. لقد أحبته بصدق، فحسين كان نعم الرفيق في سنوات الوحدة عندما اضطرت للانتقال من بيت أبيها في الإسكندرية إلى بيت عمتها وزوجها في القاهرة، فقد كانت الكلية التي قبلت بها في القاهرة، وحتى تكمل تعليمها الجامعي اضطرت للعيش في بيت عمتها.
كانت تعيش كغريبة بعيدة عن أهلها وبلا أصدقاء وكل شيء حولها غير مألوف. ثم ظهر حسين.. زميلها في الكلية، لم يكن سمجًا ولا متطفلاً، لكن الظروف جمعتهما في عدة مواقف قدرية ووفقت بين قلبيهما.
كانت تتذكر مواقفه معها، وهو يتشاجر مع شباب يعاكسونها، وهو يساعدها في مشروع الكلية، وهو يسهر طوال الليل ليصنع لها لوحات التصميم بعد أن فشلت عدة مرات في إنجازها ورفضها دكتور المادة، لتتفاجأ بأن حسين قد سهر على لوحاتها حتى أنجزها ولم يجد الوقت لينجز لوحاته هو واضطر أن يعيد المادة في العام التالي برغم أن بداخله فنان ويديه تلف في حرير كما يقولون.
وتذكرت حفلة تخرجهما عندما صارحها بحبه واتفقا على أن يتقدم لوالدها، وهي تكاد تطير من السعادة. حسين نوع من الرجال تشعر معه بالأمان بلا حدود، قد يكون مندفعًا و متهورًا ويسبق لسانه عقله، لكنه لا يتعمد الأذى، ولا يغدر أبدًا. وإذا ما أحب أحد فهو يتمسك به إلى الأبد وقد يضحي بأي شيء وكل شيء من أجله. لكن.... كما قال أبوها، لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية ولن ينجح في عمل أو حياة. كما أن زواجها في بيت عيلة سيجعل حياتها جحيمًا.
ورغم معارضته الشديدة، لكنه قبل مضطرًا بالخطوبة بضغط منها ووعد من حسين أنه سيوفر شقة بعيدًا عن بيت العيلة، وسيكون له عمل واضح بمرتب ثابت بدلاً من مشاريعه الهلامية الفاشلة. لكن حسين لم يفِ بوعده، وقامت الشجارات المتتالية بينه وبينها وبين أسرته والتي لا تتذكر أسبابها ولا من أين بدأت حتى استحال إكمال مشروع الزواج ورفض أبوها إتمام الزواج رفضًا قاطعًا لا رجعة فيه. وانتهت قصة الحب نهاية حزينة جدًا وكانت تلك هي آخر فصولها.
يأست من العثور على دوائها الذي نسيت تمامًا أين وضعته، فانشغلت بخلع ملابسها الضيقة لتمنح رئتيها فرصة للتنفس بعمق وارتدت قميص فسكوز بأكمام قصيرة ليمنحها بعض الراحة. كانت تشعر بغثيان وضيق تنفس، تعلم جيدًا أنها لن تستطيع التقيؤ فلا طعام في معدتها. ذهبت للمطبخ تتسند بكتفها إلى الحائط وهي تضع قبضتها على صدرها من الألم الرهيب الذي لا يتوقف.
بصعوبة صنعت كوبًا ساخنًا من شاي البابونج بلا سكر، ثم أخذت زجاجة ماء بارد من الثلاجة، ثم جلست في غرفة المعيشة على الأريكة تتلوى من الألم وتئِن. تحملت الألم لوقت طويل حتى بدأ يهدأ تدريجيًا، ثم سقطت في النوم على الأريكة بفعل الإعياء والإرهاق الشديد، وهي تتمنى أن تزول آلامها لتستطيع أن تفكر في وضعها الجديد وما ستفعله مع العريس الذي هرب ليلة دخلته. كان حسن يجلس على فراشه يتصل بالموبايل ويرن حتى يتوقف، فيعيد الاتصال مرة.
تثاءبت سارة واعتدلت في الفراش: "إيه، مش هتنام الليلة دي؟! لم يرد، وبقي على حاله يعاود الاتصال، فقالت غاضبة: "مش هنخلص من مشاكل أخوك!! معندوش دم ولا مسؤولية، بالموبايل الهم اللي فوق راسك!! البيت والولاد والمصنع والتجارة وطلبات مامتك واختك وكمان مشيلك همه وبلاويه وعمايله السودة!! صاح بضيق: "هتسكتي ولا أسيب لك الأوضة وأروح أنام في حتة تانية." سمعت صوت ابنها الصغير يبكي في غرفته ويناديها،
فقالت: "لا خليك، أنا اللي هسيب لك الأوضة وأروح أشوف الولاد، عارفة إنك مش هتنام الليلة دي وهتفضل طول الليل تتصل بأخوك، ومش هيرد عليك زي كل مرة." خرجت من الغرفة وأخذ هو يكرر الاتصال حتى يأس، ثم لجأ أخيرًا للحل الذي كان يتجنبه منعًا للفضائح. اتصل مضطرًا بشادي صديق حسين يوقظه من نومه، وسأله عن حسين وعندما علم بأنه لم يره من بعد الفرح، طلب منه أن يبحث عنه ويتصل به يطمئنه إذا وجده.
أغلق الهاتف وهو يتمتم: "كده يا حسين تمرمطنا وراك وتخلي اللي يسوا واللي ميسواش يتكلم علينا. امتى هتعقل." سمع صوت زوجته سارة وهي تصرخ في طفلها وتضربه لينام والطفل يصرخ ويبكي. فأخذ يستغفر وقد ضاق صدره بكل شيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!