فتح حسين عينيه واسترد وعيه ليجد نفسه في المستشفى وصوت بكاء أمه في أذنيه. سمع صوت فاطمة: "فاق، فاق اهو". احتضنت أمه رأسه وأخذت تقبله على جبينه الملفوف بالضمادات ووجنتيه وهي تبكي: "يا حبيبي، حمد الله عالسلامة يا حبيبي". كان الجميع حوله، أمه وأخته وأخيه. لكنه كان غير قادر على الكلام، أو بالتحديد لا يريد الكلام. لدرجة أن أمه كانت قلقة للغاية أن تكون إصابته قد سببت له مشكلة في الرأس أو أثرت على السمع والكلام.
فاستدعت الطبيب الذي أجرى له بعض الاختبارات البسيطة واطمأن على وعيه وحواسه. أدرك حسن ما تنكره أمه، أن حسين يرفض الكلام مع أي منهم. بمرور الوقت بدأ حسين يستوعب حجم إصابات جسمه، كسور في الساق اليسرى وكسور في اليد اليمنى، وإصابة بالرأس سببت له ارتجاجًا خفيفًا.
لكنه لم يستطع أن يتذكر أي شيء عن الحادث ولا كيف أصيب. لكن الصورة الذهنية الثابتة بذاكرته قبل أن يفتح عينيه في المستشفى هي صورة سارة وهي تتهمه في بيته وحوله أفراد أسرته. لهذا فكلما وجه إليه أحد منهم حديثًا يغمض عينيه ويرفض الرد. وحتى عندما سمح له الطبيب بالطعام، كلما حاولت أمه أن تطعمه بيدها كان يشيح بوجهه بعيدًا ويرفض أن يتقبل منها أي شيء. حتى انفجرت في البكاء. فأشار لها حسن أن تخرج معه للاستراحة.
جلس إلى جوار أمه التي لم تكف عن البكاء وقال: "معلش يا أمي، شوية وهيروق ويرجع يتكلم معانا". "معاكي نمرة نجاة مراته؟ قالت بحسرة: "مراته اللي سابته بعد شهر جواز! بختك مايل يا حبيبي يا ابني والدنيا جاية عليك". قال: "لسه مراته يا أمي مطلقهاش، وحقها تعرف اللي جراله. المهم نعمل الأصول ونبلغها". قالت: "معنديش نمرتها". قال: "أكيد على موبايل حسين، هو معاكي؟
قالت: "أيوه شايلاهوله، بس متطلبهاش منه لحسن تكون مخصماه ولا متردش على نمرته". فوجئت بسارة زوجة ابنها تدخل الاستراحة. فكشرت: "مراتك بتعمل إيه هنا؟ أوعى تخلي حسين يشوفها". وصلت سارة إليهما وقالت بلهجة رسمية: "إزيك يا ماما؟ أنا جاية أعمل الواجب وأزور أخو جوزي. مهما حصل منه هيفضل بردو أخو جوزي". قالت الأم بغضب مكتوم: "فيكي الخير والله، منجيلكيش في حاجة وحشة". نظرت لحسن: "حسن، عاوزاك في كلمة".
اصطحبها إلى ركن من الاستراحة. وعادت أمه لغرفة حسين. قالت له سارة: "لازم تعرف إني مجتش هنا إلا لما ماما ضغطت عليا، وقالتلي إنه واجب إني أكون مع جوزي في المستشفى. يعني أنا مجتش هنا إلا عشانك إنت بس". كبت غضبه وقال بصرامة: "وبعدين؟! قالت: "المفروض بقى تقدر ومتضغطش عليا أكتر من كده. مستنياك عند ماما". كان يراقبها بصمت وهي ترحل مبتعدة.
يعلم جيدا أن الغضب وتصعيد الأمور سيكون الخاسر الأكبر فيها هم أولاده. لذلك آثر السلامة ومصلحة أولاده وتحصن بالصمت. نزلت من التاكسي أمام بوابة المستشفى. فخفق قلبها بشدة وتعرق كفاها وأخذت تبلع ريقها مرات. فقد هاجمها غثيان شديد مما جعلها تتنفس بعمق عدة مرات لتحاول التغلب عليه. ثبتت أقدامها في الأرض حتى لا تهرب. ثم دفعت نفسها دفعًا للتقدم بخطوات واسعة.
ركبت المصعد. فشمت رائحة المطهرات الطبية. فازداد خفقان قلبها بعنف وكادت تتقيأ. لكنها تماسكت بعزيمة وأسندت ظهرها لجدار المصعد وهي تشعر بقشعريرة في جسدها ورعشة في يديها. وباختناق شديد وكأنما ستخرج روحها من جسدها.
أخرجت من حقيبتها شريط دواء تناولت منه قرصًا وابتلعته بصعوبة. وعندما توقف المصعد خرجت منه بسرعة وسارت في الممر. وعندما رأت أمامها سريرًا طبيًا يدفعه أحدهم مالت الأرض بها وشعرت بدوار شديد. وكادت تفقد توازنها فاتجهت للجدار وأمسكت بالعامود الأفقي المخصص ليسند عليه المرضى ووقفت لحظة تتمالك نفسها تحاول جاهدة التغلب على الدوار والخفقان الشديد في قلبها. ابتلعت ريقها ثم أخذت نفسًا عميقًا وأكملت طريقها لغرفة حسين.
رفعت الممرضة السرير له بزاوية. ثم هز رأسه لها عندما وصل للحد الذي يريحه. حاولت أمه أن تطعمه من جديد، لكنه أدار وجهه وأطبق شفتيه. فنزلت دموعها. رفع رأسه عندما رأى نجاة تدخل الغرفة وفي عينيه تجلت الدهشة وسؤال على طرف لسانه لم يبح به. ابتسم حسن وقام من كرسيه ونادى أمه التي ترحب بنجاة. وأخذها للاستراحة. جلست نجاة على الكرسي المجاور لسريره. وهي تحمد الله في سرها أنها لم تسقط على الأرض بسبب الدوار.
تفحصت نجاة جسده المصاب من رأسه إلى قدميه. وقالت: "حمد الله على سلامتك". نطق أخيرًا عندما خرج الجميع من الغرفة وسألها: "جيتي ليه؟ ردت: "لازم أجي". قال: "مين قالك؟ قالت: "أخوك". قال بقلق: "قالك حاجة تانية؟! قالت: "لا، المفروض يقولي حاجة تانية؟! قال: "لا مفيش. ممكن أطلب منك حاجة". هزت رأسها. فقال: "متسألنيش عن أي حاجة". قالت بصدق: "مش هسألك طالما إنت مش عاوز".
أرخى رأسه على الفراش واكتفى من الكلام. التعامل معها يسير وسلس إلى درجة لا تصدق. قد تكون جادة ورسمية. لكنها تشعر من أمامها بالثقة والاطمئنان وكلماتها قصيرة ومحددة بشكل مريح ومفهوم. سمح له الطبيب بالخروج من المستشفى بعد أن استقرت حالته. وعاد إلى البيت على كرسي متحرك وحوله أهله. وبمجرد أن دخل من باب المبنى ورأى باب شقة أمه في الطابق الأرضي مفتوحًا لاستقباله. توتر بشدة وذكريات المشهد الأخير فيه تحرك طاقة الغضب بداخله.
فأظلم وجهه وصاح: "نجاة، عاوز أطلع فوق". نظرت نجاة لحسن بقلة حيلة. تسأله العون. فقد كان الحديث بينها وبين حماتها وأخو زوجها في المستشفى على أن أفضل الحلول لحالة حسين الصحية الصعبة هو أن يبقى في شقة أمه في الطابق الأرضي ليسهل عليهم جميعًا تبادل العناية به. لكن حسين فاجأهم بالرفض القاطع والإصرار على الصعود لشقته الخاصة.
رضخ الجميع لعناده. وحل حسن الموقف باستدعاء بعض العمال من المحلات القريبة. حملوا حسين إلى شقته. واستطاعت نجاة أن تفي بوعدها لحسين فلم تسأله عن أي شيء لا يريد الكلام عنه برغم تعجبها الشديد من تصرفاته ومن علاقته بأهله التي تبدلت تمامًا في الفترة التي فارقتهم فيها. جلس حسن في شقة أمه التي لم تكف عن البكاء. وفاطمة بجوارها تحاول أن تهدئها: "ما كفاية عياط بقى. ولا هو إنت بتحبي تنكدي على نفسك؟
الحمد لله إنه بقى كويس وخرج من المستشفى واطمنا عليه". قالت بحزن: "صعبان عليا أوي منه. أخوكي مخاصمني". تنهد حسن: "يا أمي حسين مخاصم الدنيا كلها. المهم إنه الحمد لله ربنا نجاه ومراته رجعتله". نظر لأخته: "فاطمة، اعمليلنا شاي". هزت رأسها ولويت فمها: "عاوز توزعني!! ماشي يا حسن. بس متتبقاش تشتمني أما يطلع الشاي دلع". تركتهما يتحدثان وذهبت للمطبخ. فقال لامه: "اسمعيني يا أمي. أنا محتاجك معايا الفترة اللي جاية".
كفكفت دموعها وشعرت بحاستها كأن بداخل ابنها بركان يحاول السيطرة عليه فاعطته انتباهها. قال بصوت خفيض: "سارة مصممة تطلع الساحل زي كل سنة. وخدت إجازة من المدرسة. ومش هقدر أسيبهم لوحدهم". كشرت: "وأنا دخلي إيه؟ قال: "عاوزك تطلعي معانا زي كل سنة". قالت بحدة: "عاوزني أسيب ابني لوحده في الحالة دي وأروح أصيف؟! قال: "حسين مش لوحده. ابنك معاه ست بعشر رجالة". "أنا اللي محتاجلك يا أمي". قالت بقلق: "ليه؟ حصل إيه بينكم؟
قال: "لسه محصلش. لكن خايف يحصل. خايف أتهاوش عليها ومعرفش أمسك أعصابي". قالت بلوم: "يا حسن حرام عليك نفسك وصحتك. إنت بتفضل تكتم في نفسك وتيجي على روحك عشان اللي حواليك. وفجأة تنفجر ومتقدرش تمسك أعصابك". "والآخر جالك الضغط وإنت لسه معدتش الـ 35 ولو فضلت على كده هتمرض بعد الشر". قال بزهق: "خلاص يا أمي ملوش لازمة الكلام ده. موافقة تيجي معايا الساحل؟ عادت فاطمة تحمل صينية الشاي وقالت بحماس: "أيوه طبعًا موافقين جدًا".
قالت الأم: "شفت اللي راحت تعمل الشاي وسابت ودنها هنا!! يا بت بطلي العادة المهببة اللي فيكي دي". قالت بخبث: "منا لازم أطمن على أخويا حبيبي. ومتقلقش خالص. أنا هبقى حمامة السلام بينك وبين سارة". قالت الأم: "وهي سارة مش هتتقمص لما نروح معاكم؟ قال: "متقدرش. دي شقة العيلة مش شقتها. وبعدين ما كل سنة بنطلع كلنا سوا". قفزت فاطمة: "وافقي بقى يا ماما عشان خاطري". قالت: "لا".
مش هقدر أسيب حسين لوحده. ولما مراته تسيبه وتروح شغلها بالنهار، هيقعد لوحده إزاي؟ ما أنت قلتلي إنهم عندهم دروس في الصيف والمعسكر ده ولا مش عارفه اسمه إيه. نظر لها حسن نظرة طويلة وتقوّس فمه ضائقاً. ثم قال: مراته اعتذرت عن المعسكر ودروس الصيف، وخدت إجازة شهر من المدرسة. رفعت فاطمة حاجبها وسألته بدهشة: دي مراته ولا مراتك؟ نظر لها نظرة طويلة، وملامحه قالت أكثر مما يتحمل. ثم تركها ورحل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!