صار حسين كطفل نكد لا يكف عن الزن، يناديها كل عدة دقائق ليطلب منها شيئاً هاماً أو تافهاً، لا فارق. لا يكف عن المناداة ولا الطلبات. وإن تأخرت عليه بضع دقائق أو كانت في الحمام أو لم تسمعه، يغضب ويدير وجهه ولا يكف عن التافف والبرطمة. أحياناً يثور، وأحياناً يصمت تماماً ويرفض الرد عليها، ثم يعود فيعتذر، وهي تقبل اعتذاره على الفور بكلمة: حصل خير.
تحملته على مضض وعاملته كممرضة تعاني مع مريضها المشاكس وتصبر عليه مهما فعل. أحياناً تحادثه بهدوء، وأحياناً تقسو، وأحياناً تفقد أعصابها ويعلو صوتها. لكنها لم تتخل عن أسلوبها الجاد الصارم في الحديث ولا الجدية في المعاملة. وبرغم أنها تعتبره بعيداً عنها، لكنها تقبلت واعتادت أن ترتدي في البيت بيجامة أو قميص فسكوز قصير الأكمام ليسهل عليها عملها في البيت.
ولم تجد حرجاً أن تظهر أمامه بشعرها الكيرلي وهي تجمع خصلاته في ضفيرة أو تلفه فوق رأسها على شكل كعكة، ففي كل الأحوال هي تعتبر شعرها غير جميل. في البداية كان الأمر صعباً للغاية على الاثنين، فهو فقد القدرة على فعل أبسط الأشياء التي يمكن أن يفعلها طفل وحده، ولا يتحرك فيه سوى يده اليسرى. وهي مطلوب منها أن تطعمه وتعطيه دواؤه والحقن وتغير له ملابسه بل وتغسل له جسده بطرق مبتكرة حتى لا يؤذيه الاستحمام.
وتناوله أي شيء يطلبه، وتقرب إليه أي شيء يحتاجه، وتسنده إلى الحمام لقضاء حاجته وتساعده على الجلوس والرقاد وحتى التقلب في فراشه. وبذلت جهداً خرافياً لتسيطر على خجلها الشديد من رؤيته عارياً أو لمس جسده وهي تساعده في تغيير ملابسه أو وهي تعطيه الحقنة. وهو يحاول السيطرة على غضبه ونقمته بعد أن أصبح مضطراً للاعتماد عليها اعتماداً كاملاً في أي شيء وكل شيء، وكان إحساسه بالعجز والحاجة لغيره يقتله.
وما يزيد الأمر سوءاً أنهما يدركان جيداً أن تلك الفترة مؤقتة، وبعدها سيذهب كل منهما إلى حال سبيله. كان أصعب ما يواجهانه هو التعامل كغرباء حبسا معاً في مركب غارقة، وعليهما الإبقاء عليها طافية، والانتظار حتى موعد الخلاص.
لم يكن له تسلية تلهيه سوى التليفزيون والموبايل. يقلب قنوات التليفزيون بلا تركيز، وأغلب الوقت عقله يهيم في كل وادٍ. وعندما يمل يلعب جيمز على الشاشة، لكنه بمجرد أن يبدأ لعبه حتى ينتقل لغيرها، ولا يكمل لعبة لنهاية المستوى أبداً، فهو لا يستطيع التحكم الكامل في اللعبة حيث لا يستخدم إلا يد واحدة. وسرعان ما يلقي بذراع التحكم ويضرب بيده اليسرى ورجله اليمنى على الفراش بعصبية.
ما كان يستطيع تحمل حياته إلا بالمسكنات والمهدئات، ولا ينام إلا بالمنوم. وسرعان ما يعتاد على مهدئ ويصبح غير مؤثر. وتنتبه نجاة للأمر عندما تزداد نوبات انفلات أعصابه ويشتعل غضبه على أتفه سبب ويصرخ بلا سبب، فتتصل بسرعة بالطبيب ليبدل له الدواء أو يزيد الجرعة. أعطته نجاة الدواء الجديد الذي بدله الطبيب، فبدأ يهدأ ويسترخي ويتغير سلوكه.
لكنها لم تعرف إلى أي مدى تغير إلا عندما دخلت المطبخ تجهز العشاء، فسمعت صوته من غرفة النوم يضحك، فوقفت كالتمثال تحدق في الفراغ. كانت المرة الأولى التي تسمعه فيها يضحك منذ أن رأته. كان الأمر غريباً جداً. فذهبت إلى غرفة النوم ووقفت على الباب تتأمله، فوجدته يشاهد فيلماً في التليفزيون ويضحك بصوت عالٍ. وعندما رآها ضحك بطريقة غريبة وقال: تعالي اتفرجي معايا، مش عايز أقعد لوحدي. بدأت تراودها الشكوك، فقالت: هاجيبلك العشا.
أسرعت إلى المطبخ وقلبها يخفق بقلق وكأنما سيقوم من فراشه ويجري خلفها. وضعت طاولة السرير على ساقيه، ورصت عليها الأطباق وخرجت بسرعة من الغرفة، لكنها عادت إليه عندما ناداها: نجاة، مش هتأكليني؟ قالت بريبة: الأكل سندوتشات، يعني ممكن تاكل لوحدك. قال بكسل: والزبادي؟ أكليني زبادي. لو مأكلتنيش مش هاكل.
لم تكن كلماته فقط التي تقلقها، بل صوته وأسلوبه يقلقها أكثر. ومحاولته أكثر من مرة الاحتكاك بها وهي تطعمه، وبدأت تتوتر وهو يمسك يدها وذراعها عدة مرات بيده اليسرى. وتأكد في عقلها أن الدواء الجديد له دخل بتغير حالته. وأخذت تفكر كيف تتصرف. لكنه فاجأها بتصرف غريب جعلها تشهق بذعر ويتوقف عقلها للحظات.
فقد أمسك بذراعها ومال للأمام ووضع رأسه على كتفها. ترددت ألف مرة أن تبعده عنها، فهي تدرك جيداً أنه ليس في وعيه وحالته ليست طبيعية. لكنها كانت خائفة من أن يتمادى أو يفاجئها بشيء جديد. لكنه بدا هادئاً وأغمض عينيه وقال: نيميني، عايز أنام. ساعدته ككل يوم على الاستلقاء في وضع يريح جسده ويساعده على النوم. لكنها انتفضت مجدداً عندما تعلق بيدها ووضعها على صدره وظل متمسكاً بها وقال: خليكي جمبي لحد ما أنام.
كانت تعلم أن المنوم سيبدأ مفعوله بعد قليل، فبقيت إلى جواره حتى نام بالفعل وترك يدها. فانسحبت من الغرفة بهدوء وذهبت لغرفة الاستقبال واتصلت بالطبيب على الفور. وشرحت له الحالة بدقة. فقال بنفاذ صبر بعد أن مل من اتصالاتها المتكررة به، فلا يكاد يمر يوم إلا وتتصل به تستشيره في حالة حسين وكأنه المريض الأوحد لديه: أنا مش فاهم انت عايزة إيه بالظبط. هو أنا مفيش ورايا غيركم.
قالت بجدية: يا دكتور الدوا الجديد خلاه غير متزن وبيتصرف تصرفات غريبة. عامل زي اللي بيحششوا ولا بيشربوا مخدرات. قال ساخراً: ما يشرب مخدرات، وأنت هتفرق معاكي في إيه. حاولت أن تتحكم في أعصابها لكن كلماته استفزتها بشدة، فصرخت غاضبة: يعني إيه ما يشرب مخدرات!! ده كلام ده!! من فضلك غير الدوا واكتبله دوا تاني.
زفر بضيق: مش بمزاجك يا مدام. أنت تحمدي ربنا إني مكتبتلوش ترامادول. هو أنت عارفة اللي في حالته بيحسوا بألم قد إيه من الكسور والجبس. لو سمحتي متتصليش بيا تاني إلا لو فيه حالة طوارئ. سامعة!!! وقفت متجمدة من الغضب بعد أن أغلق المكالمة في وجهها. كانت مضطرة أن تعطيه نفس الدواء في اليوم التالي، وكانت تراقبه جيداً لتستطيع أن تحكم هل هو الدواء أم شيء آخر بدل أحواله.
لكنها عاشت يوم عجيب. فحسين كان يتنقل من حالة إلى حالة بشكل درامي عجيب أفزعها. فمن الغضب، يتحول إلى الهدوء المفاجئ، ثم يضحك فجأة بلا مقدمات، إلى أن بكى بين يديها. وهنا لم تعد تحتمل فانتظرت إلى أن استغرق في النوم ثم جلست في غرفة الاستقبال وأرسلت رسالة عبر الواتساب لرقم د. ميرفت، الطبيبة النفسية التي كانت تتابع حالتها في الفترة التي فقدت فيها أمها.
أرسلت لها رسالة مقتضبة فيها صورة الدواء وطلبت منها أن تكتب لها البديل لأنه يؤثر على الاتزان والتركيز. أرسلت لها علامات استفهام وسؤال: لمين ده؟ أجابت: مريض كسور في سن الشباب. كانت حريصة في كتابة كل كلمة حتى لا تثير حفيظة د. ميرفت وتبدأ في استجوابها، وهي في حالة لا تسمح لها بتبادل الحوارات المرهقة. بالفعل أرسلت لها الطبيبة اسم البديل، وبالفعل استقرت حالة حسين، ولم يتكرر ما حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!