أخذت تدور في البيت الخالي تمسح الجدران بيدها وذكرياتها تردد أصوات الأموات والأحياء. الآن تشعر بقلب أمها وهو ينفطر لبعد أبيها. الآن فقط تعلم كم كانت تحبه، وقتلها غيابه. إنه الشوق الذي يحطم الفؤاد والوحدة التي تسحق الروح.
"مش هتقدري يا نجاة، مش هتقدري تعيشي لوحدك. أنتي محتاجة لحد يحسسك إنك عايشة. تتخانقوا، تتصالحوا، مش مهم تقطعوا بعض، مش مهم تحبوا بعض، تكرهوا بعض، مش مهم. المهم تحسي إنك عايشة. بتحبي وتكرهي وتزعلي وتفرحي. حسين بكل مشاكله وعيوبه وجنانه هو الوحيد اللي حسسك إنك عايشة." ابتلعت الدواء المهدئ ومعه غصة في حلقها نزلت على قلبها تحرقه. هل أخطأت بترك زوجها والهروب للبلد؟ هل كان عليها أن تمنحه فرصة ثانية؟ ماذا لو اختار غيرها؟
ومن هي بجوار حبيبته السابقة أو الفتاة التي تسمى رنا؟ نظرت في المرآة وتحسست ملامحها والهالات السوداء تحت عينيها، وبدا لها وجهها قبيحًا بشعًا. فانقبض قلبها وشيء بداخلها انقبض، وابتعدت عن المرآة. عاشت عمرها كله وهي على يقين أن لن يحبها أحد أبدًا. فنساء القرية جميعًا ينظرن إليها ويمصمصن شفاههن. وكم من مرة سمعتهن يتهامسن مشفقات، بأنها لن تجد عريسًا ولن ينظر لها أحد. فلماذا يحبها حسين؟
لماذا ينظر إليها وحوله الجميلات يختار من بينهن ما يشاء؟ تتذكر اليوم الذي دبرته سارة لهما ليلتقيا في النادي ويراها وتراه. بمجرد أن رأته شعرت بقلبها ينفتح له. ولم تصدق حقًا أنه قبل بها. كان الأمر أشبه بمعجزة. أو هي بركات صلاة الاستخارة أن جعل شابًا مثلها يوافق على الزواج منها. ضاق صدرها عندما تذكرت ما حدث بعدها وما فعله في ليلة زواجها. أخرجها من ذكرياتها صوت إشعارات الموبايل.
فتحت الواتساب وحدقت في الشاشة طويلة وقد تجمدت كل خلية في جسدها وتباطأت أنفاسها. ضاقت به الحياة بكل ما فيها. جرى إلى سيارته وركبها وانطلق. عندما رأى الشاب مسؤول الصيانة ملقى على الأرض وحوله العمال ومعهم حسن يحاولون إفاقته. فكرة وحيدة سيطرت تمامًا على تفكيره. إنه مجرم يستحق العقاب. وجوده في الحياة صار عبئًا على كل البشر. من يعرفهم ومن لا يعرفهم.
أمثاله يجب أن ينفوا من الأرض ليرتاح الناس من أفعالهم الخرقاء وتصرفاتهم المجنونة. لم يستجب لنداءات حسن وهو يصرخ عليه أن ينتظر ولا يتحرك من مكانه. لقد ارتكب لتوه جريمة وعليه أن يدفع ثمنها. ولن يدع حسن يحمل هم حماقاته ويحل له مشكلاته التي صنعها بيديه. إن كان حقًا رجلًا فعليه تحمل تبعات أفعاله. وقف سيارته أمام قسم الشرطة ودخل مسرعًا يطلب تقديم بلاغ ليعترف فيه على نفسه بما ارتكب.
وصل حسن إلى قسم الشرطة بمجرد أن اتصل الضابط بالمصنع وأبلغهم بالأمر بعد أن حصل على رقم هاتف المصنع من النت، فحسين فقد موبايله. وكعادته أخذ حسن على عاتقه حل الموقف. ورغم محاولات حسين للاعتراض، وكلامه المستمر عن أنه يجب أن ينال عقابه، لكن حسن أسكته ودخل للضابط الذي تلقى البلاغ ليحل المشكلة.
ولم يصدق حسين عينيه عندما وجد الشاب مسؤول الصيانة يدخل القسم ومعه بعض العمال، وتم حل المشكلة وديًا مع وعد من حسن بتعويض الشاب تعويضًا كبيرًا مرضيًا له. خرج حسين من القسم وبجواره حسن لا يكف عن الكلام ولا النصيحة لأخيه. لكن حسين لم يسمع كلمة مما قاله، فعقله لازال متمسكًا بفكرة أنه مجرم يستحق العقاب. ثم قفزت فكرة أخرى لعقله جاورت الفكرة الأولى. إن لم يكن مجرمًا فهل هو مريض نفسي يحتاج لعلاج؟ كما قالت نجاة.
ربما نجا من الجريمة التي ارتكبها، لكنه أضاع أمواله وأموال أخيه. كل خطوة خطاها بنزيف من المال، كل خطوة بخسارة. لم يعد الأمر يقتصر على أنه كتلة فشل تسير على قدمين، بل أصبح خطرًا على نفسه وعلى كل من حوله. أفاق على صوت أخيه: "يا حسين أنا مبقتش قادر أجري وراك." التفت له ونظر في عينيه بندم شديد، يريد أن يقول له آسف سامحني. لكن الأسف لم يعد يجدي. انتهى رصيد الكلام وفقد فاعليته، وعليه أن يفعل شيئًا.
عليه أن يتوقف عن أن يكون حملًا ثقيلًا على رأس أخيه وخسارة فادحة لهم. مد حسن الموبايل له: "خد موبايلك، كان واقع في المصنع." لم يسمعه. التف وانطلق مسرعًا إلى السيارة وأخوه حسن يصرخ عليه بكل ما في قلبه من غضب. لكن حسين كالعادة لم يسمعه وانطلق بالسيارة بجنون. بعد أن تيقنت أن قصة زواجها انتهت تمامًا وما هي إلا أسابيع أو شهور وييأس حسين وتحصل على ورقة طلاقها. لم يعد لديها سوى عملها لتغرق نفسها فيه.
كان أفضل قرار أخذته بعد سلسلة القرارات الخاطئة التي أدت بها للعودة من حيث أتت. أدركت أخيرًا أن لا مكان في العالم سيحتويها إلا مكانها الحقيقي. الحل الوحيد لها الآن هو أن تعود قوية وأن تواجه مخاوفها لا أن تهرب منها. في القاهرة كانت كسمكة خارج الماء انقطع عنها الأكسجين فلم تعد تستطيع التفكير. كل ما كانت تقوم به هو حركات لا إرادية تحاول أن تبقى بها حية. الآن عادت لبيئتها الطبيعية التي تعرفها وتألفها.
عادت لأهلها وناسها، من يعرفونها جيدًا ويحبونها ويعرفون قدرها. كانت حياة المدينة بالنسبة لها جحيمًا لا يطاق. غربة تقتل الروح. لم تخرج منها بعلاقة إنسانية واحدة صحيحة، لا زوج، لا صديقات، لا شيء. علاقات المدرسة كلها تنافس وأحقاد. والكل ينظر إليها كفلاحة زحفت للمدينة لتستولي على رزقهم منها. رغم أنها لم تكن بحاجة لمزيد من المال، فراتبها من مدرستها القديمة يكفيها مع إيراد قطعة أرض صغيرة مستأجرة.
وحياتها المادية تسير بشكل مرضي. كل ما كانت تبحث عنه هو أن تتعرف على ناس جدد تنسى بينهم ما مر بها. لكنها أدركت أخيرًا بعد كل تجاربها الفاشلة في القاهرة أنها ما كان ينقصها ناس جدد، بل كان ينقصها أن تعيد علاقاتها بمن تعرفهم وتحبهم. بإخوتها وأقاربها وجيرانها ومعارفها. بعد أن عاشت لوقت طويل وحيدة ومنغلقة على نفسها. كانت البداية هي قطع إجازتها الطويلة وعودتها لعملها الحكومي.
ولقد رحب مدير المدرسة بها، فهو يعرفها ويعرف سيرتها الحسنة في التدريس. وكانت دائمًا العنصر النشط في مدرسته، من يحل المشاكل ويحمل الهم ويسد الثغرات ويعمل أكثر من عمل في المدرسة. بالإضافة إلى ثقة أولياء الأمور التامة بها، وقدرتها على حل الكثير من مشكلات الطلبة.
وبمجرد أن عادت حتى استبشر بها خيرًا أنه وجد أخيرًا من يلقي عليها بجزء كبير من الحمل الثقيل لمدرسة غاب عنها الكثير من المعلمين والكثير منهم ينفض يده من مشاكل المدرسة والطلبة ويأتي فقط كزائر يثبت حضورًا دون حضور حقيقي. لذلك وعدها أنه سيسعى جاهدًا لدى الإدارة التعليمية ليجعلها وكيلة المدرسة رغم أنه يعلم جيدًا أنها ستبذل كل جهدها بضمير في العمل ولن تتأخر عن الكبير ولا الصغير سواء كانت في موقع وكيلة أو موقع معلمة عادية.
بدأت تعتاد الوحدة في بيتها، وتألف صدى صوته الذي يلازم أذنها ليل نهار وهو يناديها باسمها. قضت وقت طويل حتى تغلبت على عادة التلفت حولها كلما ردد عقلها صدى صوته وهو يناديها. وصارت تكتفي بالتوقف والشرود لحظات حتى يقتنع عقلها بأن الصوت ليس حقيقيًا وأنه صادر من نبع ذكرياتها. ثم تفتح الصور على الموبايل وتعيد النظر فيها وفي تفاصيلها فتمتلئ بالضيق والغيظ وتقضي تمامًا على صوته في أفكارها وتستطيع التركيز في عملها.
ذلك المساء كان الصوت في عقلها مدويًا، لدرجة أنها لم تستطع التركيز في تحضير دروس الغد. وذابت السطور في عينيها ولم تقرأ حرفًا. أغلقت دفترها وفتحت صوره على الموبايل، لكن تلك الطريقة أيضًا لم تعد تجدي وظل الصوت كما هو في عقلها. وضعت الموبايل في جيبها وأخذت تدور في البيت تبحث عن شيء تفعله، فلم تجد، فالبيت مرتب والمطبخ نظيف.
فكرت أن تصنع حلوى للعشاء، لكنها شعرت بطعم مر في فمها عندما تذكرت أن لا أحد سيشاركها الطعام، فعافت نفسها الحلوى. وعدلت عن الفكرة. ارتدت أسدالها وخرجت من البيت بعد المغرب لتسقي أحواض الزرع الملتصقة بجدرانه والشجر حوله، فقد كانت أمها تحرص على أن يكون حول البيت خضرة وزهور. لكن الصوت لم ينطفئ من عقلها، بل أخذ يعلو وهي تكاد تجن، حتى انتفضت على جملة جديدة اخترقت أذنها: "بنده عليكي، مبترديش ليه."
ظنت أن الجنون عرف طريق عقلها، فأخذت تتلفت وفوجئت به واقفًا خلفها. تجمدت كالصنم وأخذت أنفاسها تتسارع. أهو حقيقة أم خيال؟ هل دخل عقلها في نوبة هلوسة؟ لكنه أيقظها من الصدمة: "نجاة أنا.. أنا.. محتاج أتكلم معاكي." من نبرة صوته السريعة المتقطعة، وعينيه الزائغتين وحركات جسده المتوتر أدركت أنه ليس في حالة طبيعية، وأنه في مشكلة جديدة. نظرت خلفه فرأت سيارته وقد ترك بابها مفتوحًا ففهمت أنه في حالة فقد تركيز.
انتفضت على صوت رنة موبايلها فردت على المكالمة لتسمع صوت حسن وهو يصيح بقلق شديد: "نجاة، حسين مش لاقيينه، ركب عربيته ومشي ومحدش يعرف عنه حاجة، وموبايله مش معاه، أنا عارف إنه بيدور عليكي، لو جالك خليه عندك متسيبيهوش يمشي، حسين مش في حالته الطبيعية." أدركت أنها لن تستطيع أن تقول أمامه إن من على الخط هو حسن، فهي لا تعرف ما المشكلة الجديدة التي تسبب بها، فتمتمت بكلمة واحدة وأغلقت الهاتف: "حاضر، حاضر."
قال حسن بتوتر بالغ: "بقولك محتاج أتكلم معاكي." قالت بهدوء: "طيب طيب، ادخل البيت وجاية وراك حالًا." عدم رفضها الحديث معه ودعوته لبيتها جعل توتره يهدأ بعض الشيء، فسبقها إلى البيت. وقفت هي تنظر للطريق يمينًا ويسارًا، حتى وجدت مجموعة من الأطفال والفتية يلعبون كرة القدم على مسافة من بيتها، فأشارت لهم بطول ذراعها فاتى ثلاثة منهم يتسابقون إليها، فكلهم تلاميذ في نفس المدرسة ويعرفون ميس نجاة ويحبونها.
أملتهم بعض التعليمات فانطلقوا ينفذونها بسرعة، ثم اتصلت بالرقم الأخير الذي اتصل بها، وأخبرت حسن أن حسين في بيتها، فقال باطمئنان: "أنا جاي حالًا، متخليهوش يمشي مهما حصل." دخلت البيت ووجدته جالسًا على مقعد السفرة ورأسه بين كفيه. حاولت الهرب للمطبخ وقالت بهدوء: "دقايق هحضر العشا." صاح فجأة وهو ينتفض من على الكرسي: "لا.. لا مش عاوز.. محتاج أتكلم معاكي."
أضطرت أن تبقى معه في مكان واحد وجلست على الكرسي المقابل له لتبقى السفرة مسافة آمنة بينها وبينه. وسكب هو الكلمات بغير ترتيب ولا نظام، كان يثرثر بلا هدف، فقط يحتاج أن يراها، أن يشعر بأنها تسمعه، أنها لازالت في حياته. وفي خلال حديثه كانت جملة واضحة تتكرر مرات كثيرة: "أنا عارف إن عندي مشكلة." تركته يثرثر كما يريد دون أن تقاطعه أو تقول أي كلمة. كان هدفها أن يمر الوقت حتى يأتي حسن ويحل الأمر ويعيده للقاهرة.
لكن بمرور الدقائق أدركت أنها انزلقت من جديد في فخ التعاطف، وأن قلبها سيتحرك له من جديد، وخاصة وأنها لم تشف بعد من أثر الفترة السابقة التي قضتها في بيته. أدركت أنها لو استسلمت لذلك الفخ فلن تنجو، وقد تخرج منه بجرح أكبر من جرحها السابق.
كانت تنفض رأسها بقوة تحاول التخلص من تلك المشاعر التي باتت تحاصرها من كل اتجاه، وكلما ازداد كلامًا ازدادت تعاطفًا، وكان لزامًا عليها أن توقظ عقلها وتخرج من ذلك الحصار سالمة قبل أن يغرقها حسين معه في مشكلته الجديدة. فتحت الموبايل على الصور من جديد وبدأت تقلب فيها وتنقل نظراتها بين وجهه وبين الصور، فتكون لديها شعور بالنقمة عليه والغضب من أفعاله بدأ يكبر ويصنع حاجزًا بينها وبين التعاطف.
بدأ يتوتر من عدم اهتمامها به، من تبدل نظرة التعاطف في عينيها إلى نظرة نفور وغضب. فبدأ صوته يعلو: "نجاة انتي سمعاني." زمّت شفتيها وامتلت نفسها بالنقمة، فبدأ ينفعل بشدة عندما رآها تتجاهله وتنظر في الموبايل. فصرخ كطفل غاضب وهو يشد الموبايل من يدها: "سيبي الموبايل واسمعيني، فيه إيه أهم مني في الموبايل."
كانت نقمتها قد وصلت للحد الذي تعجز عن السيطرة عليه، فأدارت له شاشة الموبايل ووجهتها لعينيه فخرس لسانه وانتفض واقفًا بانفعال عندما رأى صورته على الشاشة وهو جالس على الأريكة ورنا تحتضنه. كان ينقل بصره بين الصور ووجهها الغاضب ولا يجد ما يقوله سوى حروف مقطعة وهو يحاول أن يتنفس بصعوبة: "لأ... مش." كانت تلك كلماته تتردد على لسانه، حتى استطاع أخيرًا الإمساك بجملة مفهومة،
فقال بصوت قتله اليأس: "حتى.. حتى.. لو حاولت أقول إنه مش حقيقي، محدش هيصدق." ببصره بلا هدف وقال ببطء: "ما.. مفيش.. مفيش حد." خرج من باب البيت ينظر يمينًا ويسارًا بغير هدى. وألقت هي بالموبايل على السفرة وأخذت تفرك وجهها بكفيها، لا تكاد تصدق ما فعلته للتو. لقد خرج عقلها عن مداره. لقد أفاقت على حقيقة مؤلمة، ليس حسين وحده من يرتكب الكوارث، بل هي أيضًا. إن كان له عذره في أنه غير متزن ويحتاج لمساعدة وعلاج، فما عذرها هي؟
هل حقًا كما تقول د. ميرفت لديها كبرياء واستعلاء يدفعها دائمًا لرد الإساءة بعشر أمثالها؟ هل تحمل في داخلها أسوأ صفات الشياطين دون أن تدري؟ الصفة التي لا مغفرة لها. سمعت صوت مفتاح تشغيل سيارته يدور ثم يقف أكثر من عشر مرات والسيارة لا تتحرك. كانت مطمئنة أنه لن يتحرك بالسيارة بعد أن قام الفتية بما أمرتهم به وأحضروا ميكانيكي القرية ليفصل الموتور عن عمله. سمعته يضرب السيارة بغضب، ثم عاد إليها وهو يلهث والدمع يملأ عينيه
وقال بصوت متقطع الأنفاس: "اف.. افتكرت.. أنا.. أنا.. جيتلك ليه." "جيت عش.. عشان أقولك إن كلامك.. طلع صح." أخذ نفسًا عميقًا وحاول جاهدًا السيطرة على نفسه التي تتفلت منه: "أنا.. أنا.. كنت عند الدكتور قبل ما أجيلك." "أنا عندي ADHD."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!