ما كانت تتخيل أنه عندما يطير فلن يستطيع أحد أن يلاحق خطواته. كانت مطمئنة تمامًا أنه لن يذهب لأي مكان حتى يأتي حسن. ربما لأنها رافقته لمدة طويلة أثناء إصابته واحتباسه في البيت، فصار عقلها يتوهم أنه لن يبتعد. لكنه فص ملح وذاب. قال الكلمة واختفى من أمامها في لحظة. فخرجت تجري خلفه تبحث عنه في كل اتجاه ولم تجد له أثر. سألت عنه الفتية الذين يلعبون الكرة، لم يره أحد. غلبها الرعب فسارت في كل اتجاه تجري كالمجانين.
تحمل في عقلها ذكريات مرعبة للحادثة السابقة التي لم يمر عليها وقت طويل. ما كانت تستطيع مواجهة حقيقة أنه قد يصاب من جديد، أو يحدث له مكروه. ولا أن تتخيل مجرد تخيل أن تفقده للأبد. كان قلبها ينخلع من مكانه لمجرد التفكير في ذلك الخاطر. كانت على استعداد للتضحية بأي شيء في سبيل أن تعثر عليه سالمًا. هو الآن أقدام تتحرك بلا عقل، ولا أحد يمكن أن يستنتج إلى أين سيذهب أو ماذا سيفعل.
أخيرًا وصل حسن ليجد نجاة تقف على الطريق حائرة تتلفت في كل اتجاه. وبمجرد أن أخبرته باختفاء حسين كاد أن يجن. فما هي إلا دقائق قليلة ما بين وصوله واختفاء حسين. وعندما تمالك أعصابه انتبه على فزع نجاة وخوفها على حسين. مما أبقى على الأمل حيًا بداخله أن حسين ونجاة لن تنتهي قصتهم بالسهولة التي بدأت بها. وأخذ يفكر إلى أين يمكن أن يكون قد ذهب. فقالت نجاة: أنت اللي ممكن تعرف هو راح فين. لما كان صغير وبيختفي كنتوا بتلاقوه فين.
صمت حسن تمامًا وغاص في ذكرياته البعيدة للحظات. وتوقعت نجاة أن حسن سيخبرها بأنه كان يهرب إلى بيت عم أو خال أو جار أو صديق طفولة. لكنه رفع رأسه ونظر بعيدًا. ثم تركها واقفة على الطريق وسار يجر رجله. في البداية ظنت نجاة أنه يتجه لبيتها. لكنه مر من جانبها واستمر بالسير حتى وصل للمسجد الصغير الذي يبعد بامتار قليلة عن بيتها. وعندما دخل حسن المسجد كانت صلاة العشاء قد انقضت وانصرف الناس إلا اثنين يصلان السنن.
أخذ يبحث في أركان المسجد حتى وجد حسين مكوماً على جانبه في الزاوية بما يشبه وضع الجنين يغطي رأسه بذراعيه. فحمد الله كثيرًا واتصل بنجاة يطمئنها عليه. ثم جلس بجوار رأسه وارتكن للجدار. لم يكن يدري ماذا يمكن أن يقول له ليهدئ من روعه. ولا يعلم هل سيسمعه حسين أم أن عقله تائه في ملكوته. لكنه ترك العنان للسانه يحركه سيل الذكريات والمشاعر التي تثيرها:
فكرتني بزمان، لما كنت تهرب من علقة أبوك وتروح تستخبى عند الشيخ بدر في الجامع. تذكر حسن كم كان حسين يحب الشيخ بدر، فقرر أن يشعل شمعة صغيرة في ذكرياته تخرجه من ظلام أفكاره: كان بيحبك أوي ودايمًا يقعدك جمبه حتى وانت بتجيله مش حافظ. يرجع يحفظك تاني بنفسه. ولما كنت أقف مع أبوك وهو بيكلمه بعد الصلاة ويقوله: شد على حسين.. اضربه عشان يحفظ. كان يرد عليه: حسين كويس، بس محتاج حد يصبر عليه.
وقتها مكنتش فاهم إزاي الشيخ يقول عليك كويس وانت مبتتحفظش ولا حتى بتقعد. بس لما كبرت فهمت. فهمت ليه لما كنت بتهرب من أبويا كنت تروح تستخبى في الجامع. لم يكن واثقًا بأن حسين يسمعه. فربت على كتفه وقال: يالله نصلي العشا قبل ما يقفلوا الجامع. استطاع حسن أن يأخذ بيده ويخرجه من دائرة الظلام عندما قام معه وتوضأ ووقف معه يصلي. وكان يسمع نشيجه ونحيبه وهو يناجي ربه. كان خادم المسجد صبورًا فلم يتعجلهما ليغلق المسجد.
وتركهما يجلسان في الزاوية بعد الصلاة، فقد أدرك أنهما ضيفان على القرية التي يعرف أهلها بعضهم البعض. سأله حسن: أنا بس مش فاهم، ليه كل ما تواجه مشكلة تهرب؟ انفعل حسين رغمًا عنه: لأني بخربها، بدل ما أصلح أبوظ وغيري اللي بيشيل الليلة. لحد إمتى هتفضل تستحمل مشاكلي وتدفع تمن كل مصيبة بعملها. قال حسن: لحد ما تفوق وتقدر بنفسك إنك تصلح أخطائك. قال حسين: قص... قصدك إني لازم أتعالج. قال حسن بهدوء: لو محتاج علاج اتعالج.
الموضوع مش كمي. الطريق الصح أوله إنك تعرف أصل المشكلة فين وتدور على حلول ليها وهتلاقي أكيد. نفض حسين رأسه بتوتر: لا... لا مش هعرف... هفشل... أكيد هفشل. أنا مريض عنديش أي سيطرة على تصرفاتي. صمت حسن لحظة ينظر لأخيه المحطم، ثم قال: حتى لو كنت مريض، هتتعالج وتخف. قلتلك قبل كده متبدأش حاجة وانت متوقع الفشل من أولها. انت مش فاشل، انت بيتهيألك إنك هتفشل ومع أول مشكلة بتفتكر إنك فشلت ومبتحاولش حتى تقف ولا تحل.
بتديها ضهرك وتهرب منها. مع إنك لو حاولت تحل المشاكل هتلاقيها بتتحل عادي. حتى جوازك من نجاة كان ممكن تروح لها وتصلح علاقتك بيها وتكمل جوازك صح. لكن انت محاولتش. قال بألم ودمعة تنزل من ركن عينه: أروح لها بعد إيه، بعد ما دمرت حياتها وخلتها تسيب شغلها والقاهرة كلها وترجع بلدها!! قال: ليه دايما عندك إحساس بعدم الجدارة، وإنك سبب في خراب حياة الناس. قال بألم شديد: لأن دي الحقيقة.
نجاة كانت حياتها كويسة جدًا من قبل ما تعرفني. دخلت حياتها فشلت في كل حاجة. وانت... انت... نظر لساقه لحظات وسالت دموعه ولم يستطع أن يكمل. بل أشاح بوجهه بعيدًا ثم لف ذراعيه على ركبتيه ودفن وجهه فيهما وأخذ يبكي. فهم حسن ما يقصده، فتنهد بصوت مسموع وأسند رأسه للجدار وسرح بعينيه وهو يستعيد الماضي: عارف يا حسين، أنا مرت عليا سنين طويلة كنت غضبان جدًا لحد ما قدرت أتقبل أقدار الله.
لكن اللي وصلني لمرحلة التسليم والرضا التام... سرح ببصره وابتسم بحنين وهو يكمل: لما ربنا رزقني بآسر، تعرف إنه شبهك أوي، من ساعتها وأنا أخدت عهد على نفسي أعمل معاه زي ما الشيخ بدر كان بيعمل معاك. أصبر عليه، ومعاملوش بعنف زي أبوك ما كان بيعاملك. لأول مرة هقولها لك، اللي حصل في اليوم ده أبوك مشارك بجزء منه، ما كانش لازم يوصلك لدرجة الخوف دي ولا يعمل فيك اللي عمله يومها. رفع حسين وجهه واحتضن أخيه يبكي على كتفه.
سمع حسن صوت موبايله، فابتسم وقال لحسين: نجاة بتطمن عليك. على الاتصال فسمعها تقول: أستاذ حسن من فضلك هات حسين وتعالوا على البيت، مستنياك. أغلق المكالمة وقال لحسين: مراتك مستنياك، قوم روح لها وصلح أمورك معاها. رأى في عينيه خوف وقلق من الرفض، فقال: لأ، المرة دي أوعى تهرب من المشكلة، لازم تواجه وتحل مشاكلك مع نجاة. لو هربت هتخسر أغلى حاجة في حياتك. قال بيأس: نجاة مش عاوزاني. قال:
لو مش عاوزاك ما كانتش اتصلت ولا قالت لك تعالى على البيت. نجاة زي الشيخ بدر، شافت الحاجة الكويسة اللي جواك ومش عاوزة تخسرك. نهض مستندًا على كتفه: يالله يالله نقوم الراجل عاوز يقفل الجامع ويروح. سار إلى جواره فقال حسين: هتيجي معايا؟ دفعه في كتفه وصاح بغيظ: يابني روح لمراتك الله لا يسيئك أنا عندي عيال عاوز أروح لهم. قال: طب.. طب والشغل. قال: عندك إجازة مفتوحة لحد ما تحل مشاكلك وترجع وانت فايق.
وخد موبايلك معاك وابقى اتصل بيا طمني عليك. عندما تلقت نجاة اتصال حسن، واطمأنت أن حسين في كنف أخيه، عادت إلى البيت وجلست تستريح. وعقلها يعود للتفكير الهادئ المنظم. كان عليها حسم أمرها واتخاذ قرار صحيح في حياتها. دارت عيناها في البيت الخالي، ثم دخلت إلى المطبخ. منذ بضع ساعات قليلة عافت نفسها صنع طبق من الحلوى لن يشاركها في تناوله أحد. والآن هي ربة بيت وعليها أن تحضر عشاء لزوجها وأخيه.
تدفق الحماس في عروقها، فقضت الوقت تعد عشاء فاخرًا. ثم ملأت المائدة بالأطباق الشهية وارتدت الإسدال وجلست تنتظر. حتى سمعت صوت العصفور يغرد ففتحت الباب لتجده أمامها بوجه حزين مرهق منهك يحمل الدنيا على كاهليه كجندي جريح خرج مهزومًا من كل المعارك. كان ينظر في عينيها عله يجد بعض الأمان. سألته: فين أخوك؟ قال بتردد: مش... قالت بغير رضا: ما كانش لازم تسيبه يمشي. ثم أكملت كربة بيت خبيرة: نعوضهاله بعزومة.
كان ينظر لها بترقب، ينتظر منها صياح، غضب، لوم، تقريع، عتاب. لكنه فوجئ بها تجذبه من ذراعه للداخل وتغلق الباب. ثم تقوده للحمام وتضيء النور وتدفعه للداخل: خد حمام سريع عشان تفوق وتعرف تتعشى. أغلقت الباب وتركته مع الحيرة والدهشة. بالفعل ساعده الحمام على الاسترخاء واستعاد بعضًا من هدوئه. وخرج من الحمام مرتدياً جلباب أبيها الراحل. قادته إلى المائدة فجلس طائعاً بهدوء.
نظرت إلى كتفيه فوجدت قطرات الماء تسيل من شعره على كتفيه وتبلل ملابسه. فشعرت بالغيظ وسحبت الفوطة ووقفت خلفه وأخذت تجفف شعره وهي تقول بلوم: إزاي تخرج من الحمام من غير ما تنشف شعرك، هتاخد نزلة برد. كان مستسلماً لها لكن بداخله شعور غريب. هو مزيج من التعجب والدهشة وعدم الفهم. ثم تحولت مشاعره لانفعال آخذ يتطور بسرعة. شعر بصوت أنفاسه وشعر بالغضب. فأبعد الفوطة عن رأسه والتفت إليها وقال بانفعال: أنا...
أنا مش فاهمك، إنت بتعملي كده ليه. قالت بهدوء وهي تضع طبق الطعام أمامه: حسين، الوقت اتأخر، والنهاردة كان يوم صعب جدًا. اتفضل اتعشى ونام وبكرة الصبح هنتكلم ونتناقش ونتعاتب ونتخانق ونجاوب على كل الأسئلة. ترك المائدة وأخذ يدور في الغرفة كعادته عندما يغلبه التوتر. فنظر إليه بغيظ، فهي أكثر من يعلم ماذا يحدث عندما يسيطر عليه القلق والتوتر ويبلغ الإرهاق منه مبلغه. قالت بضيق: يادي الليلة اللي مش فايتة. قال:
أنا مش فاهم انت هادية كده إزاي وبتتعاملي عادي. خدي حقك، امسكي في خناقي، اقتليني حتى. فتحت فمها بدهشة: انت يا جدع انت بتقول شكل للبيع!! عاوز تتخانق وخلاص، اتفضل اقعد كل وخش نام. قال: آكل وأنام إزاي بعد ما ظلمتك معايا وبوظتلك حياتك!! أمسكت قفاها بتعب وأغمضت عينيها بإرهاق وصاحت بصبر ينفد: مسمحاك. صرخ غاضباً: لأ، إنت كده هتجننيني.. مش فاهمك ولا مصدقك.. بعد كل اللي حصل ده وتقولي مسمحاك.. ليه!!! فتحت
عينيها وقالت ببساطة عجيبة: جايز عشان بحبك. أكمل بلا توقف: مفيش ست مش هتقلب الدنيا وتغضب لكرامتها لما تلاقي....... ابتسمت وكبرت الابتسامة إلى ضحكة صغيرة وقالت لنفسها متعجبة: واضح إنك مش سامعني أصلًا. ارتمت على الأريكة تريح ساقيها من طول الوقوف في المطبخ. وتركته يتكلم كثيرًا ويفرغ غضبه وحيرته وخوفه وألمه وهي تنظر إليه بابتسامة هادئة. وتفكر في ذلك الكائن الذي لا يملك سوى قلب ومشاعر فائرة.
قد يكون هذا هو أكبر عيوبه، لكن في نظرها هو أيضًا أكبر مميزاته التي تحتاجها بشدة. تذكرت كلام د. ميرفت (حسين بكل مشاكله وعيوبه وجنانه هو الوحيد اللي حاسسك إنك عايشة) انتبهت من شرودها على صوته المنفعل: إزاي.. إزاي بالبساطة دي تقولي مسامحاك، وكأن محصلش حاجة. أدركت أنه سيبقى على تلك الحال لساعات إن لم يجد إجابات على أسئلته. قالت بهدوء: بنفس البساطة اللي وافقت بيها على الجواز من راجل مكنتش أعرفه قبل كده.
أنا بعتبر إنك لما جيتلي لحد هنا معناها إنك بتتقدملي من أول وجديد وبنفتح صفحة جديدة ننسى كل اللي حصل قبلها، وأنا وافقت. كان ينظر لها غير مصدق، لا يستطيع أن يفهمها. فصاح: إنت بترضيني بتاخديني على قد عقلي. لو.. لو أي واحدة في مكانك كانت.. كانت... نظرت له بقوة وقالت وهي تضغط حروف كلماتها: مفيش حد في مكاني.. مفيش.
واللي كانت عاوزة تبقى في مكاني.. وبعتتلي صورك عشان تخليني أغضب وأسيب مكاني، كان بينك وبينها خطوتين، وكانت قدامك لو كنت عاوزها كنت رحت لها. لكن انت سبتها، وجيتلي أنا.. سافرت طريق طويل وجيتلي مش مرة واحدة، لأ.. مرتين، وده كفاية جدًا بالنسبة لي عشان أسامحك وأقبل نفتح صفحة جديدة. سرح بعينيه قليلاً ثم قال: يعني.. يعني إنت مش زعلانة. صمتت قليلاً، وقلبها يخفق بقوة وانقبضت عضلات وجهها وضغطت أسنانها حتى آلمتها.
ثم تركت العنان لمشاعرها تنسكب أمامه من دون خجل أو ندم: لأ، زعلانة.. زعلانة أوي. أخذت عيناها تدر دموعًا غزيرة لا تدري من أين أتت. من زمان وأنا زعلانة أوي، ونفسي أفرح. جلس بجوارها على الأريكة وقلبه يعتصره الألم وهو يلمس دموعها بأنامله: نجاة، إنت بتعيطي!! أول.. أول مرة أشوفك بتعيطي. كان من السهل عليها أن تفتح قلبها له، أن تبكي وتنتحب على كتفه، أن تشاركه آلامه، أن تفضي إليه بمشاعرها السجينة في قبو مظلم لم يفتحه أحد غيره.
فهو يحمل قلبًا نقيًا وروحًا سمحة وضميرًا واضحًا تعرف أوله وآخره. الآن صارت تثق بأنه كما أحزنها يومًا سيفرحها أيامًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!