ليه أنا؟! كانت تتأمل وجهه عن قرب في ضوء القمر الهادئ المتسلل من شرفة غرفة أمها وأبيها، ولا تملك جواباً محدداً لسؤاله. كان حائراً تائهاً، يريد أن يفهم لماذا أحبته هو، بكل ما فيه من عيوب قد تقتل أي حب وتدمر أي بيت. هو نفسه لا يفهم لماذا يسألها! ربما يتمنى أن تمده إجاباتها بحبل نجاة يعينه على التغلب على ضعفه ويجبر كسره، يتمنى أن تخبره بأنه إنسان فيه من المميزات التي تجعل الآخرين يتقبلونه، تخبره بأنه جدير بالحب.
كانت تعلم بحاجته لعودة الثقة، لكنها أيضاً تدرك أنه لا بد له من أن يؤمن بأنه بحاجة للعلاج ليتغلب على مشاكله وعيوبه. والكذب أو المبالغات لن تساعده، بل قد تصرفه عن العلاج فيسوء الأمر. ابتسمت له بعذوبة ووضعت كفها في منتصف صدره: "عشان دهانت مش أحسن حد، ولا أنا. فيك عيوب كتير، وأنا عيوبي أكتر منك. أزمتك جواك ومحتاجة علاج، وأنا أزمتي إني كنت محتاجة لده.. لقلبك.
قبل ما أعرفك مكنتش قادرة أقبل نفسي، ولا أرضى بحياتي. مكنتش قادرة أعيش في البيت ده ولا أدخل الأوضة دي، كنت عايزة أهرب من كل حاجة. لكن وأنا معاك، دخلت الأوضة دي ونمت فيها وأنا مش خايفة، عشان أنت جمبي. رجعت أحب البيت اللي عشت واتربيت فيه وافتكر كل ذكرياتي. حتى لو عشت هنا أو رجعت معاك مصر، كنت محتاجة لده. كنت محتاجة لحسين، عشان أقدر أرجع نجاة." لم تمنحه إجابة تشفي حيرته، لكنها منحته حباً أقسم أن يحارب نفسه كي لا يضيعه.
في الأيام الأولى له في القرية، بدأ يتعرف على أهلها الذين يأتون زائرين هم وعائلاتهم للترحيب والتعرف بزوجها القادم من مصر.
وكانت مضطرة أن تعود لعملها بعد أن غابت عدة أيام انتزعتهم من إجازاتها لتبقى إلى جواره. فمنذ أن عاد إليها وهو لا يغادر البيت، بل يبقى أغلب الوقت نائماً أو في محاولة للنوم. كانت كل ما تخشاه أن يعاوده الاكتئاب، لذلك فضلت أن تبقى إلى جواره ولا تذهب لعملها. لكنه ألح عليها أن تنزل للعمل كي لا تزيد من شعوره بأنه عبء عليها أو قيد في عنقه.
لم تسأله علام ينتوي ولا ماذا سيفعل لحل مشكلته، فضلت أن تدعه يهدأ ويفكر ويبادر ويختار ماذا سيفعل. عندما ذهبت للمدرسة كانت تفعل كل ما بوسعها لتنهي عملها مبكراً لتعود إلى البيت حتى لا يبقى ساعات طويلة وحده، وهي تأمل أن يكون لازال نائماً كي لا يطول عليه الوقت وهو وحيد.
أيام قضتها تجري ما بين المدرسة والبيت، والمدير منحها كل التسهيلات التي تطلبها وهي تحاول قدر جهدها أن تسدد وتقارب وتفعل ما بوسعها كي لا تقصر في عملها ولا بيتها. في هذا اليوم عادت مرهقة من المدرسة، ودخلت مباشرة تبحث عنه في غرفة النوم ولم تجده فيها ولا في البيت كله. انقبض قلبها بشدة واتصلت به لكنه لم يرد، بل رفض المكالمة. أعادت الاتصال عدة مرات ولم يرد حتى أغلق الموبايل، فصاحت بغيظ: "فيه إيه!!
بقيت تدور في البيت قرابة الساعة تكاد تجن وموبايله مغلق، حتى اتصل بها أخيراً وطمأنها بأنه في السوق يشتري بعض الملابس وسيعود. لم يتوقع أبداً ثورة الغضب التي قابلته بها عند عودته: "ليه مقلتليش إنك هتخرج!! وأما بكلمك مبتردش على التليفون ليه؟ وقف أمامها مندهشاً ثم شعر بالغضب وقال: "ليه!! المفروض آخد إذن منك لما أحب أخرج؟!
صاحت وقد أعماها الغيظ: "أومال عايزني ألف أدور عليك في البلد كلها وأنت غريب مش من هنا ولا عارفة جرالك إيه؟ قال بضيق: "لا، توديني الحضانة أحسن لحد ما ترجعي من شغلك بدل ما أتوه ومعرفش أرجع." فتحت فمها وقد صدمها رده، فاختلط عليها الأمر فلم تعد تفهم هل هي غاضبة منه أم من نفسها وتصرفها معه.
تركته ودخلت المطبخ بخطوات سريعة وشغلت نفسها بإعداد طعام الغداء، وأخذت تقطع البصل بالسكين وقد صارت أعصابها تشتعل ناراً، فأصابعها تعمل بسرعة وبلا تركيز من الغيظ وتتخذ البصل ذريعة لتداري دموعها التي انهمرت. وقف خلفها في المطبخ ولاحظ حركات يديها المتوترة وعصبيتها المفرطة، فأدرك أنها في حالة توتر عنيفة، فامسك بكتفيها وهمس في أذنها: "نجاة، أنا آسف." التفتت فجأة لتندفع إلى صدره وتتعلق به وتنهار
في البكاء وتنتحب قائلة: "أنا آسفة، حقك عليا، مش قصدي، أنا كنت خايفة عليك." كذب قلبه لكلماتها ودموعها وأجل كل ما كان يريد قوله لوقت العتاب الهادئ في آخر النهار حيث يستطيع سماعها وتستطيع سماعه. وفي المساء قال: "أنا جبتلك هدية ونسيت أديهالك." تنهدت وأمسكت بيده تضمها إليها وقالت بحنين: "أنا مش عايزة هدية، أنا بس عايزة لما أتصل عليك ترد عليا، محتاجك تطمني، أنت متعرفش لما بلاقي تليفونك مقفول بيجرالي إيه." نظر لها
بحب عميق ثم قال بعد لحظات: "كنت عند الدكتور وأنت اتصلتي في وسط الكشف." نظرت له بدهشة فقال: "دورت في جوجل عن أقرب دكتور نفسي في المركز وروحتله." قالت باهتمام: "وليه مقولتليش؟ وليه مستنتش أما أروح معاك؟ تنهد بأسى: "لأنني مش عايزك تتبهدلي معايا، المشوار ده لازم أروحه لوحدي، والطريق ده لازم أكمل فيه بنفسي من غير ما أمرمط حد معايا." أدركت نجاة أنه بالفعل محق وبحاجة أن يفعلها وحده لتعود له ثقته بنفسه،
فسألته: "طيب وقال لك إيه؟ قال: "اداني أدوية وقالي إني محتاج علاج سلوكي معرفي وحدد لي معاد الجلسات، وأديني هتابع معاه لحد ما أشوف آخرتها إيه." لم تجد كلمات أخرى لتقولها له، كانت سعيدة جداً لهذه الخطوة وتتأمل بها خيراً وندامة جداً على ما فعلته به. قالت تحاول أن تغير من حالتهما النفسية: "فين الهدية اللي جبتهالي؟
ابتسم واحتضنها وانشغل بها ومعها وانقلب الوقت للضحك والمزاح والثرثرة وهو يريها الملابس التي اشتراها لنفسه والسلسلة والعطور التي اشتراها لها. لا تتخيل كيف يمكن أن تكمل حياتها من دون أن يكون معها. في كل مساء يجاورها على الأريكة يضيع الوقت بملل في تقليب قنوات التليفزيون وهي بجانبه تصحح كراسات الطلبة وأوراق العمل والتدريبات. كان ضيقه يزداد يوماً بعد يوم وقد عاد له شعور السجن الذي كان يشعر به وهو مصاب.
ما بين كل دقيقة وأخرى ينظر إليها وهي مشغولة بعملها، وهي تحاول جاهدة الانتهاء بسرعة لتتفرغ له. من التليفزيون والهاتف، وأخذت عينه تدور في الغرفة بملل حتى استقرت على الأوراق التي تصححها نجاة، فتناول قلماً من على الطاولة ورسم وجهاً ضاحكاً بجوار الدرجة التي وضعتها نجاة بقلمها، ثم أخذ يضيف إليه تفاصيل فنية بمهارة جعلته ثلاثي الأبعاد ذو شكل مضحك ورائع.
ثم أخذ يكرر تنويعات على الرسومات اللذيذة مع باقي الأوراق حتى انتبهت نجاة أخيراً على ما يفعله. نظرت له بدهشة وأخذت تتفحص الأشكال التي يرسمها وقالت: "أنت فنان، حلوين أوي، هيعجبوا الطلبة أكيد." ابتسم للكلمة، ثم قال: "من أيام المدرسة وأنا بحب أرسم الحاجات دي في الحصص المملة." سألته: "أنت كمان خريج تربية نوعية ومشتغلتش بالشهادة؟ قال باسماً: "آه، قسم تربية فنية، قدمت في مدارس خاصة بس كانوا مكتفيين، لحد ما يأست إني أشتغل."
قالت بشرود وهي تقلب في الأوراق وقد سحرتها الأشكال التي يرسمها: "أنت لو قدمت في المدرسة بتاعتنا هيقبلوك على طول." ظهر على وجهه الاهتمام وسألها: "تفتكري ممكن؟! قالت: "أكيد طبعاً، مفيش مدرس تربية فنية في المدرسة." فكر قليلاً ثم قال: "حلو أوي، أنا موافق أجرب." رفعت رأسها عن الورق ونظرت إلى وجهه فرأت فيه الجد والاهتمام، فخفتت ابتسامتها حتى اختفت وتراجعت عن
رأيها بارتباك وقالت بقلق: "معتقدش جو المدرسة هيريحك في الشغل، جو منافسة ومشاكل والعيال بتزوغ ومش هتعرف تتعامل معاهم." انطفأ حماسه بعد أن أدرك أن ثقتها في حسن تصرفه منعدمة، وقال بسخرية مريرة: " عندك حق، أي حاجة بعملها بتجيب مشاكل." حاولت أن تتكلم لكنه قام بسرعة ليخرج من البيت، فصاحت بقلق: "حسين، رايح فين؟ قال بأسى: "هجيب عيش وبقسماط، يعني... بحاول أمثل دور راجل البيت." تركها تحترق بنار الندم وخرج،
غطت وجهها بكفيها: "إيه اللي أنا هببته ده!! لا بقيت عارفة أفكر عدل ولا أتكلم عدل!! هتجنني، هتتجنني يا حسين."
لبست عباءتها وطرحتها وانطلقت خلفه، كانت تعتمد على ما قاله لها من أنه سيتجه للفرن، فوقفت تنتظره هناك، تعلم أنه بحاجة لأن يتمشى وحيداً دون أن يشعر بها فوق رأسه، لكن قدرتها على التحكم في مشاعرها صارت صفر، كانت تحاول جاهدة أن تسيطر على مخاوفها من أن يحدث له مكروه أو يدخل في مشكلة يخرج منها منهزماً فتزيد من حالته سوءاً.
رآه أخيراً قادم باتجاه الفرن، وهو يرد التحية على بعض أهلها الذين تعرف إليهم في الأيام الفائتة، ثم دخل الفرن واشترى بعض الأشياء وخرج، كانت تعرف وجهه عندما يكون شارداً حزيناً، سارت خلفه حتى وصلت إليه، وقف لحظات ونظر إليها ثم عاد ينظر للأمام وعاد يسير إلى جوارها متجهاً للبيت، قالت برجاء: "حسين، لو مش حابب العيشة هنا، أنا هروح معاك لأي مكان تاني تختاره." سألها بعجب: "ليه بتقولي كده؟!
قالت: "يعني، يمكن تكون متضايق عشان بلد فلاحين وأنت مش متعود على العيشة إلا في القاهرة." قال بأسى: "المشكلة مش في القاهرة ولا في الريف، المشكلة فيا أنا، الدكتور قالي ابعد مؤقتاً عن الأماكن اللي بتحسسني بالفشل، وأدور على حاجة جديدة أعملها." التفت لها وقال بلوم: "بس يظهر إني مش هقدر طول ما مفيش ثقة." انقبض قلبها من كلماته، وأدركت أن ضعفها الشديد وخوفها عليه سيتحول لقيد له وعائق في سبيل ممارسته لحياته الطبيعية.
رأى دمعة ندم معلقة في عينيها، فأمسك بكفها وأكمل سيره. فجأة اصطدم به شيء قصير من الجانب فرجع خطوة للخلف ثم وقف ينظر له ليجده قد تجاوزه إلى نجاة، كان طفل قصير أسمر ذو شعر مجعد احتضن نجاة ولف ذراعيه حول خصرها، فضحكت وربتت على ظهره ومسحت على رأسه. ضحك حسين من المنظر وسألها: "إيه ده؟ قالت ضاحكة: "ده جمعة." سمع صوت امرأة تنادي جمعة، فانطلق الصبي عائداً من حيث أتى دون كلمة، فصاحت
نجاة تسمعه قبل أن يختفي: "متتأخرش على المدرسة بكرة يا جمعة." عادت تسير إلى جواره وهو يقول ضاحكاً: "ممكن أعرف مين الأخ جمعة ده اللي خد حضن مطارات واختفى؟ ضحكت نجاة بشدة وقالت: "تلميذ في المدرسة عندي، بس زي العسل." قال متسائلاً: "مش أنت بتدرسي لإعدادي وثانوي؟! قالت: "وسادس ابتدائي كمان في ابتدائي أحياناً، بس جمعة ده حاجة تانية، أمه تبقى قريبة مرات أخويا وكنت بديله درس كل يوم لحد ما... أكمل هو: "لحد ما أنا جيت!!
يعني حتى جمعة وقف دروسه بسببى." تجاوزت كل ما قاله وأكملت حديثها عن جمعة: "الولد ده يتيم، وعنده صعوبات تعلم ومتأخر في الكلام، بس أنا بحبه أوي." نظر لها نظرة خاصة: "أنا عارف الجملة اللي بعد كده، هتقوليلي بيفكرني بحد تعرفيه صح!!! أكملت الطريق معه حتى وصلت البيت وهي لا تستطيع الكف عن الضحك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!