خليك مرتاح يا عزيز، انت خارج من عملية خطيرة وإصابة أخطر. حمد الله على السلامة. أجاب عزيز بحزن: لله الدوم. قال رفعت بتعقل: الحمد لله أنها جت على قد كده يا عزيز. وعمك ربنا بيحبه، إنه مات وكل الناس معتقدة أنها حادثة حصلت لكم مع بعض. أكيد ربنا بيحبه لأنه أراد له الستر. يموت وهو في نظر الناس خليل التهامي رجل الأعمال المعروف، أحسن ما يتقال عنه تاجر سلاح.
كان صوت العقل الذي يتحدث على لسان رفعت. فإذا ابتعدت عن المصيبة تراها أوضح وترى لطف الله فيها. سأله عزيز بصوت واهن: وماكس وراجح والعملية؟ قال رفعت: ماكس هيتحاكم هو وراجح، وأنت طبعًا شاهد ملك. بالنسبة للناس اللي كنت شغال معاهم، أنت بعد العملية دي بره حساباتهم لأنك بقيت كارت محروق، أنت وكل اللي كانوا معاك. أخذ عزيز نفسه بعمق وزفرة براحة وأخيرًا. قال
رفعت وهو يرتب على كتفه: أنت كده في أمان يا عزيز، والكابوس خلص. وهشام باشا بيبلغك سلامه. تركه وانصرف لتعود له بلقيس بعد قليل وهي تبتسم بحلاوة. قالت وعيناها تفيض بالحنان: حمد الله على سلامتك يا عزيز. أجابها بصوت واهن: الله يسلمك. وبعد قليل دلف الطبيب المسؤول عن حالته. سأله بعملية: إيه الأخبار يا مستر عزيز؟ قال عزيز بوهن: مش حاسس بضهرى يا دكتور.
قال الطبيب: ده طبيعي يا مستر عزيز. الإصابة كانت خطيرة، وإن شاء الله تخلص قرص العلاج ونبدأ في العلاج الطبيعي وهتتحسن وترجع زي الأول وأحسن كمان. شكره عزيز وبلقيس وانصرف الطبيب بعد قليل. جلست بالقرب منه وهي تلاحظ مؤشراته الحيوية، وجدتها تتحسن. قالت بفرحة: الحمد لله، ضغطك وضربات القلب طبيعية. لاحظ عزيز تغيرها الجذري في المعاملة، فأين هي من بلقيس التي كانت توعد له؟ أين ذهبت؟
صمت ولم يتساءل أكثر لأن الألم تملك منه، وترك نفسه وقلبه ينعم بقربها، فلربما تفعل هذا من واجبها تجاه زوجها. سألته حين لاحظت شروده بصوت حنون: محتاج حاجة يا عزيز؟ قال بوهن: محتاج أنام. *** فاق من نومه وكانت سارة ملازمة له، ومنظر نوبة الغضب أو الثورة أو الحزن الجديدة. ولكن، فاق وبقى ساكن، وما يدل أنه مستيقظ تلك الدموع التي تنهمر على وجهه بقهر وصمت وحزن يقطع نياط القلب. اقتربت منه سارة بحذر
وسألته وقلبها يشفق عليه: أنت كويس يا أستاذ يوسف؟
لم يجبها، بل ظل ينتحب وقلبه ولأول مرة يشعر بمقدار خسارته. لقد خسر أبيه، سنده، حمايته في هذا العالم. فقده وهو غاضب منه بسبب سوء تصرفه مع أبيه. وشيطانه الذي هيأ له أنه سيفعل كل ما يريده ويتمناه ويكسب كل ما يريد ويحصل على كل ما يهواه. وكانت الحقيقة الصادمة أنه هو الخاسر الوحيد. خسر رحيل بقلبها النظيف، خسر آسيا بأخلاقها العالية، خسر أبناء عمه الذين لم يرى منهم إلا كل حنان وأخوة. والآن الخسارة الكبرى التي لا تعوض، خسر أبيه وللأبد ودون وداع.
اقتربت منه وسألته مرة أخرى بحنان: أستاذ يوسف، أنت كويس؟ رد عليا لو سمحت. أجابها بصوت منكسر: لو سمحتي، عاوز أخرج. قالت بعملية: حاضر، أول ما الدكتور يكتب لك على خروج حاضر. قال بإصرار: لو سمحتي، عاوز تليفون. قالت وهي تحاول أن تثنيه عن قرار الخروج دون علم الطبيب: حاضر، التليفون هجيبه لك حاضر. خرجت لتخبر بلقيس عن ذلك المريض غريب الأطوار الذي فاق وكأنه شخص آخر قد تبدل حاله مئة وثمانون درجة. ***
جلست مستكينة في أحضان أبيها الذي دلف ليطمئن عليها. وجدها تتصفح هاتفها بملل. جلس بجوارها على الفراش ولف ذراعه بحنان حولها وقال: الجميلة أخباره إيه؟ أجابته بدلال: ولا حاجة يا بابا، وزهقت من القعدة في السرير، عاوزة أخرج. سألها بمكر: تخرجي فين يا روح بابا؟ دي بلدنا شبرين. قالت بخجل: يعني يا بابا، كنت حتى بتمشي مع عبد الله وأشوف الناس. قال بحنان: وماله يا حبيبتي، قومي اهرجي واتمشى مع عبد الله.
سألته بخجل: هو على ابن عمي مبقاش يجي هنا؟ ابتسم أبوها بحنان وسألها: بيجي يا حبيبتي، بتسألي ليه؟ تعجبت وقالت: بيجي؟ غريبة، مش بشوفه. هو مش بيسأل عليا؟ أجابها أبوها بمكر: بيطمن عليكي مني، وأنا طمنته. قالت بصدق: أنا مش عارفة أشكرة إزاي يا بابا، ده لولاه الله أعلم كان هيحصل إيه ليا. قال أبوها الذي يمتن لعلي أيضًا: أيوه يا بنتي، ده جميله على راسي. قالت وهي ما تزال تتحدث مع أبيها بعفوية: هو ليه متجوزش بعد مراته يا بابا؟
قال أبوها وهو يراقب تعابير وجهها: كان بيحبها. سألته وقد ظهر الحزن على وجهها: ولسه بيحبها بعد سبع سنين؟ قال أبوها: والله يا رحيل معرفش، يمكن حب غيرها. قالت بحزن: مظنش يا بابا. قال سالم بحنان وهو يضمها: محدش بيفضل على حاله يا رورو. قومي يلا نتغدى واتمشى أنا وانتي بعد الغدا شوية. حاضر يا بابا. ***
لم يتحمل كل تلك المدة ولم يراها ويطمئن عليها. سيذهب لبيت عمه هو وعبد الله ويطمئن عليها. لم يكن يعلم أن قلبه سيدق لأحد غير زوجته التي تزوجها وأحبها من عشرتها الطيبة، ولكن القدر لم يمهلها إلا سنوات قليلة لتفارقه وتتركه منذ سبع سنوات. لتأتي تلك الجنية الصغيرة الجميلة التي أغرقته في حبها ببرائتها وعفويتها. ولكن، أين أنت يا علي من رحيل؟ إنها في الثانية والعشرين بينما هو في الخامسة والثلاثين. فهل إن طلبها من عمه سيقبل بها؟
أم ستقبل هي به؟ وهل سترضى بحياته التي تختلف عن حياتها كليًا؟ أم يبتعد عنها ويعيش بحبه لها؟ وصل بكل تلك الأفكار لبيت عمه، وجدها في حديقة منزلهم. جرى عليها عبد الله وهتف بفرحة: رحيل وحشتيني. احتضنته بفرحة وهي تقول: عبد الله، وحشتني أوي أوي، فينك من زمان. نظرت إلى ذلك القادم خلف عبد الله، تورّد وجهها عندما رأته. قالت بفرحة ولهفة: على قصد... شيخ علي. عامل إيه؟ نظر لها بطرف عينيه وقال بصوت هادئ، عكس قلبه
الذي يدق بصخب منذ أن رآها: إزيك يا رحيل، عاملة إيه؟ قالت بصدق: كويسة. نظرت لعبد الله وقالت وهي تتحدث بخبث: كل ده يا عبد الله، متسألش عليا. إيه موحشتك؟ ارتبك علي بينما شعر أن تلك الماكرة ترمي عليه الحديث. قال عبد الله ببراءة: وحشتيني أوي أوي. قالت بجراءة: ما حصلش. لو وحشتك كنت جيت شوفتني. قال علي بمكر وهو يمني نفسه أن يكون الحديث له: كنا بنطمن عليك من عمي. قالت وهي تنوي إغاظته: على فكرة، أنا بكلم عبد الله.
سألها بحنق: تمام، عمي فين؟ قالت بمكر حين رأت الغضب ظهر على وجهه: جوه مع منير. دلف بوجه متجهم من تلك التي تتلاعب به، فتارة ترفعه في السماء وتارة أخرى تنزله إلى الأرض، وهو ضائع من تصرفاتها. ماذا يفعل؟ *** دلف إلى الداخل ليجد عمه يجلس بصحبة منير ومنى ومحمود. قال: سلام عليكم يا عمي. وعليكم السلام يا علي، تعالى يا ابني سلم عليهم. وجلس معهم وعقله يفكر ويفكر. عزم أمره وقرر قراره الأصعب. سيفاتح عمه ويطلبها. لما لا؟
فكم من زيجة مثله وأكبر منه في الفارق العمر بينهم ونجحت. قال بصوت جاد: عمي، لو سمحت، عاوزك في موضوع. أجابه سالم بحنان: قول يا علي. نظر لهم جميعًا وقال: بعد إذنك، أتكلم مع حضرتك الأول. اتفضل يا علي، جوا في المكتب. دلف إلى المكتب وقال وهو يستجمع شجاعته التي هربت منه: أنا يا عمي عاوز. قال بتشجيع: عاوز إيه يا علي؟ أجابه وهو يدفع الكلام من فمه وكأنها مهمة صعبة عليه: عاوز أتجوز رحيل. ضاعت شجاعته بعد أن أنهى حديثه.
قال بتلبك: طبعًا، دا... دا لو يعني حضرتك موافق وهي كمان. ابتسم سالم بحب وقال بصوت ملأته السعادة: إن كان عليا أنا مش هتمنى لها أحسن منك، زوج صالح يصونها وهيتقي الله فيها. بس لازم آخد رأيها. أجابه علي بصوت هادئ عاقل: طبعًا يا عمي، رأيها أهم شيء. بعد إذن حضرتك. هتمشي دلوقتي؟ قال علي: همشي ومش هاجي إلا أما أعرف رأيها. تمام يا ابني، ربنا يقدم لك اللي فيه الخير. استأذن وخرج، وأخذ عبد الله منها.
قالت بشقاوة: ابقى اسأل يا عبد الله، وبلاش الغيبة الطويلة دي. نظر لها وقال بتسلية: قول لرحيل. حاضر يا عبد الله، هنسأل وهنيجي. وابتسم لها، وأخيرًا رأت وجهه المتجهم دائمًا يضحك. ولا تعلم سر تلك البسمة العريضة. *** أسبوعان مرا على الحادث. تحسنت صحة عزيز، وبدأ يقف لكي يبدأ في جلسات العلاج الطبيعي. ولكن، منذ أسبوع وأصبح باردًا في التعامل معها بعد زيارة النائب العام له وأخبره أنها أخبرته بكل شيء. هي لم تصفح عنه لأنه مصاب؟
أم من أجل حبها له؟ هل تحبه؟ تساءل عزيز، بينما هي أيضًا غارقة في تفكيرها. وقف على جهاز المشي لكي يساعده على المشي مع العلاج، ولكنه كان يحرك قدمه بصعوبة. وقفت بجواره تساعده مع الطبيب. أبعدها بجفاء واتكأ على يد الطبيب ليساعده. قال الطبيب وهو يحاول أن يجعله يحرك قدمه: خطوة كمان يا عزيز. قال بوهن: مش قادر يا دكتور. أراحها على المقعد
المتحرك وقال بعملية: أنا شايف إن مستر عزيز بيتقدم كل يوم عن الأول، والبركة طبعًا في الدكتورة بلقيس بعد ربنا. ابتسمت وهي تشيد بجهد عزيز: بصراحة يا دكتور، عزيز متعاون جدًا وعاوز يخف بسرعة. ابتسم الطبيب بود وتمنى له الشفاء العاجل وانصرفا. أخذت الكرسي المتحرك وخرجت به إلى غرفته في المشفى. وقفت به أمام السرير ووقفت بجواره تساعده ليجلس على الفراش. قال لها بجفاء: هعرف أطلع لوحدي.
لم تسمع كلامه وظلت تساعده، وهو لم يعترض لأنه لا يستطيع أن يقف وحده، ولكنه يريد أن يعاند معها حتى لا يفقد كبرياءه الذي يشعر أنها جرحته حين أخبرها أنه يحبها، بينما هي لم تعرف كلامه واعترافه بمشاعره لها أي اهتمام، وذهبت لتبلغ عنه. أجلسته بحنان ونظرت له وسألته: حاسس بحاجة يا عزيز؟ قال بوجه جامد ورد مقتضب: لا. جلست بجواره على الفراش وهي تعلم بذكائها أنه يعاقبها على ما فعلت به. سألته وهي تتدلل عليه: متأكد إنك كويس يا زيزو؟
تزعزع ثباته عندما مرت يدها بحنان على وجهه. تمسك بثباته وقال بعناد: آه كويس، وهكون كويس لو سبتيني أنام. إيه، مفيش عندك عيانين غيري؟ قالت بمكر وهي تضع وجهها على صدره: لا يا حبيبي، أنا مفيش عندي غيرك. ابتلع ببطء، بينما ما زالت تلك الماكرة تملك كل مفاتيح جسده. قال لها وهو يسخر منها ليخفي تأثيرها عليها: إيه يا دكتورة الحنان ده؟ أنا عزيز التهامي، تاجر السلاح. أنتي غيرتي مبادئك ولا إيه؟
اغتاظت من رده الساخر عليها، قالت وهي تنوي قذف جبهته لتعرفه أنها تعرف كل شيء: أنت عزيز التهامي، رجل الأعمال الشريف. أنا مش عارفة تاجر السلاح ده، ولا عمري هكون معاه. وقبل أن ينطق اندفعت سارة من الباب. الحق يا دكتورة بلقيس. هتفت بخوف: فيه إيه يا سارة؟ قالت بخوف: يوسف مصمم يخرج من المستشفى ومش قادرة أخليه يفضل هنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!