تحميل رواية بلقيس وأنا بقلم هيام شطا pdf
بقلم هيام شطا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
والله لأتيء بك راكعة. قال له هاني صديقه بتعقل: اهدأ يا يوسف، أنت مش عارف دي بنت مين. قال وعيناه تنطق بالغضب: عارف، وتكون زي ما تكون، برضه هاخد اللي أنا عاوز أخده منها. وتبقى تشوف نفسها عليا بعد كده. يوسف خليل التهامي، ابن الأوحد لخليل التهامي، مدلل، في فمه ملعقة من ذهب كما يقولون، ولكنه منحرف عن طريق الأخلاق، مغرور، يلبّي له أبيه كل ما يطلب، وأيضًا يتستر ويداري كل مصائبه. دلف في ذلك الوقت يونس ابن عمه، طبيب شاب في الثلاثين من عمره. سأله بينما علت الدهشة وجهه من حالة ابن عمه الغاضب: مالك يا جو؟ م...
رواية بلقيس و أنا الفصل الأول 1 - بقلم هيام شطا
والله لأتيء بك راكعة.
قال له هاني صديقه بتعقل:
اهدأ يا يوسف، أنت مش عارف دي بنت مين.
قال وعيناه تنطق بالغضب:
عارف، وتكون زي ما تكون، برضه هاخد اللي أنا عاوز أخده منها.
وتبقى تشوف نفسها عليا بعد كده.
يوسف خليل التهامي، ابن الأوحد لخليل التهامي، مدلل، في فمه ملعقة من ذهب كما يقولون، ولكنه منحرف عن طريق الأخلاق، مغرور، يلبّي له أبيه كل ما يطلب، وأيضًا يتستر ويداري كل مصائبه.
دلف في ذلك الوقت يونس ابن عمه، طبيب شاب في الثلاثين من عمره.
سأله بينما علت الدهشة وجهه من حالة ابن عمه الغاضب:
مالك يا جو؟ مين عليها العين المرة دي؟
نظر له وقال باقتضاب حتى لا يقع في مصيدة النصح والإرشاد من ابن عمه الهادئ العاقل:
محدش.
وقبل أن يكمل، تسرع هاني وقال له:
بنت الدكتور إبراهيم الحديدي مش معبره، وهو حافِ وراها بقاله شهرين ومش طايل منها لا حق ولا باطل.
نظر يوسف بغضب اشتعل في عينيه من صديقه الأهوج الذي قال كل شيء ليونس، ولن ينجو من يونس، ولن يحصل عليها.
سأله يونس بينما ظهر على وجهه علامات الغضب والقلق:
بنت الدكتور إبراهيم الحديدي مش سكتك يا يوسف، والموضوع ده تشيله خالص من دماغك.
نظر له يوسف وهو يحاول السيطرة على غضبه كي لا يشك به ابن عمه ويفعل ما يريد.
قال بمكر:
اهدأ يا دكتور يونس، أنا أصلاً مش عارف أوصل لها، والموضوع ده شيلته من دماغي.
ثم أضاف بمرح مصطنع:
أنا إيه هيجيلى من وجع الراس ده؟ خليني في المزز السالكة أحسن.
قال يونس وهو ينظر إليه بشك، بينما يعلم طبع ابن عمه الخبيث:
يوسف، أنا بحذرك.
قال يوسف بنفاذ صبر وصوت حاد حتى يتهرب من تحقيق ابن عمه الذي تسبب فيه صديقه الغبي بتسرعه:
قولت لك خلاص بقى يا يونس.
ثم ابتسم وتصنع الطيبة وقال:
سيدي، هدور على غيرها وهما كتير.
نصحه يونس بود، فهو دائمًا ورغم طباعه السيئة اعتبره أخيه الصغير:
يا بني، سيبك من السكة الشمال اللي أنت فيها دي، واتجوز بنت خالتك رحيل دي بتتمنى لك الرضا.
ضحك يوسف بصخب وقال بمزاح:
أيوه يارب ربنا يهديني، بس مش لدرجة أتجوز رحيل.
***
دَلفت إلى المشفى بخطواتها الواثقة الرقيقة وصوت هتاف أوقفها:
دكتورة بلقيس.
وقفت تنظر خلفها.
قالت ووجهها يعلوه بسمة جميلة:
أيوه يا علاء.
قال موظف الحسابات:
الدكتور إبراهيم والدكتور حسين خال حضرتك مستنين حضرتك في المكتب.
أومأت له وذهبت بهدوء ووقار يسبق خطاها.
دَلفت وبسمتها مازالت تعلو وجهها.
رحب بها أبوها بمحبة:
أهلاً يا بلا، اتأخرتي ليه يا روح قلبي.
احتضنت أباها وخالها وقالت بمرح:
راحت عليا نومة.
خير يا بابا.
استلم دفة الحديث خالها وقال بهدوء:
أبدًا يا حبيبتي، دي صفقة الأدوية اللي متفقين عليها مع الشركة المستوردة، والمفروض هتوصل بعد أسبوع، وبابا هو اللي هيستلمها.
قالت بود:
خلاص يا خالو، بابا يسافر يخلص الشحنة من الشركة، وحضرتك تتولى مسؤولية المستشفى لحد ما بابا يرجع.
هذه المرة تولى أبوها دفة الحوار وقال:
ما ده اللي عاوزينه منك يا روحي، خالك عنده مؤتمر طبي الأسبوع الجاي ومش هيكون موجود، وأنتِ هتكوني مسؤولة عن المستشفى.
أومأت بطاعة ووجهها البشوش وقالت:
أوكي، مفيش مشكلة، بس ارجعوا بسرعة، أصل أطمع في المستشفى وأعيش دور المدير.
ضحك أبوها، بينما أضاف خالها بخبث:
أطمعي يا روحي براحتك، هو فيه مدير قمر كدا.
***
دَلفت بهدوء وهي تطلع إلى جسده الرياضي، ظهره المكدس بالعضلات.
قالت بغنج وهي تملس على ظهره العاري:
عزيز، اصحى يا بيبى.
انتفض من نومه وهو عابس الوجه قال لها:
فيه إيه يا درة؟ أنا قولت لك ألف مرة لو نمت متصحنيش.
قالت بتوتر بينما ظهر عليها علامات الخوف منه ومن تقلباته العصبية، فأين هو من الأمس؟ الأمس كانت بين أحضانه يسقيها من شهد متعته ويرتوي هو بالمتعة، بينما الآن ينظر لها بتجبر وينتفض من مجرد لمسة.
سألته بدهشة:
فيه إيه يا عزيز؟ هو أنا عملت إيه؟ هو أنا مش مراتك ومن حقي أصحيك من النوم ولا إيه؟
قال بغضب اشتعل في عينيه:
لأ.
سألته بحزن:
ليه لأ يا عزيز؟ مش مراتك إزاي يعني؟ والعقد؟
قال باقتضاب:
متعيشيش الدور يا دودى، وتمسكي موال متجوزين ده كتير.
سألته بلهفة وهي تتصنع الحزن:
يعني إيه يا عزيز؟ زهقت مني؟
قال بقسوة:
لو زهقت كان زمانك في الشارع، والعقد اللي فرحانة بيه متقطع.
جرت عليه وهي تحتضنه وتقول بلهفة وحزن:
لأ يا عزيز، أبوس إيدك، كله إلا إنك تبعد عني أو تبعدني عنك، أنا هعيش لك خدامة.
أبعدها بهدوء وهو ينظر لمفاتنها بوقاحة، وطرحها على الفراش بقسوة وهو يعتليها:
طيب يلا يا قطة، روّقي مزاجي اللي عكرتيه.
جذبته عليها وهي تضحك بخلاعة:
عيوني يا ملك.
عزيز التهامي، رجل أعمال له شركة استيراد وتصدير، ولكن أعماله مشبوهة ويتاجر في كل الأشياء المحرمة والممنوعة، وهو ذراع عمه الأيمن خليل التهامي ومصدر قوته وأمانه.
***
تبعها بالسيارة وهي تدخل إلى مشفى أبيها.
وقف ينظر لها بشهوة من بعيد، ويمنى نفسه هو وصديق السوء هاني.
سأله هاني بخبث:
هو أنت مش عاوز حد يعرف ليه يا كبير عن المزة دي حاجة؟
قال له بغضب:
علشان المزة دي يونس ابن عمي كان شغال في المستشفى بتاعتهم يا غبي، قبل ما عزيز يعمل له المصحة بتاعته، وأكيد يونس هيقلق مني، ومش بعيد يقول للمزة دي تحذر، أو يقول للبومة أختها الكبيرة لأنهم أصحاب.
حك هاني ذقنه وقال بخبث، بينما يريد أن يدفع يوسف إلى تلك الحسناء، حتى يأخذها هو لنفسه بعد أن يقضي على يوسف، يتمتع بها ثم يقتلها بجانبه، ويتخلص من يوسف ويحصل على المتعة وتظهر القضية أنها من قتلته بعد أن اعتدى عليها وقتلت نفسها.
بس أنت متأكد إنك هتقدر عليها يا كبير؟
ضحك يوسف بغرور وقال:
بكرة بليل جهز كل حاجة، المزة هخطفها بكرا.
اعتبر كل حاجة جاهزة يا بوص.
***
بعد يومان، دلف إلى مشفى دكتور إبراهيم الحديدي بكل هيبته، شكله الذي يوحي بأنه ليس إلا قاتل محترف، بالرغم من حلته الأنيقة، عطره النفاذ الذي يوحي بأنه من أثرى أثرياء البلدة.
بخطوات هادئة وهيبة سأل موظف الاستقبال في المشفى:
مكتب دكتور حسين؟
أجابه الموظف بعملية:
الدور التالت، آخر الطرقة.
أومأ برأسه وذهب إلى المكتب، طرق بهدوء على باب الغرفة، سمع صوت أنثوي خلف الباب يأذن له بالدخول.
دلف بهدوء، ولكن هالته تسبقه.
نظر لتلك المنكبة على الأوراق وكأنها شغلها الشاغل.
سألها بهدوء:
دكتور حسين موجود؟
رفعت عيناها عن ما كانت تفعله، ولسبب غير معلوم انقبض قلبها من ذلك الواقف أمامها.
رغم هيئته المرتبة، ملابسه الأنيقة، عطره النفاذ الذي يتحدث بلسان حال صاحبه أنه من الأثرياء، إلا أنها لا تجد أمامها إلا صورة مجرم مأجور.
سألته بتوجس:
أيوه يا فندم، أقدر أعرف مين حضرتك؟
قال بمنتهى الهيمنة وقلة الذوق:
أنا سؤالي واضح، دكتور حسين لو سمحتي.
ردت عليه بمنتهى الغرور، وكأنها تريد الانتقام من غطرسته:
دكتور حسين مسافر في مؤتمر صحي، وأنا بنوب عنه.
صعق بما سمع.
سألها وقد بدأ الغضب يتسلل لصوته:
فيه شغل بيني وبين دكتور حسين، أنا لازم أوصله.
لم تعر غضبه أي انتباه وقالت بمتنها الثقة:
أي شغل حضرتك، أنا بنوب عن خالي فيه.
سألها بتهكم:
ومين حضرتك عشان تعرفي طبيعة شغلي مع خالك؟
وقفت هي بهدوء منافي لغضبها.
قالت بكل ثقة العالم:
دكتورة بلقيس إبراهيم الحديدي، مدير المستشفى اللي حضرتك واقف فيها، وبنت صاحبها.
ضغط على أسنانه ليمنع غضبه من أن يخرج من فمه بكلمات بذيئة ليسب خالها.
سألها بصوت غاضب:
أقدر أتواصل مع الدكتور حسين إزاي؟
قالت بلا مبالاة:
تقدر حضرتك تتصل به.
لم تدر متى انصرف، وكأنه عاصفة غضب انصرفت عنها، ولكنه ترك بابًا يهتز من شدة الصفعة، ومشاعر خوف وقلق احتلت قلب بلقيس من ذلك الغريب الغامض.
***
صرخ بغضب في عمه:
الدكتور حسين سافر برا مصر يا خليل بيه، تقدر تقول لي هنعمل إيه في صفقة الأدوية والمعدات الطبية؟
وقف خليل بهدوء ودار حول مكتبه ليواجه عزيز وقال بصوت بارد لا يحمل ذرة من الغضب:
وإحنا محتاجين حسين في إيه؟ صاحب المستشفى هو اللي هيستلم الشحنة وهيخلص ورق الجمارك.
حنا مهمتنا انتهت أول ما خلصنا الشحنة وقبضنا تمنها، صاحبها الدكتور المسؤول دلوقتي.
تغيرت ملامح عزيز وقال بصوت قلق:
قصدك دكتور إبراهيم الحديدي.
ابتسم خليل ابتسامة ملتوية وقال بخبث:
بالظبط كده.
هتف بغضب:
بس دكتور إبراهيم مش عارف الصفقة ولا الاتفاق كان معاه يا عمي.
قال خليل بمكر:
لأ، عارف. عارف إزاي؟
قال خليل:
حسين معاه توكيل باستيراد الأدوية والمعدات الطبية للمستشفى، وهو اللي عرض على شركتنا نستورد لهم الأدوية والمعدات، وإحنا مجرد وسيط. استوردنا المعدات والأدوية، أخدنا قبضنا عمولة الشركة، وهما اللي عليهم تخليص الجمارك، الصفقة باسمهم.
تساءل عزيز بدهشة حين أنهى عمه كلامه:
ياه، دانت مظبط كل حاجة، مش كنت رستني على الدور يا خليل بيه؟
قال خليل بدهاء:
شغلنا يا حبيبي، وكنت بخلصه.
نظر له عزيز وسأله بتوجس:
عمي، الأدوية دي مظبوط؟ مش شغلنا؟
أجاب:
مظبوط ولا مش مظبوط؟
قال بغضب:
بيفرق أرواح الناس.
أجابه خليل بلا مبالاة:
وإحنا من امتى بنهتم بالناس؟
هتف عزيز بخوف:
مش بيهمني حد، بس الدكتور إبراهيم، يونس بيحبه وبيحترمه وهو أستاذه، وهيوقفنا لو الدكتور إبراهيم جراله حاجة.
قال خليل بحنق:
خلاص يا عزيز، قولت لك مش هيحصل حاجة. وبعدين أنت من امتى بتهتم بحد ولا بتخاف على حد؟ ليه مهتم أوي بالصفقة دي؟
قال عزيز بغضب:
مش مهتم يا خليل بيه، وأنت عارف إن أنا اللي مخلص الصفقة دي.
وإيه اللي غير رأيك؟
أجابه بنفس النبرة الغاضبة:
اللي غير رأيي يا خليل بيه إن أنا كنت فاكر إن حسين هو صاحب الصفقة والمسؤول عنها، وزي ما قال لنا الصفقة له، مش لدكتور إبراهيم.
قال خليل وهو يقر حقيقة لم يعِ لها عزيز إلا الآن:
مستشفى حسين هي مستشفى إبراهيم، الاتنين شركة، ومش فارقة معانا مين يستلم ومين مسؤول، إبراهيم ولا حسين.
هدر بغضب:
يتحرقوا الاتنين، المهم عندي يونس لو حصل حاجة لإبراهيم، ميعرفش إني ليا دخل باللي حصل له.
وقف خليل ودار حول مقعده ورتب على كتف عزيز، وأخيرًا التقط أنفاسه التي هدأت داخله:
إذن عزيز لا يهتم لإبراهيم أو حسين، المهم عنده يونس أخيه.
قال بهدوء وصوت مطمأن:
متقلقش، دكتور إبراهيم هيستلم الصفقة بكرة الصبح، ومش هيحصل حاجة، ولو لا قدر الله حصل، يونس مش هيعرف حاجة.
***
في المساء، جلست بلقيس مع والدتها يتحدثون مع الدكتور إبراهيم عبر أحد وسائل التواصل الاجتماعي.
سألها دكتور إبراهيم وهو يمزح معها:
إيه أخبار المستشفى يا بلا؟
ضحكت بمكر وقالت:
متقلقش يا دكتور، مش هخربها مسافة أسبوع.
اطمئن.
وفي تلك الأثناء دَلفت إليهم آسيا، الأخت الصغرى المدللة.
سألتها أمها:
لبسة ورايحة فين يا آسيا؟
قالت وهي تبتسم بوجهها البشوش البريء:
معزومة على حفلة عيد ميلاد زينة يا ماما. أنا قولت لك أنت وبلا امبارح.
قالت بلقيس بجدية:
متتأخريش يا آسيا، قبل الساعة عشرة تكوني هنا.
انحنت لتضع قبلة على وجه أمها وبلقيس، وأشارت بيدها لأبيها، ثم خرجت وانطلقت بسيارتها، وهي لا تعلم بمن انطلق خلفها يراقبها حتى تأتي اللحظة المنتظرة التي تنتظرها الذئاب للحصول على ضحيتها.
***
اتصل هاني بيوسف:
أيوه يا جو.
ها خرجت؟
قال هاني وهو يتبع آسيا:
شكلها راحة المشوار بتاع عيد الميلاد.
أنا ماشي وراها.
هتف يوسف بفرحة، صورها له شيطانه:
أوكي، أنا هسبقك على العنوان.
***
وصل يوسف أمام منزل صديقة آسيا، وانتظرها لتصل قبل هاني بلحظات.
سأله هاني بخبث:
عملت حسابك في كل حاجة يا بوص؟
أجابه يوسف وهو يحك ذقنه ويفكر:
أيوا، هناخدها على الشقة بتاعتي في الهرم.
خلاص معاك يا بوص.
نظر له يوسف، بينما تطاير الشرار من عينيه:
هاني، أنت كده مهمتك خلصت، طريقك أخضر.
قال هاني بغضب:
أنا فيها الحكاية دي.
أجابه يوسف وهو يسخر منه:
لأ، الحكاية دي بالذات كبيرة عليك يا هاني، الحكاية دي بتاعتي أنا لوحدي.
اشمعنى دي يا بوص؟
قال بإقرار:
علشان هتجوزها بعد ما آخد اللي عاوزه منها.
ويلا غور من وشي.
رفع يوسف هاتفه ليجري اتصال بأحدهم:
الو، أيوه يا زينة.
جابته زينة بصوت متوتر:
أيوه يا يوسف، عاوز إيه؟
قال بأمر:
عاوزك تعملي اللي اتفقت معاكي عليه من أسبوع.
قالت بخوف وقهر:
حرام عليك يا يوسف، آسيا مش كده، سيبها في حالها.
صرخ بغضب:
اللي أقول لك عليه تنفذيه يا زوز، وإلا صورك هتغرق كل التواصل الاجتماعي بكرة، وما أقول لكيش على الفضايح بقى.
ارتعش صوتها وقالت بخوف:
حاضر.
سألها بهيمنة قاتلة:
هتعملي إيه؟
قالت بقهر:
حط لها المنوم واسقيها العصير وهي خارجة.
برافو عليك يا زوز.
وقبل أن ينهي الاتصال قال بأمر:
أنا معرفكيش.
أجابته وهي تنتحب على نفسها وصديقتها:
حاضر.
***
انصرف هاني وهو يتحسس موضع مسدسه الذي حشره في جيبه لكي ينهي خطته التي سينهي بها على يوسف ويأخذ آسيا منه.
***
جلس عزيز في شرفة غرفته ينظر إلى السماء ويفكر في تلك الطبيبة صاحبة الاسم الغريب والشخصية القوية.
لماذا تذكرها الآن؟
أيعقل بسبب شخصيتها القوية؟ أم بسبب ردودها الغير مبالية به وبغضبه؟ أم لأنها أنثى؟
قال وهو يحدث نفسه:
بلقيس، فيه حد اسمه كدا؟
***
التقطت هاتفها واتصلت على أختها.
أجابت آسيا عليها بسرعة:
أيوه يا بلا.
قالت بلقيس بغضب:
تأخرتي ليه يا آسيا؟
خلاص يا بلا، الحفلة خلصت، مسافة السكة وأكون عندك.
قالت بنبرة خائفة:
سوقي بعقل وخذي بالك من نفسك.
حاضر يا حبيبتي، يلا باي.
سلمت على زينة بكل حب وبرائة، ولكن زينة لم تكن بريئة أو محبة لها، ستغدر بها من أجل أن تنجي نفسها.
التقطت كوب العصير بعد أن أذت به المنوم وقالت لآسيا وهي تبتسم مثل الحية:
اشربي العصير يا روحي، أنتِ مشربتيش عصيرك.
وقبل أن تعترض دفعتة زينة في يدها وقالت بمحبة زائفة:
عشان خاطري.
أخذت آسيا الكوب منها وشربت نصفه وقالت بنية صافية:
خلاص هشربه علشان متزعليش.
تركتها.
وخرجت.
***
خرجت مسرعة لكي تستقل سيارتها وتعود إلى بلقيس وأمها، ولكنها أحست بأن خطاها غير متزنة.
شعرت أن الأرض تميد بها وأنها غير قادرة على السير.
مسكت بقوة في باب سيارتها ونظرت حولها لتطلب المساعدة من أي أحد في الشارع، إلا أنها صعقت عندما شاهدة يوسف يقبل عليها وابتسامة شيطانية رسمت على وجهه، وكأنه يعلم ما بها.
قال وهو يقترب منها:
إيه يا قطة مالك؟
قالت بشراسة:
أنت مالك؟ ابعد بعيد عني.
قال لها ببرود:
أبعد إيه؟ ده أنا هقرب. الليلة دي ليا.
وقبل أن ترد عليه أخذتها تلك الدوامة السوداء، وقبل أن يسقط جسدها على الأرض حملها يوسف ووضعها في سيارته وانطلق بها، وشيطانه يسبقه ويصور له كيف سيمتع نفسه بتلك الجميلة العاصية عليه منذ أكثر من شهرين.
***
تآكلها القلق وهي واقفة في حديقة منزلهم، آسيا لم تعد والساعة تخطت الثانية ليلاً، وهاتفها لا يجيب.
اتصلت على زينة للمرة العاشرة، وزينة تردد نفس الحديث:
والله يا دكتورة بلقيس، آسيا خرجت وأنا بنفسي وصلتها على عربيتها.
لن تستطيع الصمود أكثر من ذلك، أخذت سيارتها وخرجت تبحث عنها.
***
وصل إلى شقة أبيه في ذلك الحي الراقي، حملها بهدوء وصعد بها في المصعد ووصل إلى شقته.
وهو يحملها غائبة عن الوعي، فتح باب الشقة ودلف إلى الداخل.
لم ينتبه على ذلك الذي وضع يده ليمنع باب الشقة من الإغلاق، ودلف خلفه في هدوء وقفل الباب وأخرج مسدسه ووضع به كاتم الصوت.
دلف هاني خلف يوسف بعد أن وضع يوسف آسيا على الفراش.
قال هاني وهو يصوب سلاحه ليوسف:
اللي ياكل لوحده يزور يا جو.
وقبل أن يعي يوسف لأي شيء، أطلق هاني عليه الرصاص ليقع صريعًا، ويدخل هاني وهو ينظر لجسد آسيا بشهوة إبليس.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثاني 2 - بقلم هيام شطا
وصل إلى شقة أبيه في ذلك الحي الراقي. حملها بهدوء وصعد بها في المصعد. وصل إلى شقته وهو يحملها غائبة عن الوعي. فتح باب الشقة ودلف إلى الداخل.
لم ينتبه على ذلك الذي وضع يده ليمنع باب الشقة من الإغلاق ودلف خلفه في هدوء وقفل الباب. أخرج مسدسه ووضع به كاتم الصوت.
دلف هاني خلف يوسف بعد أن وضع يوسف أسيا على الفراش.
قال هاني وهو يصوب سلاحه ليوسف:
"اللي ياكل لوحده يزور يا جو."
وقبل أن يعي يوسف لأي شيء، أطلق هاني عليه الرصاص ليقع صريعاً. ودخل هاني وهو ينظر لجسد أسيا برغبة وحقارة إبليس.
لم يستوعب يوسف أي شيء. كل شيء حدث في ثانية. ليترجم عقله في الثانية التالية أنه لا محالة هالك وميت، وأن هاني سيغتصب أسيا.
شعر بنار الرصاصة وهي تخترق صدره. وبعد لحظة غاب عن الوعي.
***
جردها هاني من ملابسها بمنتهى الوحشية. نظر لجسدها العاري وشيطانه يرسم له ألف طريقة وطريقة ليتمتع بها. بينما تحول هو لشيطان. لم يحرك ضميره أنها أنثى غائبة عن الوعي، أو يشفق عليها وعلى نظرة المجتمع لها بعد أن يقولوا عليها مغتصبه.
انقض عليها بكل وحشية. وهنا بدأ يتفنن في التمتع بمن سلبة منها إرادتها، حتى في المقاومة أو إبعاده عنها. بينما هو كان وحشاً ضارياً بأفعاله المقززة التي يفعلها في تلك المسكينة الغائبة عن الوعي. أفعال يندي لها الجبين وتنطق الأبكم.
قضى هذا الشيطان على البريئة أسيا. وكم من بريئة قضى عليها مثل أسيا.
***
ضاقت بها السبل. بحثت في كل المشافي. بحثت في مراكز الشرطة. الليل قارب على الانتهاء. لم تجد أختها. قلبها كاد أن يقف من القلق والخوف. وآخر أمل أمامها أن تذهب إلى بيت زينة وتهددها. لربما فعلت شيئاً بأختها.
وقفت أمام منزلها وتضرب بكفيها على باب منزل زينة.
خرجت زينة مسرعة تفتح الباب.
قالت بلقيس بغضب كاد يحرقها:
"أختي فين يا حيوانة؟"
تماسكت زينة بالثبات الواهي وقالت بمنتهى التبجح:
"أختك مشيت من الساعة 12 يا دكتورة. أنا بنفسي وصلتها للعربية."
صرخت بغضب:
"أسيا ما رجعتش لحد دلوقتي. أختي فين؟"
قالت زينة بنفس صوتها الصارخ:
"أنا مالي. اختك مشت. شوفي راحت فين."
قالت بلقيس بنفس صوتها الغاضب:
"شوفي ويا ويلك لو حصل حاجة لأختي وتكوني انتي السبب."
تركتها وانطلقت إلى أقرب مركز شرطة.
***
قال الضابط وهو يسأل بلقيس:
"آنسة أسيا مختفية بقالها كام ساعة؟"
قالت بغضب:
"بقالها أربع ساعات وتليفونها مش بيرد عليه."
سألها الضابط مرة أخرى:
"آخر مكان كانت فيه فين؟"
"كانت في عيد ميلاد صحبتها."
وبعد أن قصت عليه بلقيس كل ما حدث، قال الضابط بعملية ولكن بها بعض التعاطف على تلك المنفطر قلبها على أختها:
"اهدئي يا دكتورة بلقيس. طبعاً بلاغ الاختفاء مش بنبدأ نتحرك إلا بعد أربعة وعشرين ساعة."
هدرت بغضب:
"إزاي كده؟ أنا أختي تكون ضاعت لو حد خطفها."
سألها مرة أخرى:
"مفيش عداوة بينكم وبين أي حد؟"
قالت وعقلها مشتت:
"لأ مفيش."
قال بحيادية:
"طيب يا دكتورة. هي كانت راحة مع حد؟ أنا ممكن نسأله."
قالت:
"لأ، رايحة بعربيتها."
"وفين عربيتها؟"
قالت بتيه:
"مش عارفة."
قال بهدوء:
"إحنا ممكن نعمل بلاغ عن سرقة العربية ونبلغ كل الوحدات باختفاء العربية وصاحبتها. وأكيد هنوصل لنتيجة."
قالت بأمل:
"اعمل أي حاجة حضرتك. المهم نوصل لأسيا."
***
وقفت في منزلها يتأكلها الخوف والزعر. فهي لا محالة ستنتهي إذا حدث شيء لأسيا على يد ذلك المريض نفسياً المسمى بيوسف. تساءلت كيف تنقذ نفسها.
وفي لحظة لمعت فكرة شيطانية في رأسها حين رأت العاملة التي تنظف البيت بعد فوضى عيد ميلادها.
قالت بصوت مهزوز:
"سعاد، هاتي كوباية ميه."
انصرفت العاملة. وهي في لحظة التقطت هاتف العاملة وخلبأته.
أتت لها العاملة بالماء ثم أخذت الهاتف ودلفت إلى غرفتها لتتصل بيوسف تحذره ليعيد أسيا إلى أخته. لم تجد منه إجابة.
عاودت الاتصال أكثر من مرة لم تجد إجابة أيضاً.
اتصلت مرة أخرى ولكن هذه المرة كان الاتصال على فيلا خليل التهامي على أمل أن يجيب عليها أحدهم ويلحق يوسف قبل أن يفعل جريمته.
في ذلك الوقت دلف، وعلامات الإرهاق ظاهرة عليه، الدكتور يونس. وكان مع حالة مرضية في مشفاه جعلته مرهق. وأخذ يومه وأيضاً نصف ليلته. وها هي الساعة تجاوزت الثالثة فجراً.
سمع صوت الهاتف يصدح في أركان الفيلا الهادئة. التقط الهاتف ليجيب عليه.
قالت المتحدثة على الطرف الآخر:
"خليل بيه موجود."
أجابها يونس بإرهاق:
"أقوله مين؟"
ظنت زينة أنه أحد العاملين بالفيلا فقالت له مباشرة لكي تنهي تلك المكالمة:
"قوله إن يوسف ابنه خطف أسيا الحديدي في شقة الهرم وأهلها قالبين عليها الدنيا."
وأغلقت الخط.
صاعقة. وقف لحظات ليستوعبها. أسيا الحديدي. لم يحتاج فطنة ليترجم ما نوى ابن عمه على فعله مع تلك آسيا. انطلق مثل السهم بأمل أن يلحق المصيبة قبل حدوثها.
أغلقت زينة الخط ومسكت الهاتف وألقته من شرفة شقتها لتتخلص منه ومن أي دليل إدانة وضميرها الذي يؤنبها. استطاعت أن تعطي له إبرة مسكنة بهذا الاتصال.
***
لا يعلم كيف وصل إلى شقة عمه التي بها يوسف وأسيا الحديدي. ضرب بيديه بغضب وصوت عالٍ:
"يوسف افتح. أنا عارف إنك جوه. يوسف متعملش حاجة في بنت الدكتور إبراهيم."
صرخ بينما يوسف لا يستجيب له:
"يوسف افتح."
كان هاني مازال يقوم بأفعاله المقززة مع مسلوبة الإرادة واليقظة الضحية أسيا.
وعى على الصوت الهادر الغاضب بالخارج. علم أنه يونس. قام بسرعة وأخذ يبحث عن ملابسه ومسدسه. أخذهم واختبأ في المطبخ الذي كان متصل بسلم من الخارج. خرج منه مسرعاً.
بينما يونس بالخارج يحاول أن يكسر باب الشقة. وأخيراً كسر. دلف بسرعة يبحث مثل المجنون على يوسف وأسيا. وما رآه كان كابوس بكل ما تعنيه الكلمة.
فتح الغرفة وجد ابن عمه غارقاً في دمائه. وجسد فتاة عارٍ على السرير. وسرير غارق في الدماء. ومن الواضح أن الفتاة تنزف وأنها اعتدى عليها بوحشية. ولكن من الذي اعتدى عليها إن كان يوسف وقع صريعاً.
***
وصل بالاثنين إلى إحدى المشافي الخاصة. الأول ابن عمه على حافة الموت ولا يعلم من الذي أطلق عليه الرصاص. وأسيا مغتصبه تنزف. ضاع شرفها من حقير شيطان تسوقه شهواته الدنسة.
رفع هاتفه واتصل بأخيه ورعب العالم يتملكه:
"الحقني يا عزيز."
انتفض عزيز وسأله بلهفة:
"مالك يا يونس؟"
قال بصوت مرتعش:
"أنا في مستشفى....... إحنا في مصيبة يا عزيز. تعالى بسرعة وهات عمك معاك."
***
وصلت بلقيس مع الضابط إلى مكان سيارة أختها. بعد أن تلقوا اتصال مكان السيارة من أحد الدوريات التي علمت أنها السيارة المبلغ عنها.
وقفت بجوار الضابط تبحث عن أي شيء حول السيارة يدل على وجود أختها. أخرجت هاتفها واتصلت على هاتف أختها الذي صدح صوته تحت السيارة.
التقطه الضابط وقال:
"التليفون أهو يا دكتورة."
وقبل أن تتفحص الهاتف صدح هاتفها هي برقم يونس. أجابت مسرعة دون أن تلتفت للرقم:
"الودكتورة بلقيس."
"أيوا مين معايا؟"
قال يونس الذي علم من صوتها ولهفتها أنها تبحث عن أختها:
"أنا يونس التهامي يا دكتورة."
قالت بقلق:
"خير يا يونس."
أجابها بصوت متخاذل:
"أسيا اختك في مستشفى............ لو سم...."
وقبل أن ينهي كلامه أنهت هي الاتصال وانطلقت إلى المشفى هي والضابط الذي لم يتركها.
***
وصل عزيز وعمه خليل إلى المستشفى قبل بلقيس. سأل خليل بلهفة:
"فين يوسف يا يونس؟ إيه اللي حصل؟"
وقف يونس يقص ما حدث من أول المكالمة إلى أن وجد يوسف غارقاً في دمائه وأسيا أيضاً غارقة في دمائها.
هدر خليل بغضب:
"يعني مين اللي عمل كدا؟"
"البنت هي اللي ضربت يوسف بالنار."
قال عزيز بتفكير وتعقل:
"اهدأ يا عمي. البنت واضح إنها فاقدة الوعي. ده ممكن تكون حد مخدرها."
"أكيد كان معاهم حد تالت هو اللي ضرب يوسف بالنار."
هدر خليل:
"وهيضرب ابني بالنار ليه؟"
لم يتحدث عزيز. بينما خرج يونس عن صمته وصرخ بغضب في عمه:
"علشان ابنك الحقير. من أسبوع سمعته بيتكلم على بنت الدكتور إبراهيم الحديدي وحذرته بس مفيش فايدة فيه. كلب طول عمره."
هدر خليل بغضب اشتعل في عينيه وهو يصفع يونس على وجهه:
"اخرس! متقولش على ابني كدا. أنا ابني مش ممكن يعمل كدا."
حال عزيز بينهم وفض الشجار. بينما كلمة واحدة رنت في أذنه: بنت الدكتور إبراهيم الحديدي.
سأل يونس بترقب:
"دي بنت الدكتور إبراهيم الحديدي؟"
قال يونس بحزن ودموع ملأت عينيه:
"أيوا يا عزيز."
"هبص في وشه إزاي بعد العملة الحقيرة دي."
تخيل عزيز أنها تلك الطبيبة التي قابلها بالأمس. ولكن ما علاقتها بيوسف. وفي تلك اللحظة رأها تأتي عليهم وهي تجري وخلفها أحدهم.
أخذ نفساً يهدأ روع نفسه. لا يعلم لما اعتصر قلبه وهو يتخيلها أنها من تم الاعتداء عليها من ابن عمه.
وقفت باعين باكية أمام يونس. وسألته:
"أسيا فين يا يونس؟"
من هيأته علمت أن أختها أصابها أمر لا يحتمل. وكيف عثر يونس عليها. نعم يعرفها بحكم عمله في مشفى أبيه. ولكنه كان صديق بلقيس وليس أسيا.
صرخت فيه مرة أخرى:
"فين أسيا يا يونس؟"
قال بصوت مختنق بالعبرات:
"في أوضة العمليات يا دكتورة."
لم تنتظر باقي حديثه وانطلقت تقتحم غرفة العمليات.
نظر الجميع إلى تلك التي اقتحمت غرفة العمليات. صرخ الطبيب بغضب:
"فيه إيه؟ خرجوها بره."
لم تعر صراخه أي اهتمام ووقفت بجانب جسد أختها وسألته في ثبات:
"أنا الدكتوره بلقيس الحديدي اخت الحالة اللي مع حضرتك."
ثم أزالت دموعها المنهمرة وسألته برجاء أن يخيب ظنها بعد أن رأت أثر علامات الاعتداء على جسد أخته:
"لو سمحت، عاوزة أعرف إيه اللي حصل لها بالظبط."
قال الطبيب بأسى وضح في نبرت صوته:
"عندها نزيف حاد أثر الاعتداء عليها."
"طامة كبرى وفاجعة أكبر. إذن أختها اغتصبت."
دارت الأرض بها وترنحت. ولكن يد أحد الممرضين مسك بها. بينما الطبيب أمر بإخراجها حتى يستطيع أن يعالج أختها.
جلست على أقرب مقعد. بينما جلس الضابط بجوارها ويونس أمامها لا يستطيع الحديث. وعزيز وخليل في موقف لا يحسدون عليه.
كان عزيز يخشى أن تكون تكشف أمره شحنة الأدوية والمعدات الطبية فيخسر أخيه بسبب تعلق أخيه بالدكتور إبراهيم الحديدي. يأتي ابن عمه عديم الأخلاق يفعل ما هو أشنع من تلك الصفقة. ولكن الحمد لله أخيه لم يخسره. وسيقف معه حتى وإن كان عمه من سيقف أمامه. المهم أن يبقى على أخيه وأمه هم من تنقوا له من عالمه النظيف قبل أن يلوثه عمه بالأعمال المشبوهة.
حاولت بلقيس أن تستجمع شتات أمرها. حين مسك يونس بيدها. سألته وهي تنظر في عينيه:
"مين عمل كدا؟ وانت عرفت إزاي؟"
رفع يونس رأسه ليواجه عينين. عين عمه وعين عزيز. عين عمه ترجوه أن يصمت. وعين عزيز أمانة تقول له لا تخشى شيئاً أنا معك.
قال بصوت مرتعش:
"أنا هحكي لك على كل حاجة."
***
أنهى يونس سرد كل ما حدث لبلقيس وقال بصدق:
"والله يا دكتورة بلقيس دا كل اللي حصل."
قالت بثبات للضابط:
"لو سمحت يا عماد بيه، أنا بتهم يوسف خليل التهامي بالاعتداء على أختي. وأنا بطالب بكل الإجراءات اللي تثبت دا والتحاليل اللي تثبت الاعتداء."
هدر خليل بغضب:
"ابني بين الحياة والموت هيعتدي على أختك امتى؟"
قالت بثبات بعد أن لملمت شتات مصيبتها التي وقعت والآن لابد من القصاص:
"والله معرفش. هو الوحيد اللي كان مع أختي. وأنا مش هسيب حقها."
اندفع خليل ليعتدي عليها بالضرب. وقبل أن يصل إليها وجد جدار بشري أمامه يمنعه عنها.
قال وقد علت الدهشة وجهه:
"عزيز! انت بتعمل إيه؟"
أجابه بحكمة:
"ابعد دلوقتي عن الدكتورة يا عمي. بلاش تعمل حاجة الوضع مش ناقص تعقيد."
هدر خليل بغضب:
"أنا ميهمنيش. أنا أعمل اللي أنا عايزه. ابني معملش حاجة وهخرجه من هنا."
صرخ يونس:
"عمي لو سمحت كفاية. مش كفاية."
وابعد أنت كمان. أزاح يونس من أمامه ليجلس ينتظر أمام غرفة العمليات ومليون فكرة شيطانية في عقله لتخلص ابنه والتخلص من تلك البلقيس.
***
وقف الضابط عماد أمامها بعد أن أتم إجراءات محضره. وأخذ الأنسجة والعينات من أسيا لتثبت الاعتداء والتحفظ عليها بالمعمل لحين استيقاظ يوسف. وأخذ عينات منه للمطابقة بما وجد في أسيا وإثبات الاعتداء.
قال بعملية:
"الإجراءات خلصت يا دكتورة."
نظرت له بأعين رغم الألم الحارق بها إلا أنها مازالت قوية:
"شكراً يا لك يا حضرة الظابط."
هذا ما استطاعت النطق به وهي جالسة أمام غرفة العمليات تنتظر خروج. أن تخرج أختها أو يخرج ذلك المجرم.
بعد ثلاث ساعات خرج يوسف أولاً. كانت إصابته غير خطيرة. ولكن كمية الدماء التي فقدها هي من أثرت عليه.
جرت بلقيس عليه. ولكن أبيه وقف أمامها وقال بغضب:
"أوعي تفكري حتى نقربيه."
هدرت بغضب:
"ومين هيمنعني؟"
وقف خليل أمامها ليمنعها بالقوة. وجدت ذلك الحائط البشري أمامها للمرة الثانية يحميها من عمه. نعم هو ذلك الزائر غريب الأطوار الذي جاء يسأل عن خاله من يومين.
نظر لها وقال بتعقل:
"اهدئي يا دكتورة بلقيس. إحنا معاكي وحقك وحق أختك هنجيبه لك."
قالت بغضب وهي تعاود الجلوس مرة أخرى بعد أن انصرف خليل مع ابنه:
"ومين حضرتك علشان تجيب حقي؟"
قال يونس وهو مازال واقف أمام غرفة العمليات ينتظر تلك الضحية التي غدر بها:
"ده أخويا الكبير يا دكتورة بلقيس عزيز التهامي."
نظرت له وصمتت. وبعد برهة قال عزيز:
"آسف يا دكتورة."
لا يعلم لما يعتذر وعن أي شيء. جلست في مكانها وهي مازالت تنتحب وتبكي على حال أختها وكيف ستبلغ أمها وأبيها.
***
اتصل خليل وهو جالس بجوار ابنه الفاقد الوعي بجيش من المحامين حتى يجد مخرج لابنه من تلك البلوى.
بينما جاء في رأسه فكرة شيطانية ستلهي تلك الطبيبة عنه وأيضاً ستضعفها. اتصل بأمن المينا والمكان المسؤول عن الإفراج عن الشحنات المستوردة وقال:
"لو سمحت، عاوز أبلغ عن شحنة أدوية ومعدات طبية منتهية الصلاحية هتـوصل النهارده."
سأله الأمن بإسم مين لو سمحت:
"الدكتور إبراهيم الحديدي."
انتهى البارت. دمتم بخير. توقعاتكم البارت الجاي إيه اللي هيحصل.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثالث 3 - بقلم هيام شطا
استأذن بكل تهذيب من الدكتور إبراهيم ليخرج.
أخيرًا سيعرف عدوه.
هتفت بلقيس من خلفه وهو يخرج مسرعًا:
"عزيز فيه إيه؟"
التفت لها وقد عادت صفحة وجهه مبهمة لا تستشف منها شيئًا.
سألته بلهفة:
"فيه إيه يا عزيز؟"
قال بصوت بارد:
"مفيش يا دكتورة، حصل حاجة في الشغل ولازم أنا أكون هنا."
سألته والقلق مرسوم على وجهها:
"خير يعني ولا مشكلة؟"
لمس اهتمامها قلبه.
قال بصوت حنون حتى لا يزيد التوتر لديها:
"خير يا دكتورة، أمور الشغل مش بتخلص، بعد إذنك."
تركها وانصرف، وعاد الغضب الذي كبحه في صدره ليظهر مرة أخرى وهو يجرى تلك المكالمة.
"أيوا يا فكري."
"الكلب ده فين؟"
"في مخازن الصحراوي يا ملك."
"محدش يقرب له، أنا اللي هروح."
"تمام يا ملك."
***
انتهى الطعام وجلست رحيل مع والدها وأخواتها، وأيضًا ذلك الغامض الذي تحاشى النظر إليه.
بعد قليل قال سالم لها:
"تعالي يا رحيل."
وقفت مع والدها وذهبت معه بعد أن استأذن من علي:
"بعد إذنك يا علي يا ابني، طبعًا البيت بيتك."
وقف علي بتهذيب واستأذن هو الآخر:
"أنا كمان بعد إذنك يا حاج سالم."
"أنا كمان يا دوب ألحق المغرب في المسجد."
تركهم وانصرف، بينما جلست رحيل مع والدها.
قالت منى بطيبة:
"خلصي يا حبيبتي مع بابا كلام وتعالي شوفى الحاجات اللي بابا بعت اشتراها لك."
أومأت رحيل بهدوء وبسمة مشرقة، وكأنها كانت في قفص من ذهب خُيل لها أنه حياتها، بينما هو سجانها.
سألها سالم، وأخيرًا ظهرت علامات القلق التي تنهش قلبه وعقله منذ الأمس، ولكنه أخفاها بداخله، ولكنه الآن نفذ صبره وظهر قلقه في سؤاله:
"رحيل حصل إيه يا حبيبتي واحكي كل حاجة مهما كانت صعبة عليك أو عليا."
أومأت رحيل بهدوء واستدعت كل ثباتها الانفعالي، وبدأت تقص على أبيها كل شيء منذ ذلك الحادث المشؤوم الذي دمر حياة آسيا وحياتها.
كلتا الفتاتين تدمرت حياتهما.
إحداهما أحبته بكل جوارحها ليجرحها هو بكل دم بارد.
والأخرى لم يستطع الحصول عليها ليحيك لها المؤامرات هو وصديقه الخائن لينتهك حرمة جسدها وينتهك عرضها وشرفها، فقط لأنه أرادها ولم يستطع الحصول عليها.
انتهت من حديثها وقد اختلطت دموعها مع صوتها وهي تنهي حديثها بقهر، بينما تتذكر صوت يوسف وهو يروي وبمنتهى التبجح أنه من خطط وفعل فعلته القذرة في تلك الفتاة البريئة.
وكانت هي السيف الذي قتل تلك الفتاة الذي قضى عليها بشهادتها معه وتبرئته من جريمته.
ربت سالم على كتف رحيل بحنان وقال لها:
"خلاص يا حبيبتي، الكابوس خلص وأنتي بقيتِ في حضني."
نظرت لأبيها بأعين ملأها الندم وقالت وغصة مريرة في حلقها:
"أنا آسفة يا بابا إني مسمعتش كلامك."
قال لها بحنان حتى يريح قلبها من ألم الشعور بالذنب:
"خلاص يا حبيبتي، المهم إنك معايا وفي حضني."
سألته بصوت منكسر:
"هتعمل إيه يا بابا؟"
أجابها بحزم:
"هعمل اللي أعمله، ملكيش دعوة بالموضوع ده."
قالت بصوت حزين:
"طلقني منه يا بابا."
أجابها بحنان:
"حاضر يا حبيبتي، بس قومي شوفي منى بعتت اشترت لك لبس وحاجات حلوة كتير، يلا بقى غيري هدومك واقعدي مع أخواتك واعرفيهم يا حبيبتي أخواتك وكل البلد هتلاقيهم بيحبوك."
قالت وقد بدأ الحزن ينقشع عن عينيها:
"حاضر يا بابا."
***
وقف أمامه بطوله المديد، بينما الآخر المقيد يرتعد خوفًا من المصير المجهول الذي ينتظره.
سأله عزيز بدون مراوغة:
"مين دفع لك عشان تقتلني يا راجح؟"
ابتلع راجح بخوف وهو معصب العينين، ولكنه يعرف صاحب الصوت كما يعرف نفسه، أنه عزيز التهامي أو الملك كما يلقبه تجار السلاح والعملة، فهو ملكهم رغم صغر سنه لما يتفوق به عليهم من أشياء كثيرة.
جادته أكثر من لغة.
معرفته الممتازة بأمور الحاسب والبرمجة.
وايضًا ذكائه الحاد الذي يستطيع به أن يدخل كل الشحنات دون أن يعلم بها الأمن.
علاقته الممتازة مع رجال المافيا.
كل هذا جعله الملك وبجدارة.
وايضًا نجاحه في مصر وأنه أشهر رجل أعمال، لا توجد عليه شائبة بأعماله.
أعاد عزيز السؤال مرة أخرى على راجح، ولكن تلك المرة بصوت كاد يشتعل من الغضب:
"مين اللي أجرك تقتلني يا راجح؟ من غير لف ودوران، عشان اللي هتشوفه على إيدي قليل عن اللي بتفكر فيه."
ارتعدت فرائص راجح.
"ماذا يفعل؟"
تمسك بثباته الواهي وقال بثبات ظاهري:
"عيب يا عزيز، طول عمرنا بنشتغل مع بعض وانت كبير سوق السلاح، محدش أصلًا يقدر يقف قصادك أو يفكر."
وقبل أن يتم راجح حديثه، هدر عزيز بغضب وهو يجذبه من مقدمة ثيابه:
"وحياة أمك، انت هتشتغلني يالا؟ انطق مين دفع لك."
قال وشفتيه ترتعشان:
"محدش، ومش أنا معملتش حاجة، أكيد انت فاهم غلط."
صاح عزيز بصوت جهوري:
"فكري!"
أتى إليه فكري في لحظة.
قال بأمر:
"هات الكلب التاني."
وما هي إلا لحظة ودلف فكري يجر خلفه أحد الرجال الذين اتفقوا مع راجح وخليل على سرقة صفقة السلاح من عزيز، والذي استطاع أن يتعرف على راجح بعد أن رآه في أحد المرات وهو يتفق مع من دفع لهم مقابل تخليص تلك العملية.
كان الاتفاق على أن يقضوا على رجال عزيز ويسرقوا شحنة السلاح، لكي ينشغل عزيز في البحث عن من فعل ذلك وتجرأ على الملك، لكي ينسى أمر شراكته مع الدكتور إبراهيم.
ولكن راجح خالف الاتفاق، وكان يريد قتل عزيز لكي يعتلي هو عرش تجارة السلاح، ويصبح من السهل عليه إقناع خليل الذي أصبح يكره أفعال ابن أخيه ويرى أنه أصبح خطر عليهم، يقنعه بالتخلص منه.
دلف فكري بعد قليل يجر خلفه الرجل الوحيد الذي استطاع رجال عزيز من القبض عليه، وهو من تعرف على راجح.
سأله عزيز وهو يقف بجوار راجح بصوت يشبه الفحيح:
"الباشا اللي اتفق مع الراجل بتاعكم على العملية، يالا."
نظر هذا الشخص بتأمل وهو يرتعد إلى وجه راجح وهتف وكأنه نجى بحياته:
"هو ده يا باشا."
صاح راجح بخوف:
"هو مين ده يا زفت انت؟ أنا معرفكش."
صاح الرجل بخوف وهو ينظر إلى عزيز:
"والله هو يا باشا، وكمان كان بيقول للراجل اللي قبضنا: مش عاوز راجل فيهم يعرف التاني، ولا حد يعرفني ولا يعرفك."
صرخ راجح بزعر:
"ده مجنون! وأنا هعمل كدا ليه؟"
تعالى صوت راجح وصوت الرجل الثاني.
زمجر عزيز بغضب:
"اخرسوا انتوا الاتنين."
"فكري..."
"أوامرك يا باشا."
قال عزيز والغضب كاد أن يشتعل من عينيه:
"خد الراجل ده من قدامي."
أخذه فكري، وبقي عزيز وراجح في الغرفة.
أغلق عزيز عينيه بصعوبة لكي يسيطر على طاقة الشر التي تولدت لديه من غضبه.
قال بهدوء ظاهري لراجح الذي وقف كالفأر الذي وقع في المصيدة:
"ها يا راجح، هتقول بالذوق ولا أخلص عليك."
قال راجح بشفاه مرتعشة:
"صدقني يا عزيز، مش أنا."
أخرج عزيز سلاحه من خصره ووجهه لوجه راجح وقال ببرود:
"هعد لغاية تلاتة، يا تقول مين اتفق معاك، يا نترحم على نفسك من دلوقتي."
"واحد..."
"اتنين..."
وقبل أن ينطق الثالثة، صرخ راجح وهو يجثو أمام قدمي عزيز:
"هقولك بس أبوس إيدك تحميني."
"هدر عزيز بغضب: اخلص."
"عمك، عمك يا ملك هو اللي خطط لكل ده."
نزلت كلمات راجح المسمومة على عزيز وكأنها قنبلة فجرت كل حب عزيز لعمه خليل، وايضًا قضت عليه تلك الكلمات، ولكن الشك ساوره مرة أخرى.
نعم، هو على خلاف مع عمه، ولكن ليس لدرجة القتل.
والحق أن عزيز على حق، عمه لم يكن يريد قتله، ولكن بعد تلك الأفكار الشيطانية التي غرسها راجح في عقله، أراد قتله.
ولكنه لم يبح به عندما أحس أن عزيز يخرج من تحت سيطرته ويتسرب من بين يديه ويفقد شغف حب المال ليجد شغف آخر يسيطر عليه، شغف عائلة إبراهيم الحديدي، أو بالمعنى الأصح، تلك الطبيبة التي تسحبه إلى بحورها دون أن يعلم.
هدر عزيز مرة أخرى وهو يضرب راجح في وجهه يطرحه أرضًا:
"اخرس يا كلب، عمي استحالة يفكر كدا."
ثم مسكه وأنهال عليه باللكمات في وجهه.
كاد راجح أن يفقد حياته.
وكان عليه أن ينقذ حياته بمعلومة تقنعه أن عمه من أراد قتله.
وقف عزيز واعتدل ومسك سلاحه مرة أخرى لكي يطلق النار على راجح لينتهي تلك المهزلة، فعمه مهما حدث لن يفكر حتى مجرد تفكير في ذلك الأمر.
إلا أن راجح صرخ بخوف:
"عمك عارف إنك بتحب الدكتورة بنت إبراهيم الحديدي، وأمرني أسرق الشحنة وأخلص عليك عشان عرف إنك كده بقيت خطر عليه لو قلبك حب حد وبقى عندك نقطة ضعف."
وكأنها كلمات فعلت به مفعول السحر.
كيف علم عمه أنه يحب بلقيس؟
وهل يحبها فعلاً؟
وعمه علم ما يخفيه هو عن نفسه؟
وكيف سيصبح خطر على عمه؟
نعم، هو كره طريق الحرام ومقته، ويرى في جمال وصفاء عينيها لذة وحلاوة طريق الحلال، وهذا ما شعر به خليل وحذره أكثر من مرة من هذا الأمر.
صاح عزيز بغضب:
"فكري!"
"أوامرك يا باشا."
قال عزيز والغضب كاد أن يشتعل من عينيه:
"خلي الكلب ده تحت عينك، لو هرب منك روحك قصاده."
حسنًا، الآن استطاع راجح أن يأخذ نفسه، فهو قد نجى الآن، ولكن عليه أن يهرب من هنا، فعزيز لم يعد يؤمن بغدره بعد كل ما حدث.
***
يومان وهو مختفٍ بعد أن استأذن من حفل عقد قرانه.
يومان لم يحدثها.
يومان لم يأتِ إلى المشفى.
يومان تريد أن تتحدث معه، تطمئن عليه.
ما هذا الأمر الطارئ؟
دلف في ذلك الوقت يونس، وهي غارقة في تفكيرها.
هتف يونس بنفاذ صبر، بعد أن نادى عليها عدة مرات ولم تجيب:
"يا دكتورة بلقيس."
أخيرًا انتبهت وقالت بصوت مشتت:
"خير يا يونس؟ عامل دوشة ليه؟"
قال بصوت ساخر مرح:
"أنا عامل دوشة ولا انتي اللي مش معايا يا بل، اللي واخد عقلك؟"
قالت بجدية مصطنعة حتى لا ينكشف أمرها:
"المستشفى طبعًا، فيه إيه يا يونس؟"
قال وهو ينظر لحدتها التي تحول لها الحديث:
"فيه إيه يا بلقيس؟ أنا بهزر."
قالت بخجل من هجومها الغير مبرر على يونس:
"معلش يا يونس، أنا بس مضغوطة اليومين دول في المستشفى وأنا لوحدي فيها والشغل كتير والمدير مختفي."
هنا وضع يونس يده على السبب، فهي غاضبة بسبب غياب أخيه الغير مبرر.
ترى هل احتل أخيه تفكير تلك الجميلة؟
حدث نفسه: ولما لا، فهو وسيم حد الهلاك.
قال بمكر وهو يدعي البراءة:
"آه فعلًا الشغل كتير عليك، وأخويا ده مستهتر، أنا لازم أقوله."
سألته والفضول يكاد يقتلها:
"هو فين؟"
قال يونس وهو يبتسم:
"مش عارف، بس أكيد أول ما يظهر هقوله."
سألته مرة أخرى:
"هو بيختفي كدا دايما؟"
"مش دايما، بس أكيد ده شغل وهيظهر أول ما يخلصه."
شردت قليلاً ثم سألت يونس كي تغير الموضوع، أن كان قد اختفى من أجل عمل فلم تقلق عليه من الأساس.
هنا زجرته نفسها ووبختها.
"انت كنت عاوز إيه يا يونس؟"
اعتدل يونس في جلسته وقال بطريقة مرحة:
"كنت عاوز آخد آسيا النهارده تتفرج على الفيلا، وقولت أعزمك معانا نغير جو."
قامت وقد شقت البسمة وجهها وقالت بسعادة:
"وهي تدفعه: وابقى أنا العزول؟ روح يا دكتور انت وخطيبتك وشوفوا الفيلا براحتكم، واخرجوا براحتكم، أنا ورايا شغل كتير مش هبقى أنا وأخوك."
هتف بمرح وهو ينساق خلف يدها التي تدفعه:
"خلاص خلاص، ملكش في الطيب نصيب."
***
نائم براحة، يدفن وجهه في تلك الوسادة، عاري الظهر.
وقفت خلفه تطلع له، تتمنى نفسها بقربه، فهو على تلك الحالة منذ يومان، منذ أن جاء إليها وهو مخمور وملابسه مبعثرة بشعر أشعث، حينما ارتمى في أحضانها وقال بصوت متعب:
"عاوز أنام."
استند عليها إلى أن وصل إلى الفراش، ارتمى عليه، ولكنها لم تتركه.
ساعدته في خلع ثيابه، ولكنها أبعد يدها بجفاء وقال لها بأمر وكأنه استفاق الآن من لمسة يدها على جسده حين مرت على يدها بأغواء عليه:
"اطلعي بره يا درة، ومتصحنيش إلا أما أصحى لوحدي."
علمت أنه هناك أمر أحزنه، فهو عندما يتعرض لصدمة أو يحزن حزن شديد يهرب إلى النوم، فهو عند موت أبيه تتذكر أنه نام أسبوع لكي يهرب من الأمر الواقع.
ترى ماذا حدث لك يا عزيز؟
تركته للنوم وخرجت خارج الغرفة.
ولكنه كان مستيقظًا، يعيد كل ما حدث مرة أخرى.
عمه يريد قتله.
ترى هل هو صاحب القرار أم هو والمافيا؟
ماذا فعل لكل هذا؟
لابد أن يعرف كل شيء وينتقم.
اعتدل في جلسته ونادى بصوته الجهوري:
"درة."
أيته مهرولة:
"عيوني يا ملك."
قال لها بأمر:
"جهزي هدومي والحمام."
اقتربت منه وهي تتعلق في رقبته:
"حاضر يا حبيبي، بس كلك لقمة الأول، بقالك يومين ما أكلتش حاجة."
أجابها وهو يبعدها عنه:
"اخلصي يا درة، جهزي الحمام والهدوم."
قالت بغضب:
"مالك يا عزيز متغير من ناحيتي ليه؟"
أجابها بنفاذ صبر:
"ولا متغير ولا حاجة، اعملي اللي بقولك عليه من غير أسئلة كتير، يلا."
انصاعت لطلبه وهي حزينة، فهو بالفعل تغير عليها، ويوماً بعد يوم يبعد عنها.
***
لم تصدق نفسها من جمال ما ترى، فهي عند أبيها تنعم بالأمان والدلال من الجميع.
وقفت تتفقد نفسها بذلك الفستان المحتشم الرائع الذي اختارته لها زوجة أبيها منى، تلك السيدة الحنونة التي تذكرها بحنان زينب، تلك السيدة التي ربتها ولم تفرق بينها وبين أبنائها، أو ابن خليل المدعو زوجها، التي كانت في عشقه متيمة، ولكنها استيقظت على تلك الحقيقة المخجلة، وايضًا المرة.
هو لم يحبها، ولم يراها من الأساس.
هي كانت بالنسبة لهم مجرد حصن أمان يحتمي به زوجها الندل وأبيه الحقير، زوج خالتها الخادع.
"رحيل."
"رحيل."
علا صوت أخيها مراد خلفها.
أجابته ببسمة مشرقة:
"أنا هنا يا مراد."
دلف إليها وجهه بشوش يحمل لها حب كبير.
سألها وعيناه تتأملانها:
"تحبي تيجي معايا نشوف أرض بابا وتغيري جو، ونروح الاستراحة بتاعتنا كلنا هناك النهارده؟"
قالت بحب، فهي قررت أن تخرج من ثوبها الحزين الضيق وتترك نفسها تسعد بقرب أهلها وتنعم بدفء حياتهم:
"موافق، يلا بينا."
وصلت إلى الاستراحة، ووجدته الجميع هناك، حتى علي ذلك الشاب الغامض الذي أوصلها لبيت أبيها.
جلست بجوار أبيها الذي أغدقها بدلاله وحبه.
قال عندما لمحها:
"أهلاً بالغالية، نورتي أرضك واستراحتك يا حبيبتي."
قالت بخجل من نفسها، فابيها رجل حنون أغدقها بحبه ونسى أنها كانت ابنة عاقة له:
"الأرض والاستراحة والدنيا كلها منورة بك يا حبيبي."
قالت منى التي دلفت بعدها هي وأخوها الصغير محمود وهم يحملون الطعام:
"شوفوا يا أولاد، الحاج سالم بقى يقول كلام حلو، فين كلامك ده من زمان يا حاج؟"
قال بمحبة وهو أنا مش بقولك انتي وأولادك كلام حلو ولا إيه يا أم مراد؟
خجلت منى من حديث زوجها الحنون، وقبل أن تجيب، هتفت رحيل بمرح حتى تبعد الخجل عن زوجة أبيها الحنونة:
"ده نظام غيرة ولا إيه يا ماما منى؟"
قالت منى بابتسامة:
"غير من بنتي، ده انتي نورتي البيت وعملتي له روح، يا حبيبتي، بدل ما كنت هتحول راجل، كلهم رجالة، مش عارفة أعمل إيه فيهم."
قالت رحيل بمحبة:
"ولا تعملي أي حاجة، أنا جيت خلاص، هنبقى أصحاب ولا إيه رأيك؟"
قالت منى بمحبة لتلك الفتاة، فهي بالفعل حنونة كأمها:
"لأ يا روحي، هتبقي أحلى بنوتة وأنا أمك."
احتضنها رحيل وقالت بمرح وهي تخرج لسانها للجميع:
"أحلى ماما في الدنيا."
ضحك الجميع وانقضى اليوم بين المرح والحب والدفء العائلي الذي افتقدته رحيل، وأخيرًا عادت بين أحضان أهلها.
وقفت تتأمل الشمس وهي تختفي بين تلك الأراضي الخضراء، وكأنها تحرق أطراف الشجر.
وقف علي بجوارها، ولم يستطع منع عينيه من النظر إليها، فهو يعرفها جيدًا، كم سمع لعمه وهو يبكي من جحودها، وكم واساه، وكم طيب جرحه، وكم أخبره أنه سيأتي اليوم الذي تعرف فيه الحقيقة وتأتي لأبيها نادمة، ويبدو أن الوقت جاء وبسرعة.
ولكن السؤال الأهم، هل إذا عاد زوجها المزعوم معتذرًا كما يقولون، ماذا سيكون رد فعلها؟
هل ستغفر وتعود وتكسر أباها مرة أخرى، أم ستبقى؟
وقف بجوارها وسألها مباشرة بدون مراوغة:
"لو رجع ياخدك ويصالحك، هترجعي له؟"
نظرت له ببطء وهي تحاول أن تجمع كلمات سؤاله لتستوعبها أخيرًا.
قالت وهي تتصنع عدم الفهم:
"نعم، بتقول إيه حضرتك؟"
قال مباشرة، فهو واضح لا يحب المراوغة:
"انتي سمعتي الكلام كويس."
قالت وقد بدأت تغضب:
"دي حاجة متخصكش."
وقبل أن تنصرف، اعترضها مجددًا وقال:
"لأ، لازم تعرفي أن أبوك كان مكسور من اللي عملتيه فيه، وبعد فرح سيادتك دخل المستشفى، كان عنده شبه جلطة، ولولا ربنا سترها، الحمد لله عدت على خير."
"أنا بحذرك، لو لسه هتكرريها وتعصيه، محدش هيقف لك إلا أنا، ومش هترجعي للإنسان ده لو الدنيا اتهدت."
وقفت تستوعب حديث ابن عمها، والآن فقط عرفت سبب غضبه منها، فهي أصابت أباها بالمرض، وأباها عفى عنها، ولكن يبدو أن ذلك العلي ما زال لم يعرفوا أو يصدق أنها ندمت وعادت تجر أذيال الخيبة.
قالت بغضب اشتعل في صوتها من طريقة حديث ابن عمها وايضًا غضبه الغير مبرر منها:
"أولاً، انت ملكش دعوة بيا ولا بحياتي."
"ثانياً، أنا لو هموت عمري ما هعمل حاجة تكون سبب في أذية بابا."
"وابعد عن طريقي."
دفعته بيدها ومرت من جانبه.
هتف خلفها بصوت ماكر:
"طيب، من غير لمس عشان متوضي."
صمتت من حديث الذي لا يمت للحديث السابق بأي شيء، ولكنها لن تصمت.
نظرت له وقالت بصوت غاضب منه:
"الترعة مليانة يا شيخنا، اشرب واتوضى منها."
علت الدهشة وجه علي الذي ظن أنها ستصمت، ولكن يبدو أنها لن تصمت، وهو أيضًا لن يتركها تصمت.
***
وقفت آسيا مبهورة من جمال تلك الفيلا الصغيرة الجميلة كجمال صاحبها، هادئة بهدوئه، تحمل روح يونس الجميلة في كل شيء.
سألها يونس وهو يتأمل جمالها، فهو غارق لأذنه في عشقها، لا يعلم متى وأين وكيف أحبها، ولكنه أحبها، وهي الآن له، هذا ما يهم.
"عجبتك يا سو؟"
قالت بصوت يقطر فرحًا:
"جميلة أوي يا يونس."
يا الله، لما اسمه يصبح بتلك الحلاوة حين تنطقها.
اقترب منها والمكر يتلاعب في عينيه:
"يعني مش هتعيري فيها حاجة؟"
قالت بعفويتها الحلوة:
"لأ طبعًا، دي روعتها."
اقترب أكثر وهو يدرس كل خطوة يقوم بها، فهو لم ينسى رجفتها بين يديه يوم عقد قرانه، فهو علم أنها ما زالت تخشى اقتراب أي أحد منها، وما تقوم هي به مجرد محاولات منها للتعايش مع الواقع الذي فرضه هو عليها بتسرعه في الحصول على شفائها، ولكنه أدرك أنها لم تتعافى بعد.
اقترب أكثر إلى أن أصبح أمامها.
نظر في عينيها التي أخفتها عنه وهي تنظر بعيدًا عن مرمى عينيها.
احتضن خصرها بين يديه ورفع ذقنها بيده الأخرى.
تحولت آسيا في لحظة إلى كتلة من الجمر الملتهب على وجنتيها، وايضًا أصبحت يدها مثل الثلج.
قالت بصوت مرتعش:
"يونس."
أجابها بصوت مطمئن هادئ وهو ينظر إلى عينيها:
"عيون يونس."
"ابعد."
قال بوله:
"مش قادرة."
تملك الخوف منها، ورفعت يدها لكي تدفعه بعيدًا عنها، ولكنها كانت أغبى حركة منها عندما وضعت كفيها الصغيرين على صدره العريض لتدفعه.
بعثرت دقات قلبه وفعلت به الأفاعيل من مجرد لمسة.
قالت بصوت متلعثم:
"يونس ابعد، أنا..."
أومأ لها لكي تتحدث دون خوف، فهو يعلم كل مخاوفها ويريدها أن تواجهها وتتعافى منها.
"انتي إيه يا سو؟"
"أنا... أنا خايفة."
شد من يديه حول خصرها وقال:
"منى."
قالت وقد بدأ صوتها في الاختفاء من خجلها وخوفها:
"مش عارفة."
فك حصار خصرها، ولكنه جذبها في لحظة إلى حضنه وهمس بجوار أذنها بصوت يقطر حنانًا:
"انتي في حضني، آخر مكان ممكن تخافي وانتي فيه يا آسيا."
انتفضت أولاً، ثم بعد لحظة هدأت في أحضانه وهدأت مقاومتها.
قالت بصوت يرتجف من الألم:
"أنا خايفة، طمني يا يونس."
انشق قلبه من الحزن عليها، ولكنه ربت على كتفها بحنان وقال وهو يستنشق عبير شعرها:
"أنا معاكي عشان أطمنك وأخليكي تعيشي تاني."
فتحت عينيها وهي ما زالت بين أحضانه، وللغرابة انتهت رجفة الخوف التي تنتابها إذا رأت أحد الرجال أو اقترب منها أحد.
نعم، هو أمانها الذي لا تخاف من أي شيء، وهو معها.
ابتعد عنها قليلاً، ولكنه ما زال يأسرها بين يديه.
نظر لها وقال وهو يمنع نفسه عن قطف قبلة من شفتيها المغرية التي تضغط عليها بأسنانها.
وقال بشيء من المرح وقليل من الوقاحة:
"قصدها يونس، حتى تعتاد عليه، فهو زوجها ويريدها أن تتحرر من قيود تلك الجريمة التي، والحمد لله، رغم بشاعتها، إلا أنها كانت مغيبة فيها عن الواقع."
"بطلي تغضي شفايفك الحلوة دي."
مد يده وحرر شفتيها من بين أسنانها وقال وهو يميل عليها يقبل جانب شفتيها:
"الشفايف الحلوة دي اتخلقت عشان كدا."
اقتنص الماكر أول قبلة منها وهي مخدرة بحديثه العذب.
دفعته بعيدًا عنها حين وعيت على نفسها وقالت وهي تخرج خارج الغرفة:
"ابعد يا قليل الأدب."
ضحك بصخب وقال وهو يجري خلفها من غرفة إلى غرفة وهي تجري وتضحك وكأنهما طفلين يلعبا في أرجاء المنزل:
"دي بوسة بريئة يا سو، بعد الفرح هقل أدبي."
انطلقت أمامه وهي ما زالت تضحك وقالت بصوت عالٍ وأنفاس لاهثة من الجري:
"مفيش كدا يا يونس، متخوفنيش مني."
ومع آخر كلماتها، مسك ذراعها.
انتفضت حين مسك بها، ولكنه قال بصوت حنون:
"مفيش أي حاجة هعملها تخوفك يا روح قلب يونس، أنا كفاية عليا أبص في الوش الجميل ده كل يوم."
تورّد وجهها من غزلها.
نظرت له بشك وقالت بجد:
"أجابها بجدية حتى يطمئنها: جد الجد يا روحي."
الآن استطاع يونس طمأنتها وخطب ودها ونزع أي خوف منه تجاهها.
***
اليوم الثالث بدأ وأوشك على الانتهاء، وعزيز ما زال مختفٍ، وهي لم تعد تتحمل غيابها.
خرجت هاتفها وتغلب قلقها على كبريائها وطلبته.
كان جالس في سيارته يفكر كيف له أن يخرج من تلك الدوامة، دوامة الشك.
هل أراد عمه أن يقتله حقًا؟
هل يصدق راجح؟
أجابه عقله بشيء من الإقناع، ولم لا يصدقه، فهو أخبره أمور لا يعلمها إلا هو وعمه.
هل وصل خليل إلى حقيقة مشاعره نحو بلقيس وهو كان جاهلاً بها؟
هل أحبها وتعلق قلبه بها؟
كل تلك الأسئلة تعصف برأسه، والسؤال الأهم، كيف سينجو من تلك الورطة؟
فهو في كل الأحوال، سواء أراد عمه أن يقتله أو تجار السلاح الآخرين، أصبح هدف للموت، كيف ينجو ويحمي أخيه وأمه؟
وهي، نعم، فقد فضحه قلبه وعينه، وعلم الجميع أنه يهتم بأمرها، ولابد وأنها هي أيضًا دخلت دائرة الخطر.
ماذا يفعل؟
كاد رأسه ينفجر وهو يفكر.
وفي وسط تلك الزوبعة من التفكير، علا صوت هاتفه.
نظر للهاتف ووجدها هي من تتصل.
تناول هاتفه وأجاب عليها ببرود تصنعه حتى يجعلها خارج دائرة الخطر:
"الو يا دكتورة."
أجابته بلهفة:
"عزيز، انت كويس؟"
قال بنفس الصوت البارد:
"أنا تمام، خير، متصلة ليه؟"
خجلت من نفسها وايضًا من تسرعها الغبي، فيبدو أنه بأفضل حال وعاد لتجهمه الرد معها مرة أخرى.
لأمت نفسها ألف مرة على خوفها عليه.
قالت بصوت لم تتحكم به، صوت غاضب من برود رده:
"فيه ورق محتاج إمضة حضرتك يا مستر عزيز، لو سمحت أول ما سيادتك تلاقي وقت للمستشفى، عدّي امضيه وخلصه."
اشتعل هو بالغضب حين اختفت نبرتها القلقة عليه وتحولت إلى ذلك الصوت البارد.
ولكن لماذا يغضب هو؟ أراد ذلك.
قال بغضب:
"تمام، هخلص شغلي وأعدي على المستشفى."
قالت وهي تغلق الخط:
"براحتك."
أغلقت في وجهه مباشرة دون أن تنتظر رده.
جعله يشتعل أكثر وأكثر.
ركب سيارته وانطلق لها ليعرفها كيف تتحدث هكذا مع الملك.
***
"رايح فين؟"
وسؤال بسيط سأله خليل ليوسف الذي كاد أن يخرج بسيارته من باب البيت.
أجابه يوسف بلا مبالاة:
"خارج."
قال خليل:
"مفيش خروج إلا أما نروح نصالح مراتك ونجيبها."
نظر يوسف لأبيه باستنكار:
"أجيبها فين هنا؟"
"هنا فين بعد اللي سمعته منى يا بابا؟"
قال خليل بعدم اكتراث:
"بسيطة، اتأسف لها وكلمتين حلوين تاكل بهم عقلها، هترجع معاك تاني."
سأله يوسف بشك:
"ممكن ترجع؟"
أجابه خليل بتأكيد:
"لازم ترجع معاك، دي صمام الأمان لنا كلنا، مفكرتش يا بيه إنها ممكن تبلغ عنك بالكلام اللي سمعته من سيادتك والقضية تتفتح تاني ونرجع تاني لنفس المتاهة؟"
عندما تغير وجه يوسف الذي تحول إلى الأصفر الشاحب، علم خليل أنه وصل لمبتغاه.
قال يوسف وعلامات القلق على وجهه:
"تعالى معايا يا بابا نجيبها من عند أبوها."
هتف خليل بسعادة:
"عين العقل يا حبيبي."
كان خليل يعلم أن رحيل لن تخبر الشرطة عن ابنه، ولكنه يريد أن تظل زوجته، لأنها إنسانة طيبة القلب ستسعد ابنه وتبعده عن طريق الشيطان الذي مشى فيه.
ولكنه نسي أن يحسب في حسبته الذي يريد فيها كل شيء جميل ومثالي لابنه، أن رحيل تغيرت وأصبحت تحتمي تحت جناح أبيها، ولن تعود له مرة أخرى.
***
احترقت من الغضب ومن نفسها ومن خوفها عليه، لما تهتم لأمره أصلًا.
خرجت تمر في المشفى بين المرضى، عل تلك الجولة تخفف عنها غضبها منه، ولكنها لم تهدأ، بل زاد غضبها منه.
عادت مرة أخرى لمكتبها، دلفت بغضب وهي تبرطم من بين أسنانها:
"فاكر نفسه مين؟"
أتاها صوته الساخر من داخل مكتبها:
"عزيز التهامي."
رواية بلقيس و أنا الفصل الرابع 4 - بقلم هيام شطا
بلقيس وأنا
البارت الرابع
قال عماد بحزن
نتيجة التحليل غير مطابقه يا دكتوره
نظرة له بخوف بينما عيناها تترجاه الا يكمل وهو لا يفهم اكمل بجهل
مش يوسف اللى اغتصب اسيا
صرخ ابيها بصدمه وخوف
مالها اسيا يا بلقيس مين اغتصبها
لم يكمل الكلمه بينما اغشى عليه وقبل ان يخور جسد ابيها ارضا تلاقاه عزيز بأزرع قويه
وهتف بقوه
دكتور..
ثم صرخت بلقيس وهى تجثوا بجوار جسد ابيها الذى يحمله عزيز باباااااااا
.................................
بعد مرور ثلاثة أشهر
ثلاثة اشهر لا تعلم كيف مروا عليها
ثلاثة اشهر حرم النوم على عيناها هى وامها
ثلاثة اشهر انقلبت فيها حياتها رأسا على عقب
ثلاثة اشهر لا تعلم شئ عن مشفاها
حلم ابيها الذى حققه بعد جهد السنين
وهو على وشك الضياع
بسبب تلك الشحنه المشبوهه وخالها الندل الذى ورط ابيها فى تلك الشحنه المغشوشه التى حمدت الله على انها عدمت فى المينا قبل ان تقتل المرضى
لرب ضارة نافعه كما يقولون
وان تخسر الشحنه واموال ابيها ارحم الف مره من ان تتحمل ذنب ارواح كانت ستزهق بسبب تلك الادويه
فاقت من شرودها على هتاف امها
بلا
قالت وعلامات الارهاق رسمت على وجهها
ايوا يا ماما
سالتها امها
اختك صحيت من النوم
اجابتها
لاء، يا ماما لسه نايمه ومش هتصحى دلوقتى علشان المنوم مفعوله قوى
ودا مش غلط عليها يا بلا
قالت بصوت منهك
لاء يا ماما متقلقيش يونس هو اللى كاتبه لها
............................
دلفت الى ابيها وكم انشق قلبها من الالم على حال ابيها الجالس على كرسى متحرك
فقد اصيب بعد سماع خبر اغتصاب اسيا وخسارته لكل امواله فى شحنة الادويه
لم يتحمل الصدمتين اصيب بجلطه فى الدماغ وستر الله انه كان فى المشفى ولحقوا به وسرعة التدخل الطبى سيطروا الجلطه التى تعرض لها ولكنها كانت سريعه مماجعلها تترك له اثر انه اصبح قعيد لا يستطيع السير
ولكن بالعلاج الطبيعى يمكن ان يسير مره اخرى ولكن نفسيته لا تستجيب للعلاج فقد دمرت مشفاه حلم حياته وتدمرت
سمعتها ايضا
والمصيبه الكبرى ما حل بأبنته الصغيره
التى تدمر كل شئ فى حياتها
اغتصبت
انتهك عرضها
اصبحت ماده اعلاميه خصبه كل يوم اخبارها على مواقع التواصل الاجتماعي
والادهى من ذلك تلك التصريحات الوضيعه التى تتطاول عليها من قبل عائلة الجانى يوسف خليل التهامى
سالت ابيها بوجه تحاول جاهده ان ترسم عليه البسمه
ايه يا حبيبى مش هنروح جلسة العلاج
الطبيعى النهارده
ادار جسده يالكرسى المتحرك
وقال بحزن
مش هروح فى اى مكان يا بقليس
سالته بأسى
ليه يا حبيبي
أجابها وصوته مختنق من عجزه وما اصابه كأنه جسد بلا روح
انا عاوز اموت يا بلقيس
جرت عليه بلهفه قائله
بعيد الشر عنك يا حبيبي
تموت واحنا نعمل ايه
قال بيأس
وانا بعمل لكم ايه
انا عاجز عاجز يا بنتى
اختك ضاعت والمستشفى انتهت وانا عاله عليكم
وخالك صديق عمرى ضيعنى
وضيع المستشفى ثم انهار فى نوبة بكاء وما أقصى هذا الشعور
شعور الرجل بالعجز والقهر
أمران استعاذ بهم رسولنا الكريم من هول شدتهم
.
...واعوذ بك من العجز والكسل
واعوز بك من غلبة الدين وقهر الرجال،،،
اخذت بلقيس ابيها فى أحضانها وانهارت فى البكاء هى الأخرى بينما اعتصرها ابيها داخل أحضانها وكأنه يواسى نفسه بحضنها وكأنها هى الأخرى تواسى نفسها بركام سندها المنهار
...........................
ارتدى ملابسه تناول عطره النفاذ وبعثره على حلته الانيقه وخرج وهو يدندن بإحدى الاغانى الهابطه وهو لا يبالى بأى شئ
صاح فيه أبيه بغضب
على فين يا يوسف
اجاب ابيه بملل من كثرة اسألته وتقيد حياته الذى أصيب به بعد حادث اسيا
خارج يا بابا فيه حاجه
قال خليل بجديه تحمل التهديد
لوحدك
ايوا لوحدى
هتف خليل بغضب
مفيش خروج لوحدك
صاح عديم التربيه يوسف
هو سجن
اجابه ابيه بينما هو على وشك الانفجار فيه
لاء يا جو مش سجن السجن دا انا اللى طلعتك منه كان زمانك مطارد والحكومه كلها بتدور عليك بعد اللى عملته فى بنت ابراهيم الحديدى
ضحك بلا مبالاه وقال.
معملتش حاجه فيها
هانى هو اللى اغتصبها وهو اللى استدرجنى فى بيتى وضربنى بالنار
ضحك خليل بسخريةوقال له وهو يقترب منه
بلاش تسمع ليا الكلام ده انا حافظه كويس يا جو
انت اللى جبت البنت وانت اللى اتفقت مع صاحبتها تخدرها
قال يوسف بصوت مرتعش
خلا خلاص بقى يا بابا والموضوع خلص وطلعت منها
قال ابيه بأمر
مش خلاص انت هتتجوز بنت خالتك اخر الاسبوع زى ما اتفقنا وهتتلم وهتعيش معاها وتعاملها كويس
لولا شاهدتها معاك ولولا هى اصلا بتحبك
مكنتش هتخرج منها
صاح بغضب
مش بحبها
قال خليل بأمر لا يقبل للنقاش.
مش ضرورى تحبها وانت من أمته بتحب حد
قال بقهر
كنت بحب اسيا وهتجوزها
اجابه خليل بتهكم
خلاص اتجوزها
هتف يوسف بشمئزاز
اتجوزها انا مش بشترى بضاعه مستعمله يا خليل بيه
قال خليل بحكمه نادرا ما تخرج منه
يبقى محبتهاش
انت بس كنت عاوز توصل لها علشان كانت بتصدك
انما لو بتحبها هتعرف أنها زى ما هى بس نصيبها الاسود وقعها فى طريقك وطريق الواطى صاحبك
ثم صاح بغضب.
اسمع يا يوسف
دا اخر كلام هقوله لك
الفرح الاسبوع الجاى وده اخر كلام
صفع يوسف الباب خلفه وهو بستشيط من الغضب
جلس فى سيارته وانطلق بينما احداث تلك الأشهر تمر أمامه وتزيد من اختناقه
فلاش باك قبل ثلاثة أشهر
فاق من نومه نظر حوله وجد نفسه فى غرفة بمشفى وهو يحاول أن يتذكر ما حدث
قال بوهن لمن يجلس بجواره
لو سمحت أنا فين
قال الضابط بعمليه
انت فى المستشفى.
عن أى مشفى يتحدث
وفى لحظه تذكر كل شئ اسيا وشقة أبيه
هانى وضربه له بالرصاص واخيرا اسيا
وعقله صور له كل ما حدث لها على يد ذلك الحقير المسمى بهانى
هتف بخوف
بابا انا عاوز بابا
سمعه خليل الذى كان يجلس بالخارج بصحبة زينب زوجة أخيه الحنونه وام عزيز ويونس
ورحيل الذى اتفق معها على أنها تخبر وكيل النائب العام الذى سيحقق مع يوسف أنها كانت على موعد مع يوسف فى شقة الهرم لكى تخبره بالتعديلات التى سيجريها بالشقه لأنها ستكون شقتهم بعد الزواج
وبالطبع بسبب بعض الكذبات من خليل اقنعت طيبة القلب التى تهوى ابنه أن تشهد معه بعد أن وعدها أن يزوجها ليوسف بعد أن يتم شفاه
دلف إليه خليل مع أحد المحامين المخضرمين واتفق معه على أن يخبر المحقق بنفس كلام رحيل ذهب إلى الشقه لكى يتفق هو ورحيل على التعديلات فيها ولكن رحيل لم تذهب له بسبب تعرضها لوعكه صحيه بسيطه
وكان هو سبقها على الشقه
ولكنه فوجئ بهانى صديقه فى الشقه ومعه فتاه مخدره
وأخبارهم أن هانى أطلق عليه الرصاص لكى يتخلص منه واغتصب الفتاه
وتركه جثه هامدة هو والفتاه
وبالطبع ثبتت التهمه على هانى لأن التحاليل السائل المنوى الذى وجد فى آسيا لم يتطابق مع يوسف وكانت التحاليل وشهادة رحيل معه هى سبب خروجه من تهمة الاغتصاب
بينما هو الجانى الأساسى هو من خطط ودبر كل شىء ولكن الشيطان الآخر هو من كان عليه التنفيذ
ولكن المعضله كانت فى المنوم الذى وجد فى تحليل اسيا وذلك الاتصال الذى جاء ليونس الذى على أثره ذهب يونس إلى شقة عمه
ولكنه استطاع أن يحله عندما علم أن
زينه صديقة اسيا سافرة إلى ابيها فى أمريكا فى اليوم التالى للحادث فأنكر يوسف عن معرفته بأى تخدير وعن معرفته بزينه ولكن الشرطه استطاعت الوصول إلى الهاتف الذى تمت منه المكالمه وبالطبع كان الهاتف للعامله التى كانت تقوم بتنظيف المنزل ولكنها أخبرت الشرطه أن الهاتف فقدته
ولا تتذكر متى
وبالطبع لم تدان العامله لان الصوت الذى كان فى المكالمه لم يكن صوتها
وببعض التحريات والبحث ومطابقة اصوات اصدقاء اسيا تم مطابق لصوت زينه ولكن اين زينه لقد هربت زينه وطمست معها باقى الحقائق
هى وحدها من كان سيعترف على يوسف وبالطبع بسبب سفرها استطاع محامى يوسف أن يبرئ يوسف ويلسق
التهمه بزينه وهانى
وبذلك استطاع خليل أن يخرج ابنه من تلك القضيه وايضا لم يكتفى بذلك
بل تطاول على اسيا بالكلام والتهم القذره
واصبح خبر ابنة الدكتور الشهير المغتصبه من مجهول مطارد حديث جميع وسائل التواصل الاجتماعى
نهاية الفلاش باك
وقف بسيارته وهو يقول بغضب
يا هانى الكلب اشوفك بس وشوف انا هشرب من دمك ازاى
.............................
جلست على فراشها فى بيت زوج خالتها التى اهتمت بها بعد موت امها حتى عندما ماتت خالتها لم تشعر أنها غريبه فى بيت خالتها بسبب معاملة خليل التهامى لها وكأنها ابنته
لم يحرمها من اى شئ أنفق عليها ببزخ وكأنها ابنته وهى أحبته وكأنه ابيها حتى أنها تناست ابيها وأهل ابيها بهم رغم محاولات ابيها المستميتة لكى تعود تعيش معه فى أحد قرى الأرياف ورغم أن ابيها واهلها لم ترى منهم إلا كل ود وحتى زوجة أبيها إلا أنها فضلت المكوث مع زوج خالتها
على أمل أن يشعر بحبها يوسف
وان يحبها أو يهتم بها أو ينظر لها نظرة رضا
الى ان كان يوم الحادث الذى منحها كل ما تتمنى فى ثوانى مقابل أن تشهد مع يوسف بعد أن اقتنعت بكذبة خليل أن يوسف بريئ وان صديقه هو من قام بتلك الأفعال المشينه وبالطبع اقتنعت بسبب عم تطابق تحليل يوسف
وكان هذا التحليل النقطه الفارقه
منذ ذلك اليوم وهى تقنع نفسها ببرائة يوسف بسبب حبها الاعمى له
وهى تعلم أنه لا يحبها
ولكنها تقنع نفسها انها ستستطيع أن تجعله يحبها بعد الزواج
فاقت من شرودها حين طرق أحدهم باب غرفتها
قالت بصوت هادئ كهدوئها
اتفضل
دلف فى ذلك الوقت خليل مع زينب زوجة أخيه قالت زينب بصوت حنون
عروستنا الحلوه بتعمل ايه.
قالت ببسمه بشوشه وصوت مهذب
مش بعمل حاجه يا طنط
سالها خليل بمكر
مش بتعمل حاجه ازاى وده ينفع
نظرت له وسألته بحيره
اعمل ايه يعنى يا انكل
قال بسعاده
تجهزى مع طنط زينب لفرحك يا حبيبتى
خديها يا زينب بكره واشترى لها كل حاجه لزماها الهدوم واى حاجه خلاص الجناح بتاعهم خلص والفرح مبقاش فاضل عنه إلا اسبوع
قالت زينب بصوت حنون لتلك اليتيمه المخدوعه بكرم خليل عليها وهو يستغلها لينظف حقارة ابنه
متقلقش يا خليل كل حاجه هتجهز رحيل هتبقى اجمل عروسه
..................................
دلف إلى مشفى أخيه بوقار وهيبه تسبق خطاه
سال احد الأطباء
دكتور يونس فين
اجابه بعمليه مع حاله اتفضل حضرتك يا عزيز بيه فى مكتبه وانا هدى لدكتور يونس خبر
دلف إلى مكتب يونس الذى يشبه أخيه كثيرا فى نظامه أيضا روحه الجميله التى تعكس شخصيته النقيه التى عاش بها أخيها بينما هو رضى أن يكون ملوث الشخصيه والعمل مع عمه فى الأعمال المشبوهه مقابل أن يكون أخيه وأمه فى حياه نظيفه
دلف بعد قليل يونس وهو يقول بفرحه
أثلجت قلب عزيز وهو يرى أن أى شئ فعله واى طرق ملوث مشى فيه كان الاختيار الأمثل مقابل أن يرى تلك الفرحه والمحبه فى عين أخيه
عزيز باشا عندنا ايه الرضى دا يا سعادة الباشا
وقف عزيز واحتضن يونس بشوق
وقال بمزاح ولكنه ذا مغزى
جيت اسال عليك واشوفك طالما احنا مبقيناش نوحشك
قال يونس وهو يتهرب ومازال على نبرت المزاح
انت بس تتصل وانا اجى لك بسرعة الصاروخ يا عزيز باشا انت تؤمر.
ساله عزيز مباشرتا
هترجع البيت أمته يا يونس.
قال بجديه وقد ظهر غضبه.
مش هرجع يا عزيز
البيت ده انا مش هدخله تانى
ساله عزيز وللمره التى لا يعلم عددها
خلاص يا يونس الموضوع خلص.ويوسف طلع برائه
صاح يونس بغضب
ولو العالم كله برأه انا مش مصدق
وهيفضل هو المجرم فى نظرى هو والكلب التانى
وأمر التحليل ده مش فارق معايا علشان أنا عارف نية ابن عمك قبلها بكذا يوم
وقف عزيز وسأله برجاء
واخرتها يا يونس امك نفسها تشوفك
قال بغضب
تيجى تشوفنى فى بيتنا القديم بيت بابا هى عارفه طريقه كويس.
ساله عزيز مره اخرى
وفرح يوسف
اجابه بحده
البنى ادم ده مش عاوز اسمع اسمه ولا اعرفه بعد اللى عمله
قال عزيز بقليل من الغضب بينما هو يعزر أخيه فى كل أفعاله
انت فارق معاك البنت دى ليه
قال يونس بقهر
فارق معايا علشان هى مش كدا مش زى ما ابن عمك شوه سمعتها هى وعمك المصون
فارقه معايا علشان بنت استاذى اللى عاملنى زى ابنه ومحرمنيش من اى حاجه ده عمل قسم للعلاج النفسى فى المستشفى بتاعته علشان خاطرى
الراجل ده ميستهلش اللى حصله ده.
يخسر المستشفى وبنته فى يوم واحد
شعر عزيز بالاختناق من حديث يونس الذى كان هو سببا من أسباب انهيار ذلك الرجل بسبب تلك الصفقه
قال عزيز بغضب
وانت قصرت فى ايه معاه
واقف معاهم من يوم الحادثه
عاديت عمك وسبت البيت ومحدش اتكلم
اديتك عشرين مليون علشان تدخل شريك فى مستشفى الحديدى وتنقظها من السمعه اللى طلعت عليها ومن أنها تتقفل.
بنته مرضيتش
قال يونس بأسى وقلة حيله
انا مهما عملت معاهم برضو مقصر
بلقيس عزيزة النفس اوى يا عزيز مش هتقبل احسان أو عطف من حد والحمد لله انها سيبانى اعالج اختها لحد دلوقتى
وعلى ذكر تلك البلقيس
شعر عزيز بإختناق أكثر عندما تذكر شموخها ورفضها لأمواله وأموال أخيه بكل كبرياء برغم انها فى اشد الحاجه اليها
ساله عزيز وهو يحاول أن يدارى نبرته المهتزه
ومفيش اخبار عن خالهم
قال يونس بغضب الواطى غرق المستشفى بالسفقه المضروبه هرب
زاد حديث يونس من غضب عزيز
ساله عزيز مره اخرى هو له كام فى الميه من المستشفى
له نص المستشفى
ثم اردف بستفهام
بتسال ليه يا عزيز.
قال عزيز وهو يفكر بينما إنارة فكره خطيره فى عقله سيستطيع بها أن ينقذ مشفى الدكتور ابراهيم الحديدى
وايضا يسكت صوت خوفه من أن يعلم أخيه أنه أحد اسباب دمار تلك العائله
بقلمى هيام شطا
.......................
استيقظت بوهن وهى تنظر حولها وجدت امها وبلقيس أمامها
قالت امال بصوت حانى
نوم الهنا يا روح قلبى يلا يا حبيبتى فوقى كدا علشان تفطرى وتاخدى علاجك
اعتدلت فى فراشها بصمت فقد كان الصمت هو صديقها البغيض بعد أن فاقت فى المشفى منذ ثلاثة أشهر وتعرضت لنوبه من الصراخ والصدمه ثم انهيار عصبى لما آلت إليه حياتها
ثم صمت مخيف لجئ إليه عقلها الباطن للهروب من واقعها المؤلم
لاتنام ألا بالمهدأت والمنومات.
لا تأكل الا بعض القيمات
تعيش على المحاليل
تحولت حياتها إلى
صمت مخيف ظنتها امها أنها أصابها الخرس
بينما كان هذا نوع من أنواع الصدمات النفسيه المؤلمه التى يلجئ لها العقل الباطن حين يتعرض لصدمه عنيفه لا يستطيع التأقلم بعدها مع حياته
اقتربت امال منها بالطعام
وحاولت اطعامها
رفضت اسيا الطعام ولكن بلقيس أتت لها بوجه حنون وحاولت اطعام اختها المنكوبه
استجابة لبلقيس واكلت بعض القيمات القليله
اطعمتها ووضعت طاوت الطعام فى أحد زوايا الغرفه وسألتها بحنان
ايه رايك يا روح قلبى تخدى شور وننزل نقعد شويه فى الجنينه
اومت لها اسيا وعيناها شارده فى مكان آخر تنظر إلى ذلك السكين الصغير على طاولة الطعام الذى كانت بلقيس تقطع به بعض ثمرات الفاكهه لاختها
قامت بوهن لتدلف إلى الحمام الملحق بغرفتها ولكنها اتقطت السكين معها وهى تنوى إنهاء حياتها التى تشعر معها أنها مقززه
تكره نفسها وجسدها وتكره الحياه كلها
ابتسمت لاول مره منذ ثلاثة أشهر واختضنت امها وبلقيس بشوق
صاحت امال بسعاده
اختك بتضحك يا بلا
احتضنتها بلقيس هى الأخرى بسعاده وقالت
إن شاء الله ربنا يشفيها وضحكتها تنور وشها من تانى والغمه تعدى
ثم دلفت إلى الحمام فى صمت
فتحت الماء والتقتط السكين التى كانت تخفيه فى ملابسها ووقفت تحت الماء
ونظرة بيأس إلى يدها وقامت فى لحظه بقطع شريانها النابض فى يدها
وفى لحظه أخرى مرة على بلقيس تذكرت حديث يوسف عن رد فعل المغتصبات إذا تغير رد فعل المغتصبه بدون مبرر فهى تنوى الانتحار
وكان رد فعلها أنها ضحكت لها ولامها واحتضنتهم وكأنها تودعهم
انطلقت نحو الحمام وفتحته بسرعه لتجد ما حسبته قد تجسد أمامها فى اسوء كوابيسها
الدماء أغرقت الحمام وآسيا فاقده الوعى ضغطت على يدها لوقف النزيف وصرخت
اتصلى بالاسعاف بسرعه يا ماما
بقلمى هيام شطا
............................................
وقف عزيز امام أخيه يسأله للمره الاخيره قبل أن ينصرف
مش هاتيجى تشوف ماما
قال يونس بإصرار.
انا البيت ده مش هدخله تانى يا عزيز وده اخر قرار
لم ينهى حديثه الا وعلا صوت هاتفه
نظر فى الهاتف ليجد اسم بلقيس
قال عزيز وهو يغادر
اسيبك أنا لشغلك
اجاب يونس على بلقيس
قالت بصوت صارخ وكان فاجعه حلت بهم
الحقنى يا يونس اسيا حاولت تنتحرت
وكأنها الحياه توقفت عند تلك الثانيه وفى ثانية كان ينطلق مثل السهم وهو يصرخ بخوف
انتم فين يا بلقيس.
هتفت بخوف احنا فى الإسعاف وجاين بها على المستشفى
أجابها أنا هستناكو
عندما لفظ يونس اسم بلقيس تنبهت كل حواس عزيز وسال أخيه بقلق وقد رأى وجه أخيه وعلامات الزعر رسمت عليه.
فيه ايه يا يونس مالها الدكتوره
قال يونس وهو يتخطى عزيز ويجرى نحو خارج المشفى ينتظر سيارة الإسعاف التى تقل اسيا وبلقيس.
اسيا حاولت تنتحر
جرى خلف أخيه ويبدوا أن لعنة تلك الصفقه وتلك البلقيس قد علقت به وبأخيه
ولن يكون لهم خلاص منها
..........................................
وصلت اسيا وبلقيس اى المشفى
استطاع اطباء الجراحه انقاذ اسيا
ونقلت إلى غرفه أخرى
جلست بجوار اختها العافيه فى ثبات أرغمت عليه ببعض المهدأت
طمأنت امها التى ظلت مع أبيها على اسيا
دلف بعد قليل يونس ومعه عزيز الذى بقى ليطمان على تلك الفتاه ذات الحظ العسر الذى رماها القدر فى طريق
ابن عمه وصديق السوء
قال يونس
روحى انتى النهارده يا دكتوره بلقيس
اسيا مش هتفوق النهارده
وانا حطيتها تحت الرعايه
وفيه ممرضه هتفضل معاها وانا مش بروح من المستشفى اصلا
قالت بمتناع
لاء يا يونس مش هسيبها لوحدها
قال يونس بأصرار لانه يعلم أن ابيها له مواعيد ادويه وسيشعر بغياب بناته
يكفى غياب اسيا
يلا يا دكتوره روحى وعزيز هيوصلك
علشان علاج دكتور ابراهيم
تذكرة ابيها ووضعه ترددت قليلا فهى الان بين اختيارين
كلاهما اصعب من الاخر
وبعد لحظه اخرى من التردد نطق عزيز وقال بأمر لا يقبل النقاش وبفرض شخصيته المهيمنه على الجميع.
اتفضلى يا دكتوره اختك نايمه ومش محتاجه حاجه ومعاها يونس ودكاتره غيره هيخدوا بالهم منها
انما والدك الدكتور محتاجك
لاتعرف لماذا غضبت من ذلك المتحدث ولكنها همت لترد عليه ولكن بماذا تجيبه وهو وحديثه كما يقولون
عين العقل
خرجت معه فى صمت وقفت أمام المشفى وقالت بهدوء
شكرا مستر عزيز انا هاخد اوبر متعطلش نفسك
تركها وذهب عنها دون أن يجيب ظنت أنه انصرف
قالت بغيظ منه
بنى ادم بارد وقليل الزوق
وقبل أن تسترسل فى سبابها وجدته أمامها وهو يأمرها بغرور ويفتح باب سيارته الفارهة
اتفضلى يا دكتوره
سكتت ودهشت من عودته لها
قالت بتوتر
اتفضل فين
أجابها بإجاز فى العربيه هوصلك
دلفت فى هدوء وجلست بجواره وهو لم ينطق بكلمه عندما وصلوا إلى منزل ابيها نزل من السياره ووقفت أمامه وهى تمد يدها بالسلام لتودعه قالت له
شكرا مستر عزيز اتفضل
أجابها بوجه غير مفهوم التعبير وهو يصافحها
شكرا يا دكتوره
وقبل أن ينصرف قال لها
بلاش تبرطمى بعد كدا بصوت عالى
اه وانا مش بارد ولا قليل الزوق
صعقت من حديثه هل سمعها
وقبل أن تترجم اى شىء
سمعت نداء من خلفها مباشرتا
بلقيس
نظرت بدهشه وقالت
آدم
جرى المدعو ادم اليها واحتضنها وهى لم تتحرك ولكن بعد لحظه دفعته عنها وصاحت بغضب
ايه اللى بتعمله دا يا حيوان
وقبل أن يجيب ادم عليها وجد لكمه قويه تسدد إليه وهى الجم لسانها من ما حدث
إنه عزيز الذى انقض على آدم بعد أن دفعته بلقيس عنها
اشتبك ادم مع عزيز واراد أن يرد له الكلمه وهو يصرخ فيه بغضب
انت مالك وانت مين اصلا
دفعه عزيز بغضب وهو يقول
انت اللى مين يا بنى ادم انت.
قال ادم بصوت قوى
انا جوزها
انتهى البارت دمتم بخير بقلمى هيام شطا
متنسوش التفاعل ورأيكم يهمنى
رواية بلقيس و أنا الفصل الخامس 5 - بقلم هيام شطا
اشتبك آدم مع عزيز وأراد أن يرد له اللكمة وهو يصرخ فيه بغضب:
"مالك وانت مين أصلاً؟"
دفعه عزيز بغضب وهو يقول:
"انت اللي مين يا بني آدم انت."
قال آدم بصوت قوي:
"أنا جوزها."
"زوجها؟ هل هي متزوجة؟"
تراجع عزيز والدهشة تعلو وجهه وقد تجمد في الأرض بسبب تلك الكلمة. إذا هو الآن لا حق له فيما فعله.
تراجعت بلقيس ووقفت بجوار عزيز الذي تخشب في مكانه. شعرت بالغضب يشتعل بها. وبوقوفها بجوار من دافع عنها دون أن يعلم هوية هذا الشخص أو يسألها، استمدت منه القوة.
قالت بصوت قوي وهي تنظر إلى آدم ثم عزيز:
"مش جوزي ده، طليقي."
"هل كانت متزوجة؟"
سؤال آخر وجد نفسه يسأله في نفسه. ولكن غضبه استشاط من ذلك المتبجح آدم حين قال لها بأمر:
"ادخلي يا دكتورة. ولا لسه فيه حاجة؟"
أجابته بغضب:
"آه، داخلة مع مستر عزيز."
ثم أضافت كلماتها التي قصدتها كلمة كلمة حتى تتخلص من طليقها:
"مستر عزيز جاي معايا يطمن على بابا."
"اتفضل يا مستر عزيز."
تفاجأ عزيز من طلبها وقولها، وأيضاً وقوفها بجواره تكاد تلتصق به وكأنها تحتمي به من المدعو طليقها. استوعب عزيز طلبها في لحظة. وفي اللحظة التالية اقترب من آدم وضربه بخفة على خده وقال بسخرية:
"سمعت الدكتورة قالت إيه؟ طريقك أخضر يا دوومي."
دلف معها إلى بيتها. البيت هادئ وحديقته مظلمة كحياة أصحابها. ولكن صوت أبيها الجالس على كرسيه المتحرك في الحديقة أوقفها:
"بلقيس."
التفتت إلى صوت أبيها وقالت بحرج قبل أن تذهب إلى أبيها:
"آسفة يا مستر عزيز إني عملت كده."
وقبل أن تكمل حديثها، قال عزيز بتفهم:
"مفيش أسف يا دكتورة، أنا يشرفني أتعرف على دكتور إبراهيم وأطمن عليه من يوم اللي حصله، بس مكنتش لاقي فرصة."
صمتت ولم تتحدث أمام حديثه الذي رفع عنها وبمنتهى اللباقة والاحترام حرجها من ذلك الموقف.
قال بمزاح:
"مش هندخل للدكتور إبراهيم ولا ألغيتي العزومة يا دكتورة؟"
انتبهت على نفسها أنها ما زالت واقفة. قالت بخجل:
"يا خبر! لأ طبعاً اتفضل."
دلف معها إلى أبيها. وأول ما لفت نظره ذلك المقعد المتحرك الذي يجلس عليه. وأول شعور داهم هذا القلب المتحجر. الحزن والندم. الحزن على حال الطبيب والندم على ما فعله لأنه كان السبب في تلك النكبة الصحية التي تعرض لها الطبيب.
قالت بلقيس ووجهها يعلوه بسمة جميلة برغم حزنها:
"بابا حبيبي عامل إيه؟"
ثم احتضنت أباها.
سألها أبوها وعلامات القلق على وجهه:
"كنتي فين طول النهار واختك فين يا بلا؟ مشوفتهاش ليه النهارده."
أجابته بنفس البسمة:
"كنت مع آسيا عند يونس النهارده. هي هتبدأ في العلاج النفسي يا بابا وأخدت مهدئ ويونس اقترح إني أسيبها يومين في المصحة علشان تكون تحت الملاحظة."
سألها بقلق:
"وأختك؟"
أجابته بهدوء:
"كويسة والله يا بابا ويونس معاها."
ثم استدارت وقالت:
"معايا ضيف جاي يزورك يا بابا."
قال إبراهيم:
"ضيف مين يا بنتي؟"
أقبل عزيز عليه وقال بصوت مهذب:
"إزيك حضرتك يا دكتور إبراهيم."
مد يده ليصافح إبراهيم. صافحه إبراهيم بكل ود وقال:
"أهلاً يا ابني، ازيك يا عزيز."
تعجبت بلقيس وسألت أباها بدهشة:
"حضرتك تعرف مستر عزيز يا بابا؟"
أجابها أبوها بنفس الابتسامة الجميلة:
"طبعاً يا بلا، ده أخو يونس الكبير، إزاي معرفوش."
قال عزيز بحرج من نفسه، فهو برغم تعلق أخيه بذلك الرجل، إلا أن جشعه وجشع عمه لم يمنعه من أن يلحق به الأذى:
"إزي صحتك حضرتك يا دكتور؟"
أجابه إبراهيم بمرارة القهر:
"الحمد لله يا ابني، كل اللي يجيبه ربنا خير."
جلس مع إبراهيم قليل من الوقت. وكلما طالت جلسته معه أحس بالذنب يقتله. عزم أمره أن يفعل ما انتوى فعله لمساعدة تلك العائلة المنكوبة بسببه.
قال وهو يهم بالانصراف:
"استأذن حضرتك يا دكتور. حمد الله على سلامتك."
قال إبراهيم بود:
"نورتنا يا ابني."
لا يعلم لماذا يبالي بتلك العائلة. ولما يتحرك بداخله شيء يجعله يندم على ما آلت له تلك العائلة بسببه وبسبب ابن عمه. لقد دمروها وبمنتهى الوحشية.
وقفت بلقيس هي تودعه عند بوابة منزلهم. قالت بإمتنان:
"شكراً يا مستر عزيز مرة تانية."
أجابها بود هذه المرة، فهي بها شيء يجذبه لها وأيضاً يثير بداخله مشاعر عديدة:
"قولنا قبل كده يا دكتورة، مفيش شكر. أنا كنت عاوز أزور دكتور إبراهيم وأطمن عليه والحمد لله إن ده حصل وأنا معاك."
ثم أكمل ببحة صوت حانية هذه المرة:
"أنا موجود لو احتجتيني في أي وقت."
ثم تدارك كلماته وقال:
"طبعاً أنا ويونس."
أجابته بلقيس بإمتنان:
"أكيد طبعاً. وشكراً مرة تانية."
تركها وانصرف. ولكنها لم تنصرف من عقله أو باله. ظلت تسيطر عليه طوال طريق عودته.
دلف إلى ذلك البيت لكي يهرب من تفكيره فيها وفي أبيها الذي أصبح قعيداً لا حول له ولا قوة. لا يعلم لما يختنق كلما تذكر هذا الطبيب ويختنق أكثر حين يتذكر دناءة أخو زوجته الذي أبرم معه صفقة الأدوية. فإن كان هو.
"ندل، فالح، خال بلقيس حقير."
رمى مفاتيحه بإهمال على تلك الطاولة الزجاجية التي تتوسط بهو شقته الفاخرة. أحدث رنيناً هبت على أثره درة.
هتفت بفرحة حين أبصرته:
"الملك! حمد الله على السلامة يا عزيز."
جرت عليه واحتضنته بلهفة وهي تقبله:
"وحشتني يا عزيز."
تجاوب معها ولم يبعدها عنه وغرق معها في قبلاته وقبلاتها وهو يحاول أن يبعد تلك بلقيس عن تفكيره.
قال بأمر وهيمنة:
"عايزك يا درة دلوقتي."
ضحكة درة بخلاعة وقالت وهي تسير خلفه تحاول أن تواكب خطواته الواسعة:
"عيوني يا ملك."
ليغوص معها في بحر المتعة الزائفة يحاول أن ينسى ذنبه وبلقيسه.
جلس أمام فراشها طوال الليل يتأمل وجهها الشاحب. لقد كان منذ بضعة أشهر ينطق بالحياة والجمال والبرائة. تغير كل شيء في بضعة دقائق. بسبب ذئاب بشرية نزعت الرحمة من قلبها ولا تهتم لعقوبة إثمها الجسيم.
نظر لها مرة أخرى وتأمل ملامحها الجميلة. لقد كانت تجذبه بعفويتها وصفاء روحها. الآن أصبحت صامتة بروح ممزقة. همهمات ضعيفة صدرت عنها مع شروق الشمس تخبره أنها ستفيق.
انتبهت كل حواسه ووقف بجوارها ليكون مستعداً لأي ردة فعل منها. فتحت عينيها ونظرت حولها. ويبدو أنها علمت أنه تم إسعافها وأنها لم تمت. نظرت له مرة أخرى وكأنها تلومه على إنقاذها. وعيناها بدأت تبكي دون صوت. بكاء أخرس كحال صاحبته.
قرب الكرسي منها ووقف بجوارها وقال بصوت حنون:
"حمد الله على السلامة يا آسيا. حاسة بأيه دلوقتي؟"
لم تجبه، فهي فضلت الصمت القاتل على الحديث. ولكنها نظرت له بغضب وحاولت نزع المحاليل الموصلة بها. ولكن يونس كان الأسرع ومنعها وقيد يديها وصاح بصوت جهوري:
"فيرس!"
دلتفت إليه إحدى الممرضات بسرعة ومسكت آسيا. بينما هو حقنها بحقنة مهدئة. وبعدها بثوانٍ غرقت في النوم. بينما هو عزم أمره أن ينقلها لمرحلة أخرى من العلاج النفسي وهو مواجهة واقعها والتعايش معه تعايش صحي لأنها ليست مذنب. إنها ضحية.
جرت رحيل على أبيها تحتضنه بلهفة. احتضنها أبوها بشوق ومحبة. فهي ابنته التي حرم منها وتربت بعيداً عنه. لأجل رغبة خالتها الحنونة التي وجدت فيها عوضاً عن أختها التي ماتت وهي في زهرة شبابها.
خرجت من أحضان أبيها ببطء. نظر لها وسألها بغضب:
"إيه اللي سمعته ده يا رحيل؟ فرح مين اللي آخر الأسبوع؟"
أجابت أباها بتلبك:
"اهدى يا بابا، ادخل حضرتك الأول."
دلف معها إلى الداخل. وفي نفس اللحظة ظهر خليل وهو يرحب بسالم أبو رحيل بود مصطنع:
"أهلاً أهلاً يا حاج سالم، نورت الدنيا كلها."
هتف سالم بغضب:
"إيه الكلام الفارغ اللي قولته ليا في التليفون ده يا خليل؟"
قال خليل ببرود:
"كلام فارغ إيه يا حاج سالم؟ بكلمك علشان أفرحك وأطلب إيد بنتك منك."
صاح سالم بغضب:
"بتطلب إيد بنتي في التليفون يا خليل؟"
أجابه خليل بنفس الصوت البارد:
"وأطلبها إزاي يا حاج والعروسة عايشة في بيتي؟ أجيبها وأجي لك أقول لك خد بنتك يا حاج سالم علشان أنا جاي النهارده أطلب إيد بنتك يا حاج سالم."
أجابه سالم بغضب رغم أن حديثه صحيح مئة بالمئة:
"حتى لو أنت اللي مربيها، فأنا لسه أبوها. وهي بنتي. ولولا خاطر الست أم يوسف الله يرحمها، أنا عمري ما كنت هسيب بنتي لك يا خليل."
ثم أكمل بنفس الصوت الغاضب:
"بس ملحوقة والغلط مردود."
ثم أخذ يد رحيل وقال لها بأمر:
"يلا يا رحيل، أنتِ مش هتفضلي هنا ولا لحظة. أنا مش هرميك لابن خليل بعد اللي سمعته واتكتب عنه."
وقف خليل أمام وصاح بغضب وتخلى عن بروده عندما وجد سالم مصر على أخذ رحيل:
"تاخدها فين يا سالم؟ رحيل أنا اللي مربيها وهي وابني بيحبوا بعض من صغرهم وأنا هجوزهاله وهي موافقة."
لم يعير سالم أهمية لكلام خليل، بينما كل همه أن ينقذ ابنته من تلك الزيجة التي ستدمر ابنته. وعليه أخيراً أن يقوم بدور الأب الذي سيحمي ابنته.
جرت رحيل رغم عنها خلف أبيها الذي يجرها خلفه. ولكنها لا تدري ماذا تفعل، أتذهب مع أبيها أم تدافع عن حبها المزعوم ليوسف.
وأخيراً صدح صوت خليل وقال:
"يبقى في الحالة دي رحيل اللي تقرر. هتفضل تتجوز يوسف ولا ترجع معاك البلد."
لم يتوقف سالم وصاح بغضب:
"رحيل!"
"مش هتتكلم."
ولكنه شعر بتوقف ابنته. نظر لها وعيناه تتحدث بغضب:
"إياكِ أن تفعليها."
قالت رحيل بصوت مرتعش:
"لو سمحت يا بابا اسمعني."
صدم من رد فعل ابنته وقال:
"اسمع إيه يا بنتي؟"
قالت بصوت مهتز:
"أنا بحب يوسف يا بابا، موافقة عليه وأتمنى أن حضرتك كمان توافق."
صاح أبوها:
"أنا مش موافق وأنتِ مش هتفضلي هنا ولا لحظة."
قالت بإصرار وهي ترى أن أباها جاء ليحرمها من حبها وسعادتها:
"أنا بحب يوسف يا بابا، موافقة عليه."
انكسر أبوها وهو يرى ابنته لا تطبعه. قال بصوت منهزم:
"يعني بتعصيني يا رحيل؟"
قالت بحزن:
"لو سمحت يا بابا متقولش كدا، أنا عايزك توافق على يوسف، أنا بحبه."
سألها أبوها بغضب:
"وهو بيحبك ولا واخدك ستارة يداري وراها عمايله وفضايحه؟"
قالت بصوت مرتعش:
"بيحبني يا بابا وكل اللي بيتقال عليه إشاعات."
"مفيش دخان من غير نار يا بنتي."
قالت بإصرار:
"يوسف حد كويس يا بابا."
سألها بلهفة:
"يعني مش هتيجي معايا؟"
تراجعت خطوتين لتكون بجانب خليل، ويبدو أنها اختارت الكفة الخاسرة لتفقد آخر فرصة للنجاة من مصيدة خليل ويوسف ابنه. وقالت بصوت منخفض:
"مش هاجي معاك يا بابا، أنا بحب يوسف."
قالت كلماتها وهي تنظر للأرض لا تقوى على النظر في وجه أبيها.
قال أبوها برجاء وهو ينصحها:
"أنا أبوكي يا رحيل، مش يوسف اللي هيسعدك. جواز المصلحة عمره قصير يا بنتي، هياخد مصلحته منك ويرميك."
قال خليل بتجبر بعد أن ساندت ظهره رحيل بغبائها وتخليها عن أبيها:
"أظن كدا مفيش كلام، رحيل اختارت خلاص."
نظر لها وهي تنظر في الأرض.
قال بقوة:
"مش هسيب بنتي لك يا خليل، وغلطة زمان مش هتتكرر تاني. وهرجع آخد بنتي."
تركهم وانصرف. بينما عزم أمره أن يسلك كل الطرق لاستعادة ابنته الغالية التي تركها لخالتها ثم لزوج خالتها لأنه ظن أنهم أهلها كما اعتبرهم أهله. ولكن بعد ما انتشر عن يوسف من أقاويل وبعدها طلب خليل منه أن يزوج رحيل ليوسف، علم أن الأمر صحيح ويريد أن يداري على أفعال ابنه بستار الزواج وتكون رحيل هي الضحية.
تململ في فراشه وجد درة ترقد فوق صدره. أزاحها بلا مبالاة وقام ليجيب على هاتفه الذي يصدح في أرجاء الغرفة.
قال:
"أيوة يا منير."
أجابه منير بفرحة:
"عرفت مكان حسين، شريك الدكتور إبراهيم الحديدي يا عزيز باشا."
انتبهت كل حواسه وسأله بلهفة:
"مكانه فين؟"
قال منير:
"في إسبانيا يا باشا."
"متأكد يا منير؟"
"عيب يا باشا، مش أول مرة."
قال عزيز بأمر:
"خليك وراه، أوعى يغيب عن عينك. أنا هكون عندك بكرة."
"تمام يا باشا."
أخذ يونس بيدها رغم مقاومتها المستميتة التي تحاول بها أن تدفن نفسها في تلك الجريمة البشعة التي تعرضت لها رغماً عنها.
قال بأمر:
"لا يا آسيا، هنخرج النهارده. تقعد في جنينة المستشفى."
لم تجبه ولم تنظر له أو تعير اهتماماً لحديثه. ولكن ورغم عنها جذبها من يدها بالقوة وقال بأمر:
"أنتِ هتمشي معايا وهنفضي اليوم النهارده في الجنينة."
حاولت أن تقاومه وترفض دون أن تنطق. رأى هو محاولتها المستميتة لكي لا تطبعه، ولكنه لم ينصاع لها ولم يعاملها برفق ومحايلة كما كان يفعل. ولكننه جذبها بشيء من العنف وقال بأمر:
"هتنزلي وهتفيقي من حالتك اللي أنتِ فيها دي. اللي حصلك مش نهاية العالم."
ثم صرخ فيها وكأنه يريد أن يحيي أمل الحياة فيها من جديد:
"فوقي عشان خاطر أبوكِ وأختك وكل أهلك. أنتِ بتحكمي على نفسك بالإعدام. لو كنتِ عايشة لوحدك اعملي اللي أنتِ عايزاه، إنما أنتِ متعرفيش إنك هتعدمي كل أهلك معاكِ. يلا معايا."
جذبها بعنف وتوجه بها إلى حديقة المشفى. كان قاسياً في حديثه معها، ولكنه كان محقاً في كل حرف قاله. إنها إن انتحرت ستحكم على كل أهلها بالإعدام. ولكن ما ذنبهم ليعايروا بها باقي عمرهم.
فاقت حين توقف وهي اصطدمت به. قال بأمر:
"هتقعدي تفطري دلوقتي عشان تاخدي علاجك. وبعد كدا هنتمشى أنا وأنتِ في الجنينة."
ثم أجلسها وجلس أمامها ووضع الطعام أمامهم. امتنعت أولا. ثم قام يونس وجلس بجوارها وقرب الطعام منها وقال بحنان:
"كلي يا سو عشان خاطري."
وعند نطقه بهذا الاسم اهتزت نظراتها وتذكرت أباها وأهلها. هم من كانوا يلقبونها بهذا اللقب. وتذكرت كل شيء. حياتها قبل ذلك الكابوس الذي تحياه. كيف كانت حياة وردية.
فتحت فمها لتلتقط أولى لقمات الطعام ودموعها تنهمر على وجنتيها. أكلت الطعام كله من يد يونس ولم تتوقف دموعها. وهو لم يقل لها شيئاً. أطعمها في صمت ولكنه كان سعيد بهذا التقدم. فهي بكت، أي أنها أصبحت تعبر عن مشاعرها المكبوته وستتقدم للأمام معه في العلاج. أنهى لها الطعام ومسح لها فمها المكتظ.
"الجميل."
لماذا انتبه لجمال فمها وشفتاها. أبعد يده بسرعة عنها. نظرت له أخيراً وبعد أربعة أشهر من الصمت. قالت بصوت متقطع:
"أنا عاوزة أخف."
قال خليل بغضب وهو يتحدث مع عزيز:
"يعني إيه مسافر كمان ساعتين؟"
أجابه عزيز بلا مبالاة:
"يعني اللي سمعته يا عمي. طيارتي كمان ساعتين."
سأله خليل بتوجس:
"وصفقة السلاح مين هيخلصها؟"
قال عزيز بثقة:
"أنا يا خليل بيه، متقلقش."
صاح خليل بغضب:
"أنت هتستهبل يا عزيز؟ أنت إزاي؟ أنت بروحين؟ الصفقة بعد خمس أيام."
"أيوا يا خليل بيه، هخلصها. أنا راجع بكرة الصبح."
سأله خليل بتوجس:
"وليه السفريّة المفاجئة دي؟ مسافر ليه يا عزيز؟"
قال بقليل من الغضب من أسئلة عمه وإلحاحه في معرفة سبب سفره:
"ملكش فيها السفرية دي يا خليل بيه. كل اللي ليك عندي صفقة السلاح. وشغلنا فيها. والصفقة لسه عنها خمس أيام، يعني يوم فرح يوسف يا عمي."
سأل خليل بخبث حتى يصل إلى سبب سفر عزيز الغامض:
"والسفرية دي شغل خاص لك يا عزيز؟"
قال عزيز بدهاء:
"قولت لك يا عمي، السفرية دي برا حساباتك خالص."
وبالطبع تلك السفرة لم تكن ضمن حسابات خليل التهامي. لأنها ضمن مبدأ: "إن لم تستطع درء الضرر فلا تضر أنت أحد." وكان عزيز هو صاحب الضرر ولم يستطع درءه أو منعه. وكان هو صاحب الأذى الذي لحق بتلك العائلة. وها هو يبحث عن الطريق ليخطو فيه أولى خطوات تصحيح الخطأ.
وقف أمامه وهو معصوب العين والرعب يتملكه. هتف حسين برعب حين سمع خطوات تقترب منه:
"أنا فين؟ أنت مين؟"
اقترب عزيز منه وعيناه تنطق شرر الانتقام. فهو الشخص الوحيد الذي استطاع أن يخدعه ويهرب من استلام تلك الشحنة. وكاد أن يكشف أنه هو من قام بعقدها ويخسر أخيه لو علم. وتنكشف باقي أفعال عزيز الغير شرعية أمام أخيه. ويخسر عائلته للأبد.
نزع عزيز العصابة من فوق عينين حسين بقسوة وقال بغضب:
"عرفتني دلوقتي يا حسين؟"
أغمض حسين عينيه وفتحها عدة مرات ليعتاد النور. وعندما رأى عزيز قال بزعر:
"عزيز!"
أجابه عزيز بسخرية وهو يتأتأ بفمه:
"توتو؟ أنا عملت لك الأسود."
سأله حسين بخوف:
"أنا... أنا معملتش لك حاجة. الشحنة إبراهيم هو اللي مفروض يستلمها. أنا كنت وسيط."
قال عزيز بصوت هادئ بارد يبعث الرعب في قلب حسين:
"أنا مش بلومك على حاجة يا حسين... أمال مكتفني كدا ليه؟"
تساءل حسين بخوف. أخرج عزيز من حقيبة كان يحملها ورقة وقلم ووضعهم أمام حسين وقال بأمر:
"علشان تتنازل عن نصيبك في المستشفى."
سأله حسين بتعجب:
"المستشفى؟ بس دي قفلت."
رمى عزيز له القلم وقال بأمر:
"ملكش فيه. قفلت ولا فتحت. أنت هتمضي عقد بيع منك ليا فيه تنازل عن كل صلاحياتك في المستشفى."
سأله بشفاه مرتعشة:
"وهتسيبني؟"
ضحك عزيز ضحكة لم تصل إلى عينيه وقال بسخرية:
"بس يا..."
حسين تناول حسين القلم ومضى الأوراق بسرعة لكي يتخلص من ذلك الكابوس المسمى بعزيز التهامي أو الملك كما يطلق عليه بين فئات المجتمعات المخملية.
صاحت بلقيس بغضب في ذلك المحامي الجالس أمامها باليوم التالي بأوراق تثبت ملكية نصف أسهم المشفي لمالك جديد غير خالها. لم تنتبه لاسم المشتري من هول الصدمة. فخالها أكمل دناءته وباع المشفي حلم أبيها لغريب.
"مين اللي اشترى الأسهم؟"
قال خالد المحامي بثقة:
"الاسم مكتوب قدام حضرتك يا دكتورة."
وقبل أن تقرأ الاسم، علا صوت طرقات على باب المكتب ودلف بكل هيبته التي مازالت تقسم أنه لولا ملابسه الأنيقة وعطره الشهير، لاقسمت أنه أحد المجرمين المخضرمين.
قالت وقد علت الدهشة وجهها من تلك الزيارة:
"مستر عزيز."
أكمل عنها المحامي:
"مستر عزيز المالك الجديد لنصف أسهم مستشفى الحديدي."
صمتت وصمت الجميع حينما جلست بهدوء على مقعدها لتستوعب تلك المفاجأة الجديدة.
رواية بلقيس و أنا الفصل السادس 6 - بقلم هيام شطا
قالت وقد علت الدهشة وجهها من تلك الزيارة:
"أكمل عنها المحامي."
"مستر عزيز، المالك الجديد لأسهم مستشفى الحديدي."
جلست بهدوء على مقعدها لتستوعب تلك المفاجأة الجديدة، وأيضاً الغريبة. ما دخل رجل الأعمال الشهير بمستشفانا المفلس، وأيضاً صاحب السمعة السيئة؟
نظر عزيز بهدوء وقال لخالد المحامي:
"شكراً يا مستر، كدا مهمتك خلصت."
سلم عليهم المحامي وانصرف، ولكن علامات الغضب ما زالت مرتسمة على وجه بلقيس. نظر لها وهو يجلس على المقعد المقابل لها. سألته مباشرة دون انتظار:
"اشتريت أسهم المستشفى ليه يا مستر عزيز؟"
أجابها بثقة مغلفة بالغموض:
"أنا راجل أعمال ومن حقي أستثمر فلوسي في المكان الصح."
ضحكت بسخرية وقالت:
"مكان صح؟ انت شايف إن المستشفى مكان صح وصالح للاستثمار كمان؟ فوق يا مستر عزيز، المستشفى فلست، مفيش أدوية وكمان مفيش ناس بتيجي لها، يعني استثمار خسران."
ثم أكملت بغضب:
"ولو حضرتك شاريها شفقة علينا، فحب أطمن حضرتك، إحنا كويسين وأنا هعرف إزاي أقف وأوقف المستشفى تاني."
أجابها بصوت بارد هادئ كصفحة وجهه الباردة الهادئة:
"أولاً، أنا راجل أعمال وأعرف فين المكان الصح اللي أحط فيه فلوسي."
ثم أكمل وهو ينظر لها نظرة احتارت هي في تفسيرها، ولكنه كان ينظر لها بشوق. فقد اشتاق لها ولا يعلم لماذا. وقال:
"بكرة الصبح هتشوفي حال المستشفى بعد المؤتمر الصحفي اللي هنعلن فيه إن مستشفى الحديدي أنا بقيت الشريك الثاني فيها."
هتفت باعتراض:
"أنا مش هغير اسم المستشفى، المستشفى دي حلم بابا."
أجابها ببسمة ودودة محت ملامح القاتل المأجور، وقال بوجه تملأه البراءة:
"مين قال إني هغير اسم المستشفى؟"
ثم أكمل بجدية:
"المستشفى دي ملك دكتور إبراهيم ومحدش يقدر يقول غير كدا."
صمتت عندما أفحمها بردة فعله غير المتوقعة. وسكتت الجميلة ولم تتحدث. عندما لاحظ سكوتها قال وهو يهم بالانصراف:
"أشوفك بكرة إن شاء الله على خير يا دكتورة. بلغي سلامي لدكتور إبراهيم."
***
"يعني إيه أكتب كتابي النهارده على رحيل؟ كتب الكتاب في الفرح؟"
أجابه خليل وهو يقترب منه، بينما تتطاير نظرات الغضب من عينيه تكاد تحرق يوسف:
"كتب كتابك بكرة على رحيل، من نقاش يا غبي."
ثم أكمل وهو ينصحه بنفاذ صبر:
"انت ليه مصمم إنك تغرق نفسك؟"
صاح يوسف:
"فين الغرق ده يا بابا؟ أنا خلاص عديت والموضوع اتقفل."
هدر خليل بغضب:
"ماتقفلش يا يوسف، ولازم تتجوز رحيل كام شهر يا سيدي، وتطلقها. دي فرصتك الوحيدة اللي تخلي الناس تصدق إن مالكش دعوة بحوار بنت الدكتور، وكمان تنسى عمايلك اللي الكل فاكرها. وده آخر تحذير لك يا يوسف، تكتب كتابك بكرة."
"أنا أبوك وهفضل معاك وأعلم اللي نفسك فيه من غير ما تطلب. غير كدا مالكش حاجة عندي. تختار إيه؟"
قال يوسف بخنوع عندما وضع له أبيه:
"كما يقولون، العقده في المنشار. اللي تشوفه يا بابا."
وقبل أن ينصرف يوسف سأل أبيه لكي يصل إلى معرفة إصرار أبيه، لماذا أصر على أن يقدم ميعاد كتب الكتاب؟
"انت ليه يا بابا قدمت ميعاد كتب الكتاب؟"
أجابه خليل بدهاء:
"بكرة تعرف."
كان خليل شخصية ذكية، وذكائه من النوع الخبيث. علم أن سالم أبو رحيل لن يسكت وسيُقيم القيامة حتى يأخذ ابنته، فحسبها بحسبة بسيطة لكي يسبقه بخطوة، أن يعقد قران رحيل مبكراً حتى إذا جاء سالم ليأخذها تكون قد أصبحت زوجة ابنه ولا يستطيع الحكم عليها.
بينما أراد خليل أن يزوج رحيل بقوة إلى ابنه واستخدم كل الطرق لخداع رحيل، وحتى يوسف، لأنه يعلم أنها فتاة صالحة وتحب يوسف، وهو يأمل أن تغير يوسف إلى الأفضل وأن يحبها يوسف. فكل إنسان حتى وإن كان سيء الخلق، قاتل مثل خليل، ولكنه يريد لابنه أن يصبح أفضل إنسان في الدنيا، مثل يونس ابن عمه أو أفضل منه، لا يتمناه كعزيز، فعزيز نسخته المصغرة وهو من صنعه لحمايته ولعمل تلك الثروة التي ينعمون بها.
***
وقف يتأملها وهي تتحدث مع أختها بلقيس بصوتها الهادئ. يتذكر منذ عدة أيام حين خرج صوتها لأول مرة بعد تلك الحادثة البشعة التي تعرضت لها، وكان أعذب وأجمل طلب تطلبه مريضة نفسية من طبيبها.
"أنا عايزة أخرج."
قال في عالم الطب النفسي:
"إذا اعترف المريض بمرضه، فهذه أولى خطوات العلاج."
لم تصدق بلقيس حين أخبرها يونس بتلك الخطوة التي خطتها أسيا في طريق شفائها من تلك المحنة. اقترب منهم، ووجهه تعلوه بسمة هادئة جميلة كهدوء صاحبها. قال بصوته الرخيم:
"إزيك يا دكتورة؟"
قالت بلقيس بفرحة:
"أهلاً يا يونس، عامل إيه؟"
أجابها وعيناه معلقة على تلك الساكنة بحوار أختها:
"الحمد لله بخير."
ثم قال بمرح وهو يتحدث مع أسيا:
"أنا شايف إن سو بقت بتحب تتكلم معاكي أكتر مني يا دكتورة."
احمر وجهها خجلاً من مزاح طبيبها الودود، وقالت بخجل:
"أنا كنت بحكي لبلا على موضوع كدا كنت عايزة آخد رأيك فيه."
سألها بلهفة:
"موضوع إيه؟ خير؟"
قالت بتلبك بينما ظهر عليها التردد:
"عايزة أخرج."
ظهرت عليه علامات الاستفهام والحزن. سألها وهو يحاول أن يستشف سبب ذلك الطلب، بينما هو لم يعتد أن لا يراها يوم:
"عايزة تسيبني المصحة ليه يا أسيا؟ حد ضايقك؟ حد عمل حاجة زعلتك؟ أنا عملت حاجة؟"
قالت بسرعة ودفاعاً عنها:
"لأ أبداً يا دكتور، أنا نفسي أشوف بابا وماما."
ثم صمتت قليلاً، وقالت بأمل:
"عايزة أرجع لحياتي تاني."
كم انشق قلبه من طلبها ورجائها بأن تعود لحياتها، ولا تعلم أن الحياة بالخارج لن تكون هينة أو سهلة، أو سيعاملها الناس كما كانوا يعاملونها. قال برفق بينما غرق دون إرادته في براءتها:
"أسبوع كمان معانا يا سو ونخلص قرص العلاج ونخرج إن شاء الله."
هتفت بفرحة:
"بجد يا دكتور يونس؟"
قال بوجه بشوش:
"بجد يا سو."
***
"علت الزغاريد في قصر التهامي وتزين القصر بأجمل زينة. ووصل موظف عقد القران المأذون."
تزينت رحيل بعد أن بعث خليل لها أشهر المتخصصين في مجال الميك أب. كانت جميلة هادئة. وقفت تلك الحنونة زينب التي تولت تربيتها بعد موت خالتها بجوارها. ونظرت لجمال رحيل الهادئ وقالت بفرحة صادقة:
"ربنا يتمم بخير يا روح قلبي. قمر ما شاء الله عليكي يا حبيبتي."
خجلت رحيل من إطراء أمها التي لم تلدها عليها. قالت بخجل بينما تورّد وجهها أكثر:
"مرسي يا ماما زينب."
دلف في ذلك الوقت عزيز وقال بهدوء، بينما يشعر بنغزة في ضميره على تلك الضحية الجديدة التي ستقع في شباك نظافة أخطاء ابن عمه المستهتر. قال ووجه لا يوجد عليه أي تعبير:
"جاهزة يا رحيل؟ المأذون وصل وخلص كل حاجة وطالب إمضتك."
وقفت بجواره وشجعتها زينب وهي تأخذ بيدها وقالت وهي تمسك بيدها بحنان:
"جاهزة يا حبيبي وأنا هنزل معاها."
أومأ عزيز بهدوء، بينما ضميره أراد أن يأمره أن ينهي تلك الزيجة ويمنع رحيل. ولكن فرحة رحيل التي لمعت في عينيها منعته. وحدثته نفسه قائلة:
"فلتدعها تعرف الحقيقة وتخوض التجربة لتتعلم أنها أهدت قلبها إلى من لا يستحق."
نفس خليل الصعداء حينما قال المأذون:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
هنا اكتملت خطته الخبيثة. أصبحت رحيل على ذمة ابنه ولن يستطيع سالم أخذها إن عاد ليأخذها. وكز خليل يوسف في يده وهمس له:
"قوم بارك لرحيل وافرد بوزك ده."
دَقرب منها والإنسان الآلي واحتضن رأسها بين يديه وقبلها بخفة وقال ببرود:
"مبروك يا رحيل."
المسكينة كانت تهفو لأي كلمة منه ولم تنتبه إلى برود مشاعره أو برود كلماته. قالت بلهفة:
"الله يبارك فيك يا يوسف."
***
وقف بكل هيبته في اليوم التالي أمام عدسات الكاميرات في ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده ليعلن فيه شراكته لمستشفى الحديدي، وإعادة فتحها مرة أخرى في آخر الشهر بعد أن أعلن أن سبب غلقها هو إجراء بعض التجديدات عليها.
كانت بلقيس تقف بجواره تشعر بتلك الهالة التي يحيط بها. رغم أناقته وحديثه اللبق، إلا أنها ما زالت تراه وكأنه زعيم المافيا، بسبب غموض حديثه وهيمنته على أي شيء. حتى الحوار بينهم ينتهي دائما بما يريده عزيز التهامي.
بعد انتهاء المؤتمر الصحفي، أغدق عزيز أمواله على المستشفى وبالفعل جاءت شركة من أكبر شركات المقاولات لكي تتولى تلك التعديلات. تعاقدت معهم أكبر شركة أدوية، والتي كانت قد أنهت عقد التعامل معهم بعد أن أغلقت المستشفى بسبب إفلاسها. ولكن كان عزيز واسمه مصباح علاء الدين الذي أعاد كل شيء إلى أصله وأفضل مما توقعت بلقيس.
لم تعترض بلقيس على أي تعديلات أجريت بالمستشفى، فهي كانت سعيدة لعودة مستشفى أبيها للحياة مرة أخرى بعد أن قضى عليها خاله. لن تسأل لماذا قام عزيز بتلك الشراكة مرة أخرى. ويكفيها فرحة أبيها بتلك الخطوة وفرحته بعودة مشفاه. ويكفيها أيضاً أن أسيا أختها بدأت في التحسن والتعايش مرة أخرى، وكله بسبب عائلة التهامي. ويبدو أن هذه العائلة هي دواء عائلة الحديدي. هكذا ظنت بلقيس، ولكنها لا تعلم أن هذه العائلة هي أول نهاية عائلتها، وما يفعله عزيز ما هو إلا مجرد تعويض صغير بتلم الأفعال الصالحة التي يسكت بها ضميره أو يحافظ بها على رابطة الأخوة بينه وبين أخيه وأمه.
***
"هدر خليل بغضب في عزيز عندما شاهد مقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي."
"هي دي السفرية اللي مليش فيها يا عزيز؟"
نظر له عزيز ببرود وقال:
"ولسه ملكيش فيها يا عمي."
صاح خليل والغضب يشتعل في عينيه، حيث أدرك لتو أن ابن أخيه صاحب الفضل في تلك الإمبراطورية. تغير به شيء ويكاد يجزم أن هذا الشيء خطير.
"مليش فيها إزاي يا ملك؟ انت ناسي إننا في مركب واحدة والشراكة دي هتفتح علينا أبواب جهنم؟ ألف واحد هيسأل: إشمعنا عزيز التهامي، رجل الأعمال المعروف، يدخل شريك في مستشفى مفلس سمعته زي الزفت؟ دا غير الحادثة بتاعة بنت الرجال ده، اللي برضو خلت سمعتهم في الطين."
قال عزيز وقد بدأ الغضب ينال منه:
"متنساش يا عمي إننا سبب الإفلاس، وابنك المصون هو سبب اللي حصل لبنته. يعني في الأول والآخر إحنا سبب دمار المستشفى وسمعة الراجل. ولا إنت ناسي إن ابنك هو السبب؟"
عند ذكر يوسف قال خليل بحقد وغضب:
"ابني معملش حاجة وطلع براءة. وحسين أخو مرات إبراهيم الحديدي هو اللي مضى معانا الشحنة. يعني إحنا ملناش دعوة."
ضحك عزيز بسخرية وربت على كتف عمه وهو يهم أن يغادر وقال:
"بلاش تكدب الكدبة وتصدقها يا عمي."
ولكن خليل لم يصمت، ألقى على عزيز آخر ما في جعبته لكي يحمي نفسه ويحمي تلك الإمبراطورية التي بناها على أكتاف عزيز، وليدخل له من مدخل مختلف لعله يثنيه عن تلك الخطوة التي قلق خليل ورأى فيها خطر كبير على ابنه ونفسه وعزيز نفسه، وليسأله إن كانت خطوته تلك بسبب الطبيبة، فهو لا يحبها ولا يرتاح لها منذ أن رأى صلابتها وقوة شخصيتها أثناء حادث أختها مع يوسف.
"إشمعنا الدكتورة دي يا عزيز؟"
نظر عزيز ولم ينطق، ولكن عيناه نطقت وهي تحذر عمه ألا يكمل. لم يجيب عمه. بينما خليل أصر أن يضغط عليه ليبعده عن تلك الطبيبة وتلك الشراكة التي يرى فيها خليل نهاية ملك الليل عزيز، كما يلقبه أهل تلك الطبقة التي ينتمي إليها، طبقة أثرياء الأعمال المشبوهة.
هدر عزيز بغضب، بينما نسي من أمامه ومع من يتحدث:
"أنا داخل شريك مع أبوها مش معاها، وبلاش عقلك يصور حاجات مش موجودة يا خليل بيه."
لم يصمت خليل، بل وضع أمام ابن أخيه كل الحقائق التي غفل عنها أو تغافل هو عنها، كأن سحر ما يسيطر عليه. قال بمنتهى العقل وأيضاً الصدق في الحقائق حتى وإن كانت بشاعتها:
"قنعني إنت يا عزيز، إشمعنا العيلة دي مصمم تنفذها وتعرض كل حياتنا وكل اللي بنيناه للخطر؟ ما ياما دوست وقتلت وخربت بيوت وأكتر من دي ألف مرة. ليه بقى واخدك الشهامة مع الدكتور وبناته؟ لو عاجباك الدكتورة، لها ألف مدخل غير إنك تعرضنا للخطر يا عزيز."
"ولو إن مفيش لها مدخل غير الحلال، وهي كدا فعلاً لأنها زي ما بيقولوا كدا، دكتورة عارفة ربنا. واللي زيها كدا لا شبهك ولا حتى هتكمل معاك لما تعرف حقيقتك يا ملك."
فار أعصاب عزيز، ولكنه استطاع التحكم في أعصابه واقترب منه وقال بهدوء ووجه لا يوجد عليه أي أثر لحديث عمه الذي أشعل داخله، ولكنه قال بثقة:
"ألف دكتورة زي الدكتورة بنت إبراهيم الحديدي تتمنى بس عزيز التهامي رجل الأعمال يقول لها بس. تعالي وهي هتيجي راكعة يا عمي."
ثم أضاف بغرور قاتل:
"أنا عزيز التهامي، مفيش حد يقدر يرفضني. بس أنا أصلاً لا الدكتورة ولا غيرها في دماغي، وكل الهري اللي قولته ده ميهمنيش. أنا دخلت شريك في المستشفى وأسبابي أنا حر فيها، وإنت مش وصي عليا يا عمي العزيز."
قال خليل بتهكم:
"الحمد لله طمنتني على قلبك يا ملك."
***
جلست بلقيس أمام عماد الضابط الذي تولى التحقيق في قضية أسيا. سألته بحزن:
"يعني إيه يا عماد بيه؟ برضو مش قادرين توصلوا للمجرم هاني؟"
أجابها الضابط بحزن:
"والله يا دكتورة قلبنا الدنيا عليه، بس متقلقيش، إن شاء الله هنوصله."
"يعني هو هيفضل مستخبي عمره كله؟"
سألته باهتمام:
"وموضوع شحنة الأدوية يا عماد بيه؟ أنا عايزة أعرف اسم شركة الاستيراد أو المسؤول اللي مضى مع خالي على صفقة الأدوية."
قال عماد بقلة حيلة:
"والله يا دكتورة أنا حاولت بكل الطرق أوصل لأي أوراق أو أي حاجة أو اسم يوصلنا لأي معلومة بخصوص الصفقة أو الحريق اللي كان بسبب مس كهربائي في محولات المينا. مش عارف، الموضوع ده أكيد فيه شبهة جنائية وأكيد فيه ناس واصلة، وإلا مكنش هيحصل فيه تعتيم كدا على اسم الشركة المستوردة."
سألته بلقيس بقلة حيلة:
"يعني كدا حق أختي وحق بابا ضاع يا عماد بيه؟"
أجابها عماد بثقة:
"لأ، إن شاء الله يا دكتورة، بس الحكاية محتاجة صبر. وبعدين الحق مش بيضيع يا دكتور، ما ضاع حق ووراءه مطالب."
قالت بينما كاد الأمل أن ينطفئ بداخلها:
"يارب يا عماد، يارب نوصل لأي معلومة."
***
ضاقت بها الأرض، فهي منذ أربعة أشهر تبحث ولم تكل أو تمل من البحث عن المجرم الذي دمر أختها، أو المجرم الآخر الذي دمر أباها، ولم تصل لأي منهم. ضاقت بها الدنيا والسبل. وجدت نفسها تقف أمام مستشفى أبيها الذي جاء تم إنقاذه بسبب عزيز. وكم كانت ممتنة له حين أعاد الأمل لها بإعادة فتح ذلك المستشفى. فمنذ ذلك اليوم وأباها تبدلت حالته المزاجية والصحية، أصبح مداوم على جلسات العلاج الطبيعي، حتى أختها وكأن عدوى التفاؤل وصلت لها. وها هي حياتها بدأت تزهر من جديد، ولكن هذه المرة كان الساقي لزهور أمل الحياة ليس اجتهادها أو نجاحها أو نجاح أبيها، إنما الساقي كان ذلك العزيز الذي ظهر لها كأنما هو مصباح علاء الدين الذي حقق لها أعظم أمنية وهي عودة مستشفاه مرة أخرى.
نظرت بعينيها الجميلتين إلى أعلى، وجدت مكتبها مضاء، بينما كانت المستشفى في فترة التجديدات. استغربت وتساءلت:
"من الذي تجرأ وفتح مكتبي وأيضاً جلس فيه بكل اريحيه؟"
دَلفت إلى المستشفى ووجدت حارس الأمن الذي استقبلها بحفاوة:
"أهلاً دكتورة بلقيس."
سألته وقد بدا الانزعاج على وجهها:
"حد هنا من العمال يا أحمد؟"
أجابها الحارس:
"لأ يا دكتورة، شفت العمال بيخلص الساعة خمسة. بس عزيز باشا وصل من شوية وطلع فوقت."
تساءلت بينما تملكتها الحيرة والشك:
"عزيز؟ إيه اللي جابه في الوقت ده؟"
صعدت داخل المستشفى وهي في حيرة.
***
بعد أن هاجمه عمه ووضع أمامه تلك الكلمات التي كانت مثل طلقات الرصاص القاتلة، لم يريد من تلك الشراكة إلا أن يسكت ضميره الذي أصبح يقتله بعد أن رأى حال الدكتور إبراهيم، وأن يجد ما يشفع له أمام أخيه إن لا قدر الله علم أخيه الحقيقة. ولكن تفكير عمه الخبيث وضع الطبيبة أمامه. وحقيقة واحدة ظهرت جلياً أمامه: هل كانت من ضمن أسباب تلك الشراكة؟ لن ينكر الأمر، فهو أراد أن يتقرب لها، ولا يعلم لماذا. المهم أن يكون بجانبها، فهي دائماً تجذبه لها بشخصيتها القوية، عنادها، بحثها عن الحق، صلابتها وتماسكها حتى في الشدائد التي أصابتها، ما زالت واقفة تحارب لكي تستعيد عائلتها. إنها كما لقبها أبيها باسم أعظم الملكات، بلقيس، فهي في شخصيتها ملكة تستطيع أن تتغلب وتقف وتحارب.
هل تستطيع أن تحب وتغرم؟ وعند وصوله لتلك الخاطرة، نفض تلك الفكرة ووعى على حاله. ماذا يفكر؟ ومن تلك التي يفكر فيها؟ ومتى اهتم بها أو بغيرها؟ كل النساء بالنسبة له مجرد متعة. وتلك الأفكار تأخذه وتلك الأفكار تعيده. وحديث عمه يشعله. ونظرات الطبيبة بعينيها الجريئة تسرق فكره، إلى أن استمع لصوت هاتفه الذي كان قد شغله على إحدى أغاني وردة، ولكن كانت الأغنية معبرة عنه أكثر.
"ليالينا، ليالينا
وتاهت بينا ليالينا
ليالينا، ليالينا
وتاهت بينا ليالينا
وتاهت بينا تاهت
ليالينا، ليالينا
وقولنا نرسينرسي على مينا
وتاهت بينا تاهت
ليالينا، ليالينا
وقولنا نرسينرسي على مينامشينا وأدينا من غير أهالينا
ولا حد بيسأل فينامشينا وأدينا من غير أهالينا
ولا حد بيسأل فينا
وأتاري الدنيا غدارة، غدارة
بتغدر كل يوم بينا غدارة
وأتاري الدنيا غدارة، غدارة
بتغدر كل يوم بينا غدارة
والله وجيتي علينا يا دنيا
جيتي علينا، علينا يا دنيا
وجيتي كتير على ناس قبليناليالينا، ليالينا
وتاهت بينا ليالينا."
وفجأة علا صوت آخر غير صوت هاتفه الذي يصدح بتلك الأغنية. إنها طرقات هادئة على باب المكتب الذي يجلس فيه. قال بصوته الخشن:
"اتفضل."
دَلفت من سرقت تفكيره. وقف عندما رآها، ولم يتحدث. تحدثت هي:
"مستر عزيز، إزاي حضرتك؟"
قال بهدوء وقار:
"أهلاً دكتورة بـ..."
"مهلاً مهلاً! هل ناداني باسم الدلال وكيف يجرؤ؟"
قالت بثبات:
"دكتورة بلقيس."
أجابها بمرح ولكنه لم يظهر على وجهه:
"بلا أحلى وخفيفة، إنما بلقيس دي."
وقبل أن يكمل هتفت بشراسة:
"سهالها."
أكمل بنفس اللهجة:
"ملهاش، بس بحس إنها مكتفاني وموقفاني قدام ملكة."
صمتت ولكنه لم يصمت. قال وقد شعر بالخجل لأنه يجلس على مقعدها وفي مكتبها دون أن تأذن لها:
"آسف إني جيت وقعدت على مكتبك."
ثم أكمل وهو يكذب:
"أصلي كنت معدي من هنا فقولت أشوف التعديلات وصلت لفين عشان الافتتاح."
قالت بلقيس بود، وكأنها منذ قليل لم تشهر أنيابها لهم:
"مفيش مشكلة مستر عزيز، حضرتك شريك في كل حاجة هنا وتقدر تيجي في أي وقت، طبعاً المكان مكانك."
سألها بمكر:
"حتى مكتبك؟"
أجابته بحسن نية:
"حتى مكتبه."
قال وهو يشير لها أن تجلس، وما زالت أغنية وردة يصدح بها هاتفه:
"طب اتفضلي اقعدي نكمل كلامنا."
جلست أمامه، ولكنه أصر أن تجلس على مكتبه. بعد أن جلست، سألته وقد بدا الشجن على وجهه:
"بتحبي وردة؟"
أجابها بإيجاز:
"بحب أغانيها."
قالت له وهي ما زالت تستمع لها:
"أنا بحبها وبحب أغانيها. بابا كمان بيحبها."
وعند نطقها بسيرة أبيها كانت وردة تقول: "وأتاري الدنيا غدارة، غدارة." هل اتفقت وردة وهي عليه ليذكروه أنه غدر بذلك الطبيب؟
التقط هاتفه وفلقه. قالت بلقيس وقد بدا عليها الانزعاج:
"قفلته ليه؟"
"كدا أحسن."
أجابها وهو يتهرب بعينيه من جمال وجرأة عينيها:
"كدا أحسن، نتكلم في الشغل شوية ولا أوصلك؟"
قالت بعملية:
"نتكلم في الشغل شوية. وبعدين هروح لوحدي، معايا العربية."
قال بهيمنة:
"هوصلك وهخلي حد يجيب لك العربية بكرة."
لم تعترض، بينما هوت هيمنة ذلك الغامض الذي ما زالت تجزم أنه مجرم وليس رجل أعمال.
***
دلفت وهي تحتضن يد بلقيس إلى ذلك النادي الاجتماعي الشهير. نظرت لها بلقيس وهي تشجعها على أن تتحرك بثقة:
"يلا يا سو يا روح قلبي."
مشت مع أختها، ولكنها كانت ترتعد من تلك العيون التي تنظر لها. ولكن بلقيس لم تهتم. أجلستها وجلست بجوارها وسألتها:
"أجيب لك عصير فرش يا سو؟"
قالت أسيا وقد بدا الخوف على ملامحها، ولكنها تحاول التغلب عليها:
"وكطلبت لها بلقيس المشروب."
ولكن هاتف بلقيس اهتز دليل على أن هناك من يتصل بها:
"ثواني يا سو هرد على مستر عزيز."
قامت لتجيب على عزيز الذي كان يناقشها في بعض التعديلات قبل الافتتاح. وفي تلك الأثناء، جاءت إحدى صديقات أسيا واقتربت منها وهتفت:
"أسيا؟ مش معقول! حمد الله على السلامة. إيه أخبارك؟"
قالت أسيا وقد بدا عليها علامات التوتر:
"الحمد لله بخير يا ليلى. عاملة إيه؟"
قالت ليلى بود:
"أنا كويسة الحمد لله. المهم إنتي بخير؟"
من حديث ليلى وودها مع أسيا، بدأت أسيا تطمئن لها، فهي فتاة جميلة ودودة. جلست معها وبدأت تتناول معها أطراف الحديث.
وقف يونس من بعيد يراقب رد فعل أسيا وقلبه يكاد يخرج من مكانه من خوفه عليها وخوفه من مجتمع عقيم يجعل الضحية هي الجانية ويبرئ الجاني.
وبعد قليل ما حسب حسابه يونس، حدث بينما جاءت سيدة في بداية العقد الخامس في حياتها وصاحت في ليلى بغضب:
"ليلى بتعملي إيه عندك؟"
أجابتها ليلى ببراءة:
"ماما تعالي شوفي لقيت مين."
تفتت السيدة بغضب في ابنتها:
"قومي من عندك."
أصرت الفتاة وقالت بشجاعة:
"مش هقوم يا ماما، أسيا وحشاني وأنا لسه بتكلم معاها."
قالت السيدة وهي تنظر لأسيا بمنتهى التقزز وكأنها هي المسؤولة عما حل بها:
"قولتلك قومي من هنا، مينفعش تقعدي مع دي."
وكأنها غرست سكين في قلب أسيا ونفذ أولاً إلى قلب يونس وبلقيس التي أتت مسرعة مع نهاية كلمات تلك المرأة المسمومة. ولكن يونس كان الأسرع في الرد حين وقف بجانب أسيا التي كادت أن تفقد الوعي من كلمات تلك المرأة التي فقدت الرحمة التي أعطانا الله لنا لنرحم بها بني جنسنا من البشر، ونسيت أنها وغيرها من بنات حواء يمكن أن يحدث لها كما حدث لأسيا. احتضن كتف أسيا بحماية وقال بكل فخر:
"أهلاً يا ليلى."
مد يده يسلم على تلك الفتاة الجميلة التي لا تنتمي لأمه. تساءلت الفتاة بعينيها وهي تصافح يونس:
"أهلاً بحضرتك."
قال يونس بمنتهى الفخر والقناعة لقراره الذي اتخذه في لحظة:
"أنا دكتور يونس خطيب أسيا."
أنهى كلماته وترك الجميع في صدمة. بينما أسيا لم تتحمل تلك الصدمتين، وقعت بين يديه مغشياً عليها.
رواية بلقيس و أنا الفصل السابع 7 - بقلم هيام شطا
قال يونس بمنتهى الفخر والقناعة لقراره الذي اتخذه في لحظة:
"أنا دكتور يونس خطيب آسيا."
أنهى كلماته وترك الجميع في صدمة. بينما آسيا لم تتحمل تلك الصدمتين، وقعت بين يديه مغشياً عليها.
صرخت بلقيس، بينما يونس تلقى جسدها بين يديه. وليلى جلست بجانب يونس الذي صرخ والخوف يملأ عينيه.
"بلقيس، اطلبي الإسعاف."
حملها. حين وصل الإسعاف، دلف معها. بينما بلقيس تبعتهم بسيارتها ومعها ليلى التي أصرت أن تذهب معهم ولم تعر لحديث أمها أي قيمة.
فآسيا من وجهة نظر ليلى ضحية، لأنها تعلم أخلاقها. ولكن أم ليلى اعتبرتها فتاة غير مسؤولة، وما حدث لها إنما هو نتاج انعدام أخلاقها.
***
وقف في مكتبه يتملكه القلق عليها. بعد أن أنهت المكالمة معه بسرعة حين رأت أختها من بعيد ويونس يقف معها ويبدو عليه الانزعاج. من وقتها لم تجب على الهاتف ولا يعلم عنها شيئاً.
ماذا يفعل وهو لا يستطيع أن يجلس دون معرفة ماذا حدث لكي تنهي الحديث بهذه السرعة وهذا التوتر؟ هل يطلب أباها؟ مهلاً، هي لم تكن مع أبيها، كانت مع أختها في النادي الاجتماعي. فليتصل على يونس. يعلم أن أخاه كالعلكة الملتصقة بمريضته.
اتصل على يونس أكثر من مرة، ولكن حال يونس كحال بلقيس، لا يجيب. علم الآن أن هناك أمراً خطيراً حدث منع أخاه وبلقيس من الرد. غالباً هذا الأمر حدث لآسيا.
ركب سيارته وانطلق، ولكن إلى أين يذهب؟ فليذهب أولاً إلى النادي الرياضي. وصل إلى هناك. تجول في المكان. المكان هادئ وعادي. بعد قليل سأل عامل الأمن: "لو سمحت."
اقترب عامل الأمن منه: "أيوة يا فندم."
"مسألة مباشرة. دكتورة بلقيس الحديدي ألاقيها فين؟"
قال الحارس وقد ظهر عليه الحزن: "دكتورة بلقيس كانت هنا بس آنسة آسيا تعبت والإسعاف نقلها."
حسناً، ما حسب حسابه وجده. إذن آسيا أصابها مكروه. انطلق دون تفكير إلى مصحة أخيه.
***
وقفت رحيل والفرحة التي تلمع بأعينها تكاد تنطق عن مدى سعادتها. فها هو قصر التهامي ما زال بزينته البراقة الخادعة، براقة بالبهجة، خادعة في بريقها الزائف.
قالت رحيل وهي تتحدث بفرحها:
"إيه رأيك يا ماما زينب في شكل الجناح بعد ما خلص؟"
قالت زينب بفرحة أتت من فرحة تلك الجميلة:
"بقى حلو قوي يا رورو."
سألتها رحيل والخجل يكسو وجهها:
"تفتكري هيعجب يوسف؟"
قالت زينب بعفوية وطيبة قلب:
"أكيد يا حبيبتي."
وقفت في الغرفة وهي تمني نفسها بالغد القريب الذي لا يفصلها عنه إلا يوم وليلة، وتُزف إلى فارس أحلامها يوسف التهامي. ولا تعلم أنه سيصبح كابوساً مرعباً لها.
***
وصل يونس بسيارة الإسعاف إلى المصحة النفسية الخاصة به. وصل ورغم أنه طبيب نفسي ويعلم أن ما حل بآسيا ما هو إلا صدمة من رد فعل المجتمع في مواجهة مغتصبه. وبدلاً أن تساندها تلك الأم الجاهلة في مراعاة مشاعر الغير، كانت هي من طعنتها بدم بارد. ونسيت أن جميع بنات حواء معرضون لتلك المحنة ما دام هناك ذئاب بشرية لا تتقي الله وترى المرأة وسيلة للمتعة.
ألف بها إلى غرفة الإفاقة، ولأول مرة لا يستطيع أن يفعل لها شيئاً. أحس أنه عاجز أمام إغمائها البسيط. ولكن لن يقف مكتوف الأيدي. يعلم أنها ستعود إلى نقطة الصفر مرة أخرى. خرج من عندها وتركها مع الأطباء ليتولوا حالتها الصحية.
وخرج لبلقيس التي لم تكن أقل منه في خوفها وقلقها على أختها المظلومة المنكوبة. هرولت عليه بلقيس وسألته بلهفتها:
"آسيا فاقت يا يونس؟"
اقترب منها وقال بكذب ليهدئ روعها:
"فاقت، وديناها مهدئ هدى. إن شاء الله هتبقى كويسة."
وقفت بجوار الحائط تستند عليه وكأنها تستمد منه القوة، وسألته بينما ترقرق الدموع في عينيها:
"أكيد اللي حصل هيأثر عليها؟"
أجابها بأمل:
"يارب ميأثرش عليها وتقوم بالسلامة."
هتفت وهي تطلب من الله برجاء:
"يارب ترجع تاني."
وقفت ليلى بجوار بلقيس لا تتحدث، بينما تشعر أنها السبب في تلك النكبة التي أصابت آسيا مرة أخرى. قالت وهي تشعر بالأسف والندم:
"إنها من وقفت وتحدثت مع آسيا."
"أنا آسفة يا دكتورة، والله ما أعرف ماما عملت كدا إزاي. أنا آسفة."
أجابتها بلقيس بوجه رغم حزنه مبتسم، لكي تزيح الشعور بالذنب من فوق كاهل تلك الرقيقة:
"الشعور بالذنب؟ أنتي مالكيش ذنب يا ليلى، وأي حد مكان ولدتك ده هيكون رد فعله."
ثم أكملت بود:
"بنشكرك على وقفتك مع آسيا."
سألتها بلهفة:
"ممكن أدخل أشوفها؟"
قال يونس بعملية:
"الزيارة ممنوعة لحد ما نعرف تأثير اللي حصل على آسيا."
سألته ليلى مرة أخرى برجاء:
"ممكن أجي أشوفها وقت تاني؟"
قال يونس:
"إن شاء الله أول ما تتحسن مفيش مانع تيجي تزوريها."
استأذنت ليلى وهي ما زالت تشعر بالخجل مما فعلته أمها، ونوت أن تقف بجوار تلك الجميلة إلى أن تعود للحياة مرة أخرى.
***
وصل عزيز إلى مشفى أخيه وهو ينظر في طرقات المصحة، لم يجد أي أحد. هتف في أحد العمال:
"دكتور يونس فين؟"
أجابه:
"مع الحالة اللي وصلت من ساعة."
وأشار إلى أحد الممرات وقال:
"آخر الطرقة دي."
دلف إلى الممر ووجد بأخره بلقيس تستند على أحد المقاعد. احتضنت رأسها بين كفيها وأحنت رأسها لتنظر إلى الأسفل. حال جلستها اليائسة تتحدث أن هناك مصيبة جديدة حلت فوق رأس تلك الطبيبة الصامدة في وجه المصائب والشدائد.
وصل إليها ولم يجد يونس بجوارها. سألها بصوته الرخيم الذي خرج منه بلهفة رغم عنه:
"دكتورة بلقيس، حصل حاجة؟"
صوته الرخيم ولهفته عليها أخرجتها من شرود فكرها. رفعت عينيها التي تغير لونها النادر الذي لا تستطيع تمييزه، أهو عسلي فاتح ممزوج بخضرة قليلة أم أخضر داكن مائل على العسل الفاتح؟ تحول لونها وكأنها كاسات دماء. قالت بصوت حزين:
"عزيز... يا الله ما هذا العزيز..."
ولما طربت أذنه لاسمه الذي خرج من شفتيها كأعذب سيمفونية. جلس بجوارها وسألها بنفس الصوت القلق:
"مالك يا دكتورة؟ فيه إيه؟ آسيا حصل لها حاجة؟"
انهمرت دموعها مرة أخرى وكأنها هي الأخرى سمحت لنفسها بالانهيار، أو أنها لم تعد تتحمل ما تمر به. وقالت بصوت متقطع من شهقات بكائها:
"آسيا تعبت تاني يا عزيز."
قال وقلبه يعتصر من حزنه عليها:
"طيب اهدى، إن شاء الله هتبقى بخير. يونس معاها؟"
سألها وهو يبحث بعينيه عن أخيه. أجابته وهي تومئ برأسها. قال لها بصوت عطوف:
"خلاص اطمني، إن شاء الله هتبقى بخير."
ثم سألها:
"حصل لها إيه في النادي؟"
قصت عليه بلقيس ما حدث لأختها، وكأنه صديقها. أمها التي كانت بحاجة لتخرج كل هذا الهم من صدرها، وهو استمع إليها بصدر رحب. ولاول مرة يتأثر بحديث أحدهم. قال بصوت حاول أن يكون ثابتاً ولكنه لا شك غاضب:
"الست دي ست بجحة وقليلة الأدب. إزاي تقول لها الكلام ده؟ هي مش خايفة يحصل لها أو لبنتها زي ما حصل لآسيا؟ إيه الجحود ده؟"
نظر له وقالت بإقرار حقيقة:
"للأسف هي دي نظرة المجتمع."
هتف بغضب:
"نظرة متخلفة لمجتمع متخلف."
قالت بقهر:
"هي دي الحقيقة يا عزيز. أنا أختي اتحكم عليها بالسجن في المصحة أو البيت، مش هتفرق كتير عشان كل ما هتخرج دي هتكون رد فعل الناس."
ثم قالت بصوت ملأه اليأس:
"أنا أختي ضاعت يا عزيز، ضاعت."
ولكن قبل أن يكمل عزيز مواساتها، هتف يونس وبكل قناعة عندما جلس مع تلك المظلومة آسيا بعد أن استعادت وعيها وعادت مرة أخرى إلى حالتها الأولى:
"لم تصرخ، لم تبكِ، لم تبدِ أي ردة فعل. حتى دموعها تجمدت في أعينها. بصرها شاخص وكأنها فقدت الحياة، لا النطق فقط. كل ما يربطها بتلك الحياة هو نبض قلبها المكسور."
"أنا هتجوز آسيا يا دكتورة بلقيس."
لم تكن الصدمة تحتل وجه بلقيس لأنها سمعته أول مرة في النادي عندما وقف بجوارها ونسبها لنفسه بكل فخر. ولكن كانت الصدمة تعتلي وجه عزيز. ولكنه وكالعادة تحكم في ردة فعله إلى أن يجلس مع أخيه ويعرف دوافعه.
قالت بلقيس بتعقل:
"لو سمحت يا دكتور يونس، بلاش الكلام المندفع ده وبلاش ياخدك الشفقة بحالة اختي، لأن اختي مش ناقصة اللي فيها وفينا مكفينا."
قال يونس بجدية:
"أنا مش بطلب ده شفقة لا قدر الله، ولا إني شايف إنها بها عيب أو ناقصة عن البنات. أنا بطلب الطلب ده علشان أقدر أفضل معاها في المصحة دايماً أعالجها من غير أي قيود، وكمان لازم الخطوة دي علشان تكون أول خطوة في علاجها أنها تحس إنها مش ناقصة أو بها أي عيب يخليها مش مرغوبة."
سألته آسيا بحدية برغم أن كل حديثه صحيح، إلا أنها سألته أهم سؤال:
"وانت ذنبك إيه؟ يا ترى هتقدر تتأقلم معاها لو خفت ورجعت لحياتها تاني، ولا كدا خلاص فترة علاجها هتبقى خلصت وكمان مهمتك يا دكتور يونس؟"
أجابها بصدق:
"أنا من أول ما عرفت دكتور إبراهيم اعتبرته أبويا وهو كمان اعتبرني ابنه، وأنا عمري ما هعمل كدا."
إجابته بلقيس بإنفعال حيث أنها فهمت من حديثه أنه سيتزوج أختها لمجرد رد جميل أبيها عليه:
"أنا أختي مش تمن رد الجميل يا دكتور يونس."
وقبل أن ينطق يونس ويزداد النقاش في حدته، أنهى ذلك الصامت النقاش بكلمات ثابتة حيث قال عزيز بأمر:
"الكلام ده مينفعش نتكلم فيه هنا. روح يا يونس شوف شغلك، ودكتورة بلقيس تدخّل تطمن على أختها، وبعدها هوصلها. وبعد كده نتكلم مع دكتور إبراهيم، هو أبوها والأصول بتقول كدا."
ثم نظر لبلقيس التي صمتت رغماً عنها وقال وهو يسألها:
"مش كدا ولا إيه يا دكتورة؟"
لم تستطع التحدث لأنه قال المفيد. طاعة يونس وانصرف. بينما هي دلفت وهي تشتعل غضباً من ذلك المتحكم الذي لا تستطيع أن تتحدث معه ويسكتها بحديثه التي لا تستطيع جداله فيه.
***
وقف في اليوم التالي بجوار ابن عمه الذي يرتدي حلة زفافه ويبدو أنه يُساق إلى موته بدلاً من زفافه.
قال خليل وهو ينظر إلى ضيق ابنه وتذمره:
"افرد بوزك ده يا يوسف، وافرح في الفرح. واعمل حسابك لو كشرت في الفرح أو سيبت أبو رحيل يقرب منها هيكون آخر يوم لك في البيت وتنسى إنك ابني أو أعرفك."
لم يتحدث يوسف بل صمت، ولكن الضيق مرسوم على وجهه من تلك الزيجة التي دبرها له أبوه، وهو وافق عليها لينفذ نفسه من فضيحة قضية آسيا، ولكنه اكتشف أنه ما زال يريد آسيا حتى بعد ما حل بها، ولا يريد رحيل، حتى أنه لا يستطيع أن ينظر في وجهها، فكيف سيطيق أن يعاشرها معاشرة الأزواج؟
نظر عزيز لعمه وسأله:
"مين قالك إن الحاج سالم هيجي النهاردة؟"
أجابه بمكر:
"أبوها ولازم ييجي فرحها."
قال عزيز ونبرة التهكم مرتسمة على وجهه:
"يحضر فرحها ولا يمنع جوزها يا عمي؟"
قال خليل بضيق:
"يعرف عزيز، يعرفه حق المعرفة. يمنع جوزها ليه؟ هو يوسف وحش؟"
قال عزيز بصدق:
"سمعته وحشة."
صاح خليل والغضب خرج من عينيه:
"عزيز، الزم حدودك."
قال عزيز بلا مبالاة:
"حاضر يا خليل بيه. بس اعرف إن ابنك مش هيكمل في الجوازة دي."
"وانت هتظلم رحيل."
قال خليل وقد رسمت الأنانية في صوته:
"والله أنا مضربتهاش على إيه، أنا طلبت ايديها وهي وافقت."
ثم اقترب خليل من عزيز وسأله بهمس:
"من امتى قلب الملك بقى حنين وبيصعب عليه حد يا... ملك؟"
قال عزيز وهو يقر حقيقة:
"صعبانة عليا فعلاً عشان اتربت في وسطنا وطول عمرنا بنعتبرها أختنا. كمان لحمنا هنعض فيه يا خليل بيه، دا إحنا كده بقينا زي الحيوانات."
ثم تركه وانصرف ليجرى اتصالاته برجاله الذين يتولوا تخليص شحنة السلاح التي قصد أن يكون موعدها مع موعد زفاف يوسف حتى لا يلفت الأنظار له. اتصل على "زراعة اليمين".
"فكرى!"
"أيوا يا فكرى، جهزت المخازن؟"
أجابه المدعو فكرى بجدية:
"أيوا يا باشا كله جاهز. وشحنة معدات الزراعة اللي فيها الأمانة خلاص طلعت من المينا واحنا وراها أهو يا باشا."
قال عزيز بحرص:
"خد بالك يا فكرى، وأنا الساعة واحدة هقابلك عند المخازن."
أجابه فكرى بطاعة عمياء:
"تمام يا باشا، اللي تأمر بيه."
***
أنهت أخصائية التجميل زينتها الرقيقة على وجه رحيل الذي نطق بالفرحة. فها هي ستُزف لفارس أحلامها الذي ظنته بعيد المنال عنه. لقد أعمَت نفسها وبكامل إرادتها عن أفعال يوسف غير الأخلاقية على أمل من قلبها المتيم بعشقه أنها سوف تغيره. وفجأة، بدل أن يدخل إليها خليل ليزفها إلى ابنه، دخل إليها أبوها الحاج سالم.
وقفت ببطء بينما عيناها تعلقت بأبيها وزينب التي رحبت بمحبة بسالم. وقالت بوجه بشوش:
"أهلاً يا حاج سالم، كنت عارفة إن رحيل مش هتهون عليك وهتحضر فرحها."
قال سالم بتهذيب، فهو لن ينسى فضل تلك المرأة الأصيلة التي تولت عنه تربية ابنته بينما هو استسهل الأمر وترك ابنته لتحيا مع خليل حتى أصبح خليل هو أباها وولي أمرها:
"تسلمي يا رب يا ست أم عزيز."
ثم أخذ يد رحيل وقال لها بأمر:
"يلا يا رحيل، مفيش جواز."
تراجعت رحيل للخلف وقالت بصوت مرتعش:
"في... فيش إيه يا بابا؟"
صاح سالم بغضب وهو يجذبها من يدها بغضب:
"مفيش جواز من ابن خليل، أنا مش هرميك لخليل صغيره وكبيرة وغلطي أنا معترف به وهصلحه."
وقفت زينب بجانبها تمنعه بتعقل:
"اهدأ يا جاح سالم، مينفعش اللي بتعمله ده. الفرح اتعمل خلاص."
هدر بغضب:
"يتهد وأنا أجلت مجيء النهاردة عشان الناس كلها تعرف إن أنا هديت فرح ابن خليل عشان بنتي مش ستارة يداري بها فضايح ابنه."
وفجأة دلف خليل إلى الغرفة وبسمة باردة مرتسمة على وجهه. وبعده عزيز الذي فهم الآن لما قام عمه بعقد قران رحيل.
قال خليل وهو يبتسم بثقة:
"أهلا حاج سالم، نورت فرح بنتك. أنا كنت عارف إنها مش هتهون عليك."
جذب سالم يد ابنته وهم بالانصراف دون أن يجيب على خليل الذي وقف أمامه وقال بنفس الضحكة السمجة:
"على فين؟"
هدر سالم:
"ابعد عن طريقي يا خليل."
قال خليل:
"لو عاوز تمشي أمشي لوحدك، إنما رحيل لا. رحيل قبل مني يا خليل."
ثم دفعه بغضب. مسك خليل يد رحيل وجذبها وأمر إحدى صديقاتها أن تنادي يوسف.
"شرين، اندهى يوسف."
صاح سالم:
"ولا يوسف ولا ألف منك ومنه. هتمنعني آخد بنتي؟"
قال خليل ببرود:
"هنشوف دلوقتي."
دلف يوسف مسرعاً وقال:
"رحيل مش منقولة من هنا، ولا حد هيقدر ياخدها. النهاردة فرحنا."
هدر سالم بغضب وهو يزيح يوسف عن طريقه ويسحب رحيل خلفه، بينما انهارت رحيل في بكاء مرير:
"محدش يقدر يمنعني وشوف واحدة تانية غير بنتي تداري فضايحكم."
مسك يوسف يد رحيل وجذبها وصرخ في سالم:
"أنا أمنعك تاخد مراتي."
ثم أكمل بكل ثقة ليحمي زفافه المزعوم وسمعة أبيه وعائلته من تلك الفضيحة التي ستحل بهم لولا تخطيط أبيه الشيطاني وعقد قرانه الذي كان يمقطه بالأمس ولكنه اليوم يحبه لأنه القشة التي تعلق بها.
"رحيل مراتي وكتبنا الكتاب وهي على ذمتي وأنا أمنعك وأمنعها إنها تيجي معاك."
هدر سالم والغضب يحترق في عينيه:
"كذاب."
جذب يوسف يد رحيل من يد أبيها وقال بكل ثقة:
"القسمة هتطلع بعد بكرة من المحكمة، وبنتك عندها 22 سنة يعني ولية نفسها."
نظر سالم وقهر الدنيا وخذلانها في عينيه. وسألها:
"الكلام ده بجد يا رحيل؟"
لم تستطع أن تجيب أباها ولم تقدر على رفع عينيها لتواجه عينيه، بينما علمت الآن بشاعة ما فعلت في أبيها.
أكمل يوسف ضغطه على جرح أبيها وقال:
"اتفضل من هنا، أنت مش معزوم في الفرح."
نظرت له رحيل وقالت بقهر:
"يوسف، متقولش كدا لبابا."
قال سالم وهو يجر خطواته:
"بابا دلوقتي افتكرتي بابا."
ثم خرج بقلب مكسور مقهور من فعلة ابنته. نظر لها وقال بإقرار حقيقة:
"لما ابن التهامي ياخد غرضه منك وخليل يحقق اللي عاوزه ويحمي ابنه ودورك يخلص، هتلاقي بيت أبوك مفتوح."
وقف عزيز أمام سالم وقال وهو يطيب خاطره:
"بلاش تمشي وانت كدا يا حاج سالم."
قال سالم وصوته اختنق من عبرات حبسها تحكي عن مدى قهر قلبه من ابنته التي خذلته:
"خلاص يا ابني مليش مكان هنا. بعد إذنك."
كم نخر حال سالم قلب عزيز. قال له وهو يوقفه عندما رأى نظرة رحيل المنكسرة لحال أبيها:
"استنى يا حاج سالم، هوصلك. مش هتعرف ترجع البلد لوحدك."
قال خليل وهو يعترض:
"والفرح يا عزيز؟"
قال عزيز بإيجاز ونظرة صارمة تخبر خليل أن يصمت:
"الفرح لأصحابه يا عمي."
***
انقضى الزفاف وكأنه عزاء واجب الجلوس فيه، ليس زفافاً أسطورياً. العروس يملأ قلبها غصة الحزن، والعريس يرى أنه طير سيُحبس في سجن ويُقفل عليه. بينما بقية الحضور يعلمون أنها مسرحية هزلية من إخراج خليل لمحاولة أخيرة لترويض طيش ابنه.
***
وصل عزيز مع سالم إلى قريته التي كان سالم عمدتها وله سمعته الطيبة بين أهل بلدته، إلا أنه أخطأ خطأ عمره حين ترك زهرة حياته تترعرع وسط وحل عائلة التهامي. ودعه بعد أن اطمأن عليه وعاد عزيز لينهي صفقة الأسلحة.
***
احتضن يونس الدكتور إبراهيم بمحبة خالصة. قال وهو يطمئن عليه:
"عامل إيه يا أستاذي؟"
أجابه إبراهيم بمحبة ووجه بشوش:
"الحمد لله يا حبيبي، عامل إيه انت؟"
"بخير والله يا أستاذي."
جلست أمال وقد علمت كل ما حدث لابنتها قبل يومين ووقوف يونس بجانبها وأيضاً طلب يونس ليد آسيا، فقد قصت بلقيس على أمها كل شيء. جلست وهي تنظر لهذا الشاب الشهم الخلوق الذي عز عليه كسر خاطر ابنتها وكسر ابنتها أكثر مما هي عليه، ليقف وبكل شهامة يدافع عنها. هل بقي من هذا الشاب في تلك الأيام؟
سألته باهتمام:
"آسيا أخبارها إيه يا يوسف؟"
أجابها بود:
"الحمد لله يا طنط، بتتحسن."
سأله إبراهيم:
"انت رجعتها المصحة تاني ليه يا يونس؟"
أجابه بإيجاز، فهو يعلم أن بلقيس أخفت ما حدث لأبيها مراعاة منها لحالته الصحية:
"كده أحسن يا دكتور، لازم نحافظ على حالتها النفسية في مرحلة النقاهة."
أومأ بتفهم وقال:
"اعمل اللي تشوفه صح يا ابني. أنا واثق فيك."
قال بعد برهة وهو يستجمع شجاعته وينظر إلى بلقيس أن تعينه في طلبه، ولكنها أشاحت بوجهها بعيداً عنه، فهي ليست موافقة على طلبه:
"عندي طلب أرجو حضرتك توافق عليه."
قال إبراهيم:
"انت تؤمر يا يونس."
قال يونس بتهذيب:
"أنا طالب إيدك آنسة آسيا."
كان طلب يونس مفاجأة لإبراهيم الذي نظر له وقال بثبات:
"آسيا مينفعش تتجوز دلوقتي يا يونس."
ثم قال بصوت ممتن لطلب ابنه الروحي الذي يكاد يجزم أن طلبه هذا ما هو إلا نوع من أنواع رد الجميل لأستاذه:
"وشكراً يا ابني على طلبك، بس أنا بنتي مش هجوزها عطف."
وقف يونس وقال بدفاع عن نفسه:
"حاش لله يا دكتور، أنا لا عشت ولو كنت بفكر كدا في آسيا."
ثم أضاف بشجاعة ولكنه كذب:
"أنا كنت هفاتح حضرتك في الموضوع ده قبل الحادثة. أنا بحب آسيا وعاوز أتجوزها."
وقبل ما حضرتك تقول حاجة، أنا مش شايف في آسيا أي عيب. آسيا بنت محترمة متعلمة، وكفاية إنها بنت أستاذي."
صمت إبراهيم بينما بلقيس اشتعلت نظراتها له لأنها تعلم بكذبه ولا تريد لأختها أن تعالج شفقة أو أن يسترها أحد كما يقولون، فهي لم تفعل شيئاً، هي مجني عليها وليست جانية.
قال إبراهيم بعملية:
"هفكر يا يونس وأرد عليك."
قام بكل تهذيب وانصرف وهو مصمم على أن يجعل إبراهيم يزوجه آسيا. لا يعلم لماذا يريدها بكل هذا الإصرار، ولكنه اعترف لنفسه أن اليوم لا يحلو دون رؤية آسيا.
***
أتم عزيز وضع السلاح في المخازن وتمم عليه. وقبل أن ينصرف وقف الحارس وسأله بوجه بشوش:
"أوامر تانية يا عزيز باشا؟"
قال له بملامح جامدة:
"شكراً يا عم جلال، عينك على المخازن."
أجابه بطاعة:
"متقلقش يا ابني، هي أول بضاعة ولا آخر بضاعة."
قال عزيز:
"تسلم يا عم جلال."
وقبل أن ينصرف، وجد ملثمين بسيارة دفع رباعي يقتربون من عزيز ورجاله. وطلقات النيران نزلت عليهم كالمطر. وقبل أن تخترق الرصاصة صدر عزيز، وقف جلال أمامه ليتلقى هو الرصاصة ويسقط بين يدي عزيز جثة فارقة الحياة.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثامن 8 - بقلم هيام شطا
بلقيس وأنا
البارت الثامن
صرخ عزيز وهو يحتضن جسد عم جلال بين يديه
فكرى انت و الرجاله غطوا عليا
وضع جسد عم جلال أرضا وانطلق وهو يحمل سلاحين فى يديه الاثنين يطلق الطلقات بلا رحمه أو هواده
الى أن وقع أحد أفراد الهجوم أرض
صرخ وهو يعود مره اخرى لحارس المخازن
فكرى هات الكلب ده عايش وافتح العربيه بسرعه وهات دكتور شريف بسرعه على بيت المزرعه عم جلال هيموت
قال فكرى والمخازن يا ملك
قال بلهجه أمره انقل كل البضاعه للمخازن اللى فى الفيوم
ومحدش ياخد خبر حتى عمى
اجابه فكرى بطاعه عمياء
أوامرك يا ملك
ساعة أو اقل وكان عزيز يحمل جسد جلال على قدمه بينما السائق ينطلق بالسياره بسرعه فائقه حتى وصلوا إلى أرض شاسعه زراعيه فى احد القرى المصريه الجميله وكان الفجر قارب على البزوغ
و صل معه الدكتور شريف
صعد عزيز وهو يحمل جلال بسرعه
هتف بصوت غاضب
حصلنى بسرعه يا شريف الراجل بيموت
دلف خلفه الطبيب
أجرى عليه كشف مبدأى وقال بصوت
حزين
الراجل ميت يا عزيز
صرخ عزيز بغضب فى الطبيب
أكشف تانى وتالت اتصرف
دفعه شريف بحده وقال بصوت غاضب
اتصرف ازاي. الراجل ميت
وربنا بس هو اللى بيحيي ويموت
أهدى يا عزيز وأمسك نفسك مش
كدا ومش اول حد يموت
فى عمليه
جلس عزيز أرضا بينما اهلكه الغضب وتمكن منه تأنيب الضمير وقال وحلقه به غصة مريره.
الراجل ملوش ذنب ده كان بيفدينى
كل ذنبه أنه اشتغل عندى وحارس على مخازن مش عارف فيها ايه
قال شريف بإقرار حقيقه
ده وارد أنه يحصل ووارد برضو يحصل له وانت مش معاه لأن مخازن معدات الزراعه يا عزيز انت حاطة معاها السلاح
ثم قال الطبيب بغضب وهو يدفع عزيز الذى فقد كل تركيزه ما عدا تركيز سمعه مع الطبيب
ضميرك جاى يصحى دلوقتى
ضميرك بيأنبك دلوقتى
ليه مصحاش وانا بترجاك تسيبنى ومتورطنيش فى شغلك القذر
ثم نظر لعزيز بستحقار وتركه وتأنيب ضميره الذى استيقظ فجأه ولا يعلم لماذا
........ ... رواية بلقيس وانا بقلمى هيام شطا..........
وقفت فى منصف الغرفه تفرك يديها وعلامات التوتر ظاهره على وجهها
نعم بالأمس كانت تطير فرحا
وهى تضع اللمسات الاخيره فى جناحها هى ويوسف فارس أحلامها
ولكنها الآن تشعر بغصة قهر فى قلبها بعد أن قهرت ابيها وتخلت عنه للمره الثانيه
نظرت إلى يوسف الذى جلس على المقعد المقابل لها.
سألها ببرود وصوت غير مبالى
هتفضلى واقفه كدا كتير
نظرة له وعيناها تتسائل قبل لسانها
اعمل ايه
قال وصوته تملأه نبرة السخريه
هتعملى ايه يعنى.
غيرى هدومك يلا انا عاوز انام
لم تنظر له ولم تتحدث ولم تظهر له نظرة الحزن التى احتلت عيناها
كل ما فعلته أن دلفت إلى الحمام المرفق بغرفتها وحمدت ربها أن فستان زفافها استطاعت أن تفك سحابه
ووجدت زينب وضعت لها ذلك الثوب الابيض المثير التى نظرة له بحزن ولم تهتم أن ترتديه امام يوسف لانه وبكل صراحه ادركت الان من طريقة تعامله معاها منذ أن دلفوا إلى غرفتهم أنه لا يبالى بها أو بتلك الزيجه ويبدو أن ابيها على حق وأنها سوف تندم
خرجت بعد أن ارتدت ثوب النوم وفوقه روب مماثل له
كانت فتنه بجمالها الهادئ وجمال لونها الخمرى الهادئ المتشبع بجمال حمرة الخجل على وجنتيها
ورغم أنها نشأت معه ورغم أنه ابن خالتها إلا أنها تخجل منه وكأنها لاول مره تراه
لا ينكر يوسف أنه حين رآها
اهتز جبل رجولته كيف لتلك الفتنه أن تكون رحيل ابنة خالته
نظر لها بشهوه ولكنه لن يحقق لها أو لأبيه مراده ولن يقترب منها كما عزم بينه وبين نفسه ولن تفرض عليه أو يفرضها ابيه عليه
ولن يخضع لفتنتها حتى أن امتلكت فتنة بنات حواء كلهم
ذهب إلى طرف الفراش الآخر وقال لها
بغضب
هتنامى كدا
قالت ببلاهه امال انام ازاى
قال بقلة لياقه
نامى زى ما تنامى ده شئ ميخصنيش
نام وجذب طرف الفراش عليه لكى لا يفتن بتلك الحوريه ذات الشعر الاسود والعينين البريئتين
بينما هى انكسر خاطرها من كلمات يوسف التى ظنته بالامس القريب مثلها يتلهف لكى يغلق عليهم باب واحد
وهاهى تصتطدم بالواقع المرير وأنها كما قال ابيها مجرد سيتار أو وجهه اجتماعيه لتكتمل صورة الشاب المتزوج المستقيم يوسف التهامى
نامت على طرف الفراش الآخر ولكن عيناها لم تنام وايضا دموعها وشهقات
بكائها تكتمها أو لا تكتمها فهى لن تفرق كثير مع ابن خالتها الجاحد المسمى بزوجها
.............................
كاد الخوف أن يقف قلب خليل بينما يخبره أحد رجاله الذى اوصاهم ودفع لهم مبالغ كبيره حتى يسطوا على مخازن السلاح ويسرقوها رغم انف عزيز وشدد خليل عليهم أن لا يصاب عزيز بأى اذى.
ولكن منفذ العمليه كان له رأى آخر وهو أن يقضى على عزيز ويسرق الشحنه ويحتفظ بها ويضرب عصفورين بحجر واحد
وهو التخلص من اكبر تاجر سلاح ويقطع الذراع الأيمن لخليل التهامى وايضا يستولى على شحنة الاسلحه
ولكن الأمر لم يسر على هواه إذ قفز عم جلال فى لحظه ليفدى عزيز وتفشل خطة راجح و خليل
صرخ خليل بغضب
يعنى ايه ياراجح العمليه باظت كدا
انا قولت تاخد الشحنه
قال راجح بندم زائف
عملت كدا يا باشا
هدر خليل بغضب
لاء معملتش انا قولت بعد ما عزيز يمشى ولو لقيت عزيز هوش عليه بس واقتل رجالته وخد الشحنه
انما انت يا غبى لا اخدت الشحنه ولا قتلت حد من رجالة عزيز
اتشطرت على الحارس ولا البضاعة جبتها ولا خلصت على فكرى الراجل بتاعه ودراعه اليمين
ساله راجح وقد اتقد الشر فى عينيه والخبث فى كلمات
ايه حصل يا باشا يخليك تقلب على ملك الليل والسلاح
هدر خليل والغضب صرخ من عينيه
حصل اللى حصل ملكش فيه
أصر راجح أن يعرف السبب
الذى جعل خليل يتفق على يده اليمين
قال بخبث
مترسينى على الدور يا باشا وانا افيدك
قال خليل وهو. يفكر بصوت عقل ذلك الشيطان
عزيز هيشارك ابراهيم الحديدى علشان ينفذ المستشفى وسمعته
قال ساله راجح بخبث.
وفيها ايه دى حاجه تفرحك الفلوس والشركات هتزيد فوقها مستشفى
ضغط خليل على أسنانه وتحدث بحقد لم يستطع اخفائه
عزيز معملش كدا علشان يزود املاكنا ولا حتى حب فيا ولا فى العيله
عزيز اتغير من اخر صفقه للادويه اتغير بعد اللى حصل للدكتور ده
وانا متاكد أن فيه حاجه اتغيرت حاجه خلته لاول مره يقف قصادى علشان يكون جنب العيله دى.
قال راجح بخبث.
مش يمكن طمعان فى الدكتوره
ضحك خليل بسخريه.
ممكن يا خد الدكتوره والف زيها لو عاوز
عزيز قلبه فيه حاجه صحت ولو عزيز ندم أو خاف على حد قول علينا كلنا يا رحمان يا رحيم
الان فهم راجح قال بعد أن وصل إليه هدف خليل
انت قولت تسرق الصفقه وتخلى الملك يلف حولين نفسه و تشغله مين اخد الصفقه وخسروا فلوس التجار اللى هيدفعها لهم تانى ويرجع فى دائرة الانتقام
وينسى المستشفى والدكتوره
قال خليل بعد أن اندهش بذكاء راجح
برافو عليك يا راجح يعجبنى دماغك
قال راجح لخليل والشر يتقد فى عينيه فلطالما كره عزيز واراد أن يزيحه من أمامه ليكون هو المتحكم فى سوق السلاح
طب ايه رايك فى اللى يريحك خالص من الموضوع ده وتاخد الجمل بما حمل
ساله خليل بلهفه.
هتعمل ايه
اجاب بكره
نقتل الملك
ارتعب خليل وهدر بخوف
لاء
انا قولت نهوش عليه علشان ميخرجش من ايدى انما اموت عزيز لاء يا راجح اوعى تفكر
قال راجح بخبث عندما وجد انزعاج
خليل من الفكره ولكنه بدا يلعب على تلك الفكره ولن يتراجع الا بعد أن يأمره خليل بنفسه بالقضاء على عزيز
أهدى يا باشا دى مجرد دردشه
قال خليل وقد تملك الغضب منه
خلاص يا خفيف أخفى انت واياك حد يعرف عن الموضوع ده
اجابه بطاعه اوامر يا باشا
ساله للمره الثانيه
الولا اللى اتصاب عندك يعرف اى حاجه عنك
قال بغرور
ابدا يا باشا دول شوية عيال شمال اخدتهم نخلص المصلحه ولا يعرفونى ولا يعرفوا اسمى
قال خليل بأمر
اختفى انت اليومين دول لحد ما الحكايه تهدى
أوامرك يا باشا
جلس خليل يفكر فى طريقه جديده ليعيد عزيز اليه مره اخرى قبل أن ينغمس فى طريق الخير الذى بدأ يخطوا فيه ويعجب بجمال أنواره الساطعه
.......بلقيس وانا بقلمى هيام شطا......
وقف عزيز يرتدى نظارته السوداء تحجب عينيه الممتلأه بنظرات الندم أمام المقابر بجانب ابن عم جلال يوارى جثمانه إلى مثواه الأخير بعد أن اقنعهم أن والدهم تعرض إلى ازمه قلبيه أثناء عمله وأخرجه من مشفى شريف مكفن ولم يعلم أحد سبب موت ذلك الرجل الطيب الذى خسر حياته ليفدى عزيز وكان ذلك اليوم
نقطة تحول أخرى فى شخصية عزيز.
سلم عزيز على ابن الرجل الطيب الذى دفع حياته مقابل حياة عزيز
قال بحزن وهو يجلس معهم بعد أن انقضى العزاء
البقاء لله يا محمود
اجابه الشاب بحزن وعينان دامعه على فراق السند والظهر لهم فى الحياه ومن اغلى من الاب
ولله الدوام يا عزيز بيه
اخرج عزيز ذلك الشيك من جيبه وأعطاه لام محمود وقال والحزن يخيم على صوته
دى مكافئة عم جلال
وله كمان كل شهر المعاش بتاعه
نظرة ام محمود إلى الشيك وقالت بدهشه بس ده كتير يا عزيز بيه
أجابها بصوت حزين
مش كتير ولا حاجه عم جلال مات وهو فى الشغل وده أقل من حقه
سالته بلهفة ام تخشى مرارة الايام
وذل الحوجه
كل اللى انا عوزاه منك يا عزيز بيه
تشغل محمود عندك
أجابها بتأكيد
اكيد محمود مكانه موجود بس يخلص الكليه واى حاجه هتحتاجوها انا دايما موجود
أعطى لهم ذلك المبلغ الكبير وذالك الميعاش الشهرى لكى يرضى ضميره أو يعطى لضميره مسكن ليصمت قليلا
عن جلده بسوط الندم
..............................
خرج بكل غضب الدنيا وضمير يصرخ فيه بعد أن شاهد حال تلك الاسره المنكوبه فى ابيها.
وذهب مباشرتا إلى مكان الذى احتفظ فيه فكرى بذلك الرجل الذى سقط فى ايدى رجال عزيز
دلف إليه وخلع جاكت بذلته
وشمر عن ساعديه القويين سال فكرى
الكلب ده فين.
قال فكرى بطاعة
جوه يا باشا
عرفتوا مين اللى كان معاهم ومين اللى هجم علينا
قال فكرى بجديه
الولا ده متأجر ساعه يقضى الشغلانه وخلاص يا باشا ميعرفش حاجه
هدر بغضب
فكرى انت هتخيب ولا ايه
طلع منه الكلام غصب عنه طلعه بطلوع روحه
ثم دلف إلى ذلك الرجل يضربه بكل غل وغضب
حتى كاد أن تزهق روحه أبعده فكرى عن الرجل وقال وهو يحاول أن يهدأهأهدى يا ملك الراجل هيموت فى ايدك قبل ما نوصل للى عامل الهجوم علينا.
طلع الكلام منه يا فكرى
قال الرجل الذى كاد أن يموت
انا اعرف شكل الراجل اللى اتفق معانا لو شوفت صورته
هدر عزيز
وريه كل صور اللى شغالين ضددنا وكمان اللى معانا ميخرجش من هنا الا لما اعرف
اطاعه فكرى وهو انصرف والفكر يكاد يطيح برأسه من تجرأ وفعل هذا مع ملك الليل عزيز التهامى
...........................
مر اسبوع على. الحادث وهو لا يتوانى عن استجواب وعرض الصور على ذلك المجرم حتى يصل الى الحقيقه
جلس فى سيارته واخد يدور بلا هدى وجد نفسه أمام المشفى مره اخرى
نزل وصعد مباشرتا إلى مكتبها وكأنه يعلم أنها به
من اين أتى بهذا اليقين ولكنه كان يتمنى أن يجدها لا يعلم لماذا يحل السلام فى قلبه عندما ينظر اليها والى عيناها الثائره دايما
وقف أمام مكتبها وسمع صوت ورده تغنى اغنيه جديده ويبدوا أنها مغرمه مثله بأغانى ورده
مالى طب وانا مالى وانا مالى بالاحزان وانامالى وانا مالى بالاحزان انا مالى
عائشه احلا ليالى ويا حبيبى الغالى وبحبك اوى يا عيونى وبحبك مهما لمونى ما يلوموا طب وانا مالى
عندما انتهى من الاستماع غضب من تخيله وسؤال صدح فى رأسه
ترى هل تحب وتستمع تلك الاغنيه من أجل حبيبها
هل تحن لطليقها
ترى لماذا اختلفت معه وانفصلت عنه
هل تحن له
دلف إلى المكتب مباشرتا دون أن يطرق الباب وكانت هى متكأه على المقعد ويبدو أنها مندمجه مع الاغنيه
قال بصوت غاضب لم يستطع التحكم فيه
مساء الخير يا دكتوره
انتفضت من مقعدها منزعجه من دخوله الغير لائق
قالت بغضب هى أيضا
مستر عزيز فيه ايه.
ثم أكملت بغضب انت ازاى تدخل كدا
أجابها بتهكم وكذب حتى يخفى حرجه
خبط وانتى مسمعتيش ورده وخداك فى دنيا تانيه
قالت بعناد لأنها على يقين أنه لم يطرق الباب
مسمعتش
أجابها بغرور وهو يعتدل ليجلس على المقعد المقابل لها.
مش مشكلتى المهم أنى خبط
ايه جايبك المستشفى باليل
قالت له وهى تكبح غضبها من ذلك المتعجرف.
كنت بخلص شوية حاجات قبل الافتتاح
سألها بهيمنه
وخلصتى
قالت بعناد
لاء
هتتأخرى
اختلفت الان نبرة صوته وتحولت إلى الاهتمام
خضعت نبرتها إليه وقالت بهدوء
قربت اخلص بس كويس انك جيت علشان عاوزه منك خدمه
ابتسم تلك الابتسامه النادره التى لا تظهر على وجهه الغامض الا فى المناسبات
وقال بهدوء وبحه مخدره للعقل قبل القلب
أوامر مش طلب يا دكتوره
من تلك البسمه الجميله التى زينت وجهه وطريقته فى الحديث الذى يطوعها له وللموقف وكأنه ساحر
ارتبكت بلقيس وتحول وجهها إلى حمرة الخجل لا تعرف لماذا ولكنها تكاد تجزم أن هذا الرجل ساحر يقلب المواقف يغير الحقائق يتلاعب بها وبمشاعرها
قالت بصوت مرتبك
لا ابدا ولا ووامر ولا حاجه انا عوزاك تبلغ يونس أنه ينسى خالص الطلب اللى طلبه من بابا ويشيل موضوع اسيا من دماغه
قال لها بهدوء وتعقل حيث أنه يعرف أخيه حق المعرفه
ويعرف أنه لن يقدم على هذا الطلب الا اذا كان يمتلك مشاعر لآسيا
وليه يشيل الموضوع من دماغه وليه اصلا يصرف نظر عنه.
قالت بنفاذ صبر بينما ترى أن يونس تقدم للزواج بأسيا لمجرد أنه يشفق عليها ولحظة شهامه منه وسيحل الندم بعدها وهى لا تريد لاختها أن تتدمر كليا لو تخلى عنها يونس بعد أن يفيق من نشوة الشهامه.
علشان اختى مش هتتجوز شفقه وقولت الحكايه دى الف مره
قال لها بنفس العقل والهدوء.
مين قال أن يونس هيتجوزها شفقه
اختك معملتش حاجه غلط
ولا هى أقل من اى بنت بالعكس اختك ضحيه ونسب الدكتور ابراهيم يشرف اى حد
قالت بيأس من ان تقنعه بوجهة نظرها
بكره يونس هيندم
أجابها بحكمه
مش يمكن يعالجها وتخف وترجع معاه للدنيا تانى ويبقى كسبنا حياة اختك وكمان زوجه جميله ليونس.
ثم أكمل حديثه بكل حكمه وصوت العقل
الدنيا علمتني. يا دكتوره أن انا لو عاوز حاجه وشايف انى سعادتى فيها أمد ايدى واخدها حتى لو فيها مغامره
لان المغامر بس هو اللى يعرف معنى السعاده
سيبى يونس يعالج اختك ويقرب منها واعتبريها مغامره لأختك مش يمكن تطلع كسبانه هى كمان تكسب حياتها وترجع لها.
وزوج ناجح وبيحبها وهيحميها زى يونس.
سالته بدهشه
بحبها
أجابها وهو يغمز لها بعينه بشقاوه
باعتبار ما سيكون مهو مش هيفضل رائد كدا جمبها فى المصحه الا إذا حبها
قالت بخجل من حديثه
مستر عزيز
وضع اصبعه على فمها وقال بأمر
عزيز بس مش كنا نيسينا مستر دى
تلجمت بل فقدت صوتها لفعلته المفاجئه والجريئه منه
تراجعت للخلف وقالت
عزيز لو سمحت
قال لها بمشاكسه
ايوا كدا كويس عزيز وبلقيس.
ولا اقولك بلا احلا. اصل بلقيس دى تقيله على لسانى
تملك منها الخجل ولم تتحدث أو نجيبه بينما هو غرق لاذنيه فى جمال خجلها
وضربات قلبه كادت تخرج من مكانها من تأثير تلك البلقيس عليه
حمحم ليجلى صوته وقال لها
بتعقل
صدقينى اسيا مش هتخسر وانا مش هقول لك حاجه على اخلاق يونس لانى متأكد انك تعرفيه زيى تمام سبيه يعلجها
وانتى عليك تقنعى الدكتور ابراهيم بده وهستنى تليفون منك بمعاد الخطوبه.
قالت بدهشه
حيلك حيلك يا استاذ عزيز انا لسه مش مقتنعه
قال بغرور وهو يقف ويغلق ازراز جاكت حلته الانيقه
هتقتنعى وهتقنعى الدكتور ابراهيم ويلا علشان اوصلك الوقت اتأخر.
................................
جلس يونس فى اليوم التالى أمام اسيا التى عادت إلى حالتها الاولى بعد تلك الصدمه التى تعرضت لها
جلس أمامها يتأمل صمتها عيناها الحزينه الشارده
سألها بصوت حنون
واخرتها يا اسيا
كنا بقينا كويسين هترجعى تسكتى تانى
لم تجيبه ولم تبدى اى ردة فعل وكأنها ليست معه
أوصى الممرضه أن تعطى لها علاجها بينما هو انتوى أن يذهب إلى الدكتور ابراهيم ولن يعود الا بموافقته فلربما تلك الخطوه تجعلها تتحسن إذا وجدت من يريدها ولا يخجل منها
...........................
دلف اخر الليل ككل ليله مخمور لا يدرى بشئ حوله بترنح من أثر السكر
هبت رحيل حين سمعته يقترب منها
وقال وهو بين الليقظه والسكر وهو يمسك يدها وينظر إلى مفاتنها التى ظهرت أمامه من ذلك الثوب المثير.
رحيل انتى حلوه اوي
قالت بخوف وهى تحاول الابتعاد عنه
يوسف انت سكران.
قال وقد اتقدت نار الشهوه فى عينيه
ايوا سكران بجمالك يا رحيل
تعالى
ثم جذبها له وأخذ يقبلها بعنف دفعته عنها وصاحت بغضب
ابعد عنى يا حيوان انت بتعمل ايه.
قال وهو يعاود الهجوم عليها.
بعمل اللى. نفسك فيه من يوم ما اتنفقتى انتى وخليل بيه عليا انك تتجوزينى
مش ده اللى انتى عوزاه يا رورو
دفعته مره اخرى بعيدا عنها وقالت وقد تملك منها التقزز من حالته المزريه ورائحته الكريهه
لاء مش ده اللى انا عوزاه وابعد بعيد عنى .لم يعير حديثها اى قيمه بينما هو يريد أن يتفنن فى إشباع رغبته من تلك الحوريه التى أمامه وايضا هى بالنسبه له وجبه دسمه ومجانيه.
اقترب منها واحاطها بين جسده العريض والحائط وقال وهو يجذبها إلى صدره ويهجم بضراوه على شفتيها.
لاء يا حلوه انتى مراتى وهاخد اللى انا عاوزه منك
.............انتهى البارت دمتم بخير .ايه توقعاتكم البارت الجديد بقلمى هيام شطا
رواية بلقيس و أنا الفصل التاسع 9 - بقلم هيام شطا
دلف خليل إلى فيلا التهامي بعد أن تجاوزت الثالثة فجراً. صعد السلم بينما عقله يعمل كالطاحونة.
يخاف إذا تذوق عزيز حلاوة الحلال وهدأت ثورة الغضب من الفقر وانطفأت شهوة الركض وراء حب المال. ليخلق في قلبه شهوة أخرى يريد أن يغوص فيها.
لم ينس خليل نظرة عزيز لتلك الطبيبة يوم حادث أختها. لم تكن نظرة الملك الميتة لكل بنات حواء، كانت نظرة جديدة عليه، نظرة حنين لبنات حواء لم يراها في عينيه منذ أن كان مراهقاً يهوى بنت الجيران الذي رقد خلفها حتى بعد أن تخلت عنه وتزوجت غيره.
لم يتراجع عنها بعد أن أصبح الملك. عادت له لتغريه بحبها المزعوم وأن أهلها من أرغموها على الزواج من غيره. وهو جعلها تتخلى عن زوجها وابنته لتتزوج عزيز. هو وجد في تخليها عن حياتها من أجله إرضاء لغروره الذكوري، وهي لم تكن تريد إلا أموال عزيز.
وبالطبع خليل كان يعلم كل تلك الأمور، فهو يجعل الأعين على عزيز لأنه ببساطة هو صمام أمانه وأمان تجارتهم المشبوهة. حتى أنه الوجهة الاجتماعية المشرفة لأعمالهم التي هي صورة مخملية لعائلة التهامي.
ولن يقف خليل مكتوف الأيدي ويترك عزيز يتذوق حلاوة العشق الحلال مرة أخرى أو يخرج من تحت عباءته.
سمع خليل وهو يمر في الممر المؤدي إلى غرف النوم صوت رحيل بينما تصرخ وكأن أحدهم يتهجم عليها. أسرع وفتح غرفة ابنه يوسف ورحيل. وجد ابنه مثل الثور الذي فقد السيطرة على نفسه يهجم بكل وحشية ويمزق ثوب زوجته ويحاول أن يعاشرها رغم عنها.
انطلق خليل ودفع يوسف عن رحيل وصفعه على وجهه صفعة أيقظت عقل يوسف المخمور، بينما رحيل وقفت ترتجف مثل العصفور الذي غرق عشه بماء المطر، تختبئ خلف خليل.
صاح خليل والغضب يشتعل بعينيه: "انت بتعمل ايه يا حيوان؟"
نظر له يوسف وهو يمسح جانب فمه من قطرات الدماء التي نزلت منه أثر صفعة أبيه وقال ببرود وهو يحاول أن يجمع شتات نفسه وعقله: "بعمل ايه يعني، مراتي وعاوز حقي الشرعي فيها وهي مش موافقة."
صرخ خليل وهو يمسك في مقدمة قميصه ويدفعه بتقزز: "تاخد حقك الشرعي غصب عنها يا حيوان!"
تهكمت ضحكة يوسف وقال: "دي الطريقة اللي اعرفها يا .... بابا. وبعدين ما هي عاوزة كدا، امال كانت متجوزاني وموافقة عليا ليه وهي عارفة اني كدا وانت متفق معاها على كدا؟"
لم يشعر خليل إلا وهو ينهال على وجه ابنه الأحمق الذي أصر وبمنتهى الغباء أن ينهي زيجته ويحطم ملاك الرحمة التي أحبته.
صرخ خليل بغضب وهو ينهال على وجه يوسف بالصفعات المتتالية: "اخرس يا حيوان!"
انتفضت رحيل وهي تبكي بحرقة تبعد يد خليل المنهالة بالضرب على وجه يوسف وهي تصرخ ببكاء: "خلاص يا عمي لو سمحت ابعد عن يوسف، أنا هحل مشاكلي معاه."
وعى خليل على نفسه بينما انتابته حالة من الغضب عندما وضع يوسف أمامه حقيقته الحقيرة وأيضاً العارية، فهو استغل سذاجة رحيل وضعف قلبها الذي يهوى ابنه، فبدأ في ضربه حتى يصمت ولا تفهم رحيل أنها بملء إرادتها فضلت البقاء مع مغتصب حيوان وانطلت عليها حيلة أبيه وكذبه.
خرج خليل من الغرفة والغضب مازال يعميه من كلام ابنه الأهوج الذي عجز عن فهم عقله الذي يدفعه لتدمير أي شيء يفعله خليل أبيه لبنائه ويجعله إنسان ناجح. بينما خليل نسي أهم شيء في ذلك البناء وهو أن يبني أخلاق ابنه.
جلست رحيل بجوار يوسف على أرض الغرفة واتكأت للفراش.
قال بصوت مقهور وهو ينظر لها بينما وجهه تورم من صفعات أبيه: "انت ملاك يا رحيل وأنا شيطان، أنا شيطان يا رحيل."
بدأ في البكاء. اقتربت منه وهو وضع رأسه على صدرها وزاد في البكاء. بينما هي لم تتمالك نفسها بدأت تبكي هي الأخرى ولا تعلم لأي شيء تبكي. تبكي على سوء اختيارها أم تبكي على زوج غير مسؤول فصلته وتزوجته وتخلت عن أبيها من أجله.
ثم غفى على صدرها وهي أيضاً غلبها النوم وهي تحتضن رأسه.
وقف في شرفة شقتها يتذكر أيامه الخوالي كيف كان مراهقاً بريئاً وقع في عشق بنت الجيران التي تسكن أمامه. كان بحبها حب بريء. لم تلوثه ذنوب ومعاصي الأيام.
من خلفه تتهادى في مشيتها، وضعت يدها بدلال على ظهره وسألته بصوت ناعم كنعومتها: "اللي واخد عقلك يا عزيز؟"
نظر لها نفس النظرة الميتة وقال بتهكم: "قصده محدش."
سألته مرة أخرى بينما تزيد من جرعة دلالها عليه: "يعني مش أنا؟"
ضحك بخفة، ضحكة لم تصل إلى وجهه وقال بزهو وغرور: "ولا انتي ولا ألف زيك ياخد عقلي يا دودو." أضاف آخر كلمتين بسخرية.
ثم سألها بنفس الصوت البارد: "قوليلي يا دودو."
قالت بلهفة حين ظنت أنه سيطلب منها أي شيء تفعله له: "انت اتجوزتيني عرفي ليه؟"
قالت دون تفكير: "عشان بحبك يا عزيز."
سألها مرة أخرى: "بتحبني أكتر من بنتك؟"
قالت بجحود بينما أعماها حب المال والرفاهية التي تحتمي فيها تحت كنف عزيز: "بحبك أكتر من نفسي يا عزيز."
قال بمكر: "حتى لو خسرت كل فلوسي ورجعت على الحديدة زي زمان؟"
ارتعش صوتها وقالت بصوت يرتجف: "أنا هفضل معاك حتى لو خسرت كل فلوسك يا ملك."
قال بتهكم بينما علم من نبرة صوتها أنها تكذب: "وليه مفضلتش معايا زمان؟ كان زمانا عايشين ومخلفين وحياتنا كويسة."
قالت بكذب: "والله يا عزيز، هقولك ألف مرة عمي غصبني على الجواز."
ثم وقفت أمامه وهي تزيد من دلالها له وقالت بصوتها الناعم: "الليل قرب يخلص يا ملك، هتفضل واقف هنا كتير؟ تعالي ندخل نريح جوه."
الفجر قرب يأذن. نظر لها وانساق خلف يدها التي تسحبه وهو انساق خلفها لعله يجد في الخلاص من شهوته التي تتملكه كلما أتى ليرتمي في أحضانها أحضان شيء من مراهقته البريئة التي دنسها الفقر وطمع درة.
قبلته بلهفة وهو مغمض العينين، وما أن فتح عينيه وجدها أمامه وهو يتبادل معها القبل المحمولة. إنها ملكة أفكاره بلقيس، تخيلها هي من تبادله القبل الشغوفة للحظة. كانت من أجمل لحظاته. ثم عاد إلى واقعه بينما درة هي من أمامه. ابتعد عنها كمن لدغته عقرب وتملك منه الدهشة لفعله الغير متوقع. بينما خمدت نار دره أمامه لتشتعل في قلبه جذوة نار أخرى لا يعلمها، نار الاشتياق لصاحبة العيون الجريئة والشخصية القوية، أنها الملكة كما يلقبها بلقيس.
حمل متعلقاته وخرج مسرعاً وترك درة في لحظة وهي في دهشة من أمره ودهشة أخرى من أمر قبلته المتأنية التي ولاول مرة تتذوقها منه وكأنه يتذوق شفتيها لأول مرة.
إنه صباح جديد تتمنى من الله أن يكون مشرقاً جميلاً كحال شمسه الدافئة الجميلة.
وقفت أمام أختها في حديقة المصحة النفسية تتأملها وتتأمل هدوئها وجمالها الحزين.
اقتربت منها وهي تبتسم بشوق لها.
انتبهت أسيا أن بلقيس أمامها وتبتسم لها بشوق. وقفت واللهفة تعلو وجهها وارتمت في أحضان أختها الحنونة.
جلست بعد وقت ليس بقليل قضته في أحضان أختها.
سألتها بلقيس بصوت يقطر حنان: "كويسة يا حبيبتي؟"
أومأت لها دون حديث.
قالت بلقيس بعتاب محبة: "انتي مش هتتكلمي معايا أنا كمان يا أسيا؟"
نظرت لها أسيا بخوف.
قالت بلقيس بمرح: "اتكلمي يا روح قلبي وأنا مش هقول ليونس."
رغماً عنها ابتسمت تلك الجميلة الحزينة على ذكر طبيبها الحنون وأيضاً المجنون.
سألتها بلقيس بترقب لتعلم ردة فعلها: "الدكتور يونس طلب ايدك من بابا يا أسيا؟"
نظرت لها أسيا وقد اعتلت المفاجأة وعقلها أصبح في حالة فوضى. هل طلبها فعلاً؟ إذا لم يكن يمزح أو يتحدث بأي حديث حتى ينهي هذا اللقاء الثقيل التي تعرضت له من أم ليلى. تاهت وتاه عقلها.
نظرت لها بلقيس بترقب وهي تقرأ تعابير وجه أختها التي تتماوج بين الدهشة والبسمة والتعجب. لا تعلم ما فعلته تصرف سليم أم لا، ولكنها لابد أن تتحقق من حديث يونس الذي أخبرها قبل يومين حين أتى إلى منزلهم مرة أخرى ليعلم رد الدكتور إبراهيم على طلبه الذي استماله له وخصوصاً أنه من اهتم به وهو طالب. بينما وافقت آمال أم بلقيس من أول يوم وهي تحمد الله أن شاب ناجح مثل يونس تقدم لخطبة ابنتها المدمرة حرفياً بجريمة لم ترتكب فيها أي ذنب.
وافق الدكتور إبراهيم ولكنه وضع شرطاً مهماً أن توافق أسيا أولاً. استحسنت بلقيس رأي أبيها. وتوجس يونس الخوف من رفضها. ولكنه أخبر بلقيس أنها في مراحل النقاهة وأنها لم تعاني من أي مرض عضوي ولكن نفسيتها بها بعض الاضطراب بعد أن انقضى ستة أشهر من علاجها.
نظرت لها تترقب إجابتها أو أي إيماءة منها تدل على أي موقف منها.
بينما وقف يونس يسترق النظر والاستماع لتلك المحادثة بين أميرته الحزينة وأختها الصارمة. وقف هو وقلبه الذي علت وتيرة خفقانه من الخوف. الخوف عليها من الصدمة الجديدة، والخوف من ردة فعلها.
عقل أسيا مازال يعمل ويحسب ويخبط، بينما قلبها وجد هوى من طلبه وأحب الطلب. أو بالمعنى الصحيح أحبت أن تكون مرغوبة من أحدهم بعد ما حل بها. انتصر هوى قلبها مؤخراً وقالت برغبة تولدت لديها من رغبة يونس في طلبها: "أنا موافقة يا بلقيس، بس نروح من هنا."
"مهلا مهلا" نطقت الأميرة الصامتة.
دهشت بلقيس من جواب أختها ولكنها أخيراً تنفست الصعداء حين سمعت صوت أختها يخرج بعد غياب شهرين آخرين بعد أن عاد منذ شهرين ثم اختفى مرة أخرى بعد أن تعافت من كربتها.
احتضنتها بلقيس والفرحة تكاد تتجسد في فتاة صغيرة تقفز من شدة الفرحة.
بينما يونس أخفى فرحته وتمالك نفسه وانصرف إلى مكتبه ليكتب جواب الخروج لأميرته الحزينة.
وقفت أمام مكتبه وهو ينهي إجراءات خروجها.
قالت أسيا بمكر: "طبعاً خلصتها كلها قبل ما أطلبها."
قال بمكر لكي لا يفضح أمره: "وأنا هعرف منين يا بلقيس؟"
قالت بمرح: "وكمان بلقيس ومفيش دكتورة بلقيس؟"
أجابها بنفس المرح: "خلاص بقى هتبقى حماتي." ثم غمز لها بشقاوة تعكس فرحته.
قالت بلقيس بجدية: "أنا عارفة أن أسيا مش متزنة نفسياً يا يونس ومش خايفة عليها وهي معاك، بس اللي خايفة منه إنك في يوم تندم إنك ارتبطت بها."
قال وقد انزعجت ملامحه: "تأكدي يا دكتورة، عمر اليوم ده ما هيجي أبداً."
وصلت هي وآسيا إلى بيتهم الذي أخيراً عاد إليه الفرح بعد مرور ستة أشهر من الكآبة.
استقبلتهم أمهم بفرحة وأيضاً الدكتور إبراهيم أبيهم.
وعندما دلفت إلى حجرتها اتصلت به لتخبره كما طلب منها.
أجاب في لحظة.
قالت بصوت رزين عكس تلك الفرحة الطاغية على ملامحها: "مستر عزيز."
انزعج هو وقال بصوته البارد: "مش كنا اتفقنا من غير مستر."
خجلت ولأول مرة تخجل منه وكأنه أمامها.
سألها بهدوء: "رحتي فين؟"
أجابت بصوتها الأثيم: "معاك."
قال هو بفطنة وذكاء حاد: "نقول مبروك؟"
دهشت من فطنته. سألته: "عرفت منين؟"
أجابها بمرح: "انتي متعرفيش اني أقدر أقرأ أفكارك."
جارته في مرحه وقالت: "يا لطيف يا لطيف."
علت ضحكتهم معاً ثم هدأت وعم السكون الذي قطعه وقال: "هنجيب الحاجة وعمي أول خميس بعد الافتتاح نطلب أيد أسيا."
قالت ومازالت بسمتها عالقة بصوتها: "إن شاء الله."
وقف عزيز ويونس يراقبوا تعابير وجه أمهم بعد أن أخبرها يونس برغبته في أن يتزوج. كم فرحت حين سمعت هذا الخبر، ولكنها بعد لحظات غيرت فرحها إلى غضب حين علمت أن من يريد يونس أن يتزوجها هي أسيا صاحبة القضية الشهيرة مع ابن عمه يوسف.
قال خليل بغضب لكي ينحي زينب عن أي موافقة: "انت اتجننت يا يونس؟ عاوز تتجوز البنت دي اللي اتبلت على ابن عمك."
صاح يونس بغضب في عمه: "عمي لو سمحت بلاش نتكلم في الموضوع ده وأنا مش باخد رأيك أصلاً، أنا بكلمك أمي."
انتفض خليل وصاح بغضب: "هي بقت كدا يا دكتور؟"
قال يونس: "أيوا يا عمي هي كدا."
نظر عزيز لأمه وقال بهدوء: "أهدي يا أمي، ده قرار يونس."
هتفت زينب بغضب أعمى بعد أن ملأ كلام خليل المسموم رأسها: "هل يعقل أن ابنها الطبيب الخلوق سيتزوج تلك الفتاة التي كانت على علاقة بصديق يوسف؟ انت اتجننت يا يونس، مين اللي عاوز تتجوزها دي؟ فوق يا ابني، دي مش شكلنا ولا زيك."
ثم قالت بقهر أم خائفة على ابنها أن تستغله فتاة سيئة السمعة: "دي سمعتها في الوحل يا ابني، فوق."
هتف يونس بغضب تملك منه بعد حديث أمه: "ماما لو سمحتي، أسيا أشرف من أي حد. أسيا ضحية وملهاش ذنب."
قالت زينب وهي تحاول أن تثني ابنها بشتى الطرق عما أنت فعله: "ضحية مش ضحية، أنا مش موافقة على الجوازة دي وهمنعك."
"هتمنعيني إزاي يا أمي؟"
قالت زينب بينما غضبها اشتعل من ابنها ووصل لأخره: "لو اتجوزتها، لا انت ابني ولا أعرفك."
قال يونس وقد شق حديث أمه قلبه من الحزن: "انتي حرة يا أمي، لو عاوزة تتبري مني، بس بكرة تعرفي أن أسيا أنضف من أي واحدة في الدنيا وأنا مش شايف فيها أي عيب."
ثم قبل رأس أمه وقال وهو يغادر ويترك المنزل: "وانتي هتفضلي أمي حبيبة قلبي حتى لو انتي مش عاوزاني."
رواية بلقيس و أنا الفصل العاشر 10 - بقلم هيام شطا
دلف يوسف في هدوء يتحسس خطواته حتى لا تشعر به أو تستيقظ. فهو منذ أسبوع وهو يتحاشى النظر إليها أو الاجتماع بها في مكان واحد. يحضر إلى البيت بعد أن تغفو ويخرج قبل أن تستيقظ من اليوم التالي، بعد المغرب يخرج ليعود فجرًا، وهكذا استمر يوسف على وتيرة حياته. حياة بلا هدف، منعم بجميع ما يحتاج، ولكنه لا يملك السعادة ولا يجد الرضى.
ولكن منذ أن انهار بين يدي رحيل بعد تلك الليلة، أصبح كل شيء مختلف. رأى رحيل بعين أخرى، بعد أن كان يمقت رؤياها أصبح يخجل من رؤياها، يشعر وكأنه عارٍ أمامها بعد أن احتضنته بحنان مختلف عن حنان أبيه الذي يشعر أنه يخنقه ولا يجد متنفسًا له إلا تلك الأفعال القبيحة التي يتصنع في فعلها لكي يستفز أبيه أو يغضبه أو يشعره بالتقصير من ناحيته.
اتخذ طرف الفراش ملجأ له وتكوم على نفسه كالجنين في بطن أمه. ولكن، وللغرابة، شعر بمن يحتضنه من الخلف. وهمست له بترجٍ وصدق:
"بحبك يا يوسف وأنت مصمم تقتل حبي ليك."
صعق مرتين. مرة من ذلك الدفء الذي غزا جسده فجأة حين احتضنته رحيل. والمرة الأخرى بعد هذا التصريح الذي هدم كيانه ودمر أي ثبات أو أي شر بداخله لرحيل. ثم سمع صوتها المكتوم بشهقات البكاء، وكأن هذا آخر سكين يغرز في قلبه ليجبره على الالتفات لها ومواجهتها أخيرًا بعد أسبوع من الهروب.
أنار ضوء الغرفة واعتدل في جلسته، وهي مازالت متشبثة في ثيابه وبكاؤه شهقاته تعلو. استجمع ثباته وحاول السيطرة على صوته المرتجف وسألها وهو يرتب على ظهرها بحنان:
"شفتي مني إيه يا رحيل خلاكي تحبيني؟"
أجابته بصدق:
"مش عارفه. أنا وعيت على الدنيا لقيتك في قلبي، لقيتني عايشة معاك هنا. خالتي الله يرحمها كانت أمي وأمك ياما وأنا صغيرة كانت تقولي: هجوزك يوسف عشان تفضلي معايا طول العمر. بس هي سابتني وماتت وأنا قلبي اتعلق بيك ومحدش له سلطان على قلبه يا يوسف."
تنهد يوسف بقلة حيلة. فهي محقة في كل حديثها، لا أحد يملك سلطان على قلبه، وهي لا ذنب لها أن أحبته بكل صفاته الذميمة. شدد بيديه من احتضانها وسألها برجاء:
"ساعديني أتغير يا رحيل. أنا عاوز أتغير عشانك وعشان نفسي. عاوز أبقى واحد تاني."
لم تصدق أنها استمعت منه تلك الكلمات. زادت شهقات بكائها، ولكن تلك المرة كانت تبكي فرحًا. وله، هل سيتغير من أجلها؟ أومأت له وهي مازالت تقبع بين أحضانه، وهو شعر بها وكأن بكاءها تحول إلى ضحك، ولكنه لا يزال مخلوطًا بالدموع.
***
وقفت في وسط العمال تنهي آخر التعديلات قبل افتتاح المشفى. لقد تأخروا أكثر من شهر، ولكن عزيز حول المشفى إلى مشفى عالمي. لم يبخل عليها بشيء وسمع اقتراحاتها في كل شيء. حتى القسم المدعم للمحتاجين لم يعترض عليه، بل أنه جعله في نفس مستوى المشفى. كم اختلج قلبها حين أطاعها بكل هدوء ولم يبدِ أي اعتراض. تتذكر حين طلب منه أن يكون في المشفى الاستثماري الناجح قسم للمحتاجين أو من لا يستطيع دفع تكلفة العلاج أو دفع نصفها. ابتسم لها بسمة جميلة وقال بأسلوب رجال العصابات:
"وماله يا دكتورة، لازم المصلحة يكون فيها لله عشان تجبر."
ثم غمز لها بشقاوة. وهنا رأت جانبًا من شخصيته السوقية وأيضًا المرحة.
فاقت من شرودها على صوت تمقتهم:
"مبروك يا دكتورة على كدا. بقى الإشاعات صح وعزيز التهامي شال الليلة ودفع ديون المستشفى؟"
همست بينها وبين نفسها:
"بكرة."
"آدم." نعم، إنه آدم، طليقها. استدارت ونظرت له بكل ثقة وغرور وقالت ببرود:
"أهلًا دكتور آدم، نورت مستشفى الحديدي."
قال آدم بسماجة:
"المستشفى منورة بأصحابها يا.. دكتورة." أضاف آخر كلماته بسخرية يقصدها حتى يخرجها عن برودها.
لم تعير كلامه اهتمامًا وقالت بنفس الصوت البارد:
"أي خدمة يا دكتور آدم؟"
قال ونفس الضحكة الخبيثة على وجهه:
"أنا شايف إن المستشفى رجعت أحسن من الأول ألف مرة. دا عزيز بيه مضحّي أوي يا دكتورة، يا ترى بيعمل كدا لوجه الله؟"
نظرت بلقيس لآدم والدهشة تعلو وجهها وأجابته بثبات وصوت متهكم:
"لأ يا دكتور، دا بيزنس."
سألها وصوته يملأه الاتهام وكانها حين شاركته عزيز فعلت أمرًا مشينًا:
"عزيز التهامي مش بيدخل شراكة خسرانة يا دكتور. إيه هيخليه يشارك أبوك في مستشفى واقعة؟"
ملأها الغضب من وقاحة أسئلة زوجها السابق. قالت له بصوت غاضب:
"مش شغلك يا دكتور. واحد شايف إنه هيكسب من المستشفى هو حر في فلوسها."
اقترب منها آدم وقال بصوت هامس:
"حر في فلوسه أيوه يا بلقيس، مش حر فيكِ، وميحلمش إنه ممكن ياخدك مني. إنتي بتاعتي أنا وبس."
صدمت، بل صعقت مما سمعت من زوجها السابق. هدرت وقد أعماها غضبها واشعلت كلمات طليقها نار النفور عندها:
"أنا مش بتاعت حد يا دكتور. واتفضل اطلع بره."
سألها وهو ينوي استفزازها، يعلم أنها إن غضبت يعميها غضبها وهو يحب أن يغضبها وأيضًا يوقعها في الأخطاء:
"وإن ما طلعتش يا... بلقيس."
وقبل أن تجيب أو حتى تلتفت له، وجد لكمة قوية تطرحه أرضًا وصوت اشتعل فيه الغضب يصيح:
"هطلعك منها ميت يا روح أمك."
ثم أنهال عليه باللكمات القوية المتتالية. جرت بلقيس تحاول أن توقف عزيز من ضرب آدم الذي كاد أن يقتله من شدة هجومه عليه. تعلقت في يده وهي تترجاه:
"عزيز سيبه."
لم ينتبه لها وكأنه مغيب، أعماله الغضب ولا يعلم لماذا تحكم فيه غضبه بهذه الصورة. كل ما يعلمه أنه لابد أن يقتل ذلك الصفيق الذي ينسبها له ويحرمها عليه وبكل وقاحة وكأنها ملكية خاصة به. وهو على حاله حينما صرخت فيه مرة أخرى وهي تترجاه:
"عزيز سيبه، عشان خاطري، هيموت في إيدك."
تركه غارقًا في دمائه وصرخ بغضب:
"حد من رجاله. فكروا ارموا الزبالة ده بره المستشفى."
ثم أكمل عزيز بوعيد:
"لو شوفت خيالك تاني بتلف بس حوالين الدكتورة هنا أو برا المستشفى أو في أي مكان هي فيه، هقتلك."
نظر حوله وجد أن العمال وقفوا عن العمل يشاهدون العرض المسرحي لرب عملهم وهو يبرح أحدهم ضربًا. صاح بغضب:
"كل واحد يشوف شغله."
نظرت بلقيس حولها وهي تشاهد انصراف العمال ثم نظرت بغضب لعزيز. وتركته وانصرفت إلى مكتبها تكاد تخرق الأرض بكعب حذائها. أما هو، فكان غضبه من نفسه. كيف لم يحتوِ غضبه وسمح لنفسه التدخل في أمر لا يعنيه. هو زوجها السابق، ولكن، قال إن الأمر يعنيه، هي شريكته في المشفى وكانت تتعرض للمضايقة من ذلك الصفيق. وأقنع نفسه بأن ما فعله هو الصواب. كان لابد من أن يوقف هذا آدم عند حده.
***
جلس أمامها لا يكاد يصدق أنها وافقت عليه. نعم، يعلم علم اليقين أنها وافقت عليه من أجل أن تثبت لنفسها أنها مازالت مرغوبة وأن ما حدث لم ينتقص منها ومن نفسها وأنوثتها شيئًا. هو يعلم كل هذا ويعلم أيضًا أنها لم تشفِ نفسيًا من حادث الاعتداء. يونس يعلم كل هذا، ولكن السؤال المهم هنا والذي يسأله لنفسه ليل نهار: لماذا تعلق قلبه بها؟ نعم، أحبها. لماذا هي دونًا عن غيرها؟ تعلق قلبه بها وأرادها، أراد أن يحميها ويحافظ عليها، يقف بجانبها في محنتها. أهو نوع من أنواع رد الجميل كما اتهمته بلقيس؟ أم أنه أشفق عليها لقلة حيلتها؟ أراد أن يقف بجانبها لتتخطى المحنة والظلم الواقع عليها. إذا كانت تلك هي الدوافع التي علق عليها حجته. وصل لتلك النتيجة مرة أخرى، والذي اعترف به قلبه ولسان حاله: نعم، أحبها.
سألها بصوته الهائم في جمال عينيها:
"تحبي نروح النادي النهاردة يا أسيا؟"
نظرت له بعينين ملأتهما الأسئلة التي كانت منذ قليل تطوف في عقل يونس، ولكنها تخاف أن تسأله. إجابته بصوت هادئ:
"لأ، مش هروح النادي تاني."
وصل إليه مغزاي كلماتها، أنها لن تذهب إلى النادي الرياضي مرة أخرى وأنها مازالت تخشى المواجهة. جذبها من يدها وقال لها بصوت حنون:
"أسيا، إنتي لازم تخرجي وتواجهي الدنيا كلها."
إجابته بصدق وصوت يقطر حزنًا:
"خايفة."
هتف معترضًا على نبرتها الحزينة الخائفة:
"من إيه؟ إنتي معملتيش حاجة غلط، إنتي مظلومة، إنتي معملتيش حاجة تخافي منها."
ثم أخذ يدها وأوقفها ووقف بجانبها وقال بصوت محب لتلك الحزينة:
"مش عاوز أسمع منك الكلمة دي تاني. أنا جنبك دايما ومعاكي. أوعي تخافي وأنا جنبك."
تجرأت تلك المرة وسألته:
"مش هتسبني؟"
قال بثقة:
"أبدًا."
سألته مرة أخرى السؤال الذي أرّقها:
"خايفة تندم؟"
قال بصوت عاشق:
"عمري ما هندم أبدًا."
ثم تنهد بصوت مسموع كأنه يستعد لأن يتخذ أعظم قراراته وقال:
"أسيا، أنا بحبك ومش عاوز أي حاجة من الدنيا غيرك."
***
جلس معها في حديقة بيتهم بجوار زينب التي جلست شاردة تفكر في تلك المعضلة. كيف تسمح لابنها أن يتزوج تلك الفتاة؟ لقد سمعت عنها الكثير والكثير. منهم من قال إنها تصاحب الشباب دون زواج، ومنهم من كان يتغنى بعفتها وطهرتها، ومنهم من كان محايدًا لا يقول شيئًا. كيف لها أن تعلم هي أي منهم؟
سألها يوسف الذي انتبه إلى شرودها:
"مالك يا ماما زينب؟ مش معانا."
انتبهت له وقالت بصوت حنون:
"سلامتك يا حبيبي. أنا معاك بس حاسة بصداع، شكلي داخل عليا دور برد."
قالت رحيل بلهفة:
"سلمتك يا ماما. أعملك حاجة دافية؟"
قالت زينب بامتنان:
"لأ يا حبيبتي، هدخل أريح شوية وهبقى كويسة."
دلف إلى الداخل وبقي يوسف ورحيل معًا. سألها يوسف وهو يغمز لها بعينه:
"بتحبيني من امتى يا رورو؟"
تورّد وجه رحيل بحمرة الخجل وقالت وهي تتصنع الجدية:
"يوسف، والله لأخاصمك."
همت أن تنصرف لولا يده التي أوقفتها وجذبها بخشونة محببة إلى قلبها لتلتصق به. همس بجوار أذنها:
"هو إنتي حلوة كدا من امتى؟"
قالت بغرور ودلال لاق بها كثيرًا:
"طول عمري حلوة."
قال بتذمر مصطنع:
"يبقى أنا اللي كنت أعمى."
ضحكت بصوت رنان وقالت:
"أكيد يا جو."
سألها بلهفة من دلالها عليه:
"أكيد إيه يا روح قلبي؟"
قالت بشقاوة:
"أكيد يا روحي."
جرى خلفها حين تركته وجرت من أمامه. وسألها بصوت عالٍ:
"أكيد إيه يا رحيل؟"
أجابته وهي تبتعد عنه:
"أعمى يا جو."
وقف يلتقط أنفاسه التي سلبتها تلك الفاتنة خمرية اللون، جميلة القد، سمراء العين. لم يهتم يومًا بها أو حتى رأى جمالها أو حتى عاملها معاملة طيبة، ومع كل هذا تعلق به وأحبته وألهمت عليه ما نعم بالحرية مرة أخرى. نعم، عرف فضلها وتعلق قلبه بها بعد أن انهار باكيًا في أحضانها. انقلب كل شيء إلى الضد. تعلق قلبه بها من حنانها عليه، عشق سمارها وجمال عينيها، وأعاد حساباته مرة أخرى. يريد أن يتغير، أن يصبح إنسانًا آخر، أن يكون ناجحًا مثل يونس وعزيز. يريدها أن تفتخر به. وأول خطوة سيخطوها أن يذهب إلى شركتهم لكي يدير عمله الذي لا يذهب له إلا بعد إلحاح من أبيه.
صعد لغرفتها وجدها تقف أمام المرآة تمشط شعرها الغزير الأسود. مسك من يدها الفرشاة وأخذ يمررها بين خصلات شعرها. قال بتيه وهو يستنشق خصلاتها:
"شعرك جميل أوي يا رحيل."
التفتت له وقد تخدّرت من أفعاله في الآونة الأخيرة، فقد ذهب يوسف القديم وجاء هذا بدلاً منه.
"بجد يا يوسف شعري حلو؟"
قال وقد لمعت عيناه برغبة متأججة:
"مش شعرك بس، كلك على بعضك جميلة أوي يا رحيل."
مال عليها يراوي من شهدها، ولكنها أبعدته وقد لمع المكر في عينيها وقالت بدلال:
"مش دلوقتي يا يوسف."
جذبها مرة أخرى له ولم يعد يقوى على بعدها. يريدها بكل ما فيه.
"امتى يا روح يوسف؟"
ابتعدت عنه في لحظة تسربت من بين يديه كما يتسرب الماء وقالت بدلال:
"اتغير الأول وطمني."
هذا مربط الفرس كما يقولون. "طمني". إنها لا تثق به، وكيف تثق به بعد ما عانته معه؟ تخاف أن يكون ما يمر به ما هو إلا تأنيب لضميره أو ندم على ما فعله معها. تريد أن تطمئن أنه لن يتركها كما ترك غيرها، أن هذه لن تصبح كغيرها مجرد لعبة يلهو بها كيفما يشاء ويتركها إذا مل منها. ستصبر وتعيش معه وتخوض التجربة، ولكن تلك المرة بشروطها هي، وهي من ستضع قواعدها، وأول هذه القواعد أنها لن تجازف مرة أخرى ولن تخسر، وإن واجهت الخسارة لن تدعها تنال منه. نعم، لقد تعلمت رحيل ووعت الدرس جيدًا.
***
وقفت في شرفة مكتبها بالمشفى، هاتفها يصدح بإحدى أغاني وردة التي تعشقها، تريح أن تصفّي ذهنه من تلك الضغوط التي تتراكم عليها، وآخرهم تلك المشاجرة التي نشبت بين طليقها وعزيز. تعجبت من ردة فعل عزيز المبالغ فيها، ولكن هناك داخل ركن جميل في قلبها، تحب وتهوى فعل هذا الرجل المتقلب الشخصيات، ما بين رجل نبيل إلى النقيض ليصبح زعيم مافيا بكل ما تعنيه الكلمة. لتتملكها الغضب حين تذكرته وهو يبرح آدم ضربًا من أجلها. ما شأنه بها؟ إنها مجرد شريكة، لما ضخم الأمور؟ هي قادرة على أن تسكت زوجها السابق وأمثاله.
دلف إلى مكتبها وهي شاردة في أفكارها وفي أغنية وردة وهي تقول:
"أتمنيت أسهر أيامي
وأعيش أحلامي بين أحضاك
أتمنيت واستنيت تصحى لضميرك
ويصحى عطفك وحنانك
استنيت بحناني وخوفي
وأملي ويأسي
كنت بحبك حب مصدقتوش أنا نفسي"
وعند تلك الكلمات لم يتمالك غضبه، حمل الهاتف وفصل الأغنية. التفتت لمن أوقف الأغنية ووجدته يحمل الهاتف واقترب منها وعيناه باردة، ولكن برود مشتعل. لا تعرف كيف. سألته بهدوء عكس غضبها المتأجج منه:
"مستر عزيز، جيت امتى؟"
قال بسخرية حارقة:
"جيت وإنتي بتعيدي الذكريات مع وردة."
بدأ يغضب. سألته بعين تحذره من أن يخوض الكلام في أمر الشجار:
"ذكريات إيه؟"
قال بدون مراوغة:
"ذكرياتك مع... طليقك يا دكتورة."
لم تغضب، ولكنها أحبت غضبه الذي يكافح في إخفائه. قالت وهي تكذب وتتعمد الكذب:
"كل بقى ذكريات."
قال وقد نجحت في إشعال غضبه:
"تقدري ترجعي ذكرياتك وتعيشيها تاني يا دكتورة؟"
أجابته بتسلية على هيئته الغاضبة:
"مفيش حاجة بتروح وترجع تاني يا مستر عزيز."
رمى هاتفها على المقعد وقال بغضب:
"لأ فيه. شاوري بس لطليقك وهو هيجيلك زاحف وتعيدي معاه الذكريات."
ابتسمت بمكر وقالت بصوت ناعم:
"عزيز، إنت بتتكلم عن آدم؟"
قال بتهكم:
"كنت من شوية مستر عزيز."
قالت بجدية مصطنعة:
"معلش، مش واخدة إني أقول عزيز كدا."
سألها مرة أخرى:
"ذكريات إيه؟"
قالت بصوت ملأه الشجن:
"ذكريات قبل الحادثة. كانت كل حاجة جميلة. أنا، آسيا، بابا المستشفى، حتى خالي حسين كان لسه جميل."
تذكر أنه هو وعمه سبب هذا الدمار. كم أشفق عليها حين تحدثت بهذا الشجن وكم احتقر نفسه وأنه يعلم أنه هو السبب. قال مغيرًا للموضوع حتى يتخلص من عقدة الذنب:
"بكرة المستشفى هترجع أحسن من الأول، وآسيا هتتجوز يونس، ودكتور إبراهيم هيرجع أحسن من الأول."
قالت بأمل:
"ياريت."
أما لعب المكر في عينيه وسألها وهو يتصنع البراءة:
"طليقك كان جاي هنا ليه؟"
قالت باقتضاب:
"يبارك لي."
قال بغضب:
"يبارك لك على إيه؟"
"على المستشفى." ثم تذكرت ما فعله فيه. قالت له وهي تحاول أن تكبح جماح غضبها:
"إيه اللي عملته فيه ده؟"
قال بهيمنة:
"عملت اللي يستاهله. إنتي مش سامعة كان بيتكلم إزاي."
هتفت بحدة:
"أنا أعرف أرد وأوقف أي حد عند حده."
أجابها ببرود وهيمنة:
"وأنا وقفته عند حده."
"مطلبتش منك إنك تعمل كدا."
أجابها بكل هيمنة ونرجسية:
"وأنا مش هستناك تطلب، أنا عزيز التهامي، أعمل اللي أنا شايفه صح واللي أنا عاوزه."
قالت باعتراض:
"إنت حر في حياتك."
انتقل بأمر لا يقبل النقاش:
"وحياتك إنتي كمان. إنتي تخصيني."
دهشت من جرأته وصاحت:
"أنا مخصش حد."
قال باقتناع تام:
"طالما بقينا شركة، بقيتي تخصيني."
وقبل أن يتركها وينصرف قال وهو يأمرها:
"الافتتاح بكرة الساعة خمسة. هعدي آخدك من البيت إنتي والدكتور إبراهيم، قبلها بساعة خليكي جاهزة."
تركها وانصرف وهي مازالت في دهشتها وغضبها. من هو حتى يأمرها.