قال يونس بمنتهى الفخر والقناعة لقراره الذي اتخذه في لحظة: "أنا دكتور يونس خطيب آسيا." أنهى كلماته وترك الجميع في صدمة. بينما آسيا لم تتحمل تلك الصدمتين، وقعت بين يديه مغشياً عليها. صرخت بلقيس، بينما يونس تلقى جسدها بين يديه. وليلى جلست بجانب يونس الذي صرخ والخوف يملأ عينيه. "بلقيس، اطلبي الإسعاف."
حملها. حين وصل الإسعاف، دلف معها. بينما بلقيس تبعتهم بسيارتها ومعها ليلى التي أصرت أن تذهب معهم ولم تعر لحديث أمها أي قيمة. فآسيا من وجهة نظر ليلى ضحية، لأنها تعلم أخلاقها. ولكن أم ليلى اعتبرتها فتاة غير مسؤولة، وما حدث لها إنما هو نتاج انعدام أخلاقها. ***
وقف في مكتبه يتملكه القلق عليها. بعد أن أنهت المكالمة معه بسرعة حين رأت أختها من بعيد ويونس يقف معها ويبدو عليه الانزعاج. من وقتها لم تجب على الهاتف ولا يعلم عنها شيئاً. ماذا يفعل وهو لا يستطيع أن يجلس دون معرفة ماذا حدث لكي تنهي الحديث بهذه السرعة وهذا التوتر؟ هل يطلب أباها؟ مهلاً، هي لم تكن مع أبيها، كانت مع أختها في النادي الاجتماعي. فليتصل على يونس. يعلم أن أخاه كالعلكة الملتصقة بمريضته.
اتصل على يونس أكثر من مرة، ولكن حال يونس كحال بلقيس، لا يجيب. علم الآن أن هناك أمراً خطيراً حدث منع أخاه وبلقيس من الرد. غالباً هذا الأمر حدث لآسيا. ركب سيارته وانطلق، ولكن إلى أين يذهب؟ فليذهب أولاً إلى النادي الرياضي. وصل إلى هناك. تجول في المكان. المكان هادئ وعادي. بعد قليل سأل عامل الأمن: "لو سمحت." اقترب عامل الأمن منه: "أيوة يا فندم." "مسألة مباشرة. دكتورة بلقيس الحديدي ألاقيها فين؟ قال
الحارس وقد ظهر عليه الحزن: "دكتورة بلقيس كانت هنا بس آنسة آسيا تعبت والإسعاف نقلها." حسناً، ما حسب حسابه وجده. إذن آسيا أصابها مكروه. انطلق دون تفكير إلى مصحة أخيه. *** وقفت رحيل والفرحة التي تلمع بأعينها تكاد تنطق عن مدى سعادتها. فها هو قصر التهامي ما زال بزينته البراقة الخادعة، براقة بالبهجة، خادعة في بريقها الزائف. قالت رحيل وهي تتحدث بفرحها: "إيه رأيك يا ماما زينب في شكل الجناح بعد ما خلص؟ قالت زينب بفرحة
أتت من فرحة تلك الجميلة: "بقى حلو قوي يا رورو." سألتها رحيل والخجل يكسو وجهها: "تفتكري هيعجب يوسف؟ قالت زينب بعفوية وطيبة قلب: "أكيد يا حبيبتي." وقفت في الغرفة وهي تمني نفسها بالغد القريب الذي لا يفصلها عنه إلا يوم وليلة، وتُزف إلى فارس أحلامها يوسف التهامي. ولا تعلم أنه سيصبح كابوساً مرعباً لها. ***
وصل يونس بسيارة الإسعاف إلى المصحة النفسية الخاصة به. وصل ورغم أنه طبيب نفسي ويعلم أن ما حل بآسيا ما هو إلا صدمة من رد فعل المجتمع في مواجهة مغتصبه. وبدلاً أن تساندها تلك الأم الجاهلة في مراعاة مشاعر الغير، كانت هي من طعنتها بدم بارد. ونسيت أن جميع بنات حواء معرضون لتلك المحنة ما دام هناك ذئاب بشرية لا تتقي الله وترى المرأة وسيلة للمتعة.
ألف بها إلى غرفة الإفاقة، ولأول مرة لا يستطيع أن يفعل لها شيئاً. أحس أنه عاجز أمام إغمائها البسيط. ولكن لن يقف مكتوف الأيدي. يعلم أنها ستعود إلى نقطة الصفر مرة أخرى. خرج من عندها وتركها مع الأطباء ليتولوا حالتها الصحية. وخرج لبلقيس التي لم تكن أقل منه في خوفها وقلقها على أختها المظلومة المنكوبة. هرولت عليه بلقيس وسألته بلهفتها: "آسيا فاقت يا يونس؟ اقترب منها وقال بكذب ليهدئ روعها:
"فاقت، وديناها مهدئ هدى. إن شاء الله هتبقى كويسة." وقفت بجوار الحائط تستند عليه وكأنها تستمد منه القوة، وسألته بينما ترقرق الدموع في عينيها: "أكيد اللي حصل هيأثر عليها؟ أجابها بأمل: "يارب ميأثرش عليها وتقوم بالسلامة." هتفت وهي تطلب من الله برجاء: "يارب ترجع تاني." وقفت ليلى بجوار بلقيس لا تتحدث، بينما تشعر أنها السبب في تلك النكبة التي أصابت آسيا مرة أخرى. قالت وهي تشعر بالأسف والندم: "إنها من وقفت وتحدثت مع آسيا."
"أنا آسفة يا دكتورة، والله ما أعرف ماما عملت كدا إزاي. أنا آسفة." أجابتها بلقيس بوجه رغم حزنه مبتسم، لكي تزيح الشعور بالذنب من فوق كاهل تلك الرقيقة: "الشعور بالذنب؟ أنتي مالكيش ذنب يا ليلى، وأي حد مكان ولدتك ده هيكون رد فعله." ثم أكملت بود: "بنشكرك على وقفتك مع آسيا." سألتها بلهفة: "ممكن أدخل أشوفها؟ قال يونس بعملية: "الزيارة ممنوعة لحد ما نعرف تأثير اللي حصل على آسيا." سألته ليلى مرة أخرى برجاء:
"ممكن أجي أشوفها وقت تاني؟ قال يونس: "إن شاء الله أول ما تتحسن مفيش مانع تيجي تزوريها." استأذنت ليلى وهي ما زالت تشعر بالخجل مما فعلته أمها، ونوت أن تقف بجوار تلك الجميلة إلى أن تعود للحياة مرة أخرى. *** وصل عزيز إلى مشفى أخيه وهو ينظر في طرقات المصحة، لم يجد أي أحد. هتف في أحد العمال: "دكتور يونس فين؟ أجابه: "مع الحالة اللي وصلت من ساعة." وأشار إلى أحد الممرات وقال: "آخر الطرقة دي."
دلف إلى الممر ووجد بأخره بلقيس تستند على أحد المقاعد. احتضنت رأسها بين كفيها وأحنت رأسها لتنظر إلى الأسفل. حال جلستها اليائسة تتحدث أن هناك مصيبة جديدة حلت فوق رأس تلك الطبيبة الصامدة في وجه المصائب والشدائد. وصل إليها ولم يجد يونس بجوارها. سألها بصوته الرخيم الذي خرج منه بلهفة رغم عنه: "دكتورة بلقيس، حصل حاجة؟
صوته الرخيم ولهفته عليها أخرجتها من شرود فكرها. رفعت عينيها التي تغير لونها النادر الذي لا تستطيع تمييزه، أهو عسلي فاتح ممزوج بخضرة قليلة أم أخضر داكن مائل على العسل الفاتح؟ تحول لونها وكأنها كاسات دماء. قالت بصوت حزين: "عزيز... يا الله ما هذا العزيز... ولما طربت أذنه لاسمه الذي خرج من شفتيها كأعذب سيمفونية. جلس بجوارها وسألها بنفس الصوت القلق: "مالك يا دكتورة؟ فيه إيه؟ آسيا حصل لها حاجة؟
انهمرت دموعها مرة أخرى وكأنها هي الأخرى سمحت لنفسها بالانهيار، أو أنها لم تعد تتحمل ما تمر به. وقالت بصوت متقطع من شهقات بكائها: "آسيا تعبت تاني يا عزيز." قال وقلبه يعتصر من حزنه عليها: "طيب اهدى، إن شاء الله هتبقى بخير. يونس معاها؟ سألها وهو يبحث بعينيه عن أخيه. أجابته وهي تومئ برأسها. قال لها بصوت عطوف: "خلاص اطمني، إن شاء الله هتبقى بخير." ثم سألها: "حصل لها إيه في النادي؟
قصت عليه بلقيس ما حدث لأختها، وكأنه صديقها. أمها التي كانت بحاجة لتخرج كل هذا الهم من صدرها، وهو استمع إليها بصدر رحب. ولاول مرة يتأثر بحديث أحدهم. قال بصوت حاول أن يكون ثابتاً ولكنه لا شك غاضب: "الست دي ست بجحة وقليلة الأدب. إزاي تقول لها الكلام ده؟ هي مش خايفة يحصل لها أو لبنتها زي ما حصل لآسيا؟ إيه الجحود ده؟ نظر له وقالت بإقرار حقيقة: "للأسف هي دي نظرة المجتمع." هتف بغضب: "نظرة متخلفة لمجتمع متخلف." قالت بقهر:
"هي دي الحقيقة يا عزيز. أنا أختي اتحكم عليها بالسجن في المصحة أو البيت، مش هتفرق كتير عشان كل ما هتخرج دي هتكون رد فعل الناس." ثم قالت بصوت ملأه اليأس: "أنا أختي ضاعت يا عزيز، ضاعت." ولكن قبل أن يكمل عزيز مواساتها، هتف يونس وبكل قناعة عندما جلس مع تلك المظلومة آسيا بعد أن استعادت وعيها وعادت مرة أخرى إلى حالتها الأولى:
"لم تصرخ، لم تبكِ، لم تبدِ أي ردة فعل. حتى دموعها تجمدت في أعينها. بصرها شاخص وكأنها فقدت الحياة، لا النطق فقط. كل ما يربطها بتلك الحياة هو نبض قلبها المكسور." "أنا هتجوز آسيا يا دكتورة بلقيس." لم تكن الصدمة تحتل وجه بلقيس لأنها سمعته أول مرة في النادي عندما وقف بجوارها ونسبها لنفسه بكل فخر. ولكن كانت الصدمة تعتلي وجه عزيز. ولكنه وكالعادة تحكم في ردة فعله إلى أن يجلس مع أخيه ويعرف دوافعه. قالت بلقيس بتعقل:
"لو سمحت يا دكتور يونس، بلاش الكلام المندفع ده وبلاش ياخدك الشفقة بحالة اختي، لأن اختي مش ناقصة اللي فيها وفينا مكفينا." قال يونس بجدية: "أنا مش بطلب ده شفقة لا قدر الله، ولا إني شايف إنها بها عيب أو ناقصة عن البنات. أنا بطلب الطلب ده علشان أقدر أفضل معاها في المصحة دايماً أعالجها من غير أي قيود، وكمان لازم الخطوة دي علشان تكون أول خطوة في علاجها أنها تحس إنها مش ناقصة أو بها أي عيب يخليها مش مرغوبة."
سألته آسيا بحدية برغم أن كل حديثه صحيح، إلا أنها سألته أهم سؤال: "وانت ذنبك إيه؟ يا ترى هتقدر تتأقلم معاها لو خفت ورجعت لحياتها تاني، ولا كدا خلاص فترة علاجها هتبقى خلصت وكمان مهمتك يا دكتور يونس؟ أجابها بصدق: "أنا من أول ما عرفت دكتور إبراهيم اعتبرته أبويا وهو كمان اعتبرني ابنه، وأنا عمري ما هعمل كدا." إجابته بلقيس بإنفعال حيث أنها فهمت من حديثه أنه سيتزوج أختها لمجرد رد جميل أبيها عليه:
"أنا أختي مش تمن رد الجميل يا دكتور يونس." وقبل أن ينطق يونس ويزداد النقاش في حدته، أنهى ذلك الصامت النقاش بكلمات ثابتة حيث قال عزيز بأمر: "الكلام ده مينفعش نتكلم فيه هنا. روح يا يونس شوف شغلك، ودكتورة بلقيس تدخّل تطمن على أختها، وبعدها هوصلها. وبعد كده نتكلم مع دكتور إبراهيم، هو أبوها والأصول بتقول كدا." ثم نظر لبلقيس التي صمتت رغماً عنها وقال وهو يسألها: "مش كدا ولا إيه يا دكتورة؟
لم تستطع التحدث لأنه قال المفيد. طاعة يونس وانصرف. بينما هي دلفت وهي تشتعل غضباً من ذلك المتحكم الذي لا تستطيع أن تتحدث معه ويسكتها بحديثه التي لا تستطيع جداله فيه. *** وقف في اليوم التالي بجوار ابن عمه الذي يرتدي حلة زفافه ويبدو أنه يُساق إلى موته بدلاً من زفافه. قال خليل وهو ينظر إلى ضيق ابنه وتذمره:
"افرد بوزك ده يا يوسف، وافرح في الفرح. واعمل حسابك لو كشرت في الفرح أو سيبت أبو رحيل يقرب منها هيكون آخر يوم لك في البيت وتنسى إنك ابني أو أعرفك." لم يتحدث يوسف بل صمت، ولكن الضيق مرسوم على وجهه من تلك الزيجة التي دبرها له أبوه، وهو وافق عليها لينفذ نفسه من فضيحة قضية آسيا، ولكنه اكتشف أنه ما زال يريد آسيا حتى بعد ما حل بها، ولا يريد رحيل، حتى أنه لا يستطيع أن ينظر في وجهها، فكيف سيطيق أن يعاشرها معاشرة الأزواج؟
نظر عزيز لعمه وسأله: "مين قالك إن الحاج سالم هيجي النهاردة؟ أجابه بمكر: "أبوها ولازم ييجي فرحها." قال عزيز ونبرة التهكم مرتسمة على وجهه: "يحضر فرحها ولا يمنع جوزها يا عمي؟ قال خليل بضيق: "يعرف عزيز، يعرفه حق المعرفة. يمنع جوزها ليه؟ هو يوسف وحش؟ قال عزيز بصدق: "سمعته وحشة." صاح خليل والغضب خرج من عينيه: "عزيز، الزم حدودك." قال عزيز بلا مبالاة: "حاضر يا خليل بيه. بس اعرف إن ابنك مش هيكمل في الجوازة دي."
"وانت هتظلم رحيل." قال خليل وقد رسمت الأنانية في صوته: "والله أنا مضربتهاش على إيه، أنا طلبت ايديها وهي وافقت." ثم اقترب خليل من عزيز وسأله بهمس: "من امتى قلب الملك بقى حنين وبيصعب عليه حد يا... ملك؟ قال عزيز وهو يقر حقيقة: "صعبانة عليا فعلاً عشان اتربت في وسطنا وطول عمرنا بنعتبرها أختنا. كمان لحمنا هنعض فيه يا خليل بيه، دا إحنا كده بقينا زي الحيوانات."
ثم تركه وانصرف ليجرى اتصالاته برجاله الذين يتولوا تخليص شحنة السلاح التي قصد أن يكون موعدها مع موعد زفاف يوسف حتى لا يلفت الأنظار له. اتصل على "زراعة اليمين". "فكرى! "أيوا يا فكرى، جهزت المخازن؟ أجابه المدعو فكرى بجدية: "أيوا يا باشا كله جاهز. وشحنة معدات الزراعة اللي فيها الأمانة خلاص طلعت من المينا واحنا وراها أهو يا باشا." قال عزيز بحرص: "خد بالك يا فكرى، وأنا الساعة واحدة هقابلك عند المخازن."
أجابه فكرى بطاعة عمياء: "تمام يا باشا، اللي تأمر بيه." *** أنهت أخصائية التجميل زينتها الرقيقة على وجه رحيل الذي نطق بالفرحة. فها هي ستُزف لفارس أحلامها الذي ظنته بعيد المنال عنه. لقد أعمَت نفسها وبكامل إرادتها عن أفعال يوسف غير الأخلاقية على أمل من قلبها المتيم بعشقه أنها سوف تغيره. وفجأة، بدل أن يدخل إليها خليل ليزفها إلى ابنه، دخل إليها أبوها الحاج سالم.
وقفت ببطء بينما عيناها تعلقت بأبيها وزينب التي رحبت بمحبة بسالم. وقالت بوجه بشوش: "أهلاً يا حاج سالم، كنت عارفة إن رحيل مش هتهون عليك وهتحضر فرحها." قال سالم بتهذيب، فهو لن ينسى فضل تلك المرأة الأصيلة التي تولت عنه تربية ابنته بينما هو استسهل الأمر وترك ابنته لتحيا مع خليل حتى أصبح خليل هو أباها وولي أمرها: "تسلمي يا رب يا ست أم عزيز." أخذ يد رحيل وقال لها بأمر: "يلا يا رحيل، مفيش جواز." تراجعت رحيل
للخلف وقالت بصوت مرتعش: "في... فيش إيه يا بابا؟ صاح سالم بغضب وهو يجذبها من يدها بغضب: "مفيش جواز من ابن خليل، أنا مش هرميك لخليل صغيره وكبيرة وغلطي أنا معترف به وهصلحه." وقفت زينب بجانبها تمنعه بتعقل: "اهدأ يا جاح سالم، مينفعش اللي بتعمله ده. الفرح اتعمل خلاص." هدر بغضب: "يتهد وأنا أجلت مجيء النهاردة عشان الناس كلها تعرف إن أنا هديت فرح ابن خليل عشان بنتي مش ستارة يداري بها فضايح ابنه."
وفجأة دلف خليل إلى الغرفة وبسمة باردة مرتسمة على وجهه. وبعده عزيز الذي فهم الآن لما قام عمه بعقد قران رحيل. قال خليل وهو يبتسم بثقة: "أهلا حاج سالم، نورت فرح بنتك. أنا كنت عارف إنها مش هتهون عليك." جذب سالم يد ابنته وهم بالانصراف دون أن يجيب على خليل الذي وقف أمامه وقال بنفس الضحكة السمجة: "على فين؟ هدر سالم: "ابعد عن طريقي يا خليل." قال خليل: "لو عاوز تمشي أمشي لوحدك، إنما رحيل لا. رحيل قبل مني يا خليل."
ثم دفعه بغضب. مسك خليل يد رحيل وجذبها وأمر إحدى صديقاتها أن تنادي يوسف. "شرين، اندهى يوسف." صاح سالم: "ولا يوسف ولا ألف منك ومنه. هتمنعني آخد بنتي؟ قال خليل ببرود: "هنشوف دلوقتي." دلف يوسف مسرعاً وقال: "رحيل مش منقولة من هنا، ولا حد هيقدر ياخدها. النهاردة فرحنا." هدر سالم بغضب وهو يزيح يوسف عن طريقه ويسحب رحيل خلفه، بينما انهارت رحيل في بكاء مرير: "محدش يقدر يمنعني وشوف واحدة تانية غير بنتي تداري فضايحكم."
مسك يوسف يد رحيل وجذبها وصرخ في سالم: "أنا أمنعك تاخد مراتي." ثم أكمل بكل ثقة ليحمي زفافه المزعوم وسمعة أبيه وعائلته من تلك الفضيحة التي ستحل بهم لولا تخطيط أبيه الشيطاني وعقد قرانه الذي كان يمقطه بالأمس ولكنه اليوم يحبه لأنه القشة التي تعلق بها. "رحيل مراتي وكتبنا الكتاب وهي على ذمتي وأنا أمنعك وأمنعها إنها تيجي معاك." هدر سالم والغضب يحترق في عينيه: "كذاب." جذب يوسف يد رحيل من يد أبيها وقال بكل ثقة:
"القسمة هتطلع بعد بكرة من المحكمة، وبنتك عندها 22 سنة يعني ولية نفسها." نظر سالم وقهر الدنيا وخذلانها في عينيه. وسألها: "الكلام ده بجد يا رحيل؟ لم تستطع أن تجيب أباها ولم تقدر على رفع عينيها لتواجه عينيه، بينما علمت الآن بشاعة ما فعلت في أبيها. أكمل يوسف ضغطه على جرح أبيها وقال: "اتفضل من هنا، أنت مش معزوم في الفرح." نظرت له رحيل وقالت بقهر: "يوسف، متقولش كدا لبابا." قال سالم وهو يجر خطواته:
"بابا دلوقتي افتكرتي بابا." ثم خرج بقلب مكسور مقهور من فعلة ابنته. نظر لها وقال بإقرار حقيقة: "لما ابن التهامي ياخد غرضه منك وخليل يحقق اللي عاوزه ويحمي ابنه ودورك يخلص، هتلاقي بيت أبوك مفتوح." وقف عزيز أمام سالم وقال وهو يطيب خاطره: "بلاش تمشي وانت كدا يا حاج سالم." قال سالم وصوته اختنق من عبرات حبسها تحكي عن مدى قهر قلبه من ابنته التي خذلته: "خلاص يا ابني مليش مكان هنا. بعد إذنك."
كم نخر حال سالم قلب عزيز. قال له وهو يوقفه عندما رأى نظرة رحيل المنكسرة لحال أبيها: "استنى يا حاج سالم، هوصلك. مش هتعرف ترجع البلد لوحدك." قال خليل وهو يعترض: "والفرح يا عزيز؟ قال عزيز بإيجاز ونظرة صارمة تخبر خليل أن يصمت: "الفرح لأصحابه يا عمي." ***
انقضى الزفاف وكأنه عزاء واجب الجلوس فيه، ليس زفافاً أسطورياً. العروس يملأ قلبها غصة الحزن، والعريس يرى أنه طير سيُحبس في سجن ويُقفل عليه. بينما بقية الحضور يعلمون أنها مسرحية هزلية من إخراج خليل لمحاولة أخيرة لترويض طيش ابنه. ***
وصل عزيز مع سالم إلى قريته التي كان سالم عمدتها وله سمعته الطيبة بين أهل بلدته، إلا أنه أخطأ خطأ عمره حين ترك زهرة حياته تترعرع وسط وحل عائلة التهامي. ودعه بعد أن اطمأن عليه وعاد عزيز لينهي صفقة الأسلحة. *** احتضن يونس الدكتور إبراهيم بمحبة خالصة. قال وهو يطمئن عليه: "عامل إيه يا أستاذي؟ أجابه إبراهيم بمحبة ووجه بشوش: "الحمد لله يا حبيبي، عامل إيه انت؟ "بخير والله يا أستاذي."
جلست أمال وقد علمت كل ما حدث لابنتها قبل يومين ووقوف يونس بجانبها وأيضاً طلب يونس ليد آسيا، فقد قصت بلقيس على أمها كل شيء. جلست وهي تنظر لهذا الشاب الشهم الخلوق الذي عز عليه كسر خاطر ابنتها وكسر ابنتها أكثر مما هي عليه، ليقف وبكل شهامة يدافع عنها. هل بقي من هذا الشاب في تلك الأيام؟ سألته باهتمام: "آسيا أخبارها إيه يا يوسف؟ أجابها بود: "الحمد لله يا طنط، بتتحسن." سأله إبراهيم: "انت رجعتها المصحة تاني ليه يا يونس؟
أجابه بإيجاز، فهو يعلم أن بلقيس أخفت ما حدث لأبيها مراعاة منها لحالته الصحية: "كده أحسن يا دكتور، لازم نحافظ على حالتها النفسية في مرحلة النقاهة." أومأ بتفهم وقال: "اعمل اللي تشوفه صح يا ابني. أنا واثق فيك." قال بعد برهة وهو يستجمع شجاعته وينظر إلى بلقيس أن تعينه في طلبه، ولكنها أشاحت بوجهها بعيداً عنه، فهي ليست موافقة على طلبه: "عندي طلب أرجو حضرتك توافق عليه." قال إبراهيم: "انت تؤمر يا يونس." قال يونس بتهذيب:
"أنا طالب إيدك آنسة آسيا." كان طلب يونس مفاجأة لإبراهيم الذي نظر له وقال بثبات: "آسيا مينفعش تتجوز دلوقتي يا يونس." ثم قال بصوت ممتن لطلب ابنه الروحي الذي يكاد يجزم أن طلبه هذا ما هو إلا نوع من أنواع رد الجميل لأستاذه: "وشكراً يا ابني على طلبك، بس أنا بنتي مش هجوزها عطف." وقف يونس وقال بدفاع عن نفسه: "حاش لله يا دكتور، أنا لا عشت ولو كنت بفكر كدا في آسيا." ثم أضاف بشجاعة ولكنه كذب:
"أنا كنت هفاتح حضرتك في الموضوع ده قبل الحادثة. أنا بحب آسيا وعاوز أتجوزها." وقبل ما حضرتك تقول حاجة، أنا مش شايف في آسيا أي عيب. آسيا بنت محترمة متعلمة، وكفاية إنها بنت أستاذي." صمت إبراهيم بينما بلقيس اشتعلت نظراتها له لأنها تعلم بكذبه ولا تريد لأختها أن تعالج شفقة أو أن يسترها أحد كما يقولون، فهي لم تفعل شيئاً، هي مجني عليها وليست جانية. قال إبراهيم بعملية: "هفكر يا يونس وأرد عليك."
قام بكل تهذيب وانصرف وهو مصمم على أن يجعل إبراهيم يزوجه آسيا. لا يعلم لماذا يريدها بكل هذا الإصرار، ولكنه اعترف لنفسه أن اليوم لا يحلو دون رؤية آسيا. *** أتم عزيز وضع السلاح في المخازن وتمم عليه. وقبل أن ينصرف وقف الحارس وسأله بوجه بشوش: "أوامر تانية يا عزيز باشا؟ قال له بملامح جامدة: "شكراً يا عم جلال، عينك على المخازن." أجابه بطاعة: "متقلقش يا ابني، هي أول بضاعة ولا آخر بضاعة." قال عزيز: "تسلم يا عم جلال."
وقبل أن ينصرف، وجد ملثمين بسيارة دفع رباعي يقتربون من عزيز ورجاله. وطلقات النيران نزلت عليهم كالمطر. وقبل أن تخترق الرصاصة صدر عزيز، وقف جلال أمامه ليتلقى هو الرصاصة ويسقط بين يدي عزيز جثة فارقة الحياة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!