قالت وقد علت الدهشة وجهها من تلك الزيارة: "أكمل عنها المحامي." "مستر عزيز، المالك الجديد لأسهم مستشفى الحديدي." جلست بهدوء على مقعدها لتستوعب تلك المفاجأة الجديدة، وأيضاً الغريبة. ما دخل رجل الأعمال الشهير بمستشفانا المفلس، وأيضاً صاحب السمعة السيئة؟ نظر عزيز بهدوء وقال لخالد المحامي: "شكراً يا مستر، كدا مهمتك خلصت."
سلم عليهم المحامي وانصرف، ولكن علامات الغضب ما زالت مرتسمة على وجه بلقيس. نظر لها وهو يجلس على المقعد المقابل لها. سألته مباشرة دون انتظار: "اشتريت أسهم المستشفى ليه يا مستر عزيز؟ أجابها بثقة مغلفة بالغموض: "أنا راجل أعمال ومن حقي أستثمر فلوسي في المكان الصح." ضحكت بسخرية وقالت: "مكان صح؟ انت شايف إن المستشفى مكان صح وصالح للاستثمار كمان؟
فوق يا مستر عزيز، المستشفى فلست، مفيش أدوية وكمان مفيش ناس بتيجي لها، يعني استثمار خسران." ثم أكملت بغضب: "ولو حضرتك شاريها شفقة علينا، فحب أطمن حضرتك، إحنا كويسين وأنا هعرف إزاي أقف وأوقف المستشفى تاني." أجابها بصوت بارد هادئ كصفحة وجهه الباردة الهادئة: "أولاً، أنا راجل أعمال وأعرف فين المكان الصح اللي أحط فيه فلوسي."
ثم أكمل وهو ينظر لها نظرة احتارت هي في تفسيرها، ولكنه كان ينظر لها بشوق. فقد اشتاق لها ولا يعلم لماذا. وقال: "بكرة الصبح هتشوفي حال المستشفى بعد المؤتمر الصحفي اللي هنعلن فيه إن مستشفى الحديدي أنا بقيت الشريك الثاني فيها." هتفت باعتراض: "أنا مش هغير اسم المستشفى، المستشفى دي حلم بابا." أجابها ببسمة ودودة محت ملامح القاتل المأجور، وقال بوجه تملأه البراءة: "مين قال إني هغير اسم المستشفى؟ ثم أكمل بجدية:
"المستشفى دي ملك دكتور إبراهيم ومحدش يقدر يقول غير كدا." صمتت عندما أفحمها بردة فعله غير المتوقعة. وسكتت الجميلة ولم تتحدث. عندما لاحظ سكوتها قال وهو يهم بالانصراف: "أشوفك بكرة إن شاء الله على خير يا دكتورة. بلغي سلامي لدكتور إبراهيم." *** "يعني إيه أكتب كتابي النهارده على رحيل؟ كتب الكتاب في الفرح؟ أجابه خليل وهو يقترب منه، بينما تتطاير نظرات الغضب من عينيه تكاد تحرق يوسف: "كتب كتابك بكرة على رحيل، من نقاش يا غبي."
أكمل وهو ينصحه بنفاذ صبر: "انت ليه مصمم إنك تغرق نفسك؟ صاح يوسف: "فين الغرق ده يا بابا؟ أنا خلاص عديت والموضوع اتقفل." هدر خليل بغضب: "ماتقفلش يا يوسف، ولازم تتجوز رحيل كام شهر يا سيدي، وتطلقها. دي فرصتك الوحيدة اللي تخلي الناس تصدق إن مالكش دعوة بحوار بنت الدكتور، وكمان تنسى عمايلك اللي الكل فاكرها. وده آخر تحذير لك يا يوسف، تكتب كتابك بكرة."
"أنا أبوك وهفضل معاك وأعلم اللي نفسك فيه من غير ما تطلب. غير كدا مالكش حاجة عندي. تختار إيه؟ قال يوسف بخنوع عندما وضع له أبيه: "كما يقولون، العقده في المنشار. اللي تشوفه يا بابا." وقبل أن ينصرف يوسف سأل أبيه لكي يصل إلى معرفة إصرار أبيه، لماذا أصر على أن يقدم ميعاد كتب الكتاب؟ "انت ليه يا بابا قدمت ميعاد كتب الكتاب؟ أجابه خليل بدهاء: "بكرة تعرف."
كان خليل شخصية ذكية، وذكائه من النوع الخبيث. علم أن سالم أبو رحيل لن يسكت وسيُقيم القيامة حتى يأخذ ابنته، فحسبها بحسبة بسيطة لكي يسبقه بخطوة، أن يعقد قران رحيل مبكراً حتى إذا جاء سالم ليأخذها تكون قد أصبحت زوجة ابنه ولا يستطيع الحكم عليها.
بينما أراد خليل أن يزوج رحيل بقوة إلى ابنه واستخدم كل الطرق لخداع رحيل، وحتى يوسف، لأنه يعلم أنها فتاة صالحة وتحب يوسف، وهو يأمل أن تغير يوسف إلى الأفضل وأن يحبها يوسف. فكل إنسان حتى وإن كان سيء الخلق، قاتل مثل خليل، ولكنه يريد لابنه أن يصبح أفضل إنسان في الدنيا، مثل يونس ابن عمه أو أفضل منه، لا يتمناه كعزيز، فعزيز نسخته المصغرة وهو من صنعه لحمايته ولعمل تلك الثروة التي ينعمون بها. ***
وقف يتأملها وهي تتحدث مع أختها بلقيس بصوتها الهادئ. يتذكر منذ عدة أيام حين خرج صوتها لأول مرة بعد تلك الحادثة البشعة التي تعرضت لها، وكان أعذب وأجمل طلب تطلبه مريضة نفسية من طبيبها. "أنا عايزة أخرج." قال في عالم الطب النفسي: "إذا اعترف المريض بمرضه، فهذه أولى خطوات العلاج." لم تصدق بلقيس حين أخبرها يونس بتلك الخطوة التي خطتها أسيا في طريق شفائها من تلك المحنة. اقترب منهم، ووجهه تعلوه بسمة هادئة جميلة كهدوء صاحبها.
قال بصوته الرخيم: "إزيك يا دكتورة؟ قالت بلقيس بفرحة: "أهلاً يا يونس، عامل إيه؟ أجابها وعيناه معلقة على تلك الساكنة بحوار أختها: "الحمد لله بخير." ثم قال بمرح وهو يتحدث مع أسيا: "أنا شايف إن سو بقت بتحب تتكلم معاكي أكتر مني يا دكتورة." احمر وجهها خجلاً من مزاح طبيبها الودود، وقالت بخجل: "أنا كنت بحكي لبلا على موضوع كدا كنت عايزة آخد رأيك فيه." سألها بلهفة: "موضوع إيه؟ خير؟ قالت بتلبك بينما ظهر عليها التردد:
"عايزة أخرج." ظهرت عليه علامات الاستفهام والحزن. سألها وهو يحاول أن يستشف سبب ذلك الطلب، بينما هو لم يعتد أن لا يراها يوم: "عايزة تسيبني المصحة ليه يا أسيا؟ حد ضايقك؟ حد عمل حاجة زعلتك؟ أنا عملت حاجة؟ قالت بسرعة ودفاعاً عنها: "لأ أبداً يا دكتور، أنا نفسي أشوف بابا وماما." ثم صمتت قليلاً، وقالت بأمل: "عايزة أرجع لحياتي تاني."
كم انشق قلبه من طلبها ورجائها بأن تعود لحياتها، ولا تعلم أن الحياة بالخارج لن تكون هينة أو سهلة، أو سيعاملها الناس كما كانوا يعاملونها. قال برفق بينما غرق دون إرادته في براءتها: "أسبوع كمان معانا يا سو ونخلص قرص العلاج ونخرج إن شاء الله." هتفت بفرحة: "بجد يا دكتور يونس؟ قال بوجه بشوش: "بجد يا سو." *** "علت الزغاريد في قصر التهامي وتزين القصر بأجمل زينة. ووصل موظف عقد القران المأذون."
تزينت رحيل بعد أن بعث خليل لها أشهر المتخصصين في مجال الميك أب. كانت جميلة هادئة. وقفت تلك الحنونة زينب التي تولت تربيتها بعد موت خالتها بجوارها. ونظرت لجمال رحيل الهادئ وقالت بفرحة صادقة: "ربنا يتمم بخير يا روح قلبي. قمر ما شاء الله عليكي يا حبيبتي." خجلت رحيل من إطراء أمها التي لم تلدها عليها. قالت بخجل بينما تورّد وجهها أكثر: "مرسي يا ماما زينب."
دلف في ذلك الوقت عزيز وقال بهدوء، بينما يشعر بنغزة في ضميره على تلك الضحية الجديدة التي ستقع في شباك نظافة أخطاء ابن عمه المستهتر. قال ووجه لا يوجد عليه أي تعبير: "جاهزة يا رحيل؟ المأذون وصل وخلص كل حاجة وطالب إمضتك." وقفت بجواره وشجعتها زينب وهي تأخذ بيدها وقالت وهي تمسك بيدها بحنان: "جاهزة يا حبيبي وأنا هنزل معاها."
أومأ عزيز بهدوء، بينما ضميره أراد أن يأمره أن ينهي تلك الزيجة ويمنع رحيل. ولكن فرحة رحيل التي لمعت في عينيها منعته. وحدثته نفسه قائلة: "فلتدعها تعرف الحقيقة وتخوض التجربة لتتعلم أنها أهدت قلبها إلى من لا يستحق." نفس خليل الصعداء حينما قال المأذون: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." هنا اكتملت خطته الخبيثة. أصبحت رحيل على ذمة ابنه ولن يستطيع سالم أخذها إن عاد ليأخذها. وكز خليل يوسف في يده وهمس له:
"قوم بارك لرحيل وافرد بوزك ده." دَقرب منها والإنسان الآلي واحتضن رأسها بين يديه وقبلها بخفة وقال ببرود: "مبروك يا رحيل." المسكينة كانت تهفو لأي كلمة منه ولم تنتبه إلى برود مشاعره أو برود كلماته. قالت بلهفة: "الله يبارك فيك يا يوسف." ***
وقف بكل هيبته في اليوم التالي أمام عدسات الكاميرات في ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده ليعلن فيه شراكته لمستشفى الحديدي، وإعادة فتحها مرة أخرى في آخر الشهر بعد أن أعلن أن سبب غلقها هو إجراء بعض التجديدات عليها. كانت بلقيس تقف بجواره تشعر بتلك الهالة التي يحيط بها. رغم أناقته وحديثه اللبق، إلا أنها ما زالت تراه وكأنه زعيم المافيا، بسبب غموض حديثه وهيمنته على أي شيء. حتى الحوار بينهم ينتهي دائما بما يريده عزيز التهامي.
بعد انتهاء المؤتمر الصحفي، أغدق عزيز أمواله على المستشفى وبالفعل جاءت شركة من أكبر شركات المقاولات لكي تتولى تلك التعديلات. تعاقدت معهم أكبر شركة أدوية، والتي كانت قد أنهت عقد التعامل معهم بعد أن أغلقت المستشفى بسبب إفلاسها. ولكن كان عزيز واسمه مصباح علاء الدين الذي أعاد كل شيء إلى أصله وأفضل مما توقعت بلقيس.
لم تعترض بلقيس على أي تعديلات أجريت بالمستشفى، فهي كانت سعيدة لعودة مستشفى أبيها للحياة مرة أخرى بعد أن قضى عليها خاله. لن تسأل لماذا قام عزيز بتلك الشراكة مرة أخرى. ويكفيها فرحة أبيها بتلك الخطوة وفرحته بعودة مشفاه. ويكفيها أيضاً أن أسيا أختها بدأت في التحسن والتعايش مرة أخرى، وكله بسبب عائلة التهامي. ويبدو أن هذه العائلة هي دواء عائلة الحديدي. هكذا ظنت بلقيس، ولكنها لا تعلم أن هذه العائلة هي أول نهاية عائلتها، وما يفعله عزيز ما هو إلا مجرد تعويض صغير بتلم الأفعال الصالحة التي يسكت بها ضميره أو يحافظ بها على رابطة الأخوة بينه وبين أخيه وأمه.
*** "هدر خليل بغضب في عزيز عندما شاهد مقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي." "هي دي السفرية اللي مليش فيها يا عزيز؟ نظر له عزيز ببرود وقال: "ولسه ملكيش فيها يا عمي." صاح خليل والغضب يشتعل في عينيه، حيث أدرك لتو أن ابن أخيه صاحب الفضل في تلك الإمبراطورية. تغير به شيء ويكاد يجزم أن هذا الشيء خطير. "مليش فيها إزاي يا ملك؟ انت ناسي إننا في مركب واحدة والشراكة دي هتفتح علينا أبواب جهنم؟
ألف واحد هيسأل: إشمعنا عزيز التهامي، رجل الأعمال المعروف، يدخل شريك في مستشفى مفلس سمعته زي الزفت؟ دا غير الحادثة بتاعة بنت الرجال ده، اللي برضو خلت سمعتهم في الطين." قال عزيز وقد بدأ الغضب ينال منه: "متنساش يا عمي إننا سبب الإفلاس، وابنك المصون هو سبب اللي حصل لبنته. يعني في الأول والآخر إحنا سبب دمار المستشفى وسمعة الراجل. ولا إنت ناسي إن ابنك هو السبب؟ عند ذكر يوسف قال خليل بحقد وغضب:
"ابني معملش حاجة وطلع براءة. وحسين أخو مرات إبراهيم الحديدي هو اللي مضى معانا الشحنة. يعني إحنا ملناش دعوة." ضحك عزيز بسخرية وربت على كتف عمه وهو يهم أن يغادر وقال: "بلاش تكدب الكدبة وتصدقها يا عمي."
ولكن خليل لم يصمت، ألقى على عزيز آخر ما في جعبته لكي يحمي نفسه ويحمي تلك الإمبراطورية التي بناها على أكتاف عزيز، وليدخل له من مدخل مختلف لعله يثنيه عن تلك الخطوة التي قلق خليل ورأى فيها خطر كبير على ابنه ونفسه وعزيز نفسه، وليسأله إن كانت خطوته تلك بسبب الطبيبة، فهو لا يحبها ولا يرتاح لها منذ أن رأى صلابتها وقوة شخصيتها أثناء حادث أختها مع يوسف. "إشمعنا الدكتورة دي يا عزيز؟
نظر عزيز ولم ينطق، ولكن عيناه نطقت وهي تحذر عمه ألا يكمل. لم يجيب عمه. بينما خليل أصر أن يضغط عليه ليبعده عن تلك الطبيبة وتلك الشراكة التي يرى فيها خليل نهاية ملك الليل عزيز، كما يلقبه أهل تلك الطبقة التي ينتمي إليها، طبقة أثرياء الأعمال المشبوهة. هدر عزيز بغضب، بينما نسي من أمامه ومع من يتحدث: "أنا داخل شريك مع أبوها مش معاها، وبلاش عقلك يصور حاجات مش موجودة يا خليل بيه."
لم يصمت خليل، بل وضع أمام ابن أخيه كل الحقائق التي غفل عنها أو تغافل هو عنها، كأن سحر ما يسيطر عليه. قال بمنتهى العقل وأيضاً الصدق في الحقائق حتى وإن كانت بشاعتها: "قنعني إنت يا عزيز، إشمعنا العيلة دي مصمم تنفذها وتعرض كل حياتنا وكل اللي بنيناه للخطر؟ ما ياما دوست وقتلت وخربت بيوت وأكتر من دي ألف مرة. ليه بقى واخدك الشهامة مع الدكتور وبناته؟ لو عاجباك الدكتورة، لها ألف مدخل غير إنك تعرضنا للخطر يا عزيز."
"ولو إن مفيش لها مدخل غير الحلال، وهي كدا فعلاً لأنها زي ما بيقولوا كدا، دكتورة عارفة ربنا. واللي زيها كدا لا شبهك ولا حتى هتكمل معاك لما تعرف حقيقتك يا ملك." فار أعصاب عزيز، ولكنه استطاع التحكم في أعصابه واقترب منه وقال بهدوء ووجه لا يوجد عليه أي أثر لحديث عمه الذي أشعل داخله، ولكنه قال بثقة: "ألف دكتورة زي الدكتورة بنت إبراهيم الحديدي تتمنى بس عزيز التهامي رجل الأعمال يقول لها بس. تعالي وهي هتيجي راكعة يا عمي."
ثم أضاف بغرور قاتل: "أنا عزيز التهامي، مفيش حد يقدر يرفضني. بس أنا أصلاً لا الدكتورة ولا غيرها في دماغي، وكل الهري اللي قولته ده ميهمنيش. أنا دخلت شريك في المستشفى وأسبابي أنا حر فيها، وإنت مش وصي عليا يا عمي العزيز." قال خليل بتهكم: "الحمد لله طمنتني على قلبك يا ملك." *** جلست بلقيس أمام عماد الضابط الذي تولى التحقيق في قضية أسيا. سألته بحزن: "يعني إيه يا عماد بيه؟ برضو مش قادرين توصلوا للمجرم هاني؟
أجابها الضابط بحزن: "والله يا دكتورة قلبنا الدنيا عليه، بس متقلقيش، إن شاء الله هنوصله." "يعني هو هيفضل مستخبي عمره كله؟ سألته باهتمام: "وموضوع شحنة الأدوية يا عماد بيه؟ أنا عايزة أعرف اسم شركة الاستيراد أو المسؤول اللي مضى مع خالي على صفقة الأدوية." قال عماد بقلة حيلة:
"والله يا دكتورة أنا حاولت بكل الطرق أوصل لأي أوراق أو أي حاجة أو اسم يوصلنا لأي معلومة بخصوص الصفقة أو الحريق اللي كان بسبب مس كهربائي في محولات المينا. مش عارف، الموضوع ده أكيد فيه شبهة جنائية وأكيد فيه ناس واصلة، وإلا مكنش هيحصل فيه تعتيم كدا على اسم الشركة المستوردة." سألته بلقيس بقلة حيلة: "يعني كدا حق أختي وحق بابا ضاع يا عماد بيه؟ أجابها عماد بثقة:
"لأ، إن شاء الله يا دكتورة، بس الحكاية محتاجة صبر. وبعدين الحق مش بيضيع يا دكتور، ما ضاع حق ووراءه مطالب." قالت بينما كاد الأمل أن ينطفئ بداخلها: "يارب يا عماد، يارب نوصل لأي معلومة." ***
ضاقت بها الأرض، فهي منذ أربعة أشهر تبحث ولم تكل أو تمل من البحث عن المجرم الذي دمر أختها، أو المجرم الآخر الذي دمر أباها، ولم تصل لأي منهم. ضاقت بها الدنيا والسبل. وجدت نفسها تقف أمام مستشفى أبيها الذي جاء تم إنقاذه بسبب عزيز. وكم كانت ممتنة له حين أعاد الأمل لها بإعادة فتح ذلك المستشفى. فمنذ ذلك اليوم وأباها تبدلت حالته المزاجية والصحية، أصبح مداوم على جلسات العلاج الطبيعي، حتى أختها وكأن عدوى التفاؤل وصلت لها. وها هي حياتها بدأت تزهر من جديد، ولكن هذه المرة كان الساقي لزهور أمل الحياة ليس اجتهادها أو نجاحها أو نجاح أبيها، إنما الساقي كان ذلك العزيز الذي ظهر لها كأنما هو مصباح علاء الدين الذي حقق لها أعظم أمنية وهي عودة مستشفاه مرة أخرى.
نظرت بعينيها الجميلتين إلى أعلى، وجدت مكتبها مضاء، بينما كانت المستشفى في فترة التجديدات. استغربت وتساءلت: "من الذي تجرأ وفتح مكتبي وأيضاً جلس فيه بكل اريحيه؟ دَلفت إلى المستشفى ووجدت حارس الأمن الذي استقبلها بحفاوة: "أهلاً دكتورة بلقيس." سألته وقد بدا الانزعاج على وجهها: "حد هنا من العمال يا أحمد؟ أجابها الحارس: "لأ يا دكتورة، شفت العمال بيخلص الساعة خمسة. بس عزيز باشا وصل من شوية وطلع فوقت." تساءلت بينما
تملكتها الحيرة والشك: "عزيز؟ إيه اللي جابه في الوقت ده؟ صعدت داخل المستشفى وهي في حيرة. *** بعد أن هاجمه عمه ووضع أمامه تلك الكلمات التي كانت مثل طلقات الرصاص القاتلة، لم يريد من تلك الشراكة إلا أن يسكت ضميره الذي أصبح يقتله بعد أن رأى حال الدكتور إبراهيم، وأن يجد ما يشفع له أمام أخيه إن لا قدر الله علم أخيه الحقيقة. ولكن تفكير عمه الخبيث وضع الطبيبة أمامه. وحقيقة واحدة ظهرت جلياً
أمامه: هل كانت من ضمن أسباب تلك الشراكة؟ لن ينكر الأمر، فهو أراد أن يتقرب لها، ولا يعلم لماذا. المهم أن يكون بجانبها، فهي دائماً تجذبه لها بشخصيتها القوية، عنادها، بحثها عن الحق، صلابتها وتماسكها حتى في الشدائد التي أصابتها، ما زالت واقفة تحارب لكي تستعيد عائلتها. إنها كما لقبها أبيها باسم أعظم الملكات، بلقيس، فهي في شخصيتها ملكة تستطيع أن تتغلب وتقف وتحارب. هل تستطيع أن تحب وتغرم؟
وعند وصوله لتلك الخاطرة، نفض تلك الفكرة ووعى على حاله. ماذا يفكر؟ ومن تلك التي يفكر فيها؟ ومتى اهتم بها أو بغيرها؟ كل النساء بالنسبة له مجرد متعة. وتلك الأفكار تأخذه وتلك الأفكار تعيده. وحديث عمه يشعله. ونظرات الطبيبة بعينيها الجريئة تسرق فكره، إلى أن استمع لصوت هاتفه الذي كان قد شغله على إحدى أغاني وردة، ولكن كانت الأغنية معبرة عنه أكثر. "ليالينا، ليالينا وتاهت بينا ليالينا ليالينا، ليالينا وتاهت بينا ليالينا
وتاهت بينا تاهت ليالينا، ليالينا وقولنا نرسينرسي على مينا وتاهت بينا تاهت ليالينا، ليالينا وقولنا نرسينرسي على مينامشينا وأدينا من غير أهالينا ولا حد بيسأل فينامشينا وأدينا من غير أهالينا ولا حد بيسأل فينا وأتاري الدنيا غدارة، غدارة بتغدر كل يوم بينا غدارة وأتاري الدنيا غدارة، غدارة بتغدر كل يوم بينا غدارة والله وجيتي علينا يا دنيا جيتي علينا، علينا يا دنيا وجيتي كتير على ناس قبليناليالينا، ليالينا
وتاهت بينا ليالينا." وفجأة علا صوت آخر غير صوت هاتفه الذي يصدح بتلك الأغنية. إنها طرقات هادئة على باب المكتب الذي يجلس فيه. قال بصوته الخشن: "اتفضل." دَلفت من سرقت تفكيره. وقف عندما رآها، ولم يتحدث. تحدثت هي: "مستر عزيز، إزاي حضرتك؟ قال بهدوء وقار: "أهلاً دكتورة بـ... "مهلاً مهلاً! هل ناداني باسم الدلال وكيف يجرؤ؟ قالت بثبات: "دكتورة بلقيس." أجابها بمرح ولكنه لم يظهر على وجهه: "بلا أحلى وخفيفة، إنما بلقيس دي."
وقبل أن يكمل هتفت بشراسة: "سهالها." أكمل بنفس اللهجة: "ملهاش، بس بحس إنها مكتفاني وموقفاني قدام ملكة." صمتت ولكنه لم يصمت. قال وقد شعر بالخجل لأنه يجلس على مقعدها وفي مكتبها دون أن تأذن لها: "آسف إني جيت وقعدت على مكتبك." ثم أكمل وهو يكذب: "أصلي كنت معدي من هنا فقولت أشوف التعديلات وصلت لفين عشان الافتتاح." قالت بلقيس بود، وكأنها منذ قليل لم تشهر أنيابها لهم:
"مفيش مشكلة مستر عزيز، حضرتك شريك في كل حاجة هنا وتقدر تيجي في أي وقت، طبعاً المكان مكانك." سألها بمكر: "حتى مكتبك؟ أجابته بحسن نية: "حتى مكتبه." قال وهو يشير لها أن تجلس، وما زالت أغنية وردة يصدح بها هاتفه: "طب اتفضلي اقعدي نكمل كلامنا." جلست أمامه، ولكنه أصر أن تجلس على مكتبه. بعد أن جلست، سألته وقد بدا الشجن على وجهه: "بتحبي وردة؟ أجابها بإيجاز: "بحب أغانيها." قالت له وهي ما زالت تستمع لها:
"أنا بحبها وبحب أغانيها. بابا كمان بيحبها." وعند نطقها بسيرة أبيها كانت وردة تقول: "وأتاري الدنيا غدارة، غدارة." هل اتفقت وردة وهي عليه ليذكروه أنه غدر بذلك الطبيب؟ التقط هاتفه وفلقه. قالت بلقيس وقد بدا عليها الانزعاج: "قفلته ليه؟ "كدا أحسن." أجابها وهو يتهرب بعينيه من جمال وجرأة عينيها: "كدا أحسن، نتكلم في الشغل شوية ولا أوصلك؟ قالت بعملية: "نتكلم في الشغل شوية. وبعدين هروح لوحدي، معايا العربية." قال بهيمنة:
"هوصلك وهخلي حد يجيب لك العربية بكرة." لم تعترض، بينما هوت هيمنة ذلك الغامض الذي ما زالت تجزم أنه مجرم وليس رجل أعمال. *** دلفت وهي تحتضن يد بلقيس إلى ذلك النادي الاجتماعي الشهير. نظرت لها بلقيس وهي تشجعها على أن تتحرك بثقة: "يلا يا سو يا روح قلبي." مشت مع أختها، ولكنها كانت ترتعد من تلك العيون التي تنظر لها. ولكن بلقيس لم تهتم. أجلستها وجلست بجوارها وسألتها: "أجيب لك عصير فرش يا سو؟
قالت أسيا وقد بدا الخوف على ملامحها، ولكنها تحاول التغلب عليها: "وكطلبت لها بلقيس المشروب." ولكن هاتف بلقيس اهتز دليل على أن هناك من يتصل بها: "ثواني يا سو هرد على مستر عزيز." قامت لتجيب على عزيز الذي كان يناقشها في بعض التعديلات قبل الافتتاح. وفي تلك الأثناء، جاءت إحدى صديقات أسيا واقتربت منها وهتفت: "أسيا؟ مش معقول! حمد الله على السلامة. إيه أخبارك؟ قالت أسيا وقد بدا عليها علامات التوتر:
"الحمد لله بخير يا ليلى. عاملة إيه؟ قالت ليلى بود: "أنا كويسة الحمد لله. المهم إنتي بخير؟ من حديث ليلى وودها مع أسيا، بدأت أسيا تطمئن لها، فهي فتاة جميلة ودودة. جلست معها وبدأت تتناول معها أطراف الحديث. وقف يونس من بعيد يراقب رد فعل أسيا وقلبه يكاد يخرج من مكانه من خوفه عليها وخوفه من مجتمع عقيم يجعل الضحية هي الجانية ويبرئ الجاني. وبعد قليل ما حسب حسابه يونس، حدث بينما جاءت سيدة في بداية العقد الخامس في
حياتها وصاحت في ليلى بغضب: "ليلى بتعملي إيه عندك؟ أجابتها ليلى ببراءة: "ماما تعالي شوفي لقيت مين." تفتت السيدة بغضب في ابنتها: "قومي من عندك." أصرت الفتاة وقالت بشجاعة: "مش هقوم يا ماما، أسيا وحشاني وأنا لسه بتكلم معاها." قالت السيدة وهي تنظر لأسيا بمنتهى التقزز وكأنها هي المسؤولة عما حل بها: "قولتلك قومي من هنا، مينفعش تقعدي مع دي."
وكأنها غرست سكين في قلب أسيا ونفذ أولاً إلى قلب يونس وبلقيس التي أتت مسرعة مع نهاية كلمات تلك المرأة المسمومة. ولكن يونس كان الأسرع في الرد حين وقف بجانب أسيا التي كادت أن تفقد الوعي من كلمات تلك المرأة التي فقدت الرحمة التي أعطانا الله لنا لنرحم بها بني جنسنا من البشر، ونسيت أنها وغيرها من بنات حواء يمكن أن يحدث لها كما حدث لأسيا. احتضن كتف أسيا بحماية وقال بكل فخر: "أهلاً يا ليلى."
مد يده يسلم على تلك الفتاة الجميلة التي لا تنتمي لأمه. تساءلت الفتاة بعينيها وهي تصافح يونس: "أهلاً بحضرتك." قال يونس بمنتهى الفخر والقناعة لقراره الذي اتخذه في لحظة: "أنا دكتور يونس خطيب أسيا." أنهى كلماته وترك الجميع في صدمة. بينما أسيا لم تتحمل تلك الصدمتين، وقعت بين يديه مغشياً عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!