دلف خليل إلى فيلا التهامي بعد أن تجاوزت الثالثة فجراً. صعد السلم بينما عقله يعمل كالطاحونة. يخاف إذا تذوق عزيز حلاوة الحلال وهدأت ثورة الغضب من الفقر وانطفأت شهوة الركض وراء حب المال. ليخلق في قلبه شهوة أخرى يريد أن يغوص فيها.
لم ينس خليل نظرة عزيز لتلك الطبيبة يوم حادث أختها. لم تكن نظرة الملك الميتة لكل بنات حواء، كانت نظرة جديدة عليه، نظرة حنين لبنات حواء لم يراها في عينيه منذ أن كان مراهقاً يهوى بنت الجيران الذي رقد خلفها حتى بعد أن تخلت عنه وتزوجت غيره.
لم يتراجع عنها بعد أن أصبح الملك. عادت له لتغريه بحبها المزعوم وأن أهلها من أرغموها على الزواج من غيره. وهو جعلها تتخلى عن زوجها وابنته لتتزوج عزيز. هو وجد في تخليها عن حياتها من أجله إرضاء لغروره الذكوري، وهي لم تكن تريد إلا أموال عزيز.
وبالطبع خليل كان يعلم كل تلك الأمور، فهو يجعل الأعين على عزيز لأنه ببساطة هو صمام أمانه وأمان تجارتهم المشبوهة. حتى أنه الوجهة الاجتماعية المشرفة لأعمالهم التي هي صورة مخملية لعائلة التهامي. ولن يقف خليل مكتوف الأيدي ويترك عزيز يتذوق حلاوة العشق الحلال مرة أخرى أو يخرج من تحت عباءته.
سمع خليل وهو يمر في الممر المؤدي إلى غرف النوم صوت رحيل بينما تصرخ وكأن أحدهم يتهجم عليها. أسرع وفتح غرفة ابنه يوسف ورحيل. وجد ابنه مثل الثور الذي فقد السيطرة على نفسه يهجم بكل وحشية ويمزق ثوب زوجته ويحاول أن يعاشرها رغم عنها. انطلق خليل ودفع يوسف عن رحيل وصفعه على وجهه صفعة أيقظت عقل يوسف المخمور، بينما رحيل وقفت ترتجف مثل العصفور الذي غرق عشه بماء المطر، تختبئ خلف خليل. صاح
خليل والغضب يشتعل بعينيه: "انت بتعمل ايه يا حيوان؟ نظر له يوسف وهو يمسح جانب فمه من قطرات الدماء التي نزلت منه أثر صفعة أبيه وقال ببرود وهو يحاول أن يجمع شتات نفسه وعقله: "بعمل ايه يعني، مراتي وعاوز حقي الشرعي فيها وهي مش موافقة." صرخ خليل وهو يمسك في مقدمة قميصه ويدفعه بتقزز: "تاخد حقك الشرعي غصب عنها يا حيوان! تهكمت ضحكة يوسف وقال: "دي الطريقة اللي اعرفها يا ....
بابا. وبعدين ما هي عاوزة كدا، امال كانت متجوزاني وموافقة عليا ليه وهي عارفة اني كدا وانت متفق معاها على كدا؟ لم يشعر خليل إلا وهو ينهال على وجه ابنه الأحمق الذي أصر وبمنتهى الغباء أن ينهي زيجته ويحطم ملاك الرحمة التي أحبته. صرخ خليل بغضب وهو ينهال على وجه يوسف بالصفعات المتتالية: "اخرس يا حيوان! انتفضت رحيل وهي تبكي بحرقة تبعد يد خليل المنهالة بالضرب على
وجه يوسف وهي تصرخ ببكاء: "خلاص يا عمي لو سمحت ابعد عن يوسف، أنا هحل مشاكلي معاه." وعى خليل على نفسه بينما انتابته حالة من الغضب عندما وضع يوسف أمامه حقيقته الحقيرة وأيضاً العارية، فهو استغل سذاجة رحيل وضعف قلبها الذي يهوى ابنه، فبدأ في ضربه حتى يصمت ولا تفهم رحيل أنها بملء إرادتها فضلت البقاء مع مغتصب حيوان وانطلت عليها حيلة أبيه وكذبه.
خرج خليل من الغرفة والغضب مازال يعميه من كلام ابنه الأهوج الذي عجز عن فهم عقله الذي يدفعه لتدمير أي شيء يفعله خليل أبيه لبنائه ويجعله إنسان ناجح. بينما خليل نسي أهم شيء في ذلك البناء وهو أن يبني أخلاق ابنه. جلست رحيل بجوار يوسف على أرض الغرفة واتكأت للفراش. قال بصوت مقهور وهو ينظر لها بينما وجهه تورم من صفعات أبيه: "انت ملاك يا رحيل وأنا شيطان، أنا شيطان يا رحيل."
بدأ في البكاء. اقتربت منه وهو وضع رأسه على صدرها وزاد في البكاء. بينما هي لم تتمالك نفسها بدأت تبكي هي الأخرى ولا تعلم لأي شيء تبكي. تبكي على سوء اختيارها أم تبكي على زوج غير مسؤول فصلته وتزوجته وتخلت عن أبيها من أجله. ثم غفى على صدرها وهي أيضاً غلبها النوم وهي تحتضن رأسه.
وقف في شرفة شقتها يتذكر أيامه الخوالي كيف كان مراهقاً بريئاً وقع في عشق بنت الجيران التي تسكن أمامه. كان بحبها حب بريء. لم تلوثه ذنوب ومعاصي الأيام. من خلفه تتهادى في مشيتها، وضعت يدها بدلال على ظهره وسألته بصوت ناعم كنعومتها: "اللي واخد عقلك يا عزيز؟ نظر لها نفس النظرة الميتة وقال بتهكم: "قصده محدش." سألته مرة أخرى بينما تزيد من جرعة دلالها عليه: "يعني مش أنا؟ ضحك بخفة، ضحكة لم تصل
إلى وجهه وقال بزهو وغرور: "ولا انتي ولا ألف زيك ياخد عقلي يا دودو." أضاف آخر كلمتين بسخرية. سألها بنفس الصوت البارد: "قوليلي يا دودو." قالت بلهفة حين ظنت أنه سيطلب منها أي شيء تفعله له: "انت اتجوزتيني عرفي ليه؟ قالت دون تفكير: "عشان بحبك يا عزيز." سألها مرة أخرى: "بتحبني أكتر من بنتك؟ قالت بجحود بينما أعماها حب المال والرفاهية التي تحتمي فيها تحت كنف عزيز: "بحبك أكتر من نفسي يا عزيز."
قال بمكر: "حتى لو خسرت كل فلوسي ورجعت على الحديدة زي زمان؟ ارتعش صوتها وقالت بصوت يرتجف: "أنا هفضل معاك حتى لو خسرت كل فلوسك يا ملك." قال بتهكم بينما علم من نبرة صوتها أنها تكذب: "وليه مفضلتش معايا زمان؟ كان زمانا عايشين ومخلفين وحياتنا كويسة." قالت بكذب: "والله يا عزيز، هقولك ألف مرة عمي غصبني على الجواز." ثم وقفت أمامه وهي تزيد من دلالها له وقالت بصوتها الناعم: "الليل قرب يخلص يا ملك، هتفضل واقف هنا كتير؟
تعالي ندخل نريح جوه." الفجر قرب يأذن. نظر لها وانساق خلف يدها التي تسحبه وهو انساق خلفها لعله يجد في الخلاص من شهوته التي تتملكه كلما أتى ليرتمي في أحضانها أحضان شيء من مراهقته البريئة التي دنسها الفقر وطمع درة.
قبلته بلهفة وهو مغمض العينين، وما أن فتح عينيه وجدها أمامه وهو يتبادل معها القبل المحمولة. إنها ملكة أفكاره بلقيس، تخيلها هي من تبادله القبل الشغوفة للحظة. كانت من أجمل لحظاته. ثم عاد إلى واقعه بينما درة هي من أمامه. ابتعد عنها كمن لدغته عقرب وتملك منه الدهشة لفعله الغير متوقع. بينما خمدت نار دره أمامه لتشتعل في قلبه جذوة نار أخرى لا يعلمها، نار الاشتياق لصاحبة العيون الجريئة والشخصية القوية، أنها الملكة كما يلقبها بلقيس.
حمل متعلقاته وخرج مسرعاً وترك درة في لحظة وهي في دهشة من أمره ودهشة أخرى من أمر قبلته المتأنية التي ولاول مرة تتذوقها منه وكأنه يتذوق شفتيها لأول مرة. إنه صباح جديد تتمنى من الله أن يكون مشرقاً جميلاً كحال شمسه الدافئة الجميلة. وقفت أمام أختها في حديقة المصحة النفسية تتأملها وتتأمل هدوئها وجمالها الحزين. اقتربت منها وهي تبتسم بشوق لها.
انتبهت أسيا أن بلقيس أمامها وتبتسم لها بشوق. وقفت واللهفة تعلو وجهها وارتمت في أحضان أختها الحنونة. جلست بعد وقت ليس بقليل قضته في أحضان أختها. سألتها بلقيس بصوت يقطر حنان: "كويسة يا حبيبتي؟ أومأت لها دون حديث. قالت بلقيس بعتاب محبة: "انتي مش هتتكلمي معايا أنا كمان يا أسيا؟ نظرت لها أسيا بخوف. قالت بلقيس بمرح: "اتكلمي يا روح قلبي وأنا مش هقول ليونس."
رغماً عنها ابتسمت تلك الجميلة الحزينة على ذكر طبيبها الحنون وأيضاً المجنون. سألتها بلقيس بترقب لتعلم ردة فعلها: "الدكتور يونس طلب ايدك من بابا يا أسيا؟ نظرت لها أسيا وقد اعتلت المفاجأة وعقلها أصبح في حالة فوضى. هل طلبها فعلاً؟ إذا لم يكن يمزح أو يتحدث بأي حديث حتى ينهي هذا اللقاء الثقيل التي تعرضت له من أم ليلى. تاهت وتاه عقلها.
نظرت لها بلقيس بترقب وهي تقرأ تعابير وجه أختها التي تتماوج بين الدهشة والبسمة والتعجب. لا تعلم ما فعلته تصرف سليم أم لا، ولكنها لابد أن تتحقق من حديث يونس الذي أخبرها قبل يومين حين أتى إلى منزلهم مرة أخرى ليعلم رد الدكتور إبراهيم على طلبه الذي استماله له وخصوصاً أنه من اهتم به وهو طالب. بينما وافقت آمال أم بلقيس من أول يوم وهي تحمد الله أن شاب ناجح مثل يونس تقدم لخطبة ابنتها المدمرة حرفياً بجريمة لم ترتكب فيها أي ذنب.
وافق الدكتور إبراهيم ولكنه وضع شرطاً مهماً أن توافق أسيا أولاً. استحسنت بلقيس رأي أبيها. وتوجس يونس الخوف من رفضها. ولكنه أخبر بلقيس أنها في مراحل النقاهة وأنها لم تعاني من أي مرض عضوي ولكن نفسيتها بها بعض الاضطراب بعد أن انقضى ستة أشهر من علاجها. نظرت لها تترقب إجابتها أو أي إيماءة منها تدل على أي موقف منها.
بينما وقف يونس يسترق النظر والاستماع لتلك المحادثة بين أميرته الحزينة وأختها الصارمة. وقف هو وقلبه الذي علت وتيرة خفقانه من الخوف. الخوف عليها من الصدمة الجديدة، والخوف من ردة فعلها. عقل أسيا مازال يعمل ويحسب ويخبط، بينما قلبها وجد هوى من طلبه وأحب الطلب. أو بالمعنى الصحيح أحبت أن تكون مرغوبة من أحدهم بعد ما حل بها. انتصر هوى قلبها مؤخراً وقالت برغبة تولدت لديها
من رغبة يونس في طلبها: "أنا موافقة يا بلقيس، بس نروح من هنا." "مهلا مهلا" نطقت الأميرة الصامتة. دهشت بلقيس من جواب أختها ولكنها أخيراً تنفست الصعداء حين سمعت صوت أختها يخرج بعد غياب شهرين آخرين بعد أن عاد منذ شهرين ثم اختفى مرة أخرى بعد أن تعافت من كربتها. احتضنتها بلقيس والفرحة تكاد تتجسد في فتاة صغيرة تقفز من شدة الفرحة. بينما يونس أخفى فرحته وتمالك نفسه وانصرف إلى مكتبه ليكتب جواب الخروج لأميرته الحزينة.
وقفت أمام مكتبه وهو ينهي إجراءات خروجها. قالت أسيا بمكر: "طبعاً خلصتها كلها قبل ما أطلبها." قال بمكر لكي لا يفضح أمره: "وأنا هعرف منين يا بلقيس؟ قالت بمرح: "وكمان بلقيس ومفيش دكتورة بلقيس؟ أجابها بنفس المرح: "خلاص بقى هتبقى حماتي." ثم غمز لها بشقاوة تعكس فرحته. قالت بلقيس بجدية: "أنا عارفة أن أسيا مش متزنة نفسياً يا يونس ومش خايفة عليها وهي معاك، بس اللي خايفة منه إنك في يوم تندم إنك ارتبطت بها."
قال وقد انزعجت ملامحه: "تأكدي يا دكتورة، عمر اليوم ده ما هيجي أبداً." وصلت هي وآسيا إلى بيتهم الذي أخيراً عاد إليه الفرح بعد مرور ستة أشهر من الكآبة. استقبلتهم أمهم بفرحة وأيضاً الدكتور إبراهيم أبيهم. وعندما دلفت إلى حجرتها اتصلت به لتخبره كما طلب منها. أجاب في لحظة. قالت بصوت رزين عكس تلك الفرحة الطاغية على ملامحها: "مستر عزيز." انزعج هو وقال بصوته البارد: "مش كنا اتفقنا من غير مستر."
خجلت ولأول مرة تخجل منه وكأنه أمامها. سألها بهدوء: "رحتي فين؟ أجابت بصوتها الأثيم: "معاك." قال هو بفطنة وذكاء حاد: "نقول مبروك؟ دهشت من فطنته. سألته: "عرفت منين؟ أجابها بمرح: "انتي متعرفيش اني أقدر أقرأ أفكارك." جارته في مرحه وقالت: "يا لطيف يا لطيف." علت ضحكتهم معاً ثم هدأت وعم السكون الذي قطعه وقال: "هنجيب الحاجة وعمي أول خميس بعد الافتتاح نطلب أيد أسيا." قالت ومازالت بسمتها عالقة بصوتها: "إن شاء الله."
وقف عزيز ويونس يراقبوا تعابير وجه أمهم بعد أن أخبرها يونس برغبته في أن يتزوج. كم فرحت حين سمعت هذا الخبر، ولكنها بعد لحظات غيرت فرحها إلى غضب حين علمت أن من يريد يونس أن يتزوجها هي أسيا صاحبة القضية الشهيرة مع ابن عمه يوسف. قال خليل بغضب لكي ينحي زينب عن أي موافقة: "انت اتجننت يا يونس؟ عاوز تتجوز البنت دي اللي اتبلت على ابن عمك."
صاح يونس بغضب في عمه: "عمي لو سمحت بلاش نتكلم في الموضوع ده وأنا مش باخد رأيك أصلاً، أنا بكلمك أمي." انتفض خليل وصاح بغضب: "هي بقت كدا يا دكتور؟ قال يونس: "أيوا يا عمي هي كدا." نظر عزيز لأمه وقال بهدوء: "أهدي يا أمي، ده قرار يونس." هتفت زينب بغضب أعمى بعد أن ملأ كلام خليل المسموم رأسها: "هل يعقل أن ابنها الطبيب الخلوق سيتزوج تلك الفتاة التي كانت على علاقة بصديق يوسف؟ انت اتجننت يا يونس، مين اللي عاوز تتجوزها دي؟
فوق يا ابني، دي مش شكلنا ولا زيك." ثم قالت بقهر أم خائفة على ابنها أن تستغله فتاة سيئة السمعة: "دي سمعتها في الوحل يا ابني، فوق." هتف يونس بغضب تملك منه بعد حديث أمه: "ماما لو سمحتي، أسيا أشرف من أي حد. أسيا ضحية وملهاش ذنب." قالت زينب وهي تحاول أن تثني ابنها بشتى الطرق عما أنت فعله: "ضحية مش ضحية، أنا مش موافقة على الجوازة دي وهمنعك." "هتمنعيني إزاي يا أمي؟ قالت زينب بينما غضبها
اشتعل من ابنها ووصل لأخره: "لو اتجوزتها، لا انت ابني ولا أعرفك." قال يونس وقد شق حديث أمه قلبه من الحزن: "انتي حرة يا أمي، لو عاوزة تتبري مني، بس بكرة تعرفي أن أسيا أنضف من أي واحدة في الدنيا وأنا مش شايف فيها أي عيب." ثم قبل رأس أمه وقال وهو يغادر ويترك المنزل: "وانتي هتفضلي أمي حبيبة قلبي حتى لو انتي مش عاوزاني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!