استأذن بكل تهذيب من الدكتور إبراهيم ليخرج. أخيرًا سيعرف عدوه. هتفت بلقيس من خلفه وهو يخرج مسرعًا: "عزيز فيه إيه؟ التفت لها وقد عادت صفحة وجهه مبهمة لا تستشف منها شيئًا. سألته بلهفة: "فيه إيه يا عزيز؟ قال بصوت بارد: "مفيش يا دكتورة، حصل حاجة في الشغل ولازم أنا أكون هنا." سألته والقلق مرسوم على وجهها: "خير يعني ولا مشكلة؟ لمس اهتمامها قلبه. قال بصوت حنون حتى لا يزيد التوتر لديها:
"خير يا دكتورة، أمور الشغل مش بتخلص، بعد إذنك." تركها وانصرف، وعاد الغضب الذي كبحه في صدره ليظهر مرة أخرى وهو يجرى تلك المكالمة. "أيوا يا فكري." "الكلب ده فين؟ "في مخازن الصحراوي يا ملك." "محدش يقرب له، أنا اللي هروح." "تمام يا ملك." *** انتهى الطعام وجلست رحيل مع والدها وأخواتها، وأيضًا ذلك الغامض الذي تحاشى النظر إليه. بعد قليل قال سالم لها: "تعالي يا رحيل." وقفت مع والدها وذهبت معه بعد أن استأذن من علي:
"بعد إذنك يا علي يا ابني، طبعًا البيت بيتك." وقف علي بتهذيب واستأذن هو الآخر: "أنا كمان بعد إذنك يا حاج سالم." "أنا كمان يا دوب ألحق المغرب في المسجد." تركهم وانصرف، بينما جلست رحيل مع والدها. قالت منى بطيبة: "خلصي يا حبيبتي مع بابا كلام وتعالي شوفى الحاجات اللي بابا بعت اشتراها لك." أومأت رحيل بهدوء وبسمة مشرقة، وكأنها كانت في قفص من ذهب خُيل لها أنه حياتها، بينما هو سجانها.
سألها سالم، وأخيرًا ظهرت علامات القلق التي تنهش قلبه وعقله منذ الأمس، ولكنه أخفاها بداخله، ولكنه الآن نفذ صبره وظهر قلقه في سؤاله: "رحيل حصل إيه يا حبيبتي واحكي كل حاجة مهما كانت صعبة عليك أو عليا." أومأت رحيل بهدوء واستدعت كل ثباتها الانفعالي، وبدأت تقص على أبيها كل شيء منذ ذلك الحادث المشؤوم الذي دمر حياة آسيا وحياتها. كلتا الفتاتين تدمرت حياتهما. إحداهما أحبته بكل جوارحها ليجرحها هو بكل دم بارد.
والأخرى لم يستطع الحصول عليها ليحيك لها المؤامرات هو وصديقه الخائن لينتهك حرمة جسدها وينتهك عرضها وشرفها، فقط لأنه أرادها ولم يستطع الحصول عليها. انتهت من حديثها وقد اختلطت دموعها مع صوتها وهي تنهي حديثها بقهر، بينما تتذكر صوت يوسف وهو يروي وبمنتهى التبجح أنه من خطط وفعل فعلته القذرة في تلك الفتاة البريئة. وكانت هي السيف الذي قتل تلك الفتاة الذي قضى عليها بشهادتها معه وتبرئته من جريمته. ربت سالم على
كتف رحيل بحنان وقال لها: "خلاص يا حبيبتي، الكابوس خلص وأنتي بقيتِ في حضني." نظرت لأبيها بأعين ملأها الندم وقالت وغصة مريرة في حلقها: "أنا آسفة يا بابا إني مسمعتش كلامك." قال لها بحنان حتى يريح قلبها من ألم الشعور بالذنب: "خلاص يا حبيبتي، المهم إنك معايا وفي حضني." سألته بصوت منكسر: "هتعمل إيه يا بابا؟ أجابها بحزم: "هعمل اللي أعمله، ملكيش دعوة بالموضوع ده." قالت بصوت حزين: "طلقني منه يا بابا." أجابها بحنان:
"حاضر يا حبيبتي، بس قومي شوفي منى بعتت اشترت لك لبس وحاجات حلوة كتير، يلا بقى غيري هدومك واقعدي مع أخواتك واعرفيهم يا حبيبتي أخواتك وكل البلد هتلاقيهم بيحبوك." قالت وقد بدأ الحزن ينقشع عن عينيها: "حاضر يا بابا." *** وقف أمامه بطوله المديد، بينما الآخر المقيد يرتعد خوفًا من المصير المجهول الذي ينتظره. سأله عزيز بدون مراوغة: "مين دفع لك عشان تقتلني يا راجح؟
ابتلع راجح بخوف وهو معصب العينين، ولكنه يعرف صاحب الصوت كما يعرف نفسه، أنه عزيز التهامي أو الملك كما يلقبه تجار السلاح والعملة، فهو ملكهم رغم صغر سنه لما يتفوق به عليهم من أشياء كثيرة. جادته أكثر من لغة. معرفته الممتازة بأمور الحاسب والبرمجة. وايضًا ذكائه الحاد الذي يستطيع به أن يدخل كل الشحنات دون أن يعلم بها الأمن. علاقته الممتازة مع رجال المافيا. كل هذا جعله الملك وبجدارة.
وايضًا نجاحه في مصر وأنه أشهر رجل أعمال، لا توجد عليه شائبة بأعماله. أعاد عزيز السؤال مرة أخرى على راجح، ولكن تلك المرة بصوت كاد يشتعل من الغضب: "مين اللي أجرك تقتلني يا راجح؟ من غير لف ودوران، عشان اللي هتشوفه على إيدي قليل عن اللي بتفكر فيه." ارتعدت فرائص راجح. "ماذا يفعل؟ تمسك بثباته الواهي وقال بثبات ظاهري: "عيب يا عزيز، طول عمرنا بنشتغل مع بعض وانت كبير سوق السلاح، محدش أصلًا يقدر يقف قصادك أو يفكر."
وقبل أن يتم راجح حديثه، هدر عزيز بغضب وهو يجذبه من مقدمة ثيابه: "وحياة أمك، انت هتشتغلني يالا؟ انطق مين دفع لك." قال وشفتيه ترتعشان: "محدش، ومش أنا معملتش حاجة، أكيد انت فاهم غلط." صاح عزيز بصوت جهوري: "فكري! أتى إليه فكري في لحظة. قال بأمر: "هات الكلب التاني."
وما هي إلا لحظة ودلف فكري يجر خلفه أحد الرجال الذين اتفقوا مع راجح وخليل على سرقة صفقة السلاح من عزيز، والذي استطاع أن يتعرف على راجح بعد أن رآه في أحد المرات وهو يتفق مع من دفع لهم مقابل تخليص تلك العملية. كان الاتفاق على أن يقضوا على رجال عزيز ويسرقوا شحنة السلاح، لكي ينشغل عزيز في البحث عن من فعل ذلك وتجرأ على الملك، لكي ينسى أمر شراكته مع الدكتور إبراهيم.
ولكن راجح خالف الاتفاق، وكان يريد قتل عزيز لكي يعتلي هو عرش تجارة السلاح، ويصبح من السهل عليه إقناع خليل الذي أصبح يكره أفعال ابن أخيه ويرى أنه أصبح خطر عليهم، يقنعه بالتخلص منه. دلف فكري بعد قليل يجر خلفه الرجل الوحيد الذي استطاع رجال عزيز من القبض عليه، وهو من تعرف على راجح. سأله عزيز وهو يقف بجوار راجح بصوت يشبه الفحيح: "الباشا اللي اتفق مع الراجل بتاعكم على العملية، يالا."
نظر هذا الشخص بتأمل وهو يرتعد إلى وجه راجح وهتف وكأنه نجى بحياته: "هو ده يا باشا." صاح راجح بخوف: "هو مين ده يا زفت انت؟ أنا معرفكش." صاح الرجل بخوف وهو ينظر إلى عزيز: "والله هو يا باشا، وكمان كان بيقول للراجل اللي قبضنا: مش عاوز راجل فيهم يعرف التاني، ولا حد يعرفني ولا يعرفك." صرخ راجح بزعر: "ده مجنون! وأنا هعمل كدا ليه؟ تعالى صوت راجح وصوت الرجل الثاني. زمجر عزيز بغضب: "اخرسوا انتوا الاتنين." "فكري...
"أوامرك يا باشا." قال عزيز والغضب كاد أن يشتعل من عينيه: "خد الراجل ده من قدامي." أخذه فكري، وبقي عزيز وراجح في الغرفة. أغلق عزيز عينيه بصعوبة لكي يسيطر على طاقة الشر التي تولدت لديه من غضبه. قال بهدوء ظاهري لراجح الذي وقف كالفأر الذي وقع في المصيدة: "ها يا راجح، هتقول بالذوق ولا أخلص عليك." قال راجح بشفاه مرتعشة: "صدقني يا عزيز، مش أنا." أخرج عزيز سلاحه من خصره ووجهه لوجه راجح وقال ببرود:
"هعد لغاية تلاتة، يا تقول مين اتفق معاك، يا نترحم على نفسك من دلوقتي." "واحد... "اتنين... وقبل أن ينطق الثالثة، صرخ راجح وهو يجثو أمام قدمي عزيز: "هقولك بس أبوس إيدك تحميني." "هدر عزيز بغضب: اخلص." "عمك، عمك يا ملك هو اللي خطط لكل ده." نزلت كلمات راجح المسمومة على عزيز وكأنها قنبلة فجرت كل حب عزيز لعمه خليل، وايضًا قضت عليه تلك الكلمات، ولكن الشك ساوره مرة أخرى. نعم، هو على خلاف مع عمه، ولكن ليس لدرجة القتل.
والحق أن عزيز على حق، عمه لم يكن يريد قتله، ولكن بعد تلك الأفكار الشيطانية التي غرسها راجح في عقله، أراد قتله. ولكنه لم يبح به عندما أحس أن عزيز يخرج من تحت سيطرته ويتسرب من بين يديه ويفقد شغف حب المال ليجد شغف آخر يسيطر عليه، شغف عائلة إبراهيم الحديدي، أو بالمعنى الأصح، تلك الطبيبة التي تسحبه إلى بحورها دون أن يعلم. هدر عزيز مرة أخرى وهو يضرب راجح في وجهه يطرحه أرضًا: "اخرس يا كلب، عمي استحالة يفكر كدا."
ثم مسكه وأنهال عليه باللكمات في وجهه. كاد راجح أن يفقد حياته. وكان عليه أن ينقذ حياته بمعلومة تقنعه أن عمه من أراد قتله. وقف عزيز واعتدل ومسك سلاحه مرة أخرى لكي يطلق النار على راجح لينتهي تلك المهزلة، فعمه مهما حدث لن يفكر حتى مجرد تفكير في ذلك الأمر. إلا أن راجح صرخ بخوف: "عمك عارف إنك بتحب الدكتورة بنت إبراهيم الحديدي، وأمرني أسرق الشحنة وأخلص عليك عشان عرف إنك كده بقيت خطر عليه لو قلبك حب حد وبقى عندك نقطة ضعف."
وكأنها كلمات فعلت به مفعول السحر. كيف علم عمه أنه يحب بلقيس؟ وهل يحبها فعلاً؟ وعمه علم ما يخفيه هو عن نفسه؟ وكيف سيصبح خطر على عمه؟ نعم، هو كره طريق الحرام ومقته، ويرى في جمال وصفاء عينيها لذة وحلاوة طريق الحلال، وهذا ما شعر به خليل وحذره أكثر من مرة من هذا الأمر. صاح عزيز بغضب: "فكري! "أوامرك يا باشا." قال عزيز والغضب كاد أن يشتعل من عينيه: "خلي الكلب ده تحت عينك، لو هرب منك روحك قصاده."
حسنًا، الآن استطاع راجح أن يأخذ نفسه، فهو قد نجى الآن، ولكن عليه أن يهرب من هنا، فعزيز لم يعد يؤمن بغدره بعد كل ما حدث. *** يومان وهو مختفٍ بعد أن استأذن من حفل عقد قرانه. يومان لم يحدثها. يومان لم يأتِ إلى المشفى. يومان تريد أن تتحدث معه، تطمئن عليه. ما هذا الأمر الطارئ؟ دلف في ذلك الوقت يونس، وهي غارقة في تفكيرها. هتف يونس بنفاذ صبر، بعد أن نادى عليها عدة مرات ولم تجيب: "يا دكتورة بلقيس." أخيرًا
انتبهت وقالت بصوت مشتت: "خير يا يونس؟ عامل دوشة ليه؟ قال بصوت ساخر مرح: "أنا عامل دوشة ولا انتي اللي مش معايا يا بل، اللي واخد عقلك؟ قالت بجدية مصطنعة حتى لا ينكشف أمرها: "المستشفى طبعًا، فيه إيه يا يونس؟ قال وهو ينظر لحدتها التي تحول لها الحديث: "فيه إيه يا بلقيس؟ أنا بهزر." قالت بخجل من هجومها الغير مبرر على يونس: "معلش يا يونس، أنا بس مضغوطة اليومين دول في المستشفى وأنا لوحدي فيها والشغل كتير والمدير مختفي."
هنا وضع يونس يده على السبب، فهي غاضبة بسبب غياب أخيه الغير مبرر. ترى هل احتل أخيه تفكير تلك الجميلة؟ حدث نفسه: ولما لا، فهو وسيم حد الهلاك. قال بمكر وهو يدعي البراءة: "آه فعلًا الشغل كتير عليك، وأخويا ده مستهتر، أنا لازم أقوله." سألته والفضول يكاد يقتلها: "هو فين؟ قال يونس وهو يبتسم: "مش عارف، بس أكيد أول ما يظهر هقوله." سألته مرة أخرى: "هو بيختفي كدا دايما؟ "مش دايما، بس أكيد ده شغل وهيظهر أول ما يخلصه."
شردت قليلاً ثم سألت يونس كي تغير الموضوع، أن كان قد اختفى من أجل عمل فلم تقلق عليه من الأساس. هنا زجرته نفسها ووبختها. "انت كنت عاوز إيه يا يونس؟ اعتدل يونس في جلسته وقال بطريقة مرحة: "كنت عاوز آخد آسيا النهارده تتفرج على الفيلا، وقولت أعزمك معانا نغير جو." قامت وقد شقت البسمة وجهها وقالت بسعادة: "وهي تدفعه: وابقى أنا العزول؟
روح يا دكتور انت وخطيبتك وشوفوا الفيلا براحتكم، واخرجوا براحتكم، أنا ورايا شغل كتير مش هبقى أنا وأخوك." هتف بمرح وهو ينساق خلف يدها التي تدفعه: "خلاص خلاص، ملكش في الطيب نصيب." *** نائم براحة، يدفن وجهه في تلك الوسادة، عاري الظهر. وقفت خلفه تطلع له، تتمنى نفسها بقربه، فهو على تلك الحالة منذ يومان، منذ أن جاء إليها وهو مخمور وملابسه مبعثرة بشعر أشعث، حينما ارتمى في أحضانها وقال بصوت متعب: "عاوز أنام."
استند عليها إلى أن وصل إلى الفراش، ارتمى عليه، ولكنها لم تتركه. ساعدته في خلع ثيابه، ولكنها أبعد يدها بجفاء وقال لها بأمر وكأنه استفاق الآن من لمسة يدها على جسده حين مرت على يدها بأغواء عليه: "اطلعي بره يا درة، ومتصحنيش إلا أما أصحى لوحدي." علمت أنه هناك أمر أحزنه، فهو عندما يتعرض لصدمة أو يحزن حزن شديد يهرب إلى النوم، فهو عند موت أبيه تتذكر أنه نام أسبوع لكي يهرب من الأمر الواقع. ترى ماذا حدث لك يا عزيز؟
تركته للنوم وخرجت خارج الغرفة. ولكنه كان مستيقظًا، يعيد كل ما حدث مرة أخرى. عمه يريد قتله. ترى هل هو صاحب القرار أم هو والمافيا؟ ماذا فعل لكل هذا؟ لابد أن يعرف كل شيء وينتقم. اعتدل في جلسته ونادى بصوته الجهوري: "درة." أيته مهرولة: "عيوني يا ملك." قال لها بأمر: "جهزي هدومي والحمام." اقتربت منه وهي تتعلق في رقبته: "حاضر يا حبيبي، بس كلك لقمة الأول، بقالك يومين ما أكلتش حاجة." أجابها وهو يبعدها عنه:
"اخلصي يا درة، جهزي الحمام والهدوم." قالت بغضب: "مالك يا عزيز متغير من ناحيتي ليه؟ أجابها بنفاذ صبر: "ولا متغير ولا حاجة، اعملي اللي بقولك عليه من غير أسئلة كتير، يلا." انصاعت لطلبه وهي حزينة، فهو بالفعل تغير عليها، ويوماً بعد يوم يبعد عنها. *** لم تصدق نفسها من جمال ما ترى، فهي عند أبيها تنعم بالأمان والدلال من الجميع.
وقفت تتفقد نفسها بذلك الفستان المحتشم الرائع الذي اختارته لها زوجة أبيها منى، تلك السيدة الحنونة التي تذكرها بحنان زينب، تلك السيدة التي ربتها ولم تفرق بينها وبين أبنائها، أو ابن خليل المدعو زوجها، التي كانت في عشقه متيمة، ولكنها استيقظت على تلك الحقيقة المخجلة، وايضًا المرة. هو لم يحبها، ولم يراها من الأساس. هي كانت بالنسبة لهم مجرد حصن أمان يحتمي به زوجها الندل وأبيه الحقير، زوج خالتها الخادع. "رحيل." "رحيل."
علا صوت أخيها مراد خلفها. أجابته ببسمة مشرقة: "أنا هنا يا مراد." دلف إليها وجهه بشوش يحمل لها حب كبير. سألها وعيناه تتأملانها: "تحبي تيجي معايا نشوف أرض بابا وتغيري جو، ونروح الاستراحة بتاعتنا كلنا هناك النهارده؟ قالت بحب، فهي قررت أن تخرج من ثوبها الحزين الضيق وتترك نفسها تسعد بقرب أهلها وتنعم بدفء حياتهم: "موافق، يلا بينا." وصلت إلى الاستراحة، ووجدته الجميع هناك، حتى علي ذلك الشاب الغامض الذي أوصلها لبيت أبيها.
جلست بجوار أبيها الذي أغدقها بدلاله وحبه. قال عندما لمحها: "أهلاً بالغالية، نورتي أرضك واستراحتك يا حبيبتي." قالت بخجل من نفسها، فابيها رجل حنون أغدقها بحبه ونسى أنها كانت ابنة عاقة له: "الأرض والاستراحة والدنيا كلها منورة بك يا حبيبي." قالت منى التي دلفت بعدها هي وأخوها الصغير محمود وهم يحملون الطعام: "شوفوا يا أولاد، الحاج سالم بقى يقول كلام حلو، فين كلامك ده من زمان يا حاج؟
قال بمحبة وهو أنا مش بقولك انتي وأولادك كلام حلو ولا إيه يا أم مراد؟ خجلت منى من حديث زوجها الحنون، وقبل أن تجيب، هتفت رحيل بمرح حتى تبعد الخجل عن زوجة أبيها الحنونة: "ده نظام غيرة ولا إيه يا ماما منى؟ قالت منى بابتسامة: "غير من بنتي، ده انتي نورتي البيت وعملتي له روح، يا حبيبتي، بدل ما كنت هتحول راجل، كلهم رجالة، مش عارفة أعمل إيه فيهم." قالت رحيل بمحبة: "ولا تعملي أي حاجة، أنا جيت خلاص، هنبقى أصحاب ولا إيه رأيك؟
قالت منى بمحبة لتلك الفتاة، فهي بالفعل حنونة كأمها: "لأ يا روحي، هتبقي أحلى بنوتة وأنا أمك." احتضنها رحيل وقالت بمرح وهي تخرج لسانها للجميع: "أحلى ماما في الدنيا." ضحك الجميع وانقضى اليوم بين المرح والحب والدفء العائلي الذي افتقدته رحيل، وأخيرًا عادت بين أحضان أهلها. وقفت تتأمل الشمس وهي تختفي بين تلك الأراضي الخضراء، وكأنها تحرق أطراف الشجر.
وقف علي بجوارها، ولم يستطع منع عينيه من النظر إليها، فهو يعرفها جيدًا، كم سمع لعمه وهو يبكي من جحودها، وكم واساه، وكم طيب جرحه، وكم أخبره أنه سيأتي اليوم الذي تعرف فيه الحقيقة وتأتي لأبيها نادمة، ويبدو أن الوقت جاء وبسرعة. ولكن السؤال الأهم، هل إذا عاد زوجها المزعوم معتذرًا كما يقولون، ماذا سيكون رد فعلها؟ هل ستغفر وتعود وتكسر أباها مرة أخرى، أم ستبقى؟ وقف بجوارها وسألها مباشرة بدون مراوغة:
"لو رجع ياخدك ويصالحك، هترجعي له؟ نظرت له ببطء وهي تحاول أن تجمع كلمات سؤاله لتستوعبها أخيرًا. قالت وهي تتصنع عدم الفهم: "نعم، بتقول إيه حضرتك؟ قال مباشرة، فهو واضح لا يحب المراوغة: "انتي سمعتي الكلام كويس." قالت وقد بدأت تغضب: "دي حاجة متخصكش." وقبل أن تنصرف، اعترضها مجددًا وقال:
"لأ، لازم تعرفي أن أبوك كان مكسور من اللي عملتيه فيه، وبعد فرح سيادتك دخل المستشفى، كان عنده شبه جلطة، ولولا ربنا سترها، الحمد لله عدت على خير." "أنا بحذرك، لو لسه هتكرريها وتعصيه، محدش هيقف لك إلا أنا، ومش هترجعي للإنسان ده لو الدنيا اتهدت."
وقفت تستوعب حديث ابن عمها، والآن فقط عرفت سبب غضبه منها، فهي أصابت أباها بالمرض، وأباها عفى عنها، ولكن يبدو أن ذلك العلي ما زال لم يعرفوا أو يصدق أنها ندمت وعادت تجر أذيال الخيبة. قالت بغضب اشتعل في صوتها من طريقة حديث ابن عمها وايضًا غضبه الغير مبرر منها: "أولاً، انت ملكش دعوة بيا ولا بحياتي." "ثانياً، أنا لو هموت عمري ما هعمل حاجة تكون سبب في أذية بابا." "وابعد عن طريقي." دفعته بيدها ومرت من جانبه.
هتف خلفها بصوت ماكر: "طيب، من غير لمس عشان متوضي." صمتت من حديث الذي لا يمت للحديث السابق بأي شيء، ولكنها لن تصمت. نظرت له وقالت بصوت غاضب منه: "الترعة مليانة يا شيخنا، اشرب واتوضى منها." علت الدهشة وجه علي الذي ظن أنها ستصمت، ولكن يبدو أنها لن تصمت، وهو أيضًا لن يتركها تصمت. *** وقفت آسيا مبهورة من جمال تلك الفيلا الصغيرة الجميلة كجمال صاحبها، هادئة بهدوئه، تحمل روح يونس الجميلة في كل شيء.
سألها يونس وهو يتأمل جمالها، فهو غارق لأذنه في عشقها، لا يعلم متى وأين وكيف أحبها، ولكنه أحبها، وهي الآن له، هذا ما يهم. "عجبتك يا سو؟ قالت بصوت يقطر فرحًا: "جميلة أوي يا يونس." يا الله، لما اسمه يصبح بتلك الحلاوة حين تنطقها. اقترب منها والمكر يتلاعب في عينيه: "يعني مش هتعيري فيها حاجة؟ قالت بعفويتها الحلوة: "لأ طبعًا، دي روعتها."
اقترب أكثر وهو يدرس كل خطوة يقوم بها، فهو لم ينسى رجفتها بين يديه يوم عقد قرانه، فهو علم أنها ما زالت تخشى اقتراب أي أحد منها، وما تقوم هي به مجرد محاولات منها للتعايش مع الواقع الذي فرضه هو عليها بتسرعه في الحصول على شفائها، ولكنه أدرك أنها لم تتعافى بعد. اقترب أكثر إلى أن أصبح أمامها. نظر في عينيها التي أخفتها عنه وهي تنظر بعيدًا عن مرمى عينيها. احتضن خصرها بين يديه ورفع ذقنها بيده الأخرى.
تحولت آسيا في لحظة إلى كتلة من الجمر الملتهب على وجنتيها، وايضًا أصبحت يدها مثل الثلج. قالت بصوت مرتعش: "يونس." أجابها بصوت مطمئن هادئ وهو ينظر إلى عينيها: "عيون يونس." "ابعد." قال بوله: "مش قادرة." تملك الخوف منها، ورفعت يدها لكي تدفعه بعيدًا عنها، ولكنها كانت أغبى حركة منها عندما وضعت كفيها الصغيرين على صدره العريض لتدفعه. بعثرت دقات قلبه وفعلت به الأفاعيل من مجرد لمسة. قالت بصوت متلعثم: "يونس ابعد، أنا...
أومأ لها لكي تتحدث دون خوف، فهو يعلم كل مخاوفها ويريدها أن تواجهها وتتعافى منها. "انتي إيه يا سو؟ "أنا... أنا خايفة." شد من يديه حول خصرها وقال: "منى." قالت وقد بدأ صوتها في الاختفاء من خجلها وخوفها: "مش عارفة." فك حصار خصرها، ولكنه جذبها في لحظة إلى حضنه وهمس بجوار أذنها بصوت يقطر حنانًا: "انتي في حضني، آخر مكان ممكن تخافي وانتي فيه يا آسيا." انتفضت أولاً، ثم بعد لحظة هدأت في أحضانه وهدأت مقاومتها.
قالت بصوت يرتجف من الألم: "أنا خايفة، طمني يا يونس." انشق قلبه من الحزن عليها، ولكنه ربت على كتفها بحنان وقال وهو يستنشق عبير شعرها: "أنا معاكي عشان أطمنك وأخليكي تعيشي تاني." فتحت عينيها وهي ما زالت بين أحضانه، وللغرابة انتهت رجفة الخوف التي تنتابها إذا رأت أحد الرجال أو اقترب منها أحد. نعم، هو أمانها الذي لا تخاف من أي شيء، وهو معها. ابتعد عنها قليلاً، ولكنه ما زال يأسرها بين يديه.
نظر لها وقال وهو يمنع نفسه عن قطف قبلة من شفتيها المغرية التي تضغط عليها بأسنانها. وقال بشيء من المرح وقليل من الوقاحة: "قصدها يونس، حتى تعتاد عليه، فهو زوجها ويريدها أن تتحرر من قيود تلك الجريمة التي، والحمد لله، رغم بشاعتها، إلا أنها كانت مغيبة فيها عن الواقع." "بطلي تغضي شفايفك الحلوة دي." مد يده وحرر شفتيها من بين أسنانها وقال وهو يميل عليها يقبل جانب شفتيها: "الشفايف الحلوة دي اتخلقت عشان كدا."
اقتنص الماكر أول قبلة منها وهي مخدرة بحديثه العذب. دفعته بعيدًا عنها حين وعيت على نفسها وقالت وهي تخرج خارج الغرفة: "ابعد يا قليل الأدب." ضحك بصخب وقال وهو يجري خلفها من غرفة إلى غرفة وهي تجري وتضحك وكأنهما طفلين يلعبا في أرجاء المنزل: "دي بوسة بريئة يا سو، بعد الفرح هقل أدبي." انطلقت أمامه وهي ما زالت تضحك وقالت بصوت عالٍ وأنفاس لاهثة من الجري: "مفيش كدا يا يونس، متخوفنيش مني." ومع آخر كلماتها، مسك ذراعها.
انتفضت حين مسك بها، ولكنه قال بصوت حنون: "مفيش أي حاجة هعملها تخوفك يا روح قلب يونس، أنا كفاية عليا أبص في الوش الجميل ده كل يوم." تورّد وجهها من غزلها. نظرت له بشك وقالت بجد: "أجابها بجدية حتى يطمئنها: جد الجد يا روحي." الآن استطاع يونس طمأنتها وخطب ودها ونزع أي خوف منه تجاهها. *** اليوم الثالث بدأ وأوشك على الانتهاء، وعزيز ما زال مختفٍ، وهي لم تعد تتحمل غيابها. خرجت هاتفها وتغلب قلقها على كبريائها وطلبته.
كان جالس في سيارته يفكر كيف له أن يخرج من تلك الدوامة، دوامة الشك. هل أراد عمه أن يقتله حقًا؟ هل يصدق راجح؟ أجابه عقله بشيء من الإقناع، ولم لا يصدقه، فهو أخبره أمور لا يعلمها إلا هو وعمه. هل وصل خليل إلى حقيقة مشاعره نحو بلقيس وهو كان جاهلاً بها؟ هل أحبها وتعلق قلبه بها؟ كل تلك الأسئلة تعصف برأسه، والسؤال الأهم، كيف سينجو من تلك الورطة؟
فهو في كل الأحوال، سواء أراد عمه أن يقتله أو تجار السلاح الآخرين، أصبح هدف للموت، كيف ينجو ويحمي أخيه وأمه؟ وهي، نعم، فقد فضحه قلبه وعينه، وعلم الجميع أنه يهتم بأمرها، ولابد وأنها هي أيضًا دخلت دائرة الخطر. ماذا يفعل؟ كاد رأسه ينفجر وهو يفكر. وفي وسط تلك الزوبعة من التفكير، علا صوت هاتفه. نظر للهاتف ووجدها هي من تتصل. تناول هاتفه وأجاب عليها ببرود تصنعه حتى يجعلها خارج دائرة الخطر: "الو يا دكتورة." أجابته بلهفة:
"عزيز، انت كويس؟ قال بنفس الصوت البارد: "أنا تمام، خير، متصلة ليه؟ خجلت من نفسها وايضًا من تسرعها الغبي، فيبدو أنه بأفضل حال وعاد لتجهمه الرد معها مرة أخرى. لأمت نفسها ألف مرة على خوفها عليه. قالت بصوت لم تتحكم به، صوت غاضب من برود رده: "فيه ورق محتاج إمضة حضرتك يا مستر عزيز، لو سمحت أول ما سيادتك تلاقي وقت للمستشفى، عدّي امضيه وخلصه." اشتعل هو بالغضب حين اختفت نبرتها القلقة عليه وتحولت إلى ذلك الصوت البارد.
ولكن لماذا يغضب هو؟ أراد ذلك. قال بغضب: "تمام، هخلص شغلي وأعدي على المستشفى." قالت وهي تغلق الخط: "براحتك." أغلقت في وجهه مباشرة دون أن تنتظر رده. جعله يشتعل أكثر وأكثر. ركب سيارته وانطلق لها ليعرفها كيف تتحدث هكذا مع الملك. *** "رايح فين؟ وسؤال بسيط سأله خليل ليوسف الذي كاد أن يخرج بسيارته من باب البيت. أجابه يوسف بلا مبالاة: "خارج." قال خليل: "مفيش خروج إلا أما نروح نصالح مراتك ونجيبها." نظر يوسف لأبيه باستنكار:
"أجيبها فين هنا؟ "هنا فين بعد اللي سمعته منى يا بابا؟ قال خليل بعدم اكتراث: "بسيطة، اتأسف لها وكلمتين حلوين تاكل بهم عقلها، هترجع معاك تاني." سأله يوسف بشك: "ممكن ترجع؟ أجابه خليل بتأكيد: "لازم ترجع معاك، دي صمام الأمان لنا كلنا، مفكرتش يا بيه إنها ممكن تبلغ عنك بالكلام اللي سمعته من سيادتك والقضية تتفتح تاني ونرجع تاني لنفس المتاهة؟ عندما تغير وجه يوسف الذي تحول إلى الأصفر الشاحب، علم خليل أنه وصل لمبتغاه. قال يوسف
وعلامات القلق على وجهه: "تعالى معايا يا بابا نجيبها من عند أبوها." هتف خليل بسعادة: "عين العقل يا حبيبي." كان خليل يعلم أن رحيل لن تخبر الشرطة عن ابنه، ولكنه يريد أن تظل زوجته، لأنها إنسانة طيبة القلب ستسعد ابنه وتبعده عن طريق الشيطان الذي مشى فيه. ولكنه نسي أن يحسب في حسبته الذي يريد فيها كل شيء جميل ومثالي لابنه، أن رحيل تغيرت وأصبحت تحتمي تحت جناح أبيها، ولن تعود له مرة أخرى. ***
احترقت من الغضب ومن نفسها ومن خوفها عليه، لما تهتم لأمره أصلًا. خرجت تمر في المشفى بين المرضى، عل تلك الجولة تخفف عنها غضبها منه، ولكنها لم تهدأ، بل زاد غضبها منه. عادت مرة أخرى لمكتبها، دلفت بغضب وهي تبرطم من بين أسنانها: "فاكر نفسه مين؟ أتاها صوته الساخر من داخل مكتبها: "عزيز التهامي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!