تحميل رواية بلقيس وأنا بقلم هيام شطا pdf
بقلم هيام شطا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
والله لأتيء بك راكعة. قال له هاني صديقه بتعقل: اهدأ يا يوسف، أنت مش عارف دي بنت مين. قال وعيناه تنطق بالغضب: عارف، وتكون زي ما تكون، برضه هاخد اللي أنا عاوز أخده منها. وتبقى تشوف نفسها عليا بعد كده. يوسف خليل التهامي، ابن الأوحد لخليل التهامي، مدلل، في فمه ملعقة من ذهب كما يقولون، ولكنه منحرف عن طريق الأخلاق، مغرور، يلبّي له أبيه كل ما يطلب، وأيضًا يتستر ويداري كل مصائبه. دلف في ذلك الوقت يونس ابن عمه، طبيب شاب في الثلاثين من عمره. سأله بينما علت الدهشة وجهه من حالة ابن عمه الغاضب: مالك يا جو؟ م...
رواية بلقيس و أنا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم هيام شطا
اصل يا حاج.
وقبل أن يكمل حديثه اندفع الحديث من فم الغاضبة خلف أبيها وقالت:
سيبه يا بابا، اظاهر إن مفيش حاجة بقت تعجب الشيخ علي عندنا.
قال بجراءة:
مين قال كده؟ أنا كان عندي مشوار بس هأجله علشان بحب أكل أم منير.
نظر سالم لابنته وابن أخيه، وإلى الحرب التي تشتعل بين ابنته وابن أخيه كلما اجتمعوا.
انتهى الطعام وجلس علي مع عمه قليلًا.
استأذن علي ليخرج.
وجدها تجلس في حديقة منزله.
نظر لها وتشجع وأخذ الخطوة تجاهها ليسألها:
ممكن أعرف فيه إيه؟
نظرت له وعيناها تطلق عليه سهام الغضب وقالت بصوت بارد عكس نظرتها:
مفيش.
بعد عينيه عنها وهو يستغفر ويسألها مرة أخرى:
فيه إيه يا رحيل؟ أنا زعلتك في حاجة؟
حين سمعته يستغفر ربه ويبعد عينيه عنها، هتفت بغضب:
أهو بدأنا.
سألها وهو يتعجب:
بدأنا في إيه يا بنتي؟
هتفت بحدة:
بدأت تستغفر زي ما أكون ذنب قدامك.
حاول التحدث ولكن الكلمات وقفت على لسانه. ماذا سيقول؟ أيخبرها أنها فتنته، وأنه مفتون بها حد النخاع؟ تطارده في أحلامه ولا ينعم بالنوم منها.
قال بتهتهة:
اصل... ماهو... يعني...
هتفت بحدة:
اصل إيه؟ ما هو إيه؟
هدأ صوته ويستجمع شجاعته وقال بصوت حنون:
أنا آسف لو زعلتك من غير قصد.
قالت بصراحة تملكتها من اعتذاره العذب:
بصراحة أنا زعلانة منك، وانت تعبان كنت عمال تقولي رحيل ابعدي عني.
تفاجأ مما قالته. هل سمعت هلوسته بها وهو مريض؟
قال وقد احمر خجلًا وكأنها مسكته بالجرم المشهود:
يعني أنا كنت تعبان وبخرف من التعب؟ حد يزعل من واحد تعبان برضه؟
سألته براءة:
يعني مكنتش تقصد؟
أجابها بوجه ينطق بالأسف لها ويغرق لاذنه في سمارها الخلاب:
أبدًا مقصدتش، وحقك عليا تاني مرة.
سألته بفرحة:
يعني هشوفك بكرة بعد صلاة الفجر أتمشى معاك زي زمان أنا وعبدالله؟
أجابها بصوت حنون وكأنها ابنته المدللة:
خلاص نصلي الفجر بكرة ونتمشى.
هتفت بفرحة:
الله عليك يا شيخ علي.
وكأنها طفلة صغيرة حين تراه يغمرها بحنانه، هذا الحنان التي حرمت منه بغبائها وتمسكها بما هو لامع بينما تركت الذهب الأصلي خلفها.
***
ماذا تفعل؟ الشكوك تنهش عقلها وتتغذى على قلبها.
سألت في الشركات التي استوردت معدات طبية في ذلك اليوم. تأكدت بطريقتها الخاصة، رغم السرية التي كانت تفرضها الشركات على تلك الملفات، إلا أنها علمت أنهم أتموا الصفقات وسلموها لأصحابها. لم يتبقى إلا أن تتأكد من شكوكها وتمسك في يدها دليل إدانته.
لن تتسرع، يجب أن تحسب كل خطواتها. إنه بيتها وحياتها، والرجل الذي استأمنته على نفسها.
أيعقل أن يكون كل ما فعله عزيز معها ومع عائلتها مجرد تعويض عن ما فعله فيهم؟ ينقصها الدليل فقط، أو أن تواجهه بأفعاله.
***
وقف أمامها وهي تصفف شعرها المناسب على كتفها بنعومة، أطلقته ليصل إلى منتصف ظهرها ويحاوط وجهها ليذيدها جمال وفتنة.
فكل يوم يفتن بها ويعترف لنفسه ألف مرة أنه أحبها ولا يرى فيها أي نقص.
نظرت لشروده وسألته وهي ترتدي حذائها:
إيه اللي واخد عقلك يا حضرة الدكتور؟
اقترب منها وهو يحتضن خصرها من الخلف، يدفن وجهه في عنقها ويستنشق عبيرها المسكر:
اللي واخد عقلي وقلبي واقف قدامي زي القمر العالي ومش طايله.
رضي غزلها، غرور الأنثى لديها جعل ثقتها في نفسها تزداد، بل تكتمل. ولما لا؟ وهو من عالجها وانتشلها من تلك الهوة السوداء التي كادت تبتلعها وتبتلع أحلامها، بل تقضي عليها.
التفتت له وأحاطت رقبته بذراعيها بحركة جريئة منها لم تحسب عواقبها، أو ما تفعله بيونس. فهو رجل وهي امرأته الجميلة التي تأجج فيه كل مشاعر الرجولة والاشتياق الذي أضناها، وطلب قلبه وجسده.
الاقتراب منها، ولكنه يخشى عليها ويخشى ردة فعلها. نعم، هو طبيب نفسي، يحسب كل خطوة للمريضة المغتصبة. ولكن كل حساباته تاهت منه عندما تعلق الأمر بقلبه المشتاق لحبيبته وزوجته.
أراد منها ضوء أخضر يعرف بعدها أين سيكمل هو طريقه.
اقترب هو منها عندما احتضنت رقبته بين ذراعيها. لف يديه حول خصرها ليحتضنها بشوق، وهي لم تمنع الدفء الذي غمرها به يونس، ولم تبتعد عنه، بل التصقت به ليزداد شعورها بالأمان بجواره.
قبل عنقها وقال بشوق:
بحبك أوي يا آسيا.
وللمفاجأة، همست هي بخجل:
أنا بحبك يا يونس.
يا الله! هل يحلم أم أن أميرته الصامتة حل عقدة لسانها لتعبر له عن مكنون قلبها؟
قال بلهفة:
بتحبيني يا آسيا؟
أومأت له وقالت بخجل:
بموت فيك يا حبيبي.
وما أروعها من لحظة انتظرها يونس كثيرًا. انتظرها عام كامل حتى تشفى، وانتظر أن تبوح بمشاعرها له أشهر كثيرة يتأجج من نار الاشتياق لتلك الجميلة.
التقط شفتيها بين شفتيه وهو يحملها ويذهب بها إلى الفراش الذي احتضنها وهو ينام بجوارها.
همست بخوف:
يونس.
قال لها مطمئنًا وهو يبتسم بعذوبة:
هاخدك في حضني بس ونام.
احتضنته وهي تنام قريرة العين. فما أجمل عوض الله لها وما أروعه.
***
جلست في فراشها تجمع صور أولى مقابلاتها بعزيز. نعم، فهو كان أتى لمقابلة خالها حسين في أمر عمل. ولكن ما هو هذا العمل؟ لابد وأنه أمر تلك الشحنة، فهي في الأساس كان خالها من استوردها باسم المشفى الخاص بهم. إذن فشكوكها في محلها.
دخل بعد قليل عزيز وهي شارده في تفكيرها. احتضنها ودفن وجهه في عنقها وقال والشوق يزداد لتلك الفاتنة:
وحشتيني.
ابتعدت عنه بهدوء ووقفت أمامه وسألته والشكوك تنهش قلبها قبل عقلها:
عزيز.
قال بوله:
عيونه.
استجمعت شجاعتها ونحت قلبها بعيدًا، وسألته:
كنت جاي لخالي حسين المستشفى أول يوم شوفتك فيه ليه؟
تأرجحت عيناه واضطربت لحظة. وفي اللحظة الثانية استجمع نفسه وقال بجمود:
شغل.
سألته بإصرار:
شغل إيه اللي بينكم وفين الشغل ده؟
قال بملامح مبهمة:
ألغيته.
قال بانفعال بينما تذكر ذلك اليوم، فهو قد ذهب لخالها لإنهاء صفقة الأدوية، بينما الندل ترك الجميع وهرب خارج البلاد ليقع هو في تلك الورطة وحدها. والحمد لله أنه أحرقها وأحرق أي دليل حولها.
قولتلي شغل كان بنا ومتمشية نوع الشغل بينك وبين دكتور يا عزيز؟ خالي دكتور وانت راجل أعمال؟ إيه الشغل ده؟
قال وقد شعر باختناق من الحاحها:
كان شغل وخلص ومش فاكرة.
نظرت في عينيه وقالت بتحذير:
يارب يا عزيز يكون كل اللي بفكر فيه غلط.
توجس خيفة من حديثها، بينما بدأ يفهم أنها تشك فيه وتربط الأحداث ببعضها. وسألها:
بتفكري في إيه يا دكتورة؟
قالت بثبات:
لو عملتها، أكيد عارف بفكر في إيه.
قال بتهكم:
عملت إيه؟ إحنا هنا في فزورة.
صرخت فيه بغضب من تهكمه البارد:
عزيز!
صاح هو ليعطيها الجواب الصادم:
أنا مش بتهدد يا دكتورة، أنا عزيز التهامي.
قالت وقد بدت الدموع في عينيها:
لو اللي بفكر فيه صح، انسى إننا متجوزين وانسى أي حاجة بينا.
ثم اقتربت منه وضغطت بإصبعها على صدره وقالت بثبات:
افتكر بس إني هكون أكبر عدو لك.
***
وقف يوسف يستمع إلى شجار عزيز وبلقيس وهو يتشفى في ابن عمه. فأخيرًا جاءت له فرصة للانتقام من عزيز. عزيز الذي احتل مكانته عند أبيه. لمعت عينيه بفكره خبيثة سينفذها وينتقم من عزيز وبلقيس وأيضًا يونس وآسيا.
***
بعد يومين من تلك الليلة، لم يحضر عزيز إلى البيت إلا ساعات معدودة، فهو يعد لأكبر عملية في حياته وزوجته التي يعشقها تشك به.
قال عزيز للمدعي العام:
شام باشا، عاوزك في موضوع.
سأله هشام بقلق:
حصل حاجة في العملية يا عزيز؟
قال وهو يطمئنه:
محصلش حاجة، كله تمام والتسليم بعد بكرة.
سأله هشام بقلق:
أما فيه إيه؟
قال والحزن ينهش تعابير وجهه:
أسيا تقريبًا عرفت عن صفقة العلاج.
سأله هشام باهتمام:
اتأكدت من حاجة؟
قال عزيز وقد تمكن اليأس منه:
لأ، بس كل شكوكها أكيد. هي هتتأكد منها، دي مراتي وأنا عارفها.
طمأنه هشام وقال له:
ركز أنت بس في العملية وسبب موضوع الدكتورة نحلة إن شاء الله بعد العملية.
قال عزيز وهو ينصرف:
متقلقش يا هشام باشا، أنا حياتي قصاد العملية دي. أنا عاوز أنضف.
انصرف عزيز ورأسه مثل الكمبيوتر تحسب كل صغيرة وكبيرة حتى لا تفشل تلك العملية التي ستخلصه من كل ما يعكر صفوها، ولكن، لم يحسب حساب يوسف، ذلك المنتقم الخفي.
***
وقف يوسف يترقب خروجها من البيت حتى ينفذ خطته الشريرة. وعندما كانت تخرج من بوابة الحديقة، افتعل الغضب وهتف في أبيه الذي كان يحتسي القهوة هو وعزيز. وقال بصوت غاضب:
بابا، أنا عاوز أبقى معاكم في العملية دي.
نظر خليل إلى يوسف وسأله وهو يرتاب من حديث ابنه:
عملية إيه يا يوسف؟
صاح بغضب لكي تسمعه بلقيس التي كانت على وشك المغادرة:
عملية السلاح اللي بترتب لها أنت وعزيز باشا الملك.
كلمة "عملية السلاح" واسم زوجها كانوا كفيلين بأن يجعلوها تقف لتسمع باقي الحوار الذي نجح يوسف وجدارته في خطته.
ابتسم يوسف بخبث وهو يراها تقترب لتسمع باقي الحوار وقال:
أنا عارف كل حاجة عن العملية دي. عاوزك تعتمد عليا يا بابا زي ما بتعتمد على عزيز.
قال خليل بغضب:
أخرس خالص يا يوسف وبطل شغل عيال. مفيش كلام من اللي بتقوله ده صح.
صدر يوسف بغضب مصطنع:
لأ، كل الكلام ده صح. ولو كنت معرفني على شغلك من الأول ما كنتش عملت اللي عملته. أنا يونس مع أسيا أخت الدكتورة.
صدر عزيز بغضب حين استمع لحديث يوسف الكاذب عن أخيه:
أخرس يا كلب! أخويا ملوش دعوة بأفعالك.
قال يوسف وهو يدعي البرود:
اهدأ يا ملك، ولا خايف أقول لست الحسن والجمال مراتك إنك أنت المستورد لشحنة الأدوية والمعدات الطبية الفاسدة اللي قضت على مستشفى الحديدة.
لكمة قوية هوى بها عزيز على وجه يوسف الذي أشعل نار لو سمعتها بلقيس ستهدم المعبد على من فيه. ولكن أوان الحذر قد فات.
ليستمع إلى شهقة شقت السكون حوله ويجد أمامه بلقيس. وقد تحقق الآن أبشع كوابيسه. لقد تأكدت ظنونها الآن وعرفت أنه سبب دمارها.
صمت مخيف غلف المكان ليشقه صوتها القوي وهي تقول له بثبات فولاذي:
طلقني.
ثم أضافت بتهكم:
طلقني يا ملك.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم هيام شطا
لكمه قويه هوى بها عزيز على وجه يوسف.
أشعلت نارًا لو سمعتها بلقيس لهدمت المعبد على من فيه.
ولكن أوان الحذر قد فات، لتستمع إلى شهقة شقت السكون حولها، وتجد أمامه بلقيس.
لقد تحقق الآن أبشع كوابيسه، لقد تأكدت ظنونها الآن وعرفت أنه سبب دمارها.
صمت مخيف غلف المكان، ليشقه صوتها القوي وهي تقول له بثبات فولاذي:
"طلقني."
ثم أضافت بتهكم:
"طلقني يا ملك."
جمد لسانه وشلت حركته، ومات عقله وتجمد عن التفكير، بينما قلبه أصبح يكافح ليهدأ ذلك الخوف الذي صعقه وتملك منه.
خوف خسارتها الذي أصبح الآن محتومًا.
جرى خلفها ليجدها تستقل سيارتها لتخرج من بوابة المنزل.
مسك يدها وقال بصوت قتله الخوف:
"دكتوره اسمعيني."
أبعدت يده بنفور وقالت بصوت بارد:
"مفيش كلام بينا يا .... ملك."
قالت آخر كلمة بسخرية مريرة.
"ذبحت قلبها قبل قلبه."
بعدت يده عن يدها وصاحت بغضب:
"ابعد عن طريقي واخر مره اشوف وشك في حياتي تاني. وحقي وحق أبوايا واختي انا هعرف اخده منك انت وعمك."
ثم صرخت فيه بغضب وهي تنطلق بالسيارة:
"ابعد عن طريقي يا حيوان."
لم يكن أمامه إلا أن يتركها ويتنحى جانبًا، لكي يكمل طريقه ثم يعيدها له ويطلب منها السماح والغفران.
***
ابتسم بنتشاء وهو يرى عزيز يكاد يجن بعد أن تركته بلقيس.
وكاد أن يقتلـ.ـه لولا أن خليل حال بينه وبين عزيز، الذي حطم كل ما كان في طريقه في الحديقة.
حطم المنضدة والمقاعد، حتى أبواب الفيلا المطلة على الحديقة حولها إلى شظايا.
حاول خليل تهدأته ولكنه فشل.
وحاولت زينب أن تفهم ما حل بابنها، ولكنها أيضًا فشلت.
اتصلت على بلقيس أكثر من مرة دون إجابة.
قال خليل وهو يكذب عليها:
"اصل الدكتوره اتخانقت مع عزيز."
تأوهت زينب بجزع:
"اتخانقت معاه ليه؟ حصل إيه يا خليل؟"
قال خليل وهو يخفي خوفه وقلقه:
"اهدئ يا زينب اصل..."
ثم صمت.
صاحت زينب وهي تنظر إلى الدمار الذي خلفه إعصار ابنها خلفها:
"اصل إيه؟ انطق يا خليل."
قال بكذب:
"اصل عزيز خسر صفقة مهمة في الشغل والدكتورة مش عارفة وهو اتعصب عليها."
انقبض قلب زينب وسألته:
"وهو راح فين؟"
أجابها بتسويف:
"اكيد راح وراها يصالحها يا زينب. وأنا كمان هروح أشوف الشركة وأشوف حصل إيه."
هتفت بخوف من خلفه:
"طمنّي يا خليل."
"حاضر يا زينب. نادِ انتي حد ينضف اللي حصل، وأنا هكلم الشركة حد يجي يركب أبواب إزاز مكان اللي اتكسر."
قالت بطاعة:
"حاضر يا خليل. بس طمنّي."
انصرف ليلحق بعزيز ويطمئن على أمر الصفقة الذي كاد ابنه الغبي أن ينهيها.
***
انصرف يوسف وغـ.ـل الدنيا يتراقص بعقله، وهو ينوي أن يـ.ـدمر رحيل.
سيدمر حياتهم جميعًا، لن يكون وحده الخاسر في تلك الرواية.
حتى وإن أخذت عليه مليون تعهد بعدم التعرض، حتى وإن اضطر لخطفها مرة أخرى من وسط أهلها التي تتباهى بهم.
سيأخذها، يأخذ ما يريده منها، ثم يرميها مرة أخرى لأهلها، ولكن بعد أن ينتقم.
***
أخذت تدور بالسيارة بلا هدى.
لا تشعر بأي شيء، وكأنها في كابوس مروع.
لقد كانت تعيش في خدعة كبيرة.
وكل من ظنت أنه جميل كان كابوسًا فظيعًا خنقها.
لقد خدعها وظهر لها أنه البطل المغوار الذي أتى لينقذها وينقذ عائلتها، بينما هو يد الخراب التي خربت لها حياتها وحياة أختها وأبيها ودمرها.
شعرت بدمائها تغلي.
شعرت أنها تريد أن تـ.ـقتلـ.ـه، تنتقم منه وتحـ.ـرقـ.ـه.
وأخيرًا، أنارت فكرة الانتـ.ـقام في رأسها، وعرفت كيف ستـ.ـحرقـ.ـه كما حرقها هي وعائلتها.
اتصلت على ضابط الشرطة عماد، الذي ساعدها في قضية أختها وقضية المشفى.
"الو حضرة الضابط عماد."
أجابها عماد بجدية:
"ايوا يا دكتوره."
قالت وهي تشعر أنها تبدأ في طريق انتصارها:
"عندي بلاغ مهم عن تجار السلاح، هيدخلوا شحنة سلاح في البلد اليومين دول."
انتبهت كل حواس عماد معها.
سألها باهتمام:
"مين يا دكتوره بلقيس؟"
قالت بصوت جامد خالٍ من أي مشاعر:
"جوزي رجل الأعمال عزيز التهامي وعمه خليل."
انتفض عماد واقفًا وسألها باهتمام:
"متأكدة يا دكتوره؟"
أجابته بثقة:
"أنا جايه لحضرتك في الطريق وهقول لحضرتك على كل حاجة."
***
وقف من بعيد يراقب منزل أبيها، حتى يراها إن خرجت وحدها من المنزل يأخذها عنوة عنها لتكون معه وينتقم منه.
تساءل بينه وبين نفسه المريضة:
"كيف استطاعت رحيل أن تنسى حبها له؟ كيف نست هذا الحب واستطاعت أن تجعل أبيها يرفع دعوى قضائية عليه لتنفصل عنه وانفصلت بالفعل؟"
قال يوسف بحـ.ـقد بينما تغلـ.ـلى نار الانتقام في قلبه:
"ما كنتش بتحبك يا يوسف. لو حبتك كانت استحملتك. والله لهندمك يا رحيل."
دقائق واتت من بعيد مع أخيها وعلى والطفل عبد الله، الذي كانت تركض خلفه وكأنها ابنته.
عاشرته من عمره، بسمتها مشرقة ووجهها أصبح أجمل، ينطق بالنضارة.
لم يستطع أن يقترب منها، أرادها وحدها، أراد أن يأخذها دون أن يعلم أحد.
"حسنًا، لينتظر الوقت المناسب."
في ذلك الوقت، اتصل عليه أبيه خليل.
أجاب يوسف بلا مبالاة:
"ايوا يا خليل باشا."
هتف خليل بغضب من ابنه الذي أصر أن يخرب كل شيء وينهي كل ما يفعله له بغبائه.
فقد وضع عزيز أمامه ليكون درعًا له يحميه من أي خطر أو سمعة سيئة، حتى إذا انكشف أمر عزيز يكون هو وابنه بعيدين عن أي تجارة مشبوهة، ويكون عزيز هو الجاني الأول.
"ماذا يفعل فيه الآن بعد أن فضح عزيز وفضح أبيه أمام بلقيس؟ هي الآن تعلم كل شيء ولن تصمت أو تسكت. لقد هدم يوسف المعبد عليه وعلى أبيه وعلى عزيز ويونس والكل بغبائه وانتقامه الآخِر."
قال خليل وهو يأمره:
"خمس دقائق والأقيك عندي."
أجابه يوسف بلا مبالاة:
"مش فاضي."
هتف خليل بحدة:
"بتعمل إيه؟ بقولك خمس دقائق والأقيك قدامي."
قال يوسف بغضب بينما تراقصت أمامه شياطـ.ـين:
"مش راجع يا بابا إلا أما أعمل اللي أنا عاوزه. ومن هنا ورايح متقوليش أعمل إيه ومعملش إيه. سلام."
أغلق الهاتف في وجه أبيه ووقف ينتظر الفرصة المناسبة لخروج رحيل.
***
وأخيرًا، تنفست بعد أن قصت على عماد كل الذي سمعته من يوسف وعزيز وخليل.
نظر لها عماد بأسف وسألها بعد أن تأكد من شكوكه، فقد شك قبلها في عزيز، وخصوصًا بعد أن اختفت كل الأدلة التي تثبت علاقته بشحنة الأدوية.
والآن تأكد ظنه، ولكن الصادم في الأمر هي تلك المعلومة المهلكة.
"هل عزيز التهامي تاجر سلاح؟"
قال عماد بعملية وإقرار أمر واقع:
"أنتِ كده هتقدمي بلاغ في جوزك يا دكتوره، وللأسف مفيش أي إثبات على كلامك ده إلا أنك سمعتيه منهم، وأكيد هينكروا."
هتفت بلقيس بغضب:
"يعني إيه مش هعرف آخد حقي وحق أبويا واختي؟"
قال عماد بعملية:
"لازم دليل يا دكتوره."
هتفت بغضب:
"فتشوا الفيلا والمخازن، أكيد هتلاقوا دليل."
ثم قالت برجاء وهي تبكي:
"اعمل أي حاجة يا عماد، المهم أحرق قلبه، وأخد حقي وحق أعلى منه. ده دمرني."
أشفق عماد على حالها وقال وهو يطمئنها:
"اهدئ يا دكتوره، إحنا نعمل المحضر الأول وبعد كده نكمل الإجراءات."
هتفت بأمل:
"قبضوا عليهم يا عماد."
قال وهو يطمئنها بينما ملأه الشك:
"إن شاء الله يا دكتوره."
ذهب مباشرًا بعد تحرير المحضر إلى وكيل النيابة ليستخرج أمر القبض على عزيز التهامي بالتهم التي اتهمته بها زوجته.
***
وقف عماد بعد ساعتين وهو يسأل اللواء رفعت بحيرة، بعد أن تأخر أمر النائب العام باعتقال عزيز وخليل التهامي.
"هو فيه إيه يا فندم؟ بقالي ساعتين مستني أمر النيابة."
قال رفعت بعملية:
"اهدئ يا عماد شوية وهيطلع، ومتنساش أن البلاغ في شخصية مشهورة وعامة، وكمان بلاغ مش قليل. أنت مدرك التهم اللي في البلاغ؟"
قال عماد بغضب:
"والله يا فندم المجـ.ـرم مجـ.ـرم، وكونه عزيز التهامي مش هيأثر على القانون."
قال رفعت بتعقل:
"طبعًا معاك حق، بس استناني هنا، هرجع لك بعد شوية بأخبار كويسة."
***
سأل رفعت النائب العام هشام باهتمام:
"هنعـ.ـمل إيه يا فندم؟"
قال هشام بجدية:
"أنا كلمت عزيز وحذرته أن مراته بلغت عنه."
"يعني أمشي البلاغ يا فندم؟"
قال هشام بذكاء:
"البلاغ ده جه في وقته."
"إزاي يا هشام باشا؟ الصفقة بكرا؟"
قال هشام:
"وهتبقى آخر صفقة، لأن المـ.ـافـ.ـيا بعد كده هتعتبر عزيز كارت محروق ومش هتشتغل معاه بعد كده، لأن اسمه بقى فيه قلق حواليه."
لمعت أعين رفعت بالنصر:
"دي حاجة عظيمة يا فندم، بس هو كده هيخسر مراته."
قال هشام بجدية:
"نخلص الأول من العملية، وبعد كده نشوف موضوع مراته."
استأذن رفعت ومعه أمر النائب العام بتفتيش كل أملاك عزيز التهامي، والقبض عليه إن ثبتت التهم الموجهة له.
أعطى رفعت الأمر لعماد، الذي انطلق ليقبض على عزيز.
بينما ذهبت بلقيس إلى المشفى لتمنعه من دخولها بعد أن تنازل لها عنها، وهي تشعر بالانتصار.
فأخيرًا ستثأر لأهلها من من ظنته يوم نجاتها، بينما كان هو سبب هلاكـ.ـها هي وأهلها.
***
جلس بعد أن أبلغه هشام بأمر الإبلاغ عنها من زوجته.
يموج صدره بالغضب والفخر ومشاعر مختلطة لا يستطيع أن يحددها.
الغضب منها، لأنها لم تسمعه.
لم تسمع منه كلمة.
"وكيف تريدها أن تسمع منك يا عزيز بعد أن علمت كل ما فعلته بها؟"
تساءل بسخرية من نفسه ومن ظنه أنها كانت ستسمعه وتسمع منه كلمة منه.
جلس ينتظر نتيجة إبلاغها عنه، جلس وهو يفكر في كل اتجاه.
***
دلف إلى البيت بعد يوم عمل شاق أجهده بين المرضى وحالاتهم المجهدة.
بحث عنها في حديقة الفيلا لم يجدها.
نادى عليها وهو يبحث عنها:
"أسيا... سو..."
لم تجب عنه.
صعد للطابق العلوي، بحث عنها هو يهتف باسمها:
"سو انتي فين يا حبيبتي."
دلف إلى غرفة النوم ولكنه تسمر في مكانه.
لم تسعفه الكلمات ولم يستطع أن يستجمع الكلمات.
"هل هذه أسيا زوجته؟ هل تزين لهما هذا؟ هل أعدت له لها عشاء رومانسي؟ هل يحلم؟ هل تلك الفتنة زوجتها؟"
اقترب منها وهو كالمفتون.
قالت بصوتها العذب:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي."
"لا لا هذا كثير على قلبه العشاق."
سألها وهو يقترب منها:
"قولتي إيه يا سو؟"
قالت وهي تضحك بحلاوة:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي، يا روح قلبي."
مسكها ومشى بها إلى الفراش.
جلس وأجلسها على قدمه وسألها بولهان:
"انتي أسيا؟"
ضحكت ضحكتها الحلوة وقالت بغنج:
"أيوا يا روح قلبي. أنا أكيد بحلم."
قالت وهي تتجرأ وتقبله على خده:
"مش بتحلم يا حبيبي."
تجمد من قبلتها في لحظة، وفي اللحظة التالية استجمع نفسه وقال وهو يكاد يحتـ.ـرق من خلالها عليه:
"بشويش عليا يا سوا، أنا مش قد كدا."
ضحكت بصخب على حديثه العفوي، بينما نظراته التي تشع بالعشق أرضت غرور الأنثى فيها، وعرفت أنها على الطريق الصحيح.
فهي ستعطي لهذا الوسيم الذي انتشلها من الضياع كل الحب، كما أعطى لها هو الحب والأمان والاستقرار، ولم يتوانى عن حمايتها لحظة.
لم تكد تبتعد عنه خطوة حتى أحاط خصرها بيديه وجذبها إليه.
قالت وهي تبتسم:
"العشا يا حبيبي."
جذبها إليه وقال وهو يقبلها بهدوء وتأتي حتى لا تخشاه:
"أنا هحلى الأول."
لم يترك أثر شفتيها وظل يرتوي منها، ويبدو أنه لن يرتوي منها أبدًا، بعد أن أعطت له الضوء الأخضر لكي يمتلكها وتصبح زوجته، بعد أن صبر عليها أكثر من عام ونصف.
ولكن القرب أضاع كل تعب هذا الانتظار، فقد كان قربها ولا أجمل.
لقد استحقت كل هذا الصبر.
***
وقف بعيدًا عن قوة الشرطة التي تفتش في كل مكان في الفيلا، وأيضًا هناك قوات أخرى تبحث في الشركة وفي جميع مخازن المملوكة له ولعمه.
وأخيرًا انتهى عماد من البحث ولم يجد شيئًا.
هتفت زينب بخوف:
"البوليس هنا ليه يا عزيز؟"
أجابها عزيز بهدوء حتى لا تخاف:
"مفيش حاجة يا أمي، ده بلاغ كيدي وهيعدي على خير."
"تفتت بخوف مين بلغ عنك يا حبيبي؟"
قال بتسويف:
"ناس شغالة معاهم يا ماما."
انتظره عماد بينما اقترب منه عزيز وهو يسأله ووجهه لا يبدو عليه أي تعبير:
"خلصت يا حضرة الضابط؟"
قال عماد بجدية:
"ايوا يا عزيز بيه، بس حضرتك لازم تيجي معانا."
قال وهو يسير معه:
"تفضل."
هتفت زينب بخوف:
"رايح فين يا عزيز؟"
قال بصوت مطمئن لها:
"متخافيش يا أمي، بلغي عمي وأنا ساعة وراجعة."
ثم نظر لها وقال بجدية:
"متقوليش ليونس أي حاجة يا أمي."
وأنا إن شاء الله مش هتأخر."
خرجت خلفه وهي تبكي وتقول:
"هتيجي يا عزيز؟"
قال وهو يطمئنها مرة أخرى:
"ساعة وهكون هنا يا ست الكل."
جلست في مكانها، بينما لم تستطع تحمل فكرة أن تخسر ابنها الأكبر سندها في الحياة.
انقطعت الهاتف واتصلت بخليل، ولكنه علم أن عزيز تم القبض عليه، اختبئ ولم يجيب عليها.
كان يحسب كل شيء.
"هل ضاع كل شيء؟ وقبل العملية بيوم؟"
***
وبالفعل، لم يثبت عليه شيء وأنكر كل شيء.
سأله عماد بغضب:
"شركتك المسؤولة عن استيراد الأدوية والمعدات الفاسدة لمستشفى الحديدي؟"
قال ببرود:
"لاء."
هتف عماد بغضب:
"الدكتورة بلقيس بتتهمك بده، وسمعت ابن عمك وهو بيتكلم معاك وبيعترف عليك."
قال بثقة:
"اثبت يا عماد باشا."
استشاط عماد غضبًا، بينما صدق حدثه.
فلم يستطع أن يثبت على عزيز التهامي أي تهمة مما اتهم.
وكم شعر أنه قليل الحيلة أمام جبروت عزيز التهامي، خاصًا بعد هذا الاتصال الذي أتى له وأجبره على إخلاء سبيله.
قال لعزيز وهو يفرج عنه:
"كيد هيجي اليوم اللي هتغلط فيه يا عزيز وهقبض عليك."
قال عزيز ببروده:
"تستنى كتير يا عماد باشا."
نطقها بسخرية وانصرف، ووجهه تحول مئة وثمانون درجة.
حل على وجهه الغضب وهو يخطو بخطوات غاضبة لملكة قلبه التي أعلنت الحرب عليه وبكل جدارة.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم هيام شطا
صاح مكس بغضب وهو يجرى اتصاله بعزيز:
"ما هذا الهراء عزيز؟ كيف تحتجزك الشرطة؟"
أجابه عزيز بهدوء حتى يطمئن ماكس أنه ما زال رجلهما:
"اهدئ ماكس، إنه سوء تفاهم وتم حله."
سأله ماكس عن الشحنة:
"قال عزيز بثقة: ستتم في ميعادها غدًا. لقد تم الإفراج عنها منذ ساعة من ميناء الإسكندرية وغدًا في منتصف الليل سيتم تسليمها للتجار. لكل شخص حصته."
قال ماكس وهو يهدد عزيز:
"أعلم يا عزيز، لو حدث أي شيء في أمر الشحنة أو وقعت أنت أو أي من رجالك في يد الشرطة، سننهيك."
قال عزيز وهو يكشر عن أنيابه لماكس:
"لا تهددني ماكس، فأنا من جعلت لك أعمالاً كبيرة في مصر."
قال ماكس بخبث:
"أيضًا أنا وأموالي من جعلت منك عزيز التهامي رجل الأعمال الشهير في مصر."
تأفف عزيز بضجر:
"حسنًا ماكس، أنهِ هذا الحديث الثقيل ودعنا ننهي تلك الصفقة."
ضحك ماكس بنصر وقال:
"الصفقة الأكبر في تاريخ تعاملنا."
قال عزيز بمكر ليزيد غرور ماكس ويبعد أي شبهة عنه:
"الأكبر، ولن تكون الأخيرة."
قال ماكس بخبث:
"بالتأكيد عزيزي عزيز."
***
جلس في حديقة منزل عمه يراجع مع عمه إيرادات محصول الفواكه، بينما عيناه تسترق النظر من الحين للآخر إلى تلك البهية التي تجري وتمرح أمامه وتلعب مع عبد الله الصغير وكأنها عادت بالعمر لتصبح طفلة مرة أخرى، طفلة تتدلل على أبيها، على إخوتها، حتى عليه، وهو يخشى أن ينغمس في فتنتها، يخاف الله وقلبه فرض عليه سطوة حبها، ماذا يفعل؟ أحبها واعترف لنفسه أنه غارق في هواها، فكيف وقع دون أن يشعر، وكيف احتل حبها قلبه؟
"معي يا علي؟"
أخرجته كلمات سالم عمه من شروده الطويل. سأله سالم وهو يمازحه:
"اللي واخد عقلك يا عليوه؟"
أجابه وقد غرق في الخجل وكأنه ضُبط بالجرم المشهود:
"معاك يا حاج سالم، ودي... ودي..."
تلبك في كلماته:
"ودي الكشوفات بتاعة الجنينة."
ابتسم سالم بحنان وقال وهو يلاحظ نظرات ابن أخيه الخجولة على ابنته:
"خلاص يا حبيبي، خد الكشوفات معاك، إحنا كدا خلصنا والفلوس حطها بكرة في البنك."
أومأ علي ووقف لينصرف.
قال سالم:
"على فين يا شيخنا؟"
أجابه علي بتهذيب:
"يا دوب كدا يا عمي، الوقت اتأخر، أخد عبد الله ونروح علشان ما يتأخرش في النوم."
أصر سالم عليه:
"والله ما أنت ماشي، هنتعشى مع بعض وأمشي."
***
وفي تلك الأحداث صاح عبد الله:
"كدا يا رحيل؟ انتي شوطتي الكورة جامد، خرجت برا الجنينة."
قالت وهي تمرح معه:
"خلاص متزعلش، هجيبها ونكمل لعب."
قال سالم وهو يقترب منها بحنانه:
"تيها، ويلا يا حبيبتي ادخلي جهزي العشا مع ماما منى."
قالت بطاعة لأبيها:
"حاضر يا بابا."
خرجت من بوابة الحديقة تبحث عن كرة الصغير، بينما ذلك الخبيث ما زال ينتظرها. وكأنه وجد ضالته حين رآها تخرج وحدها من بيت أبيها تبحث عن شيء ما. اقترب منها بالسيارة ووقف أمامها. ونزل مثل طلقة الرصاص. انقض عليها، احتجزها في لحظة بين يديه ليقول بغضب حارق:
"أخيرًا طلعتي يا قطة."
رغم أنها كانت لا ترى وجهه بسبب عتمة المكان والإضاءة البعيدة، إلا أنها عرفت صوته. صرخت فيه بغضب:
"يوسف سيبني!"
قال وهو يضحك ضحكته المريضة:
"بتحلمي يا قطة، أنا ما صدقت إنك تخرجي وهاخدك، وريني بقى أبوك هيحميكي مني إزاي؟"
أخذت تقاومه بكل ما أوتيت من قوة، بينما سيطر الرعب عليها من هذا الخبيث. صرخت بكل قوتها لعل أباها لم يدخل إلى البيت، هو أو علي، أحد يسمعها.
صرخت بخوف:
"سيبني يا حيوان!"
"بابا الحقني!"
"علي احقني!"
ظلت في تلك الدقيقة تصرخ وتصرخ. سمعها عبد الله الصغير الذي أتى خلفها يبحث معها على كرته. صرخ هو الآخر على سالم وعلى.
قال بصوت مرعوب:
"الحقنا يا شيخ علي، الحرامي بيخطف رحيل!"
جرى علي، بينما جاء خلفه سالم.
دفع يوسف رحيل بالقوة داخل السيارة، وقبل أن يدلف إلى السيارة، انقض عليه علي بكل قوة وغل.
صرخ بصوت ملأه الكره لذلك الحقـ.ـير:
"بتعمل إيه يا حيوان؟"
لكمة قوية تلقاها من علي طرحت يوسف أرضًا. وقف وهو يبصق الدماء من فمه، صرخ بغل وهو ينقض على علي:
"ابعد عني بدل ما أقتلك! دي مراتي وجاي أرجعها."
لكمة قوية أخرى تلقاها من علي الذي اشتبك معه في صراع عنيف انتهى بيوسف يرفع في وجه علي سلاحه وضرب منه طلقات عشوائية في الهواء. تراجع علي للخلف، بينما جحظت عينا رحيل وانقبض قلبها. وفي لحظة وجدت علي، وبجسارة، يمسك يدها ويدفعها خلفه ليحميها أمام جسده.
أطلق يوسف مرة أخرى طلقات في الهواء شقت سكون الليل وصاح بغل:
"ابعد يا أخويا أنت وسيب مراتى بدل ما أقتلك وبرضو هاخدها."
قال علي وهو يواجهه بكل جسارة:
"مش هبعد ولا على جثتي."
صوّب أمامه يوسف السلاح ليقضي عليه، بينما رحيل تشبثت بكتف علي وهي تصرخ من الخوف عليه:
"ابعد يا علي، سيبني أروح معاه، هيقتـ.ـلك."
قال يوسف وهو يوجه سلاحه أمام وجهه ليقضي عليه ولا يبالي:
"انت اللي اخترت يا شيخ."
وانطلقت الرصاصة. أغمضت رحيل عينيها بخوف وانتظر علي أمام الرصاصة يفدي من ملكة قلبه بنفسه. وفجأة عم الهدوء والصمت القاتـ.ـل.
ليشق صراخ يوسف الصمت وهو يتألم، بينما وقع منه السلاح بعد أن أطلق سالم الرصـ.ـاص على يد يوسف المصوبة على أخيه وابنة أخيه بالسلاح. بعد أن سمع طلقات النيران أمام منزله، أخذ سلاحه وخرج ليتفاجأ بزوج ابنته يرفع السلاح على ابنته وابن أخيه يفديها بروحه. لم يتردد مرتين وأطلق هو النـ.ـار على ذلك الغادر ليحمي ابنته وابن أخيه.
صرخ بألم وجرى على سيارته ليهرب من سالم ورجاله. ركب سيارته وانطلق، بينما صاح سالم في رجاله:
"هاتوا الكـ.ـلب ده وسلّموه للمركز، أوعى يهرب منكم."
لم تستطع رحيل تمالك نفسها، وأخيرًا سمحت لتلك الهوة السوداء أن تأخذها لتسقط على الأرض، لولا أيدي علي القوية التي تلقتها وهو يصرخ من الخوف هو وسالم:
"رحيل!"
***
وقف أمام مكس بعد أن اختفى عندما علم أن الشرطة ألقت القبض على عزيز ولم يعلم أنه تم إطلاق صراحه. قال ماكس بخبث:
"ما رأيك مستر خليل أن تصبح أنت الملك؟"
سأله خليل بينما تراقص الطمع في عينيه:
"وعزيز ماذا سيحل به؟"
قال ماكس دون مبالاة:
"أصبح عزيز ورقة محروقة، عرفت الحكومة المصرية طريقه وأكيد ستضع أعينها عليه. أما أنت فأنت نظيف ولن تمثل لنا أي خطر."
قال وهو يدعي الخوف على عزيز:
"ولكنكم لن تفعلوا شيئًا لعزيز!"
هتف ماكس بخبث:
"بطبع يا عزيزي خليل، ولكننا لن نعمل معه بعد اليوم."
هتف خليل بفرحة والطمع يتراقص في عينيه:
"موافق ماكس."
قال ماكس بخبث:
"هناك شرط."
تساءل خليل:
"ما هو؟"
قال ماكس:
"إن تحضر كل الأوراق التي بحوزة عزيز حتى لا تكون سكـ.ـ.ين فوق أعناقنا جميعًا."
وأولها انتقال خليل وقد عماه الطمع لكي يكون هو الرابح الأول من تلك الصفقات المشبوهة وينحي عزيز من أمامها.
"اعتبرها أمامك ماكس."
هتف ماكس بفرحة مزيفة، بينما استطاع أن يستغل نقطة ضعف خليل وحبه للمال في التخلص من عزيز.
"اتفقنا مستر خليل، موعدنا غدًا في موعد تسليم الشحنة، تسلمنا الأوراق وننهي نحن تعاملنا مع عزيز وتصبح أنت ملك سوق السلاح."
قال خليل بفرحة:
"حسنًا ماكس."
قال ماكس بخبث:
"عزيز تم الإفراج عنه، هيا اذهب واطمئن عليه حتى لا يشك بالأمر."
هتف خليل بخوف:
"هل تم الإفراج عنه؟"
ابتسم ماكس بخبث وقال:
"نعم، منذ ساعتين."
خرج خليل والتوتر يملؤه وألف سؤال وسؤال يعصف به.
انصرف خليل وبعد قليل ظهر من خلف الباب راجح. ضحك والشر يملاء قسمات وجهه. وقف أمام مكس.
سأله مكس بمكر:
"هل عرفت ما الذي سوف تقوم به؟"
قال بثقة:
"اطمئن مستر ماكس."
سأله بشر:
"وخليل وعزيز؟"
قال بثقة:
"اعتبرهم في عداد الموتى بعد ما أخد الورق من خليل."
قال ماكس بثقة:
"برافو راجح."
استطاع راجح أن يهرب من عزيز بعد أن كان يحتجزه في أحد المخازن بعد أن أخبره أن خليل عمه أراد أن يتخلص منه وأوصاه أن يتخلص منه، ولكن عوض الحارث تلقى الرصـ.ـاصه بدلاً عن عزيز ليستطيع عزيز أن يصل لراجح ويعذبه، ولكن راجح أخبره أن عمه هو من خطط للتخلص منه وبعدها هرب راجح وعزيز لم يهتم. اتصل راجح بمكس لكي يعمل معه. والآن بعد أن أصبح عزيز مصدر قلق لمكس وتجارتهم في مصر، جند مكس أن يتخلص من عزيز وخليل بعد أن يحصل من خليل على كل الأوراق التي تثبت تعامل عزيز مع منظمة مكس ويحافظ مكس على تجارته وأسماء من يساعدوه في مصر ويتخلص من عزيز وخليل ويجد لنفسه ذراعاً جديداً يعتمد عليه في مصر وهو راجح.
ابتسم ماكس بخبث وهو يطمئن على خطته الخبيثة التي حبكها بدقة، ولكنه لا يعلم أن عزيز سبقه بعدة خطوات.
***
انطلق يوسف يهرب بيده المصابة من رجال سالم الذين يطاردوه بلا هوادة ليقبضوا عليه ويسلموه لسالم، ولكنه استطاع الهروب منهم حين سلك طريقًا آخر بسيارته واستطاع أن يختبئ في أحد الطرق الجانبية، ولكنه خرج منها بعد أن اطمأن أن لا أحد يتبعه. ضحك بنصر وسخرية من سالم ورجاله وقال وهو غير منتبه للطريق:
"يمسكوني ده؟ اتهبل والله! لهرجع تاني وهندمك يا رحيل انتي وتبوك واللي اسمه الشيخ علي."
وفجأة ودون أن ينتبه للطريق أمامه ولجهله بطرق الزراعية، اصطدم بشاحنة كانت تمر في الطريق أمامه لتنحرف سيارته عن الطريق وتكون الترعة الجانبية مقرها بعد أن انقلبت أكثر من مرة.
صرخ يوسف بهلع وهو يرى نهايته المحتومة، بينما صرخ سائق الشاحنة:
"احاسب يا اسطا! العربية انقلبت في الترعة!"
***
لم تستطع النوم ولم تستطع إخبار أبيها وأمها بما اكتشفته عن زوجها المصون، ولم تستطع حتى أن تشكو همها لأحد. هي الآن في نار مشتعلة بداخلها، حتى انتقامها لم تستطع أن تأخذه منه، إذ أنه وبكل بساطة خرج من القضية ولم يمكث في قسم البوليس سوى سويعات قليلة. ولكنها ستنتقم، نعم، وأول خطوات انتقامها ستذهب إلى أختها وتفضحها أمام يونس وتفضح كل أعماله القذرة.
وأخيراً استسلم جفنها للنوم لتنام بضع ساعات. ولكن عزيز لم ينم، يعلم أنها الآن تغلي من الداخل ويعلم شخصيتها القوية لن تسكت ولن تيأس، ستنتقم منه. وكان تفكيره مثل تفكيرها، إذن ستذهب في الغد، إما لأمه أو ليونس. والأقرب يونس حتى تأخذ أختها وتنقذها منهما.
خرج هاتفه واتصل على يونس الذي كان في جنة آسيا، لا يصدق أنها أصبحت له بملء إرادتها. قبلها على جبينها وهي تستريح على صدره بأنفاس لاهثة بعد أن أخذها يونس في جولة من جولات حبه الذي لا يمل منها ولا يشبع.
قال يونس بصوت متخشرج من أنفاسه اللاهثة:
"بحبك يا سو."
قبلها قبلات كثيرة على وجهها ومقدمة صدرها، إلا أن الهاتف أخذه من نشوته. نظر بطرف عينيه ليجد اسم عزيز ينير الشاشة.
قال بمرح:
"إيه يا عزيز؟ الفصلان ده؟ هو حد يتصل دلوقتي؟"
ضحك عزيز بملء فمه، رغم أنه حزين، ولكن أمام أخيه وسعادته يبيع الدنيا بما عليها. قال وهو ما زال يضحك:
"خير يا دكتور؟ أنا اتصلت في وقت غير مناسب ولا إيه؟"
قال يونس وهو يغمز لآسيا بمرح:
"انت يا باشا تتصل في أي وقت واحنا نعملك الوقت مناسب."
ضحك عزيز مرة أخرى على مزاح أخيه اللطيف الذي يخرجه من الحزن. قال بجدية:
"ركز معايا كدا."
قال وهو يدعي الجدية:
"أوامر يا عزيز باشا."
قال له عزيز بمكر:
"إيه رأيك في شهر عسل تاني؟"
سأله يونس بمرح منحرف:
"ياريت يا باشا، أصل الأول كنا فيه إخوات."
ضربت آسيا كتفه وهو يبتعد عنها بعد أن تلون وجهها بحمرة الخجل من وقاحة زوجها، بينما استمعت إلى قهقهة عزيز الذي انفجر ضاحكاً على مغزى كلمات أخيه وسأله بوقاحة لا تقل عن وقاحة أخيه:
"طيب ودلوقتي طمني عليك، لسه إخوات ولا بقيتوا حبايب؟"
قال يونس بصدر منتفخ على وجهه علامات الغرور المصطنع:
"عيب يا باشا، دا أنا يونس التهامي، إحنا بقينا حبايب حبايب يعني."
ضحك عزيز على كلمات أخيه وقال بجدية:
"بطل كلام كتير، وعندي لك مفاجأة."
سأله يونس بلهفة:
"مفاجأة إيه يا عزيز؟"
قال:
"كمان أربع ساعات من دلوقتي تاخد مراتك وتروح المطار. أنا حجزت لك أسبوعين عسل مكان شهر العسل اللي ضاع. هتلاقي عم سعيد السواق جايب التذاكر لإيطاليا."
هتف بفرحة:
"الله عليك يا باشا، طول عمرك Gentle man."
أنهى عزيز المحادثة وهو يتنفس الصعداء. إن صدق حدثه في الصباح الباكر ستكون بلقيس في فيلا يونس، ولكنه سينتظرها هناك.
***
في الصباح استعد للخروج.
رواية بلقيس و أنا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم هيام شطا
االبارت الرابع والعشرون♥️♥️
دلف بهدوء
سال وعيناه تنظر لها ثم ينظر الى الأرض
عمله ايه يا رحيل
ابتسمت بحلاوه وقالت
الحمد لله تمام ثم قالت وعيناها تتعلق بذلك الذى
ينظر لها بإرتباك وخوف
تانى مره تنقذ حياتى
قال بلهفه وهو ينظر لها
ولو عاشر والف مره ده واجبى ناحيتك اوعى تشكرينى بعد كدا
كنت هتـ.ـموت
قال وهو يريحها من الشعور بالذنب
وربنا سترها وعمى جه وعدت على خير
انفلت لسانه ليقول ما يجيش فى قلبه بصدق
ولو حتى ضربنى بالرصاص فداك.
قالت بلهفه بعيد الشر
هتف معها سالم ومنى
بعيد الشر عنك يا ابنى ربنا ينجيك لشبابك
التفت لعمه وزوجته ووعى لما انفلت به لسانه
قال والخجل يسيطر عليه
طيب استأذن انا حمد الله على سلامة رحيل
قالها وانصرف فى لحظه بينما وعى الان على ما نطق به
قال وهو يسرع فى خطاه
ايه الهبل اللى قولته ده يا على
بينما ابتسم سالم وقد تأكد الان من مشاعر ابن أخيه تجاه ابنته ويعلم كل العلم أنه لن يبوح بها لذا عليه التأكد من ابنته ويأخذ هو الخطوه الاولى
............بلقيس وانا بقلمى هيام شطا.............
وقفت فى شرفة ذلك الفندق الشهير بفرانسا الذى يمتلك اطلاله رائعه على برج ايڤل تستنشق هواء الصباح المبكر
لا يهمها برودة الجو
ولا تلك الأمطار الخفيفه التى تسقط أمامها وهى تشاهدها بوله وعيناها تسبح فى ذكرياتها الجميله مع فارسها النبيل الذى مسك يدها وهى تغرق ورفض أن يتركها فى بحر أحزانها أصر أن ينجوا بها ومعها من عتمت هذا البحر رغم أن موج حزنها وحياتها التى تحطمت فيه كانت كافيه لجعله يتخلى عنها ولا يلومه أحد إلا أنه لم يتخلى وأخرجها لتعيش وتسعد معه ويسعدها
احتضنها من الخلف ودفن وجهه فى عنقها وهو يستنشق رائحتها الجميله
سألها وهو يطبع قبلات على جيدها
الجميل سرحان فى ايه
ابتسمت بحلاوه وقالت بصدق وهى تستدير له وتحتضنه
سرحانه فى حبيبى
قال وهو يقترب منها ويقتنص قبله رقيقه من خدها الشهى
وتسرحى فى حبيبك ليه وتتعبى تفكيرك حبيبك نايم بشحمه ولحمه جمبك صحيه يا ستى واسرحى فيه براحتك
ضحكت على كلماته الشقيه الجميله بجماله وقالت وهى تسايره
انت شايف كدا
حملها ودلف إلى الداخل وقال وهو يغمز لها بشقاوه
انا شايف ابو كدا
هتفت وهى تدعى التذمر
يونس اعقل يا مجنون وبعدين نزلنى انا مش عاوزه انام
قال وهو يريحها على الفراش
مين قال هنام يا قلب يونس انا هصبح على حبيبى
هتفت بدلا
لاء كفايه كدا انت ايه انا عاوزه اخرج اشوف باريس
قال وهو يقترب منها بمكر
هنشوف باريس بعد ما نصبح
انقض على شفتيها يرتوى منها ويبدوا أنه لن يشبع منهابينما هى ضحكت بدلال اذاب قلبه قالت بإعتراض واهى.
ابعد يا قليل الادب
قال وهو ينهى اعتراضها اموت انا فى قلة الأدب 😊
..........................................
انتهى اليوم الثانى وعزيز لم يظهر ولا حتى خليل
قالت زينب بقلب لهيف
انا مش مطمنه يا بلا عزيز من امبارح ولا حس ولا خبر انا همـ.ـوت من القلق
قالت بلقيس وهى تهدأها
أهدى يا ماما اكيد فى شغل واول ما يخلص هيطمنك
قالت كلماتها هذه وهى تحاول أن تهدئ قلبها هى الأخرى فهى متأكده أنه فى تلك العمليه التى كانوا يتحدثون عنها ولكن ماذا حدث فيها ليختفى هكذا ولا تعلم عنه شئ
قالت زينب
انا مش مرتاحه وقلبى واجعنى على ابنى انا هبلغ البوليس
إجابتها بلقيس بتعقل
أهدى يا ماما ساعه كمان لو مفيش خبر عنهم أنا هبلغ
...................................
نظر حوله وهو يحاول أن يتذكر اى شئ اين هو ماذا حدث له اخر شئ يتذكره تلك السياره التى صدمته وهو يهرب من رجال سالم والد رحيل
لقد ذاق رعب الموت وهو يدهس هو وسيارته تحت إيطار تلك السياره قبل أن يسقط فى الماء ويفقد الوعى
قالت الممرضه وهى تبتسم فى وجهه
حمد الله على السلامه يا فندم
سألها بصوت ضعيف
انا فين
إجابته بوجه بشوش
حضرتك فى مستشفى الحديدى يا فندم
قال بصوت واهن
عاوز بابا
أجابته بصوت مطمأن حاضر
ثوانى
خرجت الممرضه ساره لتخبر بلقيس أن المريض فاق ويطلب أبيه
دكتوره بلقيس
نظرت لها بلقيس وسألتها
فى حاجه يا ساره
ايوا يا دكتوره المريض اللى تبع حضرتك فاق وبيسال على والده
قالت بلقيس تمام يا ساره روحى انتى وانا جايه وراك
دلفت بعد قليل بلقيس وهى تقول له
حمدالله على السلامه يا يوسف
نظر لها وتعجب قال
انت هنا ليه.
قالت وهى تبتسم بسخريه.
يمكن علشان انا دكتوره
انتى اللى انقذتينى
قالت بسخريه
للاسف ده واجبى
ولاول مره يتملك منه الخجل من أفعاله المشينه
معها فهو دائما حاول تدميرها وهى من أنقذت حياته
قال بصوت خجل
لو سمحتى بلغى بابا
قالت وهى تشفق عليه لاول مره أيضا
حاضر خليك انت بس فى صحتك واول ما والدك يوصل هدخله لك
بعد قليل دلفت إليها زينب هتفت بقلب يحتـ.رق من القلق على ابنها
عزيز اكيد حصله حاجه هو وخليل يا بلقيس.
عمره ما اختفى كل المده دى انا هبلغ
قالت بلقيس وهى تطمأنها أهدى يا ماما وتعالى معايا انا هبلغ بس الاول تعالى إطمنى على يوسف وخليكى معاه اصله من ساعة ما فاق وهو بيسال عن باباه تعالى خليك معاه وانا هبلغ
انساقت معها ودلفت إلى يوسف لتطمانه بينما ذهبت بلقيس إلى مدرية الأمن تبحث عن زوجها
........................................
سألها الضباط بجديه.
يعنى حضرتك اخر تواصل مع عزيز او خليل التهامى امته
قالت بصوت قلق امبارح بليل يا فندم
تمام حضرتك اتفضلى واحنا هنعمل اللازم....
............................................
وقف اللواء رفعت يتابع التحقيقات مع مكس وراجح الذى اعترفوا بكل شئ
وبالطبع كان عزيز قد أبلغ عنهم قبلها بعدة أشهر
ليقع اكبر تنظيم عصابى لتجارة السلاح وبفضل الله اولا ثم عزيز الذى هداه الله
خرج بعدها إلى النائب العام ليخبره باخر التطورات
قال رفعت للنائب العام
التحقيقات لسه مخلصتش يا فندم
سأله بجديه وحالة عزيز
زى ما هو يا فندم
قال رفعت
مراته قدمت بلاغ من ساعه أنه مختفى
لازم نقول لهم يا فندم وخليل لازم يتدفن
قال هشام بعمليه
ادينى ساعه وبعد كدا نبلغهم أنهم عملوا حادثه على الصحراوى وخليل اتوفى النهارده بس الاول هكلم بلقيس
.........................................
مكتب دكتوره بلقيس لو سمحت
الدور التالت اخر مكتب
وقف أمام مكتبها طرق عليه بهدوء ورزانه تتماشى مع وقاره ومنصبه الرفيع
اتفضل
اذنت بالدخول
قال بهدوء
دكتوره بلقيس
إجابته بوجه بشوش
ايوا اتفضل يا فندم
عرف عن نفسه
هشام عبد المجيد
يكفى اسمه لتقف تسأله بلهفه لتتيقن اهو ام لا
النائب العام
قال وهو يبتسم بود ليطمئنها
ايوا يا دكتوره ممكن اخد من وقتك دقائق.
وقع قلبها فى قدمها فلابد وأنه هنا من أجل عزيز
هل تم القبض عليه
هل أصيب
هل وهل والف سوؤال اجتمعوا فى رأسها ولكن سؤالها الاول
كان للاطمأنان عنه
عزيز حصله حاجه
قال وهو يجلس
اقعدى يا دكتوره وانا هقول لك كل حاجه
جلس أمامها وبدأ يقص عليها كل شىء من اول ما ذهب له عزيز ليبلغ بنفسه عن نفسه وذلك التشكيل العصابى والظروف التى ددفعته لذلك الطريق وعمه الذى استغله إلى أن وصل لأهم نقطه
عزيز فى العمليه الاخيره اتصاب وهو دلوقتى فى المستشفى وعمه خليل مات
لم تستوعب كل هذا أيعقل أن يكون عزيز بكل هذا النقاء والأهم هو برىء
والأهم من ذلك هو مصاب وخليل مات
تمالكت أعصابها وسالت هشام
هعمل ايه دلوقتى يا فندم
قال لها بجديه
انا جيت اقول لك انتى علشان عزيز عرفنا انك عارفه كل حاجه وعلشان ابرأ عزيز
بعد كدا كل حاجه متخطط لها .
واللى هنقوله للاعلام
أن عزيز وخليل عملوا حادثه وخليل مات
قالت وهى تبكى لم تستطع أن تتمالك دموعها
وعزيز عامل ايه
أجابها برفق واشفاق على حالها
بخير وتقدرى تنقليه هنا فى اى وقت
.........................................
بقلب يكاد يقف من الخوف انطلقت زينب تجرى فى طرقات المشفى تبحث عن بلقيس التى أخبرتها مع ذلك السائق الذى ارسلته لياتى بها إلى المشفى
وجدت ام بلقيس وأبيها أيضا فى المشفى .
سألتهم بخوف
عزيز حصله حاجه
قال الدكتور ابراهيم وهو يطمانها
أهدى يا حاجه زينب عزيز بخير
سالته بلسان ثقيل
وخليل
قال بحزن
للاسف الحادثه كانت صعبه
البقاء لله
..................... ..........
نائم على وجهه غائب عن الوعى لا يعلم ماذا حدث له وقفت بجانبه تبكى عليه
قالت بقلب تأسف له قبل
لسانها
عزيز انا اسفه
بعد دقائق
خرجت همهمات منه اقتربت لتسمعه يناديها باسمها بلقيس
................................
علا صوت هاتفه
قال بمرح
حبيب قلبى ابويا الروحى دكتور ابراهيم.
قال إبراهيم بصوت حزين
يونس احجز على اول طياره وترجع مصر
حصل ايه يا دكتور
سأله بقلب لهيف
قال بحزن
عمك وعزيز عملوا حادثه
سال بصوت تملك منه الرعب
حصل لهم ايه
اجابه ابراهيم بحزن
البقاء لله وقع قلب يونس من الخوف
وسأله بلسان ثقيل
مين
عمك خليل
انتهى البارت دمتم بخير بقلمى هيام شطا
رواية بلقيس و أنا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم هيام شطا
خليك مرتاح يا عزيز، انت خارج من عملية خطيرة وإصابة أخطر. حمد الله على السلامة.
أجاب عزيز بحزن: لله الدوم.
قال رفعت بتعقل: الحمد لله أنها جت على قد كده يا عزيز. وعمك ربنا بيحبه، إنه مات وكل الناس معتقدة أنها حادثة حصلت لكم مع بعض. أكيد ربنا بيحبه لأنه أراد له الستر. يموت وهو في نظر الناس خليل التهامي رجل الأعمال المعروف، أحسن ما يتقال عنه تاجر سلاح.
كان صوت العقل الذي يتحدث على لسان رفعت. فإذا ابتعدت عن المصيبة تراها أوضح وترى لطف الله فيها.
سأله عزيز بصوت واهن: وماكس وراجح والعملية؟
قال رفعت: ماكس هيتحاكم هو وراجح، وأنت طبعًا شاهد ملك. بالنسبة للناس اللي كنت شغال معاهم، أنت بعد العملية دي بره حساباتهم لأنك بقيت كارت محروق، أنت وكل اللي كانوا معاك.
أخذ عزيز نفسه بعمق وزفرة براحة وأخيرًا.
قال رفعت وهو يرتب على كتفه: أنت كده في أمان يا عزيز، والكابوس خلص. وهشام باشا بيبلغك سلامه.
تركه وانصرف لتعود له بلقيس بعد قليل وهي تبتسم بحلاوة.
قالت وعيناها تفيض بالحنان: حمد الله على سلامتك يا عزيز.
أجابها بصوت واهن: الله يسلمك.
وبعد قليل دلف الطبيب المسؤول عن حالته.
سأله بعملية: إيه الأخبار يا مستر عزيز؟
قال عزيز بوهن: مش حاسس بضهرى يا دكتور.
قال الطبيب: ده طبيعي يا مستر عزيز. الإصابة كانت خطيرة، وإن شاء الله تخلص قرص العلاج ونبدأ في العلاج الطبيعي وهتتحسن وترجع زي الأول وأحسن كمان.
شكره عزيز وبلقيس وانصرف الطبيب بعد قليل.
جلست بالقرب منه وهي تلاحظ مؤشراته الحيوية، وجدتها تتحسن.
قالت بفرحة: الحمد لله، ضغطك وضربات القلب طبيعية.
لاحظ عزيز تغيرها الجذري في المعاملة، فأين هي من بلقيس التي كانت توعد له؟ أين ذهبت؟
صمت ولم يتساءل أكثر لأن الألم تملك منه، وترك نفسه وقلبه ينعم بقربها، فلربما تفعل هذا من واجبها تجاه زوجها.
سألته حين لاحظت شروده بصوت حنون: محتاج حاجة يا عزيز؟
قال بوهن: محتاج أنام.
***
فاق من نومه وكانت سارة ملازمة له، ومنظر نوبة الغضب أو الثورة أو الحزن الجديدة. ولكن، فاق وبقى ساكن، وما يدل أنه مستيقظ تلك الدموع التي تنهمر على وجهه بقهر وصمت وحزن يقطع نياط القلب.
اقتربت منه سارة بحذر وسألته وقلبها يشفق عليه: أنت كويس يا أستاذ يوسف؟
لم يجبها، بل ظل ينتحب وقلبه ولأول مرة يشعر بمقدار خسارته. لقد خسر أبيه، سنده، حمايته في هذا العالم. فقده وهو غاضب منه بسبب سوء تصرفه مع أبيه. وشيطانه الذي هيأ له أنه سيفعل كل ما يريده ويتمناه ويكسب كل ما يريد ويحصل على كل ما يهواه. وكانت الحقيقة الصادمة أنه هو الخاسر الوحيد. خسر رحيل بقلبها النظيف، خسر آسيا بأخلاقها العالية، خسر أبناء عمه الذين لم يرى منهم إلا كل حنان وأخوة. والآن الخسارة الكبرى التي لا تعوض، خسر أبيه وللأبد ودون وداع.
اقتربت منه وسألته مرة أخرى بحنان: أستاذ يوسف، أنت كويس؟ رد عليا لو سمحت.
أجابها بصوت منكسر: لو سمحتي، عاوز أخرج.
قالت بعملية: حاضر، أول ما الدكتور يكتب لك على خروج حاضر.
قال بإصرار: لو سمحتي، عاوز تليفون.
قالت وهي تحاول أن تثنيه عن قرار الخروج دون علم الطبيب: حاضر، التليفون هجيبه لك حاضر.
خرجت لتخبر بلقيس عن ذلك المريض غريب الأطوار الذي فاق وكأنه شخص آخر قد تبدل حاله مئة وثمانون درجة.
***
جلست مستكينة في أحضان أبيها الذي دلف ليطمئن عليها. وجدها تتصفح هاتفها بملل. جلس بجوارها على الفراش ولف ذراعه بحنان حولها وقال:
الجميلة أخباره إيه؟
أجابته بدلال: ولا حاجة يا بابا، وزهقت من القعدة في السرير، عاوزة أخرج.
سألها بمكر: تخرجي فين يا روح بابا؟ دي بلدنا شبرين.
قالت بخجل: يعني يا بابا، كنت حتى بتمشي مع عبد الله وأشوف الناس.
قال بحنان: وماله يا حبيبتي، قومي اهرجي واتمشى مع عبد الله.
سألته بخجل: هو على ابن عمي مبقاش يجي هنا؟
ابتسم أبوها بحنان وسألها: بيجي يا حبيبتي، بتسألي ليه؟
تعجبت وقالت: بيجي؟ غريبة، مش بشوفه. هو مش بيسأل عليا؟
أجابها أبوها بمكر: بيطمن عليكي مني، وأنا طمنته.
قالت بصدق: أنا مش عارفة أشكرة إزاي يا بابا، ده لولاه الله أعلم كان هيحصل إيه ليا.
قال أبوها الذي يمتن لعلي أيضًا: أيوه يا بنتي، ده جميله على راسي.
قالت وهي ما تزال تتحدث مع أبيها بعفوية: هو ليه متجوزش بعد مراته يا بابا؟
قال أبوها وهو يراقب تعابير وجهها: كان بيحبها.
سألته وقد ظهر الحزن على وجهها: ولسه بيحبها بعد سبع سنين؟
قال أبوها: والله يا رحيل معرفش، يمكن حب غيرها.
قالت بحزن: مظنش يا بابا.
قال سالم بحنان وهو يضمها: محدش بيفضل على حاله يا رورو. قومي يلا نتغدى واتمشى أنا وانتي بعد الغدا شوية.
حاضر يا بابا.
***
لم يتحمل كل تلك المدة ولم يراها ويطمئن عليها. سيذهب لبيت عمه هو وعبد الله ويطمئن عليها. لم يكن يعلم أن قلبه سيدق لأحد غير زوجته التي تزوجها وأحبها من عشرتها الطيبة، ولكن القدر لم يمهلها إلا سنوات قليلة لتفارقه وتتركه منذ سبع سنوات. لتأتي تلك الجنية الصغيرة الجميلة التي أغرقته في حبها ببرائتها وعفويتها. ولكن، أين أنت يا علي من رحيل؟ إنها في الثانية والعشرين بينما هو في الخامسة والثلاثين. فهل إن طلبها من عمه سيقبل بها؟ أم ستقبل هي به؟ وهل سترضى بحياته التي تختلف عن حياتها كليًا؟ أم يبتعد عنها ويعيش بحبه لها؟
وصل بكل تلك الأفكار لبيت عمه، وجدها في حديقة منزلهم.
جرى عليها عبد الله وهتف بفرحة: رحيل وحشتيني.
احتضنته بفرحة وهي تقول: عبد الله، وحشتني أوي أوي، فينك من زمان.
نظرت إلى ذلك القادم خلف عبد الله، تورّد وجهها عندما رأته. قالت بفرحة ولهفة: على قصد... شيخ علي. عامل إيه؟
نظر لها بطرف عينيه وقال بصوت هادئ، عكس قلبه الذي يدق بصخب منذ أن رآها: إزيك يا رحيل، عاملة إيه؟
قالت بصدق: كويسة.
نظرت لعبد الله وقالت وهي تتحدث بخبث: كل ده يا عبد الله، متسألش عليا. إيه موحشتك؟
ارتبك علي بينما شعر أن تلك الماكرة ترمي عليه الحديث.
قال عبد الله ببراءة: وحشتيني أوي أوي.
قالت بجراءة: ما حصلش. لو وحشتك كنت جيت شوفتني.
قال علي بمكر وهو يمني نفسه أن يكون الحديث له: كنا بنطمن عليك من عمي.
قالت وهي تنوي إغاظته: على فكرة، أنا بكلم عبد الله.
سألها بحنق: تمام، عمي فين؟
قالت بمكر حين رأت الغضب ظهر على وجهه: جوه مع منير.
دلف بوجه متجهم من تلك التي تتلاعب به، فتارة ترفعه في السماء وتارة أخرى تنزله إلى الأرض، وهو ضائع من تصرفاتها. ماذا يفعل؟
***
دلف إلى الداخل ليجد عمه يجلس بصحبة منير ومنى ومحمود.
قال: سلام عليكم يا عمي.
وعليكم السلام يا علي، تعالى يا ابني سلم عليهم. وجلس معهم وعقله يفكر ويفكر.
عزم أمره وقرر قراره الأصعب. سيفاتح عمه ويطلبها. لما لا؟ فكم من زيجة مثله وأكبر منه في الفارق العمر بينهم ونجحت.
قال بصوت جاد: عمي، لو سمحت، عاوزك في موضوع.
أجابه سالم بحنان: قول يا علي.
نظر لهم جميعًا وقال: بعد إذنك، أتكلم مع حضرتك الأول.
اتفضل يا علي، جوا في المكتب.
دلف إلى المكتب وقال وهو يستجمع شجاعته التي هربت منه: أنا يا عمي عاوز.
قال بتشجيع: عاوز إيه يا علي؟
أجابه وهو يدفع الكلام من فمه وكأنها مهمة صعبة عليه: عاوز أتجوز رحيل.
ضاعت شجاعته بعد أن أنهى حديثه.
قال بتلبك: طبعًا، دا... دا لو يعني حضرتك موافق وهي كمان.
ابتسم سالم بحب وقال بصوت ملأته السعادة: إن كان عليا أنا مش هتمنى لها أحسن منك، زوج صالح يصونها وهيتقي الله فيها. بس لازم آخد رأيها.
أجابه علي بصوت هادئ عاقل: طبعًا يا عمي، رأيها أهم شيء. بعد إذن حضرتك.
هتمشي دلوقتي؟
قال علي: همشي ومش هاجي إلا أما أعرف رأيها.
تمام يا ابني، ربنا يقدم لك اللي فيه الخير.
استأذن وخرج، وأخذ عبد الله منها.
قالت بشقاوة: ابقى اسأل يا عبد الله، وبلاش الغيبة الطويلة دي.
نظر لها وقال بتسلية: قول لرحيل. حاضر يا عبد الله، هنسأل وهنيجي.
وابتسم لها، وأخيرًا رأت وجهه المتجهم دائمًا يضحك. ولا تعلم سر تلك البسمة العريضة.
***
أسبوعان مرا على الحادث. تحسنت صحة عزيز، وبدأ يقف لكي يبدأ في جلسات العلاج الطبيعي. ولكن، منذ أسبوع وأصبح باردًا في التعامل معها بعد زيارة النائب العام له وأخبره أنها أخبرته بكل شيء. هي لم تصفح عنه لأنه مصاب؟ أم من أجل حبها له؟ هل تحبه؟ تساءل عزيز، بينما هي أيضًا غارقة في تفكيرها.
وقف على جهاز المشي لكي يساعده على المشي مع العلاج، ولكنه كان يحرك قدمه بصعوبة. وقفت بجواره تساعده مع الطبيب.
أبعدها بجفاء واتكأ على يد الطبيب ليساعده.
قال الطبيب وهو يحاول أن يجعله يحرك قدمه: خطوة كمان يا عزيز.
قال بوهن: مش قادر يا دكتور.
أراحها على المقعد المتحرك وقال بعملية: أنا شايف إن مستر عزيز بيتقدم كل يوم عن الأول، والبركة طبعًا في الدكتورة بلقيس بعد ربنا.
ابتسمت وهي تشيد بجهد عزيز: بصراحة يا دكتور، عزيز متعاون جدًا وعاوز يخف بسرعة.
ابتسم الطبيب بود وتمنى له الشفاء العاجل وانصرفا.
أخذت الكرسي المتحرك وخرجت به إلى غرفته في المشفى. وقفت به أمام السرير ووقفت بجواره تساعده ليجلس على الفراش.
قال لها بجفاء: هعرف أطلع لوحدي.
لم تسمع كلامه وظلت تساعده، وهو لم يعترض لأنه لا يستطيع أن يقف وحده، ولكنه يريد أن يعاند معها حتى لا يفقد كبرياءه الذي يشعر أنها جرحته حين أخبرها أنه يحبها، بينما هي لم تعرف كلامه واعترافه بمشاعره لها أي اهتمام، وذهبت لتبلغ عنه.
أجلسته بحنان ونظرت له وسألته: حاسس بحاجة يا عزيز؟
قال بوجه جامد ورد مقتضب: لا.
جلست بجواره على الفراش وهي تعلم بذكائها أنه يعاقبها على ما فعلت به.
سألته وهي تتدلل عليه: متأكد إنك كويس يا زيزو؟
تزعزع ثباته عندما مرت يدها بحنان على وجهه. تمسك بثباته وقال بعناد: آه كويس، وهكون كويس لو سبتيني أنام. إيه، مفيش عندك عيانين غيري؟
قالت بمكر وهي تضع وجهها على صدره: لا يا حبيبي، أنا مفيش عندي غيرك.
ابتلع ببطء، بينما ما زالت تلك الماكرة تملك كل مفاتيح جسده.
قال لها وهو يسخر منها ليخفي تأثيرها عليها: إيه يا دكتورة الحنان ده؟ أنا عزيز التهامي، تاجر السلاح. أنتي غيرتي مبادئك ولا إيه؟
اغتاظت من رده الساخر عليها، قالت وهي تنوي قذف جبهته لتعرفه أنها تعرف كل شيء: أنت عزيز التهامي، رجل الأعمال الشريف. أنا مش عارفة تاجر السلاح ده، ولا عمري هكون معاه.
وقبل أن ينطق اندفعت سارة من الباب.
الحق يا دكتورة بلقيس.
هتفت بخوف: فيه إيه يا سارة؟
قالت بخوف: يوسف مصمم يخرج من المستشفى ومش قادرة أخليه يفضل هنا.
رواية بلقيس و أنا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم هيام شطا
وقف يوسف أمام قبر أبيه يبكي بدموع حارقة. دموع الندم، دموع القهر، دموع الوحدة. فها هو الآن يقف وحيدًا أمام قبر الرجل الذي كان له مصباح علاء الدين، كان يلبي له أي شيء قبل أن يطلب.
ولكنه نسي أهم شيء. نسي أن يعلمه أن الدنيا أخذ وعطاء، ليست دنيا العطاء فقط. وأن لكل شيء له ثمن. نسي أن يعلمه أن الله القادر يأخذ لكل مظلوم حقه، وإن نسي الظالم، ولكن الله لا ينسى.
زادت شهقات بكائه أمام قبر أبيه، وجد يدًا تربت على كتفه بحنان. انتفض ونظر إلى صاحب اليد، إذا هو رجل بشوش ذو لحية صغيرة ويرتدي جلبابًا، ويبدو أنه أحد رجال الدين أو مسؤول عن تلك المقابر.
قال بصوت حنون:
استهدى بالله يا ابني واطلب له الرحمة.
مسح دموعه التي تغرق وجهه وتمتم:
ربنا يرحمه.
قال الرجل:
ويرحمنا جميعًا يا ابني.
سأله يوسف بصوت يائس:
تفتكر ربنا هيرحمني؟
هتف الرجل وقال:
رحمة ربنا وسعة كل شيء يا ابني.
قال بصوت ملأه الندم:
أيوه بس أنا عصيت ربنا كتير، أنا عاصي يا شيخنا.
قال الشيخ بصوت مشفق على ذلك الذي غرق في شهوات الدنيا وملذاتها، ويبدو أن الله أراده أن يتوب ويرجع عن ما يفعله:
ربنا رحيم يا ابني ورحمته كبيرة، وباب التوبة مفتوح لكل عاصي، المهم الندم على ما فعلت وتنوي التوبة وتتوجه لطريق ربنا.
قال يوسف وقد عاد للبكاء مرة أخرى:
توبت والله وندمت يا شيخ.
قال الشيخ وهو يشد على كتفه:
ربنا يثبتك ويقوي إيمانك يا ابني.
ارتاح قلب يوسف لهذا الرجل الذي وجد فيه أبيه الذي تمنى أن يكون مثله، وارتاح قلبه. وانصرف ليعود إلى شقته التي في المهندسين، التي بدأ فيها كل شيء. من أول خطته لاغتصاب آسيا إلى أن حاول هاني قتله. فضل العودة إليها وعدم العودة إلى فيلا التهامي، ليتذكر دائمًا ذنبه، يجلد نفسه بسوط الندم.
***
اتكأ عزيز بوهن على أخيه، وذلك العكاز المعدني الذي يساعده على الحركة. أطلقت زينب الزغاريد حين أبصرت ابنها عزيز، قلبها شريكها في الكفاح، يدخل من باب الفيلا.
قالت بفرحة:
ألف حمد الله على سلامتك يا نور عين أمك.
أجابها بحنان:
الله يسلمك يا ست الكل.
قالت بلقيس وهي تنظر له بمكر وتسنده مع يونس، تعلم أنه لن يستطيع الاستمرار في تجاهلها أمام أمه:
حمد الله على السلامة يا حبيبي، نورت بيتكم.
نظر لها وهو يكبح غضبه. نعم، ما زال غاضبًا منها، فهو لم ينس ما فعلته، وأنه ذهب لها وترجاها ولكنها لم تسمعه أو تعط له فرصة في الحديث.
قال من بين أسنانه:
الله يسلمك يا روحي.
قال عزيز:
لو سمحت يا يونس وديني أوضتي أرتاح.
هتفت بفرحة:
أكيد يا حبيبي، ثواني.
استشاط منها غضب، فهي ما زالت تتجاهل غضبه ولا تعطى له اهتمام.
دلف بعد قليل إلى غرفته ومعه يونس وآسيا وأمه. وعندما نام على الفراش قالت أمه:
الحمد لله إننا اطمنا عليك يا حبيبي إنك بخير، نسيبك ترتاح.
سأل يونس قبل أن ينصرف:
عرفت مكان ابن عمك يا يوسف؟
أجابه والحزن مرتسم على وجهه:
لقيته في شقة المهندسين وروحت له أكتر من مرة، مرضيش يرجع هنا.
قالت زينب بصوت حزين مقهور على يوسف:
يوسف مصدوم على اللي حصل له وحصل لخليل الله يرحمه.
قال عزيز:
يا ريت يا أمي تروحي له وتقنعيه يرجع.
قالت زينب:
حاضر يا ابني، مع إني روحت له أكتر من مرة مع أخوك، بس نحاول تاني.
انصرف الجميع وحاول عزيز الاعتدال في فراشه، ولكن إصابته تمنعه وتجعله يئن بألم.
اقتربت منه بلقيس ورفعت جسده الضخم وعدلت الوسادة خلفه.
قال وهو ينظر لها بعتاب:
رجعتي ليه يا دكتورة؟ آخر مرة كنتي خارجة من هنا وبتحلفي إنك مش هترجعي تاني.
أخذت نفسها وأغمضت عينيها بتعب، فهي منذ شهر وهي تراضي هذا العنيد وتحاول كسب وده. نعم، أخطأت عندما لم تثق فيه وأسمعته كلام جارح، ولكنها لا تلتمس له العذر في صدمتها فيه.
قالت وهي تجلس بجانبه وقررت أن تسايره في عقابه:
اطمن يا عزيز، أول ما تخف هرجع عند بابا تاني وترتاح مني.
نظر لها بشك. هل ملت منه؟ هل ستتركه؟ أم أنها لم تتحمل عقابه لها؟
قال ببرود، عكس ما يجيش به صدره من غضب منها وشوق قاتل لها:
وليه تستني لما أخف؟ اتفضلي من دلوقتي.
قالت بغضب منه ومن إصراره على هدم ما بينهم:
قولت لما أخف، أنت عاوز الناس تقول إيه عليا؟ سابت جوزها وهو تعبان.
نظر لها بغضب زاد بعد جملتها:
يعني علشان الناس؟
ضحكت بمكر وهي تقترب منه وتمد يدها لتزيل السترة من عليه.
سألها:
بتعملي إيه؟
أجابته بمكر أنثى:
بساعدك يا زيزو علشان تاخد شور.
هتف وهو يعترض اعتراضًا واهيًا:
مش عاوز حاجة منك، ومتعمليش حاجة علشان مش عاوز منك حاجة.
لم تعر حديثه أي اهتمام. ناولته العكاز الذي يستند عليه، ووضعت يده حول عنقها وقالت له بأمر:
قوم يلا معايا هتاخد شور.
قال:
مش هاخد زفت.
نظرت له وابتسمت بحلاوة وقالت ببرود:
مش بمزاجك يا زيزو.
قال:
أمال بمزاج مين إن شاء الله يا دكتورة؟
قالت وهي تدفعه وهي تسير بجوارها:
اديك قلتها لوحدك، بمزاج الدكتورة.
ظلوا هكذا ناقر ونقير، لا هي تتخلى عن كبريائها ولا هو تخلى عن غضبه منها، ولكنهم يذوبان عشقًا.
***
قال يونس وهو يمد يده لها لكي تذهب معه، بعد أن أعطت زينب دوائها:
يلا يا روحي علشان تنامي وارتاحي شوية. بقالك شهر من وقت اللي حصل وأنتي شايلة الكل.
قالت وهي تمسك بيده وتمشي معه إلى غرفته في الفيلا التي يقيمون بها منذ تلك الأحداث، موت عمه، حادث أخيه.
دَلفت إلى الحمام الملحق بالغرفة، وبعد قليل خرجت وهي تتثائب من أثر الإرهاق من تلك الأيام التي تعيشها.
مد يده لها لتجلس على قدمه، احتضنها بحنان وقال بصوت ممتن لما تفعله مع أمه وأهله:
مش عارف أشكرك إزاي يا آسيا.
قالت وهي تنظر في عينيه لتخبره أنها مهما تفعل له ولأمه ولأخيه فلن توفيهم حقهم، يكفي ما فعله لأجلها ومازال يفعل، يغدقها بالحب، يتوجها على قلبه وكأنها آخر امرأة في الكون، وهو رجلها الأول والأخير.
قالت:
متقولش كده يا يونس، ماما زينب مامتي، وعزيز أخويا الكبير، وأنت حبيبي وروح قلبي.
قال وهو يعتصرها بين أضلعه:
ربنا يخليك ليا يا أجمل وأحلى وأحن سو في الدنيا.
طبعت قبلة هادئة على خد يونس وهي تعتدل للنوم.
قالت:
ويخليك ليا يا روح قلبي.
قال بمكر:
إيه اللي عملتيه ده يا سو.
هتفت بخوف:
عملت إيه؟
قال والمكر يتراقص في عينيه، فقد اشتاق لها حد الجنون:
إنتي بوستيني في خد واحد، والتاني زعلان.
ضحكت بصخب على مزاح زوجها الحنون وقالت وهي تطبع قبلة على خده الآخر:
كده مش زعلان؟
وقبل أن تكمل حديثها، وجدت المخادع ينقض على ثغرها الشهي وقال وهو يروي اشتياقه لها:
أنا جعان ولازم أشبع منك النهارده يا أجمل سو في الدنيا.
هتفت بإعتراض واهٍ:
اصبر يا يونس.
قال وهو يدللها:
يونس خلاص صبره خلص.
***
جلس بجانب عمه، يضع يده بيد عمه، ينهي عقد قرانه على تلك الجنية خمرية اللون، سوداء الشعر والعين، تلك الفتنة المتحركة، ابنة عمه الذي غرق في هواها، أحيت فيه مشاعر ظن أنه دفنها مع زوجته.
قال عاقد القران:
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
وعندها أطلقت منى الزغاريد، وأخيرًا دخل الفرح بيت أبيها. وجدها تنزل في يد منير أخيها، ولكنها اليوم فتنتها مختلفة، إنها ترتدي حجابًا أبيض يعتليه تاج فوق جبهتها. يا الله، سيقف قلبه. لماذا لم يجعل اليوم هو الزفاف؟ لماذا اكتفى بعقد القران؟ كيف سيصبر أسبوعان آخران لموعد الزفاف؟
وصلت له، أعطاها منير له. كانت كأنما فقد النطق. هل تلك الجميلة له؟ إنها ساحرة، ألقت عليه تعويذتها الشريرة منذ أن رآها ليصبح أسيرًا لتلك الأعين الفاتنة.
اقترب منها وطبع قبلة على جبهتها وقال وهو مأخوذ من جمالها:
مبروك يا رحيل.
نظرت له ولتلك النظرة الجميلة التي تراها في عينيه.
قالت:
الله يبارك فيك. ثم أضافت بدلال وشقاوة: يا شيخ علي 😉.
هل ينقصه دلالها؟ سيصيبه بسكتة قلبية.
قال وهو ينظر إلى ذلك الحجاب الذي يزين وجهها:
مبروك على الحجاب.
قالت بحياء:
الله يبارك فيك.
قال وهو يحثها على الثبات:
ربنا يثبتك يا رحيل.
أمنت على حديثه. بعد أن انصرف الجميع، جلست معه في حديقة منزلهم.
قال لعمه:
أنا هاخد رحيل بكرة، بعد إذنك يا حاج سالم، تختار فرش البيت يا بكرا علشان الوقت ميسبقناش ونلحق نفرش البيت.
قال سالم بصوت سعيد من أجل ابنته وابن أخيه:
وماله يا حبيبي، افرش انت وهي البيت على ذوقها.
انصرف الجميع وتركوهما. نظر لها وتعلقت عيناه بها.
ابتسمت وقالت:
هتفضل باصص كتير؟
قال:
وله مش قادر أشيل عيني من عليك.
تورّد وجهها من الخجل، وسألته بجرأة:
ليه يا علي؟
قال بصوت عاشق:
أنتي حلوة أوي يا رحيل.
ضحكت على غزل زوجها البريء الذي أرضى غرور الأنثى داخلها.
قالت هي الأخرى:
وأنت كمان طالع حلو النهارده.
ستصيبه تلك الجميلة الشقية التي هدمت ثبات رجولته بسكتة قلبية. قال وهو غير مصدق من لسانه الذي ينطلق بحديث لم يتخيل أن يقوله لأنثى، ولكنها تختلف عن أي أنثى، إنها بريئة، شقية، حلوة.
قال وهو يقترب منها بحرقة:
بحبك يا رحيل، ومش قادر ما أعملش كدا.
وقبل أن تستوعب كلماته واعترافه الجميل، وجدته يتذوق شفتيها البتول بقبلة أطاحت بثباتها. أخذتها إلى عالم لم تخطو إليه، ولم تجرب تلك المشاعر التي داهمت حصونها. إنه ماكر هذا الشيخ.
ابتعد عنها لتلتقط أنفاسها.
قالت بصوت خجل:
آه يا قليل الأدب، وأنا اللي مفكرة إنك مؤدب.
فاق من نشوة تذوق شفتيها على حديثها الصادم.
قال:
مهلاً مهلاً، هل تزوجت رحيل قبله؟ لماذا كانت في قُبلتها تجهل فن التقبيل؟ وكأنها أولى قُبلاتها في الحياة.
ضحك بصخب وحاول أن يلحقها بعد أن دفعته وانطلقت داخل البيت.
قال بصوت منخفض:
استني يا مجنونة، هتفضحينا.
***
عادت اليوم إلى المشفى وتركت عزيز مع أمه بعد أن اطمأنت عليه، لتباشر المشفى فقد أهملتها في هذا الشهر.
هتفت سارة من خلفها:
دكتورة بلقيس.
التفتت لها وتوقفت وهي تبتسم لها بوجه بشوش:
أيوه يا سارة.
قالت بصوت متردد:
كنت...يعني...كنت...
قالت:
كنت عاوزة أسأل عن الأستاذ يوسف.
قالت بلقيس بإيجاز:
كويس.
سألتها مجددًا:
يعني بقى كويس؟
قالت بلقيس:
أيوه يا سارة.
أنهت بلقيس كلامها وانصرفت. فهي رغم كل شيء لا تحب الحديث عن يوسف، ولكنها تقبلته فقط من أجل عزيز.
وقفت سارة وهي تتذكر ذلك الشاب المحطم، وذلك الحديث المنتشر عنه في المشفى. هل حقًا كان شاب ظالم عديم الأخلاق كما يقول كل من في المشفى؟ أم أنه شاب حكمت عليه ظروف الحياة أن تحطمه برضاه التام، وبالتدليل الذي فاق الحدود ليجعله شخصًا أنانيًا فاشلًا؟
***
أنهى صلاته وجلس على سجادة الصلاة يناجي ربه ويتجاه أن يغفر له ويتوب عليه، وهو يبكي بندم. وجد من يطرق على بابه، ابتسم وعرف أنه يونس، ابن عمه، ذلك الشهم الذي لم يتخلى عنه أو يمل من زيارته كل يوم ليطمئن عليه ويحضر له طعامًا أعدته له زينب.
فتح له. قال يونس وهو يحتضنه:
عامل إيه النهارده يا يوسف؟
أجاب:
الحمد لله، تعب نفسك برضوا يا يونس، قولتلك أنا كويس، متتعبش نفسك كل يوم.
قال يونس وهو يبتسم له بود:
وأنا يا سيدي مش تعبان، أنت اللي تاعبني.
قال وهو يحاول أن يريح ابن عمه ذو الأخلاق العالية:
يا يونس يا حبيبي، والله أنا كويس، متتعبش نفسك وتيجي كل يوم.
قال يونس:
خلاص، عاوز راحتي.
قال يوسف:
يا ريت.
أجابه يونس:
تعالى عيش معانا وارحمني يا سيدي من المشورة.
قال يوسف بجدية:
أنا مش هرجع الفيلا تاني يا يونس، إلا زيارة لكم، أنا هعيش هنا.
قال يونس:
ليه كده يا يوسف؟ حد زعلك؟
أجابه بصدق:
بالعكس، أنت وعزيز طول عمركم بتخافوا عليا وعلى زعلي، وأنا دايماً اللي بزعلكم. عشان خاطري، كل ما بتعاملني كويس بشوف إن قد إيه كنت بني آدم قذر.
هتف يونس بمحبة حتى يرفع عن كاهله الشعور بالذنب:
متقولش كده يا حبيبي، أنت أخونا الصغير، وكل الناس بتغلط، المهم إنك فوقت ورجعت للطريق الصح.
أجابه يوسف والندم يأكله:
فوقت بعد إيه؟
قال يونس بجدية:
المهم إنك فوقت. ثم قال وهو يتذكر: فيه ممرضة بعتالك السلام.
خفق قلبه حين ذكرت سيرتها، فهو يعلم أنها تلك الجميلة البريئة سارة.
سأله وهو يدعي الجهالة:
مين؟
أجابه يونس وهو يغمز له بشقاوة:
سارة كانت بتسأل بلقيس عنك. إيه يا جو، ارحم يا عم، كل ما تدخل مكان تحطم قلوب العذارى كده.
ابتسم بمرارة وقال:
ما هي لو عرفت أنا عملت إيه، عمرها ما كانت هتسأل عليا.
قال يونس وهو يرتب على كتفه وينصرف:
هون على نفسك يا يوسف، أنت إنسان وكل إنسان خطاء، وخير الخطائين التوابين. أسيبك أنا، ومتنساش تكلم سارة تطمنها يا جو.
***
اتكأ عليها وهي تساعده في الوقوف على المشاية الكهربائية في العلاج الطبيعي.
قال وهو يدعي اللامبالاة:
متتعبيش نفسك، هقدر أقف لوحدي.
وقفت بجانبه وهي تبتسم له.
وقالت:
أنا بحب أسندك يا زيزو.
هتف بضيق:
والله إيه حكاية زيزو دي؟ اسمي عزيز.
قالت بمكر:
بدلعك يا روحي.
قال وهو يوقف المشاية الكهربائية وينزل ببطء من عليها:
مش عاوز دلع.
التصقت به وهو يسند يديه على يديها. إنها مهلكة، تلك الملكة المخادعة تغويه، وهو يحب أفعالها.
اقتربت منه وهي تدعي أنها تساعده، حتى سكنت بين أحضانه.
استنشق عبيرها المسكر.
قالت بلوعة:
بحبك يا عزيز، وتعبت من الخصام.
قال وهو يستند على عكازه بيد واليد الأخرى احتضنها بها:
وهو فين الخصام ده؟ حتى الخصام مش قادر أخاصمك ولا أبعد عنك.
انتشى قلبها لذلك الاعتراف المهيب من رجل تعلم أنه يحبها لحد النخاع.
نظرت له، ولكنها شعرت أن الأرض تميد بها. أسندت عليه.
هتف بخوف عندما لاحظ ترنحها ولونها الذي شحب في لحظة:
مالك يا حبيبتي؟
ولكنها انهارت وتسربت من بين يديه لتقع مغشية عليها أمامه، وهو عاجز أن ينحني ليحملها. صرخ بخوف:
آسيا! ماما! يونس! الحقوني!
رواية بلقيس و أنا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم هيام شطا
ضحك بصخب وهو يرفع يده ليدخل تلك الخصلة التي تمردت من تحت حجابها الذي زادها جمالاً وإشراقاً.
أبعدت يده وهي تهتف بغضب مصطنع: "على!"
قال بلهفة: "روح!"
قالت وهي تضحك: "احترم نفسك."
قال وهو يقترب منها: "وأنا عملت إيه؟ دا أنا بدخل شعرك تحت الحجاب."
هتفت بدلال وهي تخفي شعرها: "هدخله أنا، شيل إيدك، خليك مؤدب."
قال وهو يهمس لها: "الصبر يا رب، اليومين دول بس مؤدب، وبعد كدا..."
تساءلته بتوجس: "بعد كدا إيه؟ احترم نفسك."
ضحك ضحكته الرنانة التي تنير وجهه وقال وهو ما زال يقترب منها: "بعد كدا هكلك يا بطة."
دفعته من صدره وتسربت من بين يديه وهي تقول: "آه يا قليل الأدب، الـ شيخ الـ."
ضحك وهو يلحق بها وينادي عليها: "رحيل، تعالي هنا يا مجنونة، هتفضحين."
قالت بدلال: "مش جاية يا شيخ علي."
لقد تغير معها، أصبح عاشقاً لها، يتمنى وصالها. جعلها تعشق الحياة وتعشق نفسها، وتتداوى من ذلك المرض اللعين الذي ظنت يوماً أنها تحبه، ولكنه كان لها مثل الطفيل الذي يتغذى على حياتها. إنه حبها المريض ليوسف ابن خالتها، التي عرفت أنه لم يحبها يوماً، وهي أيضاً لم تحبه، بل تعلقت به بحكم العشرة. ولكن علي جعلها تحبه لأنه يغدقها بالحب دون مقابل. يحبها، واكتفى بها عن العالم كله.
انتهى من زيارة أبيه وخرج من المقابر، وقدمه تدفعه لكي يرى سارة، تلك الملاك التي اهتمت به في مرضه، وأيضاً بعد مرضه ظلت تسأل عليه وتتابع أخباره. لقد اشتاق لرؤيتها شوقاً جديداً عليه. شوق بلا رغبة مريضة في تملكها، كما كان يرغب في آسيا، وبعدها رحيل، وأي فتاة يراها. لقد كان مريضاً بمرض الرغبة في كل فتاة يراها. كان يظن أن كل فتاة يريدها سهلة المنال، إلى أن التقى بآسيا التي قلبت حياته رأساً على عقب، حتى رحيل تزوجها ولم يحصل عليها. بحمد الله أنها نجت منه ومن شره. يكفيه ذنب آسيا الذي يحمله على عاتقه. فهو وإن لم يفعل بها شيئاً، إلا أنه هو سبب ما حل بها.
وقف أمام مشفى بلقيس التي تعمل بها سارة، ولكنه لم يملك الجرأة ليدخل. فماذا يفعل هنا؟ وكيف سيسأل عنها؟ وبأي عين؟ فلابد أنها سألت عنه وعرفت من هو. أو حتى إن لم تسأل عنه ولم تعلم شيئاً، فلا يريد أن يشوه صورته في أعينها. لا يعلم لماذا تعلق بها، ولكن كل ما يعلمه أنه يخشى عليها من نفسه المريضة.
بعد أن دلف إلى المشفى، استدار ووضع نظارته الشمسية على وجهه وهم بالخروج، ولكنه وجد يداً تمسكه من كتفه وتجعله يفيق من شروده. وصوت ولا أجمل جعل كل حواسه تنتبه لها:
"أستاذ يوسف، ازيك؟ عامل إيه؟ حمد الله على سلامتك. أنا سألت عليك كتير."
إنها تلك البريئة الجميلة، سارة.
ثم أكملت حديثها بكل عفوية: "أنا نديت عليك دلوقتي، بس شكلك مش سامعني."
انتبه على حديثها. أيعقل أنه غرق في التفكير فيها؟
قال بصوت هادئ عكس نبضات قلبه التي تكاد تقفز من بين ضلوعه: "إزيك يا سارة؟ عاملة إيه؟"
أجابته بوجه بشوش وابتسامة جميلة: "أنا بخير، وانت إيه أخبارك؟"
"بخير الحمد لله."
سألته بفضول: "انت كنت جاي لحد هنا في المستشفى؟"
وتمنت أن يقول لها: "كنت جاي عشانك"، ولكنه خيب أملها وقال بصوت متلبك: "كنت... كنت... جاي للدكتورة بلقيس، بس مش مهم. آآمر عليها وقت تاني."
لاحت خيبة الأمل على وجهها، وهو علم أنه السبب فيها، ولكنه فضل جرحاً صغيراً لها الآن على أن تجرح الجرح الكبير فيما بعد. نظر لها بحزن، وهي رأت الحزن الساكن في عينيه.
قالت له بحنان: "الدكتورة بلقيس بقالها أسبوع مش بتيجي، بس كويس إنك جيت عشان أطمن عليك."
مد يده ليسلم عليها ويودعها. قالت له بنفس العفوية والبراءة: "لو خارج أنا كمان، الشفت بتاعي خلص وهروح، اتفضل أمشي معاك."
أومأ لها ومشى بجوارها إلى الخارج، ثم تركها وانصرف. استقل سيارته ومر بجوارها وهي ما زالت واقفة.
سألها وهو ينظر لها من داخل السيارة: "واقفة ليه يا سارة؟"
قالت بصراحة: "مستنية أي تاكسي."
"ممكن أوصلك."
أجابته بخجل: "مش عاوزة أعطلك."
"مفيش عطله ولا حاجة."
ابتسمت وهي تجلس بجواره.
قال وهو ينطلق: "هاي يا ستي، عنوانك إيه؟"
أملت له عنوانها وانطلق حتى وصل إلى عنوانها في حي بسيط ولكنه هادئ. قالت بعفوية وهي تغادر: "ممكن تليفونك؟"
نظر ببلاهة وهو يقول: "نعم."
ضحكت وقالت وهي تمد يدها تأخذ هاتفه من على تابلوه السيارة: "تليفونك يا أستاذ، أكتب لك رقمي وأرن على نفسي."
ابتسم وهو يومئ لها، وهو ما زال لا يعرف ماذا أصابه من تلك البريئة العفوية التي تصيبه بالبلاهة وعدم الاتزان.
قالت وهي تعطيه هاتفه مرة أخرى: "افتحه يا أستاذ."
أخذ الهاتف وفتحه. وأعطاه لها. أدخلت رقمها واتصلت عليها وأعطت له الهاتف مرة أخرى. ونظرت إلى هاتفها، ثم ضحكت وقالت بمرحها المعتاد: "كل دي ستات في رقمك؟"
قال وعلامات الدهشة على وجهه: "نعم."
ضحكت بحلاوة وقالت: "رقمك فيه أربع ستات."
انتبه على مزاحها وقال وهو يسايرها في الحديث: "مين مبحبش الستات؟"
ابتسمت بتكلف بعد أن تغير وجهها وقالت: "شكراً على التوصيلة يا أستاذ يوسف، وحمد الله على سلامتك مرة تانية."
دلفت إلى باب المبنى السكني التي تسكن فيه هي وأمها. فهي وحيدة لا تملك من الدنيا إلا أمها. أما أقاربها فلا تراهم إلا في المناسبات الضرورية. فقد اكتفت بأمها بعد وفاة أبيها وتحيا لها ومعه.
دلت إلى المنزل الهادئ. استقبلتها أمها ببسمة مشرقة.
"سارة يا حبيبتي، حمد الله على السلامة."
احتضنت أمها بمحبة وحنان.
"الله يسلمك يا ست الكل."
قالت لها سناء أمها: "ثواني وأجهز الغدا."
أومأت لامها وجلست تفكر في ذلك الشاب يوسف وتسأل نفسها سؤال واحد: هل ما قيل عنه في المشفى حقيقي؟ يبدو أنه حقيقي، وقد شعرت بصحته من مزحته الأخيرة معها. تتذكرها جيداً، تلك الكلمات التي أوضحت لها حقيقته: "...ومين ميحبش الستات."
جلست تتناول الطعام مع أمها. سألتها سناء بعد أن لاحظت شرودها: "مالك يا سارة يا حبيبتي؟"
أجابتها وهي تنتبه لها: "مفيش يا حبيبتي، أنا تمام."
"امال سرحانة في إيه؟"
قالت وهي تنهي طعامها وتتهرب من استجواب أمها: "مفيش يا حبيبتي، سلامتك. أنا بس تعبانه شوية، هقوم أصلي المغرب وأنام شوية."
أجابها سناء وهي تلاحظ شرودها: "ماشي يا روحي، نوم الهنا."
يدللها كأنها ابنته، يغدقها بحبه وعشقه، وكل أنَّها ملكة قلبه. احتضنها بحنان وهو يضع يده على بطنها ويمررها عليها بحنان.
سألته للمرة التي لم تعد تعلمها: "مبسوط بجد يا عزيز؟"
قال بههمهمة وهو يدفن وجهه في عنقها وهي تستند على صدره: "أنا مش مبسوط."
نظرت له بدهشة.
ابتسم وقال: "أنا حاسس إني قلبي هيقف من الفرحة."
قالت بدلال: "بعيد الشر عليك يا زيزو."
وقال وهو يدعي الجدية: "بلاش زيزو دي."
ضحكت بصوتها الرنان، فهي تعلم أنه لا يحبه.
"ليه بدلعك يا زيزو؟ حد يكره الدلع؟"
قال وهو يعقد جبهته بتفكير: "لأ، مش الموضوع كدا، بس زيزو دي بتضيع الهيبة."
"يعني عزيز التهامي بقى زيزو؟"
قالت وهي تنام على قدمه وتننظر لوجهه: "خلاص، نخلي زيزو هنا بس بينا، وبره الأوضة دي إنت عزيز التهامي."
قال وهو يضحك: "خلاص موافق."
تعجبت منه وسألته: "موافق كده يعني مفيش هيبة؟"
قال وهو ينظر لها ولجسدها نظرة منحرفة وغير بريئة: "هنا مفيش غير حب وحب و..." وهمس في أذنها بكلمات وقحة مثله، جعلتها تهتف بغضب وخجل: "عزيز احترم نفسك يا سافل."
ضحك بصخب وقال وهو ما زال يمزح معها: "بذمتك السفالة وحشة؟"
هتفت بخجل منه ومن أخلاقه المنحرفة: "وحشة، وابعد كدا، ومن بكرة هنزل الشغل."
قال بجدية وهو يمسك يدها لتجلس مرة أخرى: "مفيش شغل يا دكتورة، أول شهور زي ما الدكتور قال."
قالت وهي تنظر له بدهشة: "المستشفى لازم أروح أمر عليها كل يوم، آآآخد ساعة."
قال بحزم: "ولا نص ساعة."
سألته: "ومين هيديرها؟ يونس مش فاضي من المستشفى بتاعته، وكمان الشركة. وهنا كمان هو بيعمل كل حاجة في البيت وآسيا بتساعده. وبصراحة هبقى قليلة الذوق لو طلبت مني."
قال بعد برهة وقد أضاءت في عقله فكرة يخرج بها ابن عمه من محنته ويعيد له ثقته في نفسه ويجعله يعود للحياة مرة أخرى.
سألها بتوجس وهو ينتظر رد فعلها: "إيه رأيك لو خليت يوسف يدير المستشفى الشهرين دول؟"
نظرت له، والدهشة تتحدث على وجهها: "يوسف ابن عمك؟ إزاي تطلب الطلب ده مني؟"
قال وهو يجذبها إلى جواره مرة أخرى: "اهدّي بس يا حبيبتي واسمعيني، أنا طمعان في طيبة قلبك."
قالت له بانفعال: "عزيز، انت عارف إني مش بحب ابن عمك، ولولا اللي حصل معاه وخاطر ماما زينب، عمري ما كنت هقف جنبه. هو السبب في اللي حصل لآسيا. أنا بتعامل معاه في أضيق الحدود."
قال وهو يطمع في أخلاقها السمحة: "بلا يا حبيبتي، انتي سامحتيني، وكمان آسيا عايشة مع يونس وبخير وربنا عوضها، ويوسف خسر كل حاجة وتاب ورجع لطريق الحق. اديله فرصة يثبت لنفسه ولنا إنه اتغير."
صمتت ولم تتحدث، ويبدو أنها تفكر في حديثه.
سألته وهي تحاول أن تكبح غضبها: "وان خيب ظنك فيه ورجع تاني للي كان بيعمله؟"
قال بجدية حين لاح له أمل أنها ستعطي لابن عمه فرصة: "هعوضك عن أي خسارة في المستشفى، وهقطع علاقتي بيه أنا ويوسف."
"تمام، كلمة يفضل فيها شهرين، بس."
احتضنها بفرحة وقبلها من وجنتيها وهو يهتف بمرح: "تحيا أحلى بلا في الدنيا."
دلف إلى منزله، ألقى المفاتيح بغضب على تلك الطاولة الزجاجية. غضب من نفسه، وغضب وحزن على حزنها. لقد رأى الحزن في نظرتها له التي تغيرت مئة وثمانين درجة حين قال جملته التي اعتاد عليها، وكانت من عادته السيئة حين يذكر رقمه ويعلق أحدهم عليه، يقول هو بكل وقاحة: "مين مبحبش الستات". وقد زل لسانه بتلك الجملة أيضاً، ولكن كانت مع الشخص الخطأ. كانت مع البريئة سارة.
لماذا يشعر بكل ذلك الضيق في صدره؟ لابد أنه من أجلها. لا ينكر أنه رأى فيها براءة رحيل، وجمال آسيا. ولكنها تمتلك شيئاً آخر، هو جمال روحها، عفويتها الجميلة التي يكاد يجزم أنها هي وحدها من يمتلكها من بنات حواء.
صدح هاتفه باتصال. تناول الهاتف مسرعاً، ولكن آماله خابت. كان يظن أنها هي، ولكنه وجده عزيز ابن عمه الذي لا يمل هو ويونس من السؤال عنه، رغم بعده عنهم ورغم قساوته معهم لكي يبتعدوا عنه، إلا أنهم يثبتون له كل مرة أنه أكرم منه.
حمل الهاتف وأجاب عليه: "أيوا يا كينج."
ضحك عزيز وقال بجدية: "عامل إيه يا چو؟"
قال بيأس: "عايش."
قال عزيز: "محتاجك في خدمة يا چو."
قال يوسف بمحبة: "رقابتي يا عزيز."
قال عزيز وهو يدعي الجدية حتى لا يشعر يوسف أنه يطلب منه من باب الشفقة عليه، خصوصاً بعد أن رفض العمل بالشركة: "أولاً بارك لي."
قال بمرحه المعتاد: "ألف مبروك على إيه يا كينج؟"
قال عزيز بفرحة: "هبقى أب."
هتف بفرحة: "بجد؟ ألف ألف مبروك يا عزيز."
قال عزيز بمحبة: "الله يبارك فيك يا حبيبي. ثانياً الخدمة، إنك تدير المستشفى شهرين مكان مرات أخوك عشان الحمل."
قال يوسف: "طيب ما تخلي يونس."
أجابه بجدية: "خلاص، روح استلم أنت الشركة مكان يونس، وهو يدير المستشفى."
هتف بخوف مصطنع: "لأ يا عم، أنا لا قد الشركة ولا المستشفى، شوفوا حد غيري."
قال عزيز برجاء: "وانت قلت لك عشان خاطري."
أجابه بصدق: "خاطرك غالي عندي، وانت عارف إنك أخويا الكبير، بس أخاف مقدرش على المسؤولية دي."
قال عزيز وهو يشجعه: "دول شهرين بس، وتبقى خدمتني خدمة العمر."
أمام طلب عزيز، لم يستطع يوسف الرفض، وخاصة بعد ما فعلوه معه في محنته.
في اليوم التالي، استيقظ مبكراً واستعد لأول يوم عمل له في إدارة مشفى الحديدي. سيبذل قصارى جهده حتى لا يخيب ظن ابن عمه وزوجته.
دلف إلى مكتبه بعد أن رحب به الأطباء ومديرو الأقسام. وعلم كل من بالمشفى أنه بدأ العمل كمدير للمشفى إلى أن تعود الدكتورة بلقيس.
سألت سارة أحد زملائها لتتأكد من الخبر.
"أسامة، انتبه زميلك لها."
سألته وهي تمشي بجواره في أحد أروقة المشفى: "إيه، أيوا يا سارة؟ هي الإدارة اتغيرت ولا إيه؟"
أجابها بجدية: "أيوا، المدير بقى يوسف التهامي، ابن عم عزيز التهامي، جوز الدكتورة بلقيس."
أومأت له وانصرفت، فلن تشغل بالها بهذا اليوسف، ويكفي ما سمعته عنه أنه خطر.
أقيمت الأفراح في القرية، وليست أي أفراح. إنه زفاف شيخ القرية الخلوق على ابنة عمه عمدة البلد.
صاح سالم في منير: "وكل الناس وزيد الدبايح يا منير."
ابتسم منير بمحبة: "متقلقش يا حاج، الدبايح كتير والبلد كلها أكلت وخدت بيتها."
كاد قلبها يقف من الفرحة. فرحة تختلف عن التي عاشتها قبل ذلك في زواجها الأول. لقد أوهمت نفسها بالسعادة، ولكنها كانت تعاسة. نعم، لأنها لم تكن محاطة بكل هذا الحب والحنان من أهلها. لم نرى العشق يتحدث في عين يوسف كما يفعل علي.
فاقت من شرودها على صوت منى وهي تطلق الزغاريد وتحتضنها بحنان أمومي. هتفت بفرحة: "ما شاء الله، قمر يا حبيبتي."
قالت رحيل بخجل: "مرسي يا ماما."
نظرت لمنى وقالت بصدق: "تلك المشاعر التي تجعلها متوترة. أنا خايفة يا ماما."
ضحكت منى على براءة تلك الجميلة وقالت وهي تدللها: "خايفة من إيه؟ النهارده فرحك يا حبيبتي، افرحي وسيبى الباقي لربنا وعلى."
تورّد وجهها بالخجل من تلميح زوجة أبيها. هتفت بخجل: "ماما."
ضحكت منى وهي تقبلها وتقول: "طيب يلا استعدي، بابا هيطلع ياخدك."
وبعد لحظة، دلف إليها سالم وهو ينظر لها بحنان وفرحة. فأخيراً عادت ابنته إليه، وهو من سيزفها إلى زوجها. كم حمد الله على تدابيره وعودة صغيرته إلى أحضانه.
قال وعيناه تدمع: "مبروك يا حبيبتي."
رفعت رحيل يدها أزالت تلك الدموع وقالت بشقاوة حتى تغير هذا الحزن: "ليه الدموع دي يا حاج سالم؟ مش كنت عاوز تخلص مني؟"
احتضنها وقال بحنان: "إنتي الغالية، عمري ما أخلص منك أبداً. دي دموع الفرح يا حبيبتي."
وضع يده في يد رحيل وخرج بها ليتعالى صوت المزمار وتعلو الأغاني وهو يزفها لذلك العاشق الذي ينتظرها أسفل الدرج بكل شوق.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم هيام شطا
وضع يده في يد رحيل وخرج بها.
تعالى صوت المزمار وتعلو الأغاني وهو يزفها لذلك العاشق الذي ينتظرها أسفل الدرج بكل شوق.
كانت تهبط درجات السلم وقلبه يزيد خفقه مع كل خطوة تختطوها الجميلة إليه.
يكاد قلبه يقف من السعادة، هل تزف إليه حلمه الجميل الذي أصبح واقعًا؟
وصل سالم إليه، قال وهو يسلمها له:
"رحيل أغلى حاجة عندي يا علي، خد بالك منها."
قال بمشاعر فاض منها الحب:
"في قلبي وعنيا يا عمي."
أخذها من أبيها.
رفع طرحتها من على وجهها، وكانت خاطفة للأنفاس بجمالها الهادئ.
تلك الخمرية ستصيبه بسكتة قلبية.
قبلها في جبهتها، ولكنه أعاد طرحتها مرة أخرى على وجهها.
قالت وهي تتعجب من تصرفه:
"علي شيل الطرحة."
قال بصوت حازم غيور:
"لأ، محدش هيشوفك غيري."
ابتسمت بحلاوة ولم تعترض على كلامه، حتى غيرته التي لم ترها إلا الآن أحبتها، كما غرقت في حب ذلك الشيخ الذي بدل حياتها من الحزن إلى الفرح، من الخوف إلى الأمان، من الضياع أصبح لها أهل ووطن، وهو وطنها.
انتهى الزفاف الذي أصر سالم أن يكون في البلدة حتى يفرح معه كل أهل البلد.
وصلوا إلى بيت علي، الذي ما أن نزل من السيارة استدار وحمل رحيل بين يديه.
ودلف مع منى، ولكن سالم وإخواتها بقوا بالخارج.
وقفت تفرك يدها، وظهر التوتر على ملامحها.
سألتها منى:
"مالك يا رورو يا حبيبتي؟"
قالت بصوت متوتر:
"خايفة يا ماما."
لحظة، نظرت لها منى وسألتها بتوجس:
"خايفة من إيه يا حبيبتي؟ عادي خالص، متقلقيش من حاجة. واكيد علي مش هيبقى زي الزفت اللي كنتي متجوزاه قبل كدا."
صمتت رحيل ولم تجب على منى بما تجيبها، وكيف تخبرها أنها مازالت بكر لأن يوسف لم يلمسها، وحين أراد أن يلمسها، هي لم تخضع له.
قبلتها منى واحتضنتها بحنان أم، وتركتها بعد أن أوصتها على زوجها.
وكذلك فعل سالم وانصرفوا جميعًا.
لتظل رحيل تنتظر علي الذي جاء ووقف أمامها وحملها وهو يقول:
"مبروك يا أجمل وأحلى وأرق عروسة شوفتها في حياتي."
قالت بصوت خجول وهو يتركها بهدوء لتلامس قدميها الأرض:
"الله يبارك فيك يا علي."
جلست على حافة الفراش.
نظر لها وسألها حين لاحظ ارتباكها:
"مالك يا روحي؟"
قالت بإقرار واقع وصدق:
"خايفة."
اندهش من خوفها، لقد مرت بتلك التجربة من قبل، فلما هذا الخوف المبالغ؟ أم أن القذر الذي تزوجها قبله ترك لها ذكرى سيئة في تلك الليلة.
جلس بجوارها ومسك يدها، وجدها تكاد تتجمد من البرودة.
قال بصوت خائف:
"إيدك مالها يا رحيل؟ متلجة ليه؟"
قالت بصوت مرتبك:
"أنا لما بخاف إيدي بتسقع."
نحى رجولته جنبًا حين رأى هذا الخوف في عينها.
وسألها بحنان:
"رحيل يا حبيبتي، هسألك سؤال وتردي عليا بصراحة."
أومأت له بصدق.
قال وهو يستجمع شجاعته:
"الحيوان اللي اتجوزك قبلي عمل فيكِ حاجة يوم فرحكوا؟ خلاكي تخافي كدا من اليوم ده أو تخافي من أي علاقة بين اتنين متجوزين؟"
فركت يدها بتوتر زائد وقالت:
"هو... يعني... محصلش."
سألها ببلاهة:
"هو إيه اللي محصلش؟"
اشتعلت بخوف ونظرت له وقالت مجددًا:
"محصلش حاجة. يعني... محصلش بينا حاجة."
الآن استوعب علي حديثها.
تفهم خجلها منه.
الآن استوعب جهلها فن التقبيل وقت أن قبلها.
الآن استوعب أجمل مفاجأة.
ضحك ببلاهة وسألها وهو يمسكها من أكتافها:
"محصلش علاقة بينك وبينه؟"
أومأت بصمت وكادت أن تغرق في خجلها لولا تلك الصيحة التي صاحها علي بصوت عالٍ شق سكون الليل وهو يحتضنها ويصيح:
"بحبك!"
أنزلها وهو مازال يهتف بفرحة ويوزع قبلاته العاشقة على وجهها:
"بحبك يا رحيل، بعشقك."
وضعت يدها على فمه، وأخيرًا استجمعت نفسها وأوقفاته، وتوقفت سيل هذه المشاعر.
وقالت وهي توقفه:
"أهدى يا علي، الناس هتسمعنا."
ثم قالت كلمته التي كان يقولها لها كلما عبث معها:
"هتفضحنا يا مجنون."
أخيرًا هدأ واستجمع نفسه وقال:
"آسف يا حبيبتي، بس المفاجأة كانت... كانت..."
لم تسعفه الكلمات.
أخيرًا قال:
"كانت مفاجأة العمر يا كل عمري، وأحلى حاجة حصلت ليا في عمري."
مسك يدها وقال:
"قومي يلا."
هتفت بخوف وتوجس:
"على فين؟"
قال وهو يبتسم لها ابتسامة حنونة مطمئنة:
"هنغير هدومنا ونصلي، وبعد كدا..."
صاحت بخوف:
"بعد كدا إيه؟ أهدى يا شيخ علي."
غمز لها بوقاحة وقال:
"بعد كدا هاكلك يا بطة."
قالت وهي تبتعد عنه:
"علي أنا بخاف."
احتضنها بحنان وقال:
"لو خوفتي من الدنيا كلها يا رحيل، حضني آخر مكان ممكن تخافي فيه. أنا أفديك بروحي يا روح قلبي."
مال على ثغرها يقبلها قبلة تحمل كل معنى الحب، العشق، الشوق.
وقبلة أخرى على جبهتها تقول لها: اطمئني غاليتي، فأنا معك.
وقف في على باب أحد الغرف التي استمع فيها إلى صوت سارة أثناء مروره على قسم الأطفال.
وجدها تهتم بصغير تعرض لوعكة صحية وبعدها أجرى عملية استئصال للوز.
وجدها تعامل الطفل بكل حنان بعد أن فشلت أمه في إطعامه.
قالت وهي تحاول مع الطفل، والذي وللمصادفة الجميلة كان يحمل نفس اسمه:
"علشان خاطري يا يوسف يا حبيبي، معلقة شوربة كمان وخلاص كدا."
نظر لها الصغير بعينين جميلتين تنطق بالبراءة:
"آخر معلقة."
ابتسمت وهي تنهي طبق الشوربة بعد أن أطعمته للصغير:
"آخر معلقة يا حبيبي."
تناولها منها، ثم علقت له السيروم المغذي وقبلته على وجنته الشهية وهي تعبث في شعره وقالت بحنان:
"بحبك يا يوسف."
لماذا ارتجف قلبه حين قالت للصغير بحبك يا يوسف.
تراجع للخلف ورآها وهي تخرج من الغرفة.
ابتسم وقال لها:
"ازيك يا سارة."
نظرت له بنظرة جامدة ووجه جاد وقالت:
"الله يسلم حضرتك يا مستر يوسف. بعد إذن حضرتك."
مسك يدها بعفوية حين همت بالرحيل.
تركها مسرعًا حين نظرت له شرازا.
قال بأسف:
"آسف، مقصدش."
قالت بجمود:
"مفيش مشكلة."
قال لها وهو يتمنى ودها وأن يرى تلك البسمة البريئة تعلو وجهها مرة أخرى:
"مفيش مبروك؟"
قالت له:
"مبروك."
وانصرفت بكل هدوء.
تركته والدهشة تعلو وجهه.
ماذا فعل لها لتعامله بكل تلك الرسمية؟ منذ أسبوع كانت عفوية بريئة في تصرفاتها، الآن هي متحفظة تصد أي محاولة له ليتقرب إليها.
وجد قدمه تسوقه إليها ليلحق بها، فهو تعلق بها وحاول تجنبها وتجنب مقابلتها لمدة أسبوعين منذ أن تولى مسؤولية المشفى، ولكنه لم يستطع أن يبتعد عنها.
يريدها ويريد أن يستعيد تلك البراءة التي كانت تتحدث في وجهها واختفت بعد حديثه الأخير معها.
هتف حين وصل إليها بإلحاح:
"لو سمحتي يا سارة، ممكن أكلمك؟"
وقفت وقالت برسمية:
"تحت أمر حضرتك."
قال وهو ينظر حوله:
"مش هنا."
قالت بدهشة:
"نعم؟"
تدارك حديثه وقال:
"ممكن نقعد وقت البريك في جنينة المستشفى؟"
صمتت لحظة.
قال برجاء وإلحاح:
"لو سمحتي."
"هو وقت البريك."
ساومأت وانصرفت لتكمل عملها، بينما هو انتظر وقت الاستراحة بفارغ الصبر.
وقفت أمام المرآة تتحسس بطنها التي بدأت تستدير بحنان وكأنها تتحسس صغيرها.
تمنت أن يكون ذكر، ليس حبًا في الذكور ولكن عشقًا في أبيه الذي أغدقها بالحب، غمرها بالحنان، توجها على قلبه ملكة.
ملكت كل مشاعره.
تمنت أن يكون لها منه ابن ذكر يرث كل طباع أبيها، حتى وقاحته.
عشقتها.
احتضنها من الخلف وطبع قبلة حنونة على جيدها وهمس:
"الجميلة سرحانة في إيه؟"
قالت بصدق:
"في ابنك."
سايرها في الحديث:
"وابني عمل إيه علشان تسرحي فيه من دلوقتى؟"
قالت وهي تستدير له لتسكن بين أحضانه:
"نفسي في ولد ويبقى شبهك."
ضحك بحلاوة على أمنيتها وسألها بغرور مصطنع:
"يعني مش عاوزة بنوتة؟"
"اممممممم، نفسي طبعًا في بنوتة، بس بعد الولد."
همس وهو يشدد من احتضانها:
"أنا بقى نفسي في ملكة، وأسميها كدا على اسم ملكة زي الدكتور إبراهيم."
ضحكت بصوتها الرنان ونظرت له وهي تقول بمكر أنثوي:
"مفيش ملكة هنا غيري يا أستاذ."
أجابها وهو يجاريها:
"أكيد يا روحي، انتي ملكة قلبي، بس برضو هخلف ملكة وتبقى ملكة حياتي كلها."
هتفت بغيره مصطنعة:
"يا سلام يا أستاذ، بسرعة كدا هتبيع ملكة قلبك؟"
ثم دفعته بدلال وقالت:
"ابعد كدا، خلي بنتك تنفعك."
قبل أن تفلت من يديه، قبض على يدها لتعود مرة أخرى بين أحضانه.
قال بوقاحته التي تعشقها:
"على فين يا ملكة؟ أنا لسه مصبحتش عليك، وده لا يجوز في بروتوكول الملكة."
قالت بدلال:
"يا سلام."
قال بوقاحة وهو يحل عقدت روبها الحرير ويدفعه عنها وعيناه تلتهم قدها الذي امتلاء بشكل.
"معلوم يا ملكة، من قوانين الدلع للملكة، الملكة تسيب الملك يدلعها."
ضحكت بصوت أنثوي رنان وهو يدغدغ عنقها المرمرى بأسنانه.
حملها ووضعها على الفراش وقال بوقاحة:
"يا وعدي أمك راضية عنك يا عزيز يا تهامي."
انتهى الحديث حين التهم ثغرها وغرف في دلالها وعشقها الذي لن ينتهي ولن يمل منه أو يبتعد عنها.
جلس ينتظرها في حديقة المشفى.
لم يكن يومًا من يمتلك الصبر، ولكنه معها أعطاها صبر العالم كله.
منح لها كل كل العذر في تهربها منه، فهذا هو الموعد الذي لم يعد يعلم عدده.
فكل يوم يطلب منها أن تشاركه وقت الغداء منذ أن استلم إدارة المشفى منذ أربعة أشهر.
كل يوم ينتظرها وهي لا تأتي، وهو لا يمل من الطلب منها.
لا يمل من انتظارها.
واليوم أيضًا يشك هل ستأتي أم لا.
لمح طيفها من بعيد.
وقفت وقال بفرحة وهو يقابلها:
"سارة، أخيرًا جيتي."
جلست على تلك الأريكة التي تقع تحت تلك الشجرة المورقة.
قالت بوجه جامد خالٍ من المشاعر:
"خير يا أستاذ يوسف؟ كل يوم حضرتك بتلح عليا."
قال بصوت يبدو عليه الخجل من إلحاحه عليها:
"آسف يا سارة، أنا بس كنت عايز أوضحلك حاجة مهمة."
قالت بجدية:
"حاجة في الشغل؟"
أجابها بحرج:
"لأ، حاجة خاصة بينا."
وقفت لكى تنصرف وقالت بجمود:
"آسفة، مفيش حاجة بينا."
هتف برجاء:
"سارة، لو سمحتي اسمعيني مرة واحدة، وبعد كدا أوعدك لو طلبتي مني إنك متشوفيش تاني، صدقيني مش هظهر قدامك أبدًا."
أمام رجائه وإلحاحه ونظرة الرجاء في عينيه، جلست وهي مترددة.
قال بإمتنان:
"أولًا شكراً إنك هتسمعينى. ثانيًا أنا عارف إنك سمعتي عني كتير أوي وكله كلام ميطمنش، وأنا جاي أقولك الحقيقة."
قالت بسخرية:
"إيه؟ الناس بتفترى عليك؟"
أجابها بمنتهى الشجاعة والصراحة:
"لأ يا سارة، أنا زي ما سمعتي، ويمكن أفضع كمان. أنا يوسف التهامي اللي قبل ما يطلب الطلب كان بيتحقق، ومفيش بنت قدرت تعصى عليا، وبرضو مفيش حاجة كنت عاوزها مأخدتهاش، لحد ما قابلت بنت شبهك في عزة النفس والأخلاق. حاولت معاها بكل الطرق، مقدرتش آخدها، لحد ما خططت، ووقت التنفيذ جه شيطان أكبر مني هو اللي نفذ، وكان ده أكبر معروف عمله معايا. ضربني بالنار، بس في نفس الوقت دبح هو البنت."
قالت بصوت حزين:
"آسيا أخت الدكتورة؟"
أجابها والندم يعتصره:
"أيوا، ودي كانت أول حاجة تفرق معايا، وبعد كدا إنتي طبعًا عارفة كل حاجة، لحد ما إنتي شوفتي اللي حصلي."
ثم أضاف بصوت منكسر نادم:
"أنا ندمت وتوبت يا سارة، وطلبت السماح من أولاد عمي وفعلاً سامحوني، بس مقدرتش أطلب السماح من آسيا. أنا كنت ضايع يا سارة في دنيا ضلمة. أخيرًا ربنا رضى عني وبدأت أمشي في الطريق الصح. ربنا بيغفر، وأنا كل يوم بطلب منه الغفران."
قالت سارة بصوت مختنق بالدموع التي تجمعت في عينيها وخنقت صوته:
"ربنا كبير."
قال يوسف:
"ونعم بالله."
قالت بجمود جاهدت لكى تستجمعه:
"خلصت الحكاية؟"
قال بصوت راجٍ:
"لسه."
سألته بضجر:
"أنا همشي."
قال برجاء:
"شويه كمان."
ثم قال:
"أنا بقول لك كل حاجة عني يا سارة علشان إنتي الوحيدة اللي وقفتي جنبي في محنتي، بالرغم من كل اللي سمعتيه عني."
قالت بعملية:
"ده شغلي."
قال بصراحة زائدة وصوت واثق:
"سارة، أنا بحبك. يمكن مكونش الإنسان اللي تتمنيه أو تأمني على نفسك معاه، بس إنتي أكبر أمنية اتمنيتها وحلمت إنها تتحقق يا سارة."
هتفت وهي تحاول أن تهرب منه ومن تلك المشاعر التي داهمت قلبها منه ومن صراحته، إلا أنه قبل أن ترحل، ألقى عليها قنبلته الأخيرة:
"أنا عاوز أتجوزك يا سارة، وأخدك إنتي وماما سناء تعيشي معايا في بيتي."
انتفضت واقفة وقالت بصوت رغم قوته إلا أنه مرتعش:
"أستاذ يوسف، بعد إذنك، أنا سمعتك وطلبك مرفوض."
هتف خلفها بإصرار:
"وأنا مش همل من الطلب ده يا سارة."
بعد مرور سبعة أشهر.
مازال يوسف التهامي مدير المشفى الذي حقق فيه نجاحًا باهرًا، وافتتح لها أفرع أخرى في مصر.
أصبحت الأشهر والأجمل ذات الشهرة والسمعة الطيبة بذلك القسم الخيري.
وقف يتحدث في ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد افتتاح الفرع الجديد لمشفى الحديدي.
وقف بجواره عزيز ويونس يدعموه بكل فخر، فمنذ عام كان يوسف شخص فاشل، والآن هو من الأسماء الناجحة الذي يدعو للفخر بما حققه بفضل دعم أبناء عمه ومساندتهم له، وأولًا وأخيرًا هداية الله.
ليتحول الفشل إلى نجاح وفخر.
وقفت سارة تتابعه من بعيد.
نظراتها اليوم تختلف عن سابقاتها.
الآن هي تفخر به وبنجاحه.
وأيضًا تحاول أن تطمئن له.
وللحق، وهي تعترف، هو لم يخيفها في تلك الأشهر أو يضغط عليها، بل كان قمة في الاحترام معها في التعامل، ومع ذلك لم يمل من خطب ودها.
انتهى المؤتمر الصحفي وذهب مع أبناء عمه إلى مكتبه.
قال عزيز وهو يحتضنه بفخر:
"ألف مبروك يا يوسف، ما شاء الله عليك."
قال يوسف وهو أخيرًا حقق ما أراده، وهي نظرة الفخر في أعين أهله، كما كان يراها في أعين زينب حين ترى عزيز ويونس:
"لولاك يا عزيز إنت ويونس والدكتورة بلقيس، مكنتش بقيت كدا."
احتضنه يوسف وهو يقول بإقرار حق:
"ده نجاح إدارتك إنت يا حبيبي. ألف مبروك."
سأله يونس بمرح:
"أخبار سارة إيه؟"
أجابه بصوت حزين:
"زي ما هي."
ثم أضاف بصوت ملأه الحماس:
"بس أنا برضو مش هأأس."
استمع عزيز لصوته الحزين وقال وهو يمزح معه:
"طيب واللي يخطبها لك تعمله إيه؟"
هتف بفرحة:
"يا ريت يا عزيز، أنا بحبها."
قال عزيز وهو يمرح معه:
"أنا هقنعها."
صاح بفرحة:
"بجد يا عزيز؟"
قال بصوت واثق:
"أنا عزيز التهامي، يلا."
وقف خلف عزيز من بعيد يشير عليها.
قال بحماس طفل صغير:
"هي دي سارة يا عزيز."
قال عزيز بضجر فقد مل من إلحاح ابن عمه المتيم:
"يا ابني حل عني، والله عارفها."
أجابه يوسف وهو يهدئه:
"خلاص، خلاص، هسكت أهو، بس كلمها."
"بقى."
تركه وانصرف ليحدثها ويخلص منه.
كانت تنهي حديثها مع أحد زملائها ثم تركته وانصرفت.
هتف باسمها:
"آنسة سارة، لو سمحتي."
توقفت أمامه قالت بعملية:
"أيوا يا مستر عزيز."
سألها بتهذيب:
"ممكن خمس دقائق من وقتك؟"
أومأت له بابتسامة رقيقة:
"أكيد."
قال بعملية:
"اتفضلي على مكتبي."
دلف معه إلى مكتبه.
قال بجدية دون مراوغة:
"يوسف ابن عمي إنسان مهذب وناجح وعاوز يتجوزك. إيه رأيك؟"
دهشت من صراحة عزيز، ولكنها لن تكون أقل منه صراحة.
قالت:
"هو كلمني في الموضوع ده قبل كدا وعارف ردي."
سألها بصراحة:
"إنتي مش موافقة علشان اللي عرفتيه عنه قبل كدا؟"
قالت بصوت مهتز:
"ده مش سبب كافي إن إني أخاف منه وأرفض."
قال بجدية:
"أكيد سبب وسبب كافي كمان. بس يوسف صدقيني اتغير، وهو من جواه إنسان نضيف، كان بس محتاج حد يعرفه الطريق الصح."
"آنسة سارة، كلنا عندنا ذنوب وأخطاء، مش يوسف لوحده. واللي يقدر يقف ويعرف إنه غلط ويرجع من طريق الغلط ويعترف به ويحاول يصلح غلطه، ده إنسان شجاع، وده اللي يوسف عمله."
ثم تنهد وسألها بصوت هادئ:
"يبقى ليه منديلوش فرصة؟"
وقفت تفكر بكلام عزيز الذي وافق هوى قلبها، ولكن عقلها مازال قلق من ماضي يوسف.
ولكنها انساقست خلف قلبها الذي لم يرى منه منذ أن أخبرها بأنه يحبها وهي رفضته بمنتهى القسوة.
لم ترى منه إلا احترم رأيها، وأيضًا حبه لها الذي لا يمل من أن يظهره في أي موقف يجمعه بها.
قالت بصوت متردد:
"طيب وإن عمل حاجة تزعلني؟"
هتف عزيز بمرح حين لاح له أنها ستوافق على يوسف:
"أنا هاخد لك حقك وهكون دايما أخوكي الكبير. قولتي إيه يا سارة؟ نجيب الحاجة زينب ونيجي نقابل ماما الخميس الجاي؟"
قالت وحمرة الخجل تعلو تقاسيم وجهها:
"موافقة."
ثم انصرفت مسرعة ولم تلحظ ذلك المتيم الذي وقف ينتظر خروجها من عند عزيز على أحر من الجمر.
دلف إليه مسرعًا سأله بلهفة:
"عملت إيه يا عزيز؟"
نظر له عزيز بجدية مصطنعة وقال بعد لحظات:
"بغرور ذكوري لا يليق إلا بعزيز التهامي."
"خلاص يا ابني وافقت، هنزورهم يوم الخميس ونطلب إيده."
لم يصدق يوسف ما سمعه، وأخيرًا هب واقفًا يحتضن عزيز وهو يصرخ فرحًا:
"أخيرًا! ربنا يخليك ليا يا عزيز."
من فرحته التابعة من قلبه، بادله عزيز وقال بصوت ملأته السعادة:
"ألف مبروك يا حبيبي، عاوزك تحطها في عينيك."
هتف بفرحة:
"في عينيا وعلى راسي كمان."
مال عليها يقبل جبهتها بعد أن عاد من يوم عمل شاق.
قالت رحيل وهي تقف بوهن:
"خمس دقائق يا حبيبي هحضر الغدا."
أجابها علي بحنان:
"لأ يا روحي، شكلك تعبانة، أنا أكلت مع الحاج سالم وهاخدك ونروح للدكتور. بقالك كام يوم مش عجباني."
وقفت أمامه وقالت وهي تنظر له بحب:
"أنا روحت مع ماما منى للدكتور."
سألها بقلق وقال:
"عندك إيه يا حبيبتي؟ طمنيني."
قالت وهي تتابع وقع المفاجأة عليه:
"قال... اومأ لها يشجعها."
قال:
"إنك هتبقي أم بعد سبع شهور، مبروك يا حبيبي."
وقف ونظر لها ببلاهة سألها مرة أخرى:
"يعني إيه... أم إيه؟ مين الأب؟"
أخيرًا استوعب.
صاح وهو يحملها ويدور بها:
"أنا أب؟ إنتي حامل يا رحيل؟"
أومت وهي تبكي من الفرحة.
أنزلها ببطء وأخذ يقبل كل شبر في وجهها وهو يتمتم بكلامه المعسول العاشق لتلك السمراء التي خطفت قلبه منذ أن رآها وهي تدخل البلد في ظلام الليل تهرب من مصير مجهول لتنير حياته.
هو ينير ظلمة حياته.
لتبدأ قصة حبهما لا يوجد بها أنا أو هو، بل "أنا أحبها وهي تعشقني."
وقفت آسيا تعقد رابطة العنق ليونس الذي استغل قربها المهلك له واقتنص قبلة من طرف شفتها.
قالت بدلال:
"يونس اثبت بقى، مش عارفة أربط الكرافت."
قال بشقاوة وصوت منحرف:
"أنا بقول اعتذر ليوسف وعزيز وماما كفاية، واقعد هنا مع روح قلبي."
ضحكت بصخب على حديثه وقالت:
"يلا يا حبيبي وبلاش تتلكك، كلهم مستنينك تحت."
نظر لها وسألها برجاء:
"مش هتيجي معانا يا سو؟"
قالت:
"إنت عارف بلقيس تعبانة وعلى وش ولادة ومش هعرف أسيبها لوحدها."
لم يلح عليها في الطلب، فهو يعلم أنها لا تحب ابن عمه، ولكنها أقلمت حياتها على أن تتعامل معه في أضيق الحدود.
تركها تفعل ما تشاء، فهي أولًا وأخيرًا محقة.
طبع قبلة على خدها وقال وهو يهمس لها:
"دي تصبيرة على ما أرجع آخد منك حقي كله."
دفعته وهي تضحك بمرح:
"يلا يا مجنون، هو كل يوم؟"
احتضنها وهو يغادر وقال لها بحنان:
"الحب كل يوم وكل لحظة وكل ثانية، ومعاك العمر كله، وبرضو بتوحشيني يا أجمل آسيا في الدنيا."
قالت وهو يغادر:
"بحبك يا يونس."
قال عزيز بصوته الرخيم:
"يشرفنا يا حاجة سناء أننا نطالب إيد الآنسة سناء ليوسف أخويا."
قالت سناء بقرحة:
"موافقة يا ابني."
طبعًا بعد موافقة سارة.
هتفت زينب بفرحة:
"على خيرة الله، نقرأ الفاتحة."
قرأوا فاتحة الكتاب، ثم أطلقت زينب الزغاريد واحتضن عزيز ويونس يوسف وهنأوه.
وبعد قليل انصرف الجميع بعد أن اتفقوا على موعد الخطوبة.
جلس يوسف أمام سارة التي كانت خجولة جميلة في هذا الثوب الخاطف للأنفاس.
قال يوسف بصوت عاشق:
"مبروك يا حبيبتي."
نظرت سارة إلى الأرض، ازدادت حمرة وجهها.
قالت بصوت مرتعش، تحتمي في بعض الجدية من غزو هذا اليوسف لقلبه:
"من أولها كدا حبيبتي؟"
سألها يوسف الماكر بصوت ظهر فيه الحزن:
"بلاش حبيبتي، طب أقول إيه؟"
شعرت بتأنيب الضمير.
قالت بصوت حنون:
"قول سارة وكفاية."
هتف بمشاعر صادقة:
"بس أنا بحبك."
قالت له بنفس الصدق:
"وأنا محتاجة أطمن لك يا يوسف."
اخترقت كلماتها صدره.
قال بصوت حنون ووعد يأخذه على نفسه أمامها:
"وعد مني يا سارة، هشيلك في قلبي وعنيا، وعمر عيني ما تشوف غيرك، ولا قلبي يدق لغيرك. اطمئني يا حبيبتي."
قالت بصوت محشرج من المشاعر التي داهمته من وعده الصادق:
"طمنيني يا يوسف، خليني أثق فيك."
أجابها بصدق:
"حاضر يا حبيبتي."
كل منا داخله الأنا تتحكم فيه وفي كل أفعاله، وهو والظروف من يجعل الأنا بداخله تحمل طابع الخير أو الشر.
ولكن دوماً حافظوا على "أنا" الخير.
"أنا أفهمك."
"أنا معك."
"أنا أثق بك."
"أنا لن أتخلى عنك."
وأخيرًا "أنا أحبك."