تحميل رواية بلقيس وأنا بقلم هيام شطا pdf
بقلم هيام شطا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
والله لأتيء بك راكعة. قال له هاني صديقه بتعقل: اهدأ يا يوسف، أنت مش عارف دي بنت مين. قال وعيناه تنطق بالغضب: عارف، وتكون زي ما تكون، برضه هاخد اللي أنا عاوز أخده منها. وتبقى تشوف نفسها عليا بعد كده. يوسف خليل التهامي، ابن الأوحد لخليل التهامي، مدلل، في فمه ملعقة من ذهب كما يقولون، ولكنه منحرف عن طريق الأخلاق، مغرور، يلبّي له أبيه كل ما يطلب، وأيضًا يتستر ويداري كل مصائبه. دلف في ذلك الوقت يونس ابن عمه، طبيب شاب في الثلاثين من عمره. سأله بينما علت الدهشة وجهه من حالة ابن عمه الغاضب: مالك يا جو؟ م...
رواية بلقيس و أنا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هيام شطا
وقفت بشموخ بجانب ذلك الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه الدكتور إبراهيم الحديدي، والدها.
وقفت بأبهى صورها وكأنها ملكة متوجة، تعلو حولها همهمات الحاضرين وفلاشات الكاميرات تنير المؤتمر الصحفي المهيب.
مهيب في كل شيء، في الدعاية والصحافة، وأيضًا اسم الشريك الجديد عزيز التهامي، أشهر رجال الأعمال.
وقفت تحاور الصحافة وتجيب على كل الأسئلة بثقة مطلقة، وكأنها ملكة متوجة.
اتخذت من اسمها نصيبًا، إنها بلقيس الملكة.
وقف عزيز بجانبها، ترك لها دفة الحوار وكان يجيب بثقة مثلها.
ينظر لها اليوم نظرة مختلفة عن أي يوم.
نظرة فخر، إعجاب، وأيضًا غيرة.
نعم، غيرة.
رغم احتشام تلك البدلة النسائية التي ترتديها، رغم هدوء زينتها، رغم بساطة كل شيء بها، إلا أنها شهية كقطعة فاكهة، هي الأخيرة على وجه الأرض، يريد تذوقها، ولكنها محرمة عليه.
فهو منذ أن كان عند درة، وتهيأت له صورتها أمامه، وهي بطلة أحلامه وواقعه.
نفض كل تلك الأفكار المنحرفة عن رأسه عندما جاءه السؤال مباغتًا من أحد رجال الصحافة:
"مستر عزيز، رجل أعمال وحضرتك ناجح في مجال التجارة، إيه اللي يخليك تستثمر في مجال الطب، وخصوصًا أنه مش مجالك؟"
نظر له بكل ثقة وأجاب:
"والله السوق والتجارة علمتني أن ما فيش حاجة اسمها مجالي ومش مجالي، طالما أقدر أنجح في المجال ده، يبقى ليه لأ نجرب فيه؟"
سأله الصحفي مرة أخرى، ولكن هذه المرة بسماجة وتصميم على إغضابه وخروجه عن هيئته المرتبة المتزنة:
"وإيه اللي مخليك مطمئن إنك ممكن تنجح؟ وخصوصًا أن مجال الطب والأدوية معقد ومش زي مجال المال والأعمال. مش يمكن تخسر؟"
علت الهمهمات حولهم، ونظر لأعين بلقيس بجرأة، ومسك يدها أمام الجميع، وقال بعد أن أخذ نفسًا عميقًا ورسم البرود على وجهه الذي علتْه بسمة شريرة، وقال بثقة:
"أنا مطمئن إن فلوسي هتكسب الضعف، تلاتة، ويمكنك عشرة، علشان شريكي الدكتور إبراهيم، اسمه كفاية ونجاحه قبل كده وشهرته مش محتاجة كلام، وكلكم عارفينه. كمان بنته ومديرة المستشفى الدكتورة بلقيس، اسمها كفاية أنه يكون سبب نجاح أي مستشفى. أنا واثق فيها، وأنها هتكون بعد توفيق ربنا سبب في نجاح المستشفى ووقوفها تاني مرة كأشهر مستشفى في مصر والوطن العربي."
نظر للجميع وقال بثقة وهو يترك يد بلقيس ويدفع كرسي الدكتور إبراهيم للداخل:
"المؤتمر خلص، شكرًا لحضور الجميع."
***
وقفت في مكتبها تتأمل حديقة مشفاها، التي تحولت إلى البهجة والجمال، كحال المشفى.
وقفت وقد عصفت في رأسها الظنون مرة أخرى.
ترى لماذا أقبل على شركاتهم؟
ولكنها نفضت أي ظنون عندما رأت ضحكة أبيها وآسيا، وأيضًا يونس، الذي أصبح كالعلكة الملتصقة بأختها منذ أن وافقت عليه.
تساءلت مرة أخرى:
"أهو ساحر؟"
"لقد حول كل شيء حولها إلى النقيض."
"خسارة أبيها حولها مكسب واستثمار قوي."
"انهيار عائلتها أصبح نجاحًا."
"حزن أختها وضياعها أصبحت مشرقة تتفتح مثل براعم، عادت للحياة."
ابتسمت وقالت بصوتها الجميل، وهي لا تعي لمن خلفها، الذي دلف منذ قليل ووقف صامتًا يتأمل شرودها:
"ساحر... وكأنه مسك عصاية الساحر وحول كل حاجة في لحظة."
ثم ابتسمت بجمال حين تحدث خلفها بصوته الأثر، وهو يسألها:
"مين؟"
التفتت له وما زالت بسمتها على وجهها.
لم تتفاجأ أنه خلفها، ولم تسأله كيف دلف، وكأنها حفظت تلك العادة عنده، يدخل مكتبها دون استئذان.
سألها مرة أخرى، ولكن هذه المرة يبدو الإلحاح في صوته:
"هو مين؟"
قالت بمراوغة:
"هو مين إيه؟"
قال لها مباشرة دون مراوغة:
"هو مين الساحر؟ يهمك تعرف؟"
سألته وما زالت تراوغه في الحديث:
"أكيد."
أجابها بإصرار هذه المرة:
"أنا يا عزيز."
نظر لها هذه المرة، ولم يكن وجهه صفحة خالية التعبير كما هو حاله معها، ولكنه كان به لمعة جديدة عليه، احتلت سواد ليل عينيه.
قال بصدق:
"أنا ما عملتش حاجة أستاهل عليها كلامك ده."
قالت بصوت ملأه الامتنان:
"إزاي تقول كده؟ أنت دخلت حياتي غيرتها 180 درجة، من الحزن للفرح، من اليأس مليتها أمل، من الخراب اللي كان مالي حياتنا والمستشفى للنجاح والافتتاح العالمي ده، ولسه بتقول ما عملتش."
ثم نظرت له بعينيها الساحرة وقالت:
"أنت فعلًا ساحر."
ضحك بخفة وهو يتقدم ناحيتها، وانتهز لحظة كلامها الصريح وأيضًا الجميل وعفويتها بالحديث، وسألها بمكر:
"ده على كده أنا فعلًا ساحر؟ طيب مسحرتش حاجة تانية؟"
نظرت له ببلاهة، والآن فقط وعَت على حديثها العفوي، الذي كان مجرد امتنان لما فعله معها ومع عائلتها.
قالت بتلبك بعد أن زادت خفقات قلبها من قربه المهلك لها:
"حاجة تاااااانية إيه؟"
أجابها بقليل من المرح وهو يشبع عينيه بهيئتها الخجولة، وكأنها ابنة السابعة عشر، ولم تمر بتجربة زواج أو أصبحت على مشارف الثلاثين:
"حاجة تانية سحرتها وأنا مش واخد بالي، بما إني ساحر."
خفضت عينيها بعد أن كادت وجنتيها أن تنفجر من الدماء المندفعة إليها، وقالت وهي ترجع وتجلس على مقعدها:
"لأ، مفيش."
سألها والعبث في عينيه:
"متأكد؟"
وقبل أن يسترسل في حديثه، علت صوت الطرقات على باب المكتب، ودلف يونس وقال بلهفة:
"عزيز، أنت هنا؟"
"وأنا بدور عليك."
التفت له وسأله بنفس صوته المرح:
"خير يا دكتور يونس؟"
قال يونس بلهفة وفرح:
"مش هنتفق مع دكتور إبراهيم ولا إيه؟"
قال عزيز بمحبة تفيض لأخيه:
"طبعًا يا حبيبي هنتفق. يلا اسبقني وأنا جاي وراك."
أخذ منه موعدًا غدًا، "نقرأ الفاتحة ونتفق على معاد الخطوبة والفرح."
قالت آسيا باعتراض:
"فرح إيه يا عزيز؟ إحنا متفقين خطوبة بس علشان الحالة النفسية لآسيا."
أجابها عزيز بعد أن أشار ليونس أن يسبقه:
"حالة نفسية إيه يا دكتورة؟ أكيد ويونس معاها هيراعي ده كويس."
ثم اقترب مرة أخرى منها وقال بمزاح:
"هو أنا ما قولتش لك؟"
سألته باهتمام:
"قولت لي إيه؟"
أجابها بصوت جاد ولكنه يمازحها:
"أصل يونس هو كمان ساحر."
نظرت له وتصنعت الدهشة وهي تقول:
"بجد؟ هو كمان ساحر؟"
سايرها في مرحها الذي بدأه هو، وقال وهو يهمس بجانب أذنها:
"أيوه، أصلها وراثة في عيلتنا."
ثم نظر لها وغمز بعينيه بشقاوة وهو يتركها ويغادر، ولم يغادر وحده، بل سرق منها دقة من دقات قلبها، الذي تعالى بقربه، وكأنه بالفعل ساحر.
***
عادوا سويًا بعد انتهاء حفل الاحتفال، وبعد أن اتفقوا مع الدكتور إبراهيم على موعد زيارتهم غدًا لإتمام خطبة يونس وآسيا.
سأل عزيز يونس:
"هتيجي معايا نقول للحاجة مرة تانية؟"
قال يونس وهو يظهر عليه علامات التردد:
"أنا خايف من رد فعل ماما، يا عزيز. أنت شفتها آخر مرة عملت إيه."
"يعني هتروح تخطب من غيرها يا يونس؟ أنت شايف إيه؟"
قال عزيز بعقلانية:
"أنا شايف إننا لازم نقول لها ونقنعها يا يونس. ماما هي اللي لنا في الدنيا."
هتف يونس باعتراض:
"أيوه، أمي هشيلها فوق راسي وأتحايل عليها كمان، إنما يا عزيز أنا مش هاخد عمك معايا ولا هاخد رأيه في حاجة. كفاية إن اللي حصل لآسيا، ابنه، كان سببه."
هدأ عزيز من سرعة سيارته ونظر لأخيه وقال له بجدية:
"أهدى يا يونس، أنا بكلمك في إيه وأنت قلبت على إيه. مش هاخد حد منهم أصلًا. الموضوع حساس، وأكيد زيارة عمك مش مرحب بها عند عيلة الدكتور إبراهيم. أنا كلامي عن أمنا، لازم نقنعها تيجي معانا."
قال يونس بينما هدأ من حديث أخيه:
"خلاص، يلا نروح لها وربنا يقدم اللي فيه الخير."
***
وقف خلفها يتأملها وهي تمشط شعرها الفاحم.
أخذ منها فرشاة الشعر وأكمل هو تمشيط شعرها.
قال وهو يستنشق شعرها بعبيره المسكر:
"أنتِ حلوة أوي يا رحيل."
نزلت كلماته على قلبها، وكأنها مطر على صحراء اشتاقت للمطر الذي بدأ في الهطول بعد سنين عجاف.
نظرت له بعينيها البريئة وسألته:
"بجد يا يوسف، أنت شايفني جميلة؟"
أجابها بوله وهو يقترب منها، يمنى نفسه بقبلة يشبع بها شوقه لها:
"أنتِ أجمل واحدة شافتها عيني."
ولكنها ابتعدت عنه بعد أن كاد ينال مراده، وقالت وهي تفرك يدها بخجل:
"يوسف، أنا خايفة."
تراجع للخف وقال وهو يحك رقبته من الخلف:
"ولا يهمك، لسه العمر قدامنا."
سألته وهي تترجى منه جوابًا يطمئن قلبها ويريح عقلها وينزع منه الشكوك:
"أنا إيه بالنسبة لك يا يوسف؟"
أجابها بعد لحظة من التردد، فهو ما زال متخبط في المشاعر، لم يستقر على أرض ثابتة:
"أنتِ مراتي وبنت خالتي."
لم يقل أهم شيء: "أنتِ حبيبتي." لم ينطق بها، ولكنه محق، وأيضًا صادق، فهو لم يخدعها، بل طلب منها أن تتحمله حتى يصبح إنسانًا جديدًا.
نظر لخيبة الأمل المرتسمة في عينيها، وقال وهو مشفق عليها:
"أنا عارف إنك مظلومة معايا، بس أنا بحاول أتغير، اصبري عليا."
أجابته بمحبة:
"وأنا صابرة يا يوسف، بس أوعدني ما تجرحش قلبي تاني."
قال بصدق:
"عمري ما هجرحك تاني."
ثم مال عليها وطبع قبلة حنونة على وجنتيها، وقال لها وهو يبتسم:
"هشرب سيجارة في البلكونة وأجيلك."
أومأت له بهدوء، بينما هو خرج للشرفة ورأسه بها ألف سؤال وسؤال.
هل يستطيع الحفاظ على وعده لها؟
هل يستطيع أن ينسى آسيا التي أرادها وبشدة، ولكن فقدها للأبد بسبب غبائه وسوء تخطيطه وصديقه الندل الذي اختفى؟ ولكنه لن يتركه.
قال بينه وبين نفسه:
"هلقيك يا هاني، وهشرب من دمك."
وفي نفس الوقت، دلف عزيز بسيارته إلى حديقة البيت.
نزل منها والضحكة تعلو وجهه، وأيضًا نزل يونس.
ما أن رآهم يوسف حتى غلت نار الحقد في قلبه.
فعزيز أخبار تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي، وهو كما يقولون (ترند)، بما فعله مع عائلة الدكتور إبراهيم الحديدي، وكيف استطاع هو ويونس في سبعة أشهر أن ينسوا الناس ما حدث، وكل ما يتحدث عنه الآن هي تلك الصفقة العظيمة التي أصبحت حديث الجميع، وأيضًا الحديث الذي ظهر على حياء من ارتباط آسيا بيونس التهامي.
عندما دلفوا إلى البيت، غلت نيران الكره والحقد في قلبه.
فكيف ليونس أن يأخذ ما هو حقه؟
نسي كل شيء، نسي وعده منذ قليل مع رحيل.
كل ما حركه هو الانتقام من أبناء عمه.
فكيف يصبح وحده شرير الرواية؟ سيكونوا كلهم، وإلا لن تكون هناك رواية.
خرج والغضب يحمله ويعمي عينيه.
وقبل أن يكمل السلم، وجد زينب تقول بإصرار:
"برضوا مصمم يا يونس؟ أنا قلت لك ألف مرة أنا مش موافقة. البنت دي مش شبهنا ولا إحنا شبهها."
قال يونس وهو يحاول أن يسيطر على غضبه:
"إيه يا أمي مخلياكي تقولي كده؟ والله آسيا إنسانة جميلة ومن عيلة ومظلومة."
قالت زينب بغضب:
"لو كانت زي ما بتقول كده، إيه وداها شقة عمك مع شاب غريب؟"
قال يونس بانفعال:
"ابن عمي وصاحبي. ضحكوا عليها ولقوها متخدرة."
قالت بإصرار:
"لأ يا يونس، مش هي دي اللي أأمن عليك معاها."
نزلت كلماته زينب على أذن يوسف، الذي ما زال يسترق السمع، وكأنها طبول الفرح.
نزل بكل هدوء وابتسامة شامته تعلو وجهه، وقال وما زالت نظرته الشامتة تعلو وجهه:
"وخلاص يا دكتور، اسمع كلام ماما زينب واصرف نظر عن جوازة العار دي."
سمع يونس تلك الكلمات التي نزلت عليه وكأنها حمم بركانية.
هدر في يوسف باحتدام وهو يتجه له:
"احترم نفسك يا زفت ومتدخلش في الموضوع ده."
مسك عزيز أخيه ونظر إلى يوسف وقال له:
"اطلع أوضتك يا يوسف، ملكش دعوة بالموضوع ده."
"وإن ما طلعتش؟"
قال يونس والغضب مشتعل في صوته:
"هكسرك وأطلعك على كرسي."
جلس يوسف في المقعد المواجه لزوجة عمه وقال بإستفزاز:
"مش طالع، واللي انت قادر عليه اعمله."
ثم أكمل كلامه بحقد وغل:
"وبعدين يا دكتور يونس، أنت من امتى وأنت بتحب آسيا وعاوزها؟ آسيا دي تخصني."
لم يتمالك يونس نفسه من الغضب، نفض يد عزيز عنه ولكم يوسف لكمة طرحته أرضًا.
صاح بغضب:
"آسيا متخصكش، آسيا خطيبتي وكلها أيام وهتبقى مراتي."
مسك عزيز يونس يبعده عن يوسف، بينما زينب صرخت في ابنها:
"يونس، أنت اتجننت؟"
ثم نظرت ليوسف وقالت بغضب:
"اخرس يا يوسف، أنت متجوز."
"مُتَجَوِّز جوازة مصلحة، أطلع بيها من القضية، إنما أنا بحب آسيا وعملت فيها كده علشان أكسر عينها وأتجوزها وترضى بيا."
لحظة صمت غلفت المكان، بينما يوسف بكل غباء ألقى الحقيقة كاملة أمام يونس وعزيز، وأيضًا زينب، التي انهارت على مقعدها.
وحقيقة واحدة علمتها: إذن هو الذئب وآسيا هي الضحية.
وأخيرًا، علت شهقة شقت السكون، خرجت من قلب رحيل قبل فمها.
ونزلت بملابسها البيتية ونظرت ليوسف والدموع تنزل من عينيها.
قالت بصوت مذبوح:
"طلقني وانهي جوازة المصلحة."
ثم انطلقت خارج البيت، لا ترى أمامها إلا صورة أبيها وهو يحذرها، وكلمة واحدة تتردد في أذنها:
"هتندمي، وبكرة هترجعي."
كان خليل عائدًا إلى البيت، وجد رحيل تجري وكأنها تهرب من سجن بملابس البيت، مجرد بيجامة نوم محتشمة.
جرى خلفها ينادي عليها:
"رحيل، رايحة فين؟ رحيل."
ولكن لا حياة لمن تنادي.
أسرعت في جريها، غابت عنه في أول الشارع.
علم أن خطاه الثقيلة لن تواكب جريها، عاد ليأخذ سيارته، وجد ابنه يجرى مقابله.
سأله بلهفة:
"مشفتش رحيل يا بابا؟"
قال بغضب:
"عملت إيه يا متخلف؟"
صاح يوسف وهو يستغيث به:
"مش وقته، شوفتها."
قال بغضب في آخر الشارع:
"خد العربية والحقها."
عاد إلى السيارة لكي يلحق بها.
أوقفت رحيل سيارة أجرة، وقف لها ذلك الرجل الأشيب الذي تعاطف مع هيئتها المبعثرة.
قالت برجاء:
"لو سمحت وصلني العنوان اللي هقول لحضرتك عليه، وهديك اللي انت عاوزه."
فتح لها ذلك الرجل الباب وقال:
"أنتِ بخير يا بنتي؟"
قالت ودموعها ما زالت تنهمر:
"بخير، بس لو سمحت اطلع بسرعة."
لم ينتظر الرجل كلمة منها أخرى وانطلق بها.
رأت سيارة خليل مقابلة عليهم، نزلت برأسها إلى المقعد لتختبئ من يوسف ولا يراها.
كل ما تريده الآن أن ترتمي في حضن أبيها، ولا تريد غيره.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هيام شطا
انطلق السائق برحيل وهو يشق بسيارته سكون الليل إلى أن وصل إلى تلك القرية الساكنة.
نظرت رحيل حولها تحاول أن تتذكر أين منزل أبيها، وكيف لها أن تتذكر وهي لم تأتِ هنا إلا مرات معدودة. المنازل ليست بكثيرة لأنهم ما زالوا في أول القرية.
سألها السائق:
"هي دي البلد يا بنتي؟"
قالت وهي تنظر حولها:
"أيوه هي، معلش يا سطا ادخل في البلد شوية."
توغل السائق في عمق القرية الهادئة الغارقة في الظلام، لم تتعرف على مكان منزل أبيها.
سأله السائق مرة أخرى:
"ما فيش معاكي تليفون أو فاكرة رقم حد من أهلك يا بنتي؟"
قالت وهي تنظر إلى المنازل حولها بيأس، فهي لم تحضر أي شيء من بيت خليل سوى ملابسها التي تسترها فقط:
"لاء مفيش معايا."
ثم أكمل السائق طريقه وسألها مرة أخرى:
"إيه يا بنتي معرفتيش البيت؟"
قالت وعيناها تبحث وذاكرتها تحاول أن تتذكر مكان منزل أبيها:
"أصلي بقالي سنين كتير مجتش هنا."
سألها السائق بعد أن بحث معها في القرية عن منزل أبيها:
"ها يا بنتي معرفتيش البيت؟"
أجابته بيأس وعيناها ما زالت تسكنها الدموع:
"لاء."
قال لها بصوت حنون:
"طيب يا بنتي أهدي، إحنا هنروح عند المسجد اللي في أول البلد والفجر لسه عنه أقل من ساعة، أكيد الناس بدأت تروح المسجد تصلي، نروح نسأل هناك."
وكأنها أهدى لها طوق النجاة، قالت بلهفة:
"عندك حق يا عمو، أكيد أهل البلد عارفين بابا هو العمده."
نظر السائق لها مرة أخرى ولهيئتها المشعثة، وتعجب ولكنه لم يسألها، ولكن ألف سؤال وسؤال دار في رأسه. أي أب هذا الذي لا تعلم ابنته عنه شيء أو عن بيته؟
وقف أمام المسجد ينتظر أي شخص يمر إلى المسجد. بعد وقت قليل وجد شخصًا يقترب من المسجد يفتحه.
صاح السائق بلهفة:
"لو سمحت يا شيخنا."
وقف الشخص واقترب منه السائق الطيب. سأله بسماحة وجه عندما اقترب منه وجده شابًا ويبدو أنه في الثلاثينات من عمره:
"لو سمحت يا ابني."
أجابه الشاب:
"اؤمرني."
قال السائق:
"الأمر لله وحده يا ابني، فيه واحدة معايا بتدور على بيت أهلها، مش عارفة توصله."
نظر له الشيخ وسأله:
"أهلها من البلد؟"
قال السائق بتأكيد:
"أيوا يا ابني، هي عارفة البلد بس نسيت البيت."
سأله مرة أخرى:
"أهلها مين؟"
خرجت رأسها من السيارة وقالت بلهفة:
"الحاج سالم عمدة البلد."
صعق الشاب قال والدهشة تعلو وجهه:
"رحيل بنت عمي." هتف السائق بفرحة:
"تعرف أهلها يا ابني؟"
قال:
"أيوا يا حاج، دي بنت عمي."
نظرت له وهى تفتح باب السيارة وتقول ودموعها تغرق وجهها:
"وأخيرًا وجدت من سيوصلها لبر الأمان، لو سمحت وصلني بيت بابا."
ثم نظرت إلى خاتم زواجها باهظ الثمن وخلعته من يدها ودفعته في يد السائق وقالت وهى تشكره بامتنان:
"تفضل يا سطا، ده بيعه وهيجيب لك أجرتك وزيادة."
نظر السائق إلى الخاتم وقال بسماحة:
"خلي خاتمك معاك يا بنتي."
ثم هم لينصرف، ولكن الشاب كان له رأي آخر. قال:
"والله ما ينفع تمشي يا سطا، أنت كتر خيرك جبت بنت عمي، لازم تيجي معانا تاخد واجبك."
امتنع السائق بتهذيب، ولكن الشاب أصر. قال وهو يجلس بجوار السائق:
"أنا . علي سعيد عمران، ابن عم الحاج سالم عمران، وفي مقام ابن عم مدام رحيل. اتفضل معايا وكتر ألف خيرك على اللي عملته معاها."
ثم نظر إلى هيئتها. لم يتحدث معها. خلع عنه عباءته التي كان يرتديها وعطاها لها. وقال بتهذيب:
"البسي دي."
..........
جاب شوارع القاهرة كلها يبحث عنها، وكأنها كما يقولون فص ملح وذاب. لم يجد لها أي أثر. عاد إلى أبيه مرة أخرى مع بداية شروق الشمس. وجد أبيه يجلس في وسط بهو البيت واضعًا وجهه بين يديه، وألف سيناريو وسيناريو يكتبون في رأسه. لقد رأى رحيل تهرب من ابنه وكأنها تخرج من الجحيم. وجد يونس وعزيز وأيضًا زينب مجتمعون.
سألهم بلهفة:
"فيه إيه يا زينب؟"
لم تجبه، بل نظرت له باشمئزاز وتركته وغادرت.
وقف عزيز أمامه بعد أن تركهم يونس وانصرف هو الآخر دون أن يجيب بكلمة. بينما عزيز نظر له وقال وهو يعنى كل كلمة:
"يوسف هدم المعبد اللي بقالك سنين بتبنيه فوق دماغه، والمرة دي مفيش كدبة تقدر تصلح بيها عمايل ابنك. حاسب يا ... عمي."
أضاف آخر كلماته باست هزاء قاتل. علم خليل أن ابنه قد فعل فعلًا أهوج جديد. وقبل أن ينصرف عزيز، جذب خليل يده وقال هو أيضًا:
"المعبد لو اتهد هيبقى فوق دماغنا كلنا يا عزيز."
نفض عزيز يد عمه وقال وهو يغادر:
"كل واحد يشيل شيلته يا خليل بيه."
بعدها بثلاث ساعات، دلف يوسف وهو فاقد الأمل. نظر إليه خليل وسأله:
"فين مراتك؟"
قال:
"ملقتهاش."
وقف أمامه وصاح بغضب:
"ملقتهاش ولا ضيعتها بغبائك! عملت إيه يا يوسف؟"
قال يوسف وهو يدعي اللامبالاة:
"مأعملتش حاجة."
هدر خليل وقد عمى الغضب عينيه:
"مأعملتش! أمال لو كنت عملت كانت هتموت نفسها؟"
قال يوسف وهو يدير له ظهره:
"كدا أحسن لها. رحيل حد نضيف، أنت ليه مصمم توسخها معانا. سيبها في حالها."
صاح خليل:
"أنت رايح فين؟"
لم يجب يوسف عليه، بينما قلبه يحترق من الخوف على رحيل. يريد أن يجدها يطمئن عليها وأيضًا يعطيها حريتها، فهي ثوب نظيف لم يدنس، بينما هو تدنس بكل المعاصي.
صاح خليل مرة أخرى:
"رد عليا رايح فين وسايب مراتك."
قال يوسف لكي ينتهي من أبيه:
"هغير وأروح للحاج سالم، أكيد رحيل هناك."
بلهفة سأله خليل:
"عرفت منين؟"
قال يوسف بإقرار حقيقة:
"ملهاش غير أبوها تروح له، خلاص يا بابا المسرحية خلصت وكل واحد أولى باللي له."
دلف علي مع السائق إلى حديقة بيت العمدة سالم عمران.
وقفت خلف علي عندما تقدم أمامها وقال للسائق:
"ثواني يا سطا، اسم الكريم إيه؟"
قال:
"فوزي يا ابني."
قال علي:
"ثواني يا عم فوزي وراجع لك."
قال السائق بتهذيب:
"لاء يا ابني، أنا كدا وصلت الأمانة وسيبني أرجع لأولادي الله يرضى عليك."
لم يعارضه علي. أخرج من جيبه رزمة مالية ودفعها في يد السائق.
قال السائق وهو يعيد له المال مرة أخرى:
"ده كتير يا ابني."
قال علي وهي يعيد إليه المال مرة أخرى:
"مفيش حاجة كتير عليك يا راجل يا طيب، أنت كتر ألف خيرك."
أجابه فوزي وهو يودعه:
"أنا معملتش حاجة."
قال علي وهو يغلق باب السيارة:
"انت حميت بنت عمي، والله أعلم كان هيحصل لها إيه لولاك."
ودعه وانطلق السائق ليعود.
أما علي، فلتلك التي التفت في عباءته، لم تتحدث بكلمة، لكن شهقات بكائها ما زالت تتحدث. تقدم أمامها وطرق باب منزل عمه عدة مرات. فتح له شاب في العشرين من عمره.
سأله بلهفة:
"شيخ علي، خير يا رب، حصل حاجة؟"
قال علي للشاب:
"كل خير يا مراد، نادى لعمي سالم."
قال مراد:
"طيب اتفضل."
دلف علي ووراه رحيل وهي ما زالت تنظر إلى الأرض.
سأله مراد بقلق:
"مين دي يا علي؟"
قال علي باقتضاب:
"نادي بس لأبوك يا مراد."
ذهب وعاد بعد لحظات:
"بيصلي الفجر وجاي."
نزلت زوجة أبيها مهرولة عندما أخبرها مراد أن هناك امرأة بصحبة الشيخ علي.
سألته بلهفة:
"فيه إيه يا علي ومين دي اللي معاك؟"
تنحى علي جانبًا، بينما ما زالت رحيل تنظر إلى الأرض.
هتفت منى بخوف:
"مين دي يا علي؟"
اقتربت إلى رحيل. قال علي بعد صمت طويل:
"دي رحيل بنت عمي سالم."
اندفعت منى بقلب لهيف إلى رحيل ورفعت وجهها، وجدتها تبكي ملتحفة بتلك العباءة ومبعثرة الهيئة. احتضنتها منى بحنان وهي تسأله:
"رحيل يا حبيبتي، إيه حصل؟"
لم تجب عليها، بينما وجدت أباها ينزل درجات السلم الخشبي هرولة وهو يهتف بخوف:
"رحيل بنتي."
احتضنها بشوق وقلبه يكاد يقف من الخوف عليها. لا يدري ما حدث لها ولا ما الذي أوصلها لتلك الحالة، وكيف استطاعت أن تصل له، وما الذي جمعها بعلي ابن ابن عمه.
وقبل أن يسألها، قال علي بتعقل:
"معلش يا أم مراد، خدي رحيل تغير هدومها وترتاح شوية، وبعد كدا اقعد معاها يا عمي، تكون ارتاحت هي برضه جايه من سفر."
قالت منى بمحبة وهي تسند رحيل:
"تعالي يا حبيتي."
أخذتها وانصرفت. أما علي فحكى لعمه كل شيء.
سأله سالم بخوف:
"يعني مش عارف حصل لها إيه؟"
أجابه بصدق:
"لاء يا عمي، وياريت سيبها ترتاح، وبكرا أسألها وأعرف منها كل حاجة."
ثم قام لينصرف. أوقفه سالم وقال له:
"مش عارف أشكرك إزاي يا علي."
أجابه علي بتهذيب:
"أنا معملتش حاجة يا عمي، دي أختي الصغيرة."
تركه وانصرف، ولكن الأسئلة تنخر في عقل سالم، بينما هزمه الخوف على ابنته وصعد ليطمئن عليها.
..........
جاء الصباح وانتصف النهار وأوشك على الانتهاء، وهي ما زالت نائمة وكأنها لم تنعم بالنوم طيلة عمرها. استيقظت على صوت حنون ينادي عليها:
"رحيل."
فتحت عيناها وجدت أباها ينظر لها بحنان وهو يقول:
"اصحي يا حبيبتي، كل ده نوم."
اعتدلت في جلستها وقالت لأبيها:
"صباح الخير يا بابا."
قال لها بحنان:
"مساء الخير يا حبيبتي."
علت وهي متفاجئة:
"إحنا إمتى؟"
قال بمحبة وهو يجلس بجوارها:
"المغرب يا حبيبتي."
قالت والدهشة تعلو وجهها:
"ياه، أنا نمت كتير."
قال:
"نوم الهنا يا روحي، يلا علشان تتغدي معانا أنا وأخواتك، دي منى عملالك أكل هتاكلي صوابعك وراه."
قامت وهى تعتدل في وقفتها وترتدي إحدى ملابس منى، تلك السيدة الحنونة التي غمرتها بالحنان حين كانت معها تبدل لها ملابسها وتهتم بها وهي مدمرة من تلك الحقيقة العارية التي ألقاها يوسف أمامها، أنها مجرد ستارة يحمي بها نفسه من التورط في قضية اغتصاب ابنة الدكتور إبراهيم.
نزلت مع أبيها وجدت طاولة الطعام ممتلئة بكل ما لذ وطاب، ووجدت ثلاث شباب وذلك المدعو علي الذي قابلته أمس، وأيضًا تلك الحنونة زوجة أبيها.
التي هتفت بمحبة وفرحة:
"البيت نور يا حبيبتي، والدار بقى فيها قمر ينورها."
قالت بخجل:
"مرسي يا طنط."
أجابتها منى بحنان:
"طنط إيه يا روحي، أنا ماما منى، وأنتي بنتي الكبيرة زيك زي أخواتك."
قال سالم وهو يجلسها على الطاولة:
"ده مراد أخوك، أصغر منك بتلت سنين، عنده عشرين سنة. وده هشام أخوك، عنده سبعتاشر سنة. وده محمود أخوك الصغير، آخر العنقود، عنده خمستاشر سنة."
ثم أشار لعلى وقال وهو يقف بجانب ابن أخيه بفخر:
"وده ابن عمك الكبير علي."
أومأت له ببسمة ممتنة، ولكنها لم تنظر له أو تبتسم كما فعلت، ويبدو أنه صامت لا يتحدث مع أحد.
..........
سأل يونس أمه برجاء قبل أن يتركها:
"يعني مصممة على رأيك يا ماما؟"
قالت زينب:
"روح يا حبيبي للناس، وإن شاء الله ربنا يقدم لك اللي فيه الخير."
قال عزيز:
"الخير هيبقى معانا يا أمي لو كملتي فرحة يونس."
قالت زينب بمهادنة:
"هكمل إن شاء الله يا حبيبي."
ثم دفعتهم للخارج وقالت بمرح:
"يلا قبل العروسة ما ترجع في كلامها."
ذهبوا دون أمهم، ولكن قلب يونس اطمأن أن أمه ستفكر في أمر آسيا من جديد، فهي لم تعترض أو تمنعه، وهذه إشارة خير كما يقولون.
..........
وقفت أمام المرآة تضع لها أخصائية التجميل آخر لمساتها على وجهها البهي.
قالت بلقيس وهي تقترب منها:
"إيه الجمال ده يا سو؟ قمر يا روح قلبي."
سألتها آسيا بفرحة:
"بجد يا بلا؟ أنا حلوة؟"
قالت بلقيس بحنان:
"أجمل عروسة في الدنيا يا روح قلبي."
نظرت لنفسها مرة أخرى وصممت أن تأخذ حظها من السعادة من الدنيا. وطالما هناك من يقف أمامها ويعطي لها السعادة بطيب خاطر، فلماذا تعترض هي؟ فتأخذها وتعيشها معه وتحاول أن تحبه كما يخبرها هو أنه أحبها وتعلق قلبه بها. لن تهدم حياتها بسبب ذنب هي لم تقترفه. يكفيها يونس وحنانه من الدنيا.
قالت بلقيس وهي تقف في شرفة المنزل:
"الجماعة وصلوا يا سو، هنزل أقبلهم مع بابا وماما."
أومأت لها آسيا بفرحة تنطق في عيناها. نزلت بلقيس لترحب بهم. وجدت عزيز ويونس يقفون بصحبة أبيها وأمها.
قالت بفرحة:
"نورت يا عريس، اتفضلوا."
دلفوا معها إلى الداخل وجلسوا في بهو البيت، وأخذوا يتحدثون بفرحة وود. اقترب عزيز منها وهمس لها بخفة:
"عقبالك يا دكتورة."
نظرت له وقد تلون وجهها بالاحمرار، لا تعلم لماذا يصيبها الخجل حين يتحدث معها ذلك الغامض.
بعد قليل، دلفت آسيا وهي تحمل أكواب العصير ويداها ترتعش. أخذها منها يونس وقال بمرح:
"هاتي يا سو بدل ما نغرق كلنا."
ضحك الجميع وبدأوا في الحديث الجاد. طلب عزيز يد آسيا لأخيه بكل فخر. وقبل أن يكملوا الاتفاق، علا جرس الباب وبعدها بقليل دلفت زينب ومعها شخص آخر.
وقف عزيز وقال بفرحة:
"الحاجة زينب."
قالت زينب التي حضرت لكي تتم فرحة ابنها:
"ألف مبروك يا حبيبي."
رحبت بها آمال زوجة الدكتور إبراهيم وبلقيس وأخيرًا آسيا. احتضنتها بمحبة وقالت:
"عروستك زي القمر يا يونس."
ثم أكملت بفرحة وهي تحتضن ابنها:
"إيه رأيك يا دكتور إبراهيم؟ نعلي الجواب ونكتب الكتاب."
علت الدهشة وجوه الجميع من دخول تلك الأم سمحة الملامح، دخولها المفاجئ وأيضًا طلبها المفاجئ للجميع. بينما فكرة زينب، تلك الأم، في طريقة مثالية لتعْتَذِر لابنها وتلك الفتاة المظلومة، ولم تجد أجمل من تلك الفكرة لتسعد قلب ابنها وتعتذر اعتذارًا مبطنًا لتلك الجميلة التي ظلمتها كما ظلمها الجميع.
سألها عزيز بدهشة وهو يهمس لها:
"خير يا زوزة، إيه الرضا ده؟"
قالت بفرحة:
"عاوزة أفرح بكم يا حبيبي."
ثم سألت الدكتور إبراهيم:
"قولت إيه يا دكتور؟"
أجابها إبراهيم وهو يكاد لا يصدق السعادة التي يعيشها بعد دخول تلك العائلة إلى حياته:
"موافق طبعًا يا حاجة زينب."
أطلقت الزغاريد وقالت بفرحة:
"وأنا جبت المأذون معايا."
نظرت بلقيس بدهشة لتلك السيدة التي رغم هدوء وجهها، إلا أنها علمت الآن أن عزيز ورث منها الطاقة الإيجابية التي يسعد بها من حوله. اقتربت منه وقالت وهي تهمس له:
"أنا عرفت أنت ورثت السحر من مين."
قال لها بلهو وهو ينظر لجمالها:
"قولتلك كلنا سحرة، مكنتش مصدقة."
رفعت يدها أمامه وهي تنظر للمأذون الذي بدأ في إجراءات عقد القران وقالت:
"دلوقتي أنا آمنت إنكم طالعين للحاجة زينب."
قال عزيز بطريقته السوقية:
"حاجة فاخر من الآخر."
ضحكت على مزاحه السوقي واكتمل عقد القران وما زال يونس وعزيز لم يستوعبوا ما فعلته أمهم.
"مبارك الله لكم وبارك عليكم."
هكذا انتهى عقد القران لتصبح آسيا زوجة يونس بفضل أمها. اقترب منها يونس واحتضن رأسها بين يديه وقبل جبهتها وقال بصوت يقطر حنانًا:
"مبروك يا سو."
ارتعشت آسيا من قربه وأنفاثه التي لفحت وجهها ووصلت رجفتها إليه، وهي تجيب:
"الله يبب..ارك فيك."
شعر برجفتها ولكنه تغاضى عنها حتى لا تتعكر فرحته.
علت المباركات حولهم وأصبح المكان مليئًا بالفرحة من أفعال تلك الأم الحنونة التي أعطت لتلك المظلومة فرصة لكي تحيا مرة أخرى.
علا صوت هاتف عزيز. قال بتهذيب:
"بعد إذنكم."
خرج ليجيب على أحد رجاله. قال باقتضاب:
"فيه إيه يا منير؟"
قال الرجل:
"عرفنا مين اللي ضرب عليك نار يا ملك."
قال عزيز بجدية:
"هات الكلب، وأنا مسافة السكة وهبقى عندك."
انتهى البارت. دمتم بخير.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هيام شطا
استأذن بكل تهذيب من الدكتور إبراهيم ليخرج، وأخيرًا سيعرف عدوه.
هتفت بلقيس من خلفه وهو يخرج مسرعًا:
"عزيز، فيه إيه؟"
التفت لها وقد عادت صفحة وجهه مبهمة لا تستشف منها شيئًا.
سألته بلهفة:
"فيه إيه يا دكتورة؟"
قال بصوت بارد:
"مفيش يا دكتورة، حصل حاجة في الشغل ولازم أنا أكون هنا."
سألته والقلق مرسوم على وجهها:
"خير يعني، ولا مشكلة؟"
لمس اهتمامها قلبه، قال بصوت حنون حتى لا يزيد التوتر لديها:
"خير يا دكتورة، أمور الشغل مش بتخلص، بعد إذنك."
تركها وانصرف، وعاد الغضب الذي كبحه في صدره ليظهر مرة أخرى وهو يجرى تلك المكالمة.
"أيوا يا فكري."
"الكلب ده فين؟"
"في مخازن الصحراوي يا ملك."
"محدش يقرب له، أنا اللي أه-ما أوصل."
"تمام يا ملك."
................................
انتهى الطعام وجلست رحيل مع والدها وأخواتها، وأيضًا ذلك الغامض الذي تحاشى النظر إليه.
بعد قليل، قال سالم لها:
"تعالي يا رحيل."
وقفت مع والدها وذهبت معه بعد أن استأذن من علي.
"بعد إذنك يا علي يا ابني، طبعًا البيت بيتك."
وقف على بتهذيب واستأذن هو الآخر.
"أنا كمان بعد إذنك يا حاج سالم، أنا كمان يا دوب الحق المغرب في المسجد."
تركهم وانصرف، بينما جلست رحيل مع والدها.
قالت منى بطيبة:
"خلصي يا حبيبتي مع بابا كلام وتعالي شوفي الحاجات اللي بابا بعت اشتراها لك."
أومأت رحيل بهدوء وبسمة مشرقة، وكأنها كانت في قفص من ذهب خُيّل لها أنه حياتها، بينما هو سجانها.
سألها سالم، وأخيرًا ظهرت علامات القلق التي تنهش قلبه وعقله منذ الأمس، ولكنه أخفاها داخله، ولكنه الآن نفذ صبره وظهر قلقه في سؤاله.
"رحيل، حصل إيه يا حبيبتي؟ واحكي كل حاجة مهما كانت صعبة عليك أو عليا."
أومأت رحيل بهدوء واستدعت كل ثباتها الانفعالي، وبدأت تقص على أبيها كل شيء منذ ذلك الحادث المشؤوم الذي دمر حياة آسيا وحياتها. كلتا الفتاتين تدمرت حياتهما، إحداهما أحبته بكل جوارحها ليجرحها هو بكل دم بارد، والآخرى لم يستطع الحصول عليها ليحيك لها المؤامرات هو وصديقه الخائن لينتهك حرمة جسدها وينتهك عرضها وشرفها، فقط لأنه أرادها ولم يستطع الحصول عليها.
انتهت من حديثها وقد اختلطت دموعها مع صوتها وهي تنهي حديثها بقهر، بينما تتذكر صوت يوسف وهو يروي وبمنتهى التبجح أنه من خطط وفعل فعلته القذرة في تلك الفتاة البريئة، وكانت هي السيف الذي قتل تلك الفتاة الذي قضى عليها بشهادتها معه وتبرئته من جريمته.
ربت سالم على كتف رحيل بحنان وقال لها:
"خلاص يا حبيبتي، الكابوس خلص، وأنتِ بقيتِ في حضني."
نظرت لأبيها بأعين ملأها الندم وقالت وغصة مريرة في حلقها:
"أنا آسفة يا بابا إني مسمعتش كلامك."
قال لها بحنان حتى يريح قلبها من ألم الشعور بالذنب:
"خلاص يا حبيبتي، المهم إنك معايا وفي حضني."
سألته بصوت منكسر:
"هتعمل إيه يا بابا؟"
أجابها بحزم:
"هعمل اللي أعمله، ملكش دعوة بالموضوع ده."
قالت بصوت حزين:
"طلقني منه يا بابا."
أجابها بحنان:
"حاضر يا حبيبتي، بس قومي شوفي منى بعتت اشترت لك لبس وحاجات حلوة كتير، يلا بقى غيري هدومك واقعدي مع أخواتك واعرفيهم يا حبيبتي، أخواتك وكل البلد هتلاقيهم بيحبوك."
قالت وقد بدأ الحزن ينقشع عن عينيها:
"حاضر يا بابا."
................................
وقف أمامه بطوله المديد، بينما الآخر المقيد يرتعد خوفًا من المصير المجهول الذي ينتظره.
سأله عزيز بدون مراوغة:
"مين دفع لك عشان تقتلني يا راجح؟"
ابتلع راجح بخوف وهو معصب العينين، ولكنه يعرف صاحب الصوت كما يعرف نفسه، أنه عزيز التهامي أو الملك كما يلقبه تجار السلاح والعملة، فهو ملكهم رغم صغر سنه، لما يتفوق به عليهم من أشياء كثيرة.
جادته أكثر من لغة، معرفته الممتازة بأمور الحاسب والبرمجة، وأيضًا ذكائه الحاد الذي يستطيع به أن يدخل كل الشحنات دون أن يعلم بها الأمن، علاقته الممتازة مع رجال المافيا.
كل هذا جعله الملك وبجدارة، وأيضًا نجاحه في مصر وأنه أشهر رجل أعمال لا توجد عليه شائبة بأعماله.
أعاد عزيز السؤال مرة أخرى على راجح، ولكن تلك المرة بصوت كاد يشتعل من الغضب:
"مين اللي أجرك تقتلني يا راجح؟ من غير لف ودوران، عشان اللي هتشوفه على إيدي قليل عن اللي بتفكر فيه."
ارتعدت فرائس راجح.
ماذا يفعل؟
تمسك بثباته الواهي وقال بثبات ظاهري:
"عيب يا عزيز، طول عمرنا بنشتغل مع بعض، وأنت كبير سوق السلاح، محدش أصلًا يقدر يقف قصادك أو يفكر."
وقبل أن يتم راجح حديثه، هدر عزيز بغضب وهو يجذبه من مقدمة ثيابه:
"وحياة أمك انت هتشتغلني يالا، انطق مين دفع لك."
قال وشفتيه ترتعشان:
"محدش، ومش أنا، معملتش حاجة، أكيد أنت فاهم غلط."
صاح عزيز بصوت جهوري:
"فكري!"
أتى إليه فكري في لحظة.
قال بأمر:
"هات الكلب التاني."
وما هي إلا لحظة ودلف فكري يجر خلفه أحد الرجال الذين اتفقوا مع راجح وخليل على سرقة صفقة السلاح من عزيز، والذي استطاع أن يتعرف على راجح بعد أن رآه في إحدى المرات وهو يتفق مع من دفع لهم مقابل تخليص تلك العملية.
كان الاتفاق على أن يقضوا على رجال عزيز ويسرقوا شحنة السلاح، لكي ينشغل عزيز في البحث عن من فعل ذلك وتجرأ على الملك، لكي ينسى أمر شراكته مع الدكتور إبراهيم. ولكن راجح خالف الاتفاق، وكان يريد قتل عزيز لكي يعتلي هو عرش تجارة السلاح، ويصبح من السهل عليه إقناع خليل الذي أصبح يكره أفعال ابن أخيه ويرى أنه أصبح خطر عليهم، يقنعه بالتخلص منه.
دلف فكري بعد قليل يجر خلفه الرجل الوحيد الذي استطاع رجال عزيز من القبض عليه، وهو من تعرف على راجح.
سأله عزيز وهو يقف بجوار راجح بصوت يشبه الفحيح:
"الباشا اللي اتفق مع الراجل بتاعكم على العملية، يالا."
نظر هذا الشخص بتأمل وهو يرتعد إلى وجه راجح وهتف وكأنه نجى بحياته:
"هو ده يا باشا."
صاح راجح بخوف:
"هو مين ده يا زفت أنت؟ أنا معرفكش."
صاح الرجل بخوف وهو ينظر إلى عزيز:
"والله هو يا باشا، وكمان كان بيقول للراجل اللي قبضنا..."
"مش عاوز راجل فيهم يعرف التاني، ولا حد يعرفني، ولا حد يعرفك."
صرخ راجح بزعر:
"ده مجنون، وأنا هعمل كدا ليه؟"
تعالى صوت راجح وصوت الرجل الثاني.
زمجر عزيز بغضب:
"اخرسوا أنتم الاتنين."
"فكري..."
"أوامرك يا باشا."
قال عزيز والغضب كاد أن يشتعل من عينيه:
"خد الراجل ده من إدامي."
أخذه فكري، وبقي عزيز وراجح في الغرفة.
أغلق عزيز عينيه بصعوبة لكي يسيطر على طاقة الشر التي تولدت لديه من غضبه.
قال بهدوء ظاهري لراجح الذي وقف كالفأر الذي وقع في المصيدة:
"ها يا راجح، هتقول بالذوق ولا أخلص عليك؟"
قال راجح بشفاه مرتعشة:
"صدقني يا عزيز، مش أنا."
أخرج عزيز سلاحه من خصره ووجهه لوجه راجح وقال ببرود:
"هعد لغاية تلاتة، يا تقول مين اتفق معاك، يا نترحم على نفسك من دلوقتي."
"واحد..."
"اتنين..."
وقبل أن ينطق الثالثة، صرخ راجح وهو يجثو أمام قدمي عزيز:
"هقولك بس أبوس إيدك، احميني."
هدر عزيز بغضب:
"اخلص."
"عمك، عمك يا ملك، هو اللي خطط لكل ده."
نزلت كلمات راجح المسمومة على عزيز كأنها قنبلة فجرت كل حب عزيز لعمه خليل، وأيضًا قضت عليه تلك الكلمات، ولكن الشك ساوره مرة أخرى.
نعم، هو على خلاف مع عمه، ولكن ليس لدرجة القتل. والحق أن عزيز على حق، عمه لم يكن يريد قتله، ولكن بعد تلك الأفكار الشيطانية التي غرسها راجح في عقله، أراد قتله. ولكنه لم يبوح به عندما أحس أن عزيز يخرج من تحت سيطرته ويتسرب من بين يديه ويفقد شغف حب المال، ليجد شغفًا آخر يسيطر عليه، شغف عائلة إبراهيم الحديدي، أو بالمعنى الأدق، تلك الطبيبة التي تسحبه إلى بحورها دون أن يعلم.
هدر عزيز مرة أخرى وهو يضرب راجح في وجهه، يطرحه أرضًا:
"اخرس يا كلب، عمي استحالة يفكر كدا."
ثم مسكه وأنهال عليه باللكمات في وجهه.
كاد راجح أن يفقد حياته، وكان عليه أن ينقذ حياته بمعلومة تقنعه أنه عمه من أراد قتله.
وقف عزيز واعتدل ومسك سلاحه مرة أخرى لكي يطلق النار على راجح، لينتهي تلك المهزلة، فعمه مهما حدث لن يفكر حتى مجرد تفكير في ذلك الأمر. إلا أن راجح صرخ بخوف:
"عمك عارف إنك بتحب الدكتورة بنت إبراهيم الحديدي، وأمرني أسرق الشحنة وأخلص عليك عشان عرف إنك كدا بقيت خطر عليه لو قلبك حب حد وبقى عندك نقطة ضعف."
وكأنها كلمات فعلت به مفعول السحر.
كيف علم عمه أنه يحب بلقيس؟ وهل يحبها فعلاً؟ وعمه علم ما يخفيه هو عن نفسه؟ وكيف سيصبح خطرًا على عمه؟ نعم، هو كره طريق الحرام ومقته، ويرى في جمال وصفاء عينيها لذة وحلاوة طريق الحلال، وهذا ما شعر به خليل وحذره أكثر من مرة من هذا الأمر.
صاح عزيز بغضب:
"فكري."
"أوامرك يا باشا."
"خلي الكلب ده تحت عينك، لو هرب منك، روحك قصاده."
حسنًا، الآن استطاع راجح أن يأخذ نفسه، فهو قد نجى الآن، ولكن عليه أن يهرب من هنا، فعزيز لم يعد يؤمن بغدره بعد كل ما حدث.
***
يومان وهو مختفي بعد أن استأذن من حفل عقد قرانه.
يومان لم يحدثها.
يومان لم يأتِ إلى المشفى.
يومان تريد أن تتحدث معه، تطمئن عليه.
ما هذا الأمر الطارئ؟
دلف في ذلك الوقت يونس، وهي غارقة في تفكيرها.
هتف يونس بنفاذ صبر، بعد أن نادى عليها عدة مرات ولم تجب:
"بلا، دكتورة بلقيس."
أخيرًا انتبهت وقالت بصوت مشتت:
"خير يا يونس، عامل دوشة ليه؟"
قال بصوت مصارح مرح:
"أنا عامل دوشة، ولا أنتِ اللي مش معايا؟ يا بلا، اللي واخد عقلك."
قالت بجدية مصطنعة حتى لا ينكشف أمرها:
"المستشفى طبعًا، فيه إيه يا يونس؟"
قال وهو ينظر لحدتها التي تحول لها الحديث:
"فيه إيه يا بلقيس؟ أنا بهزر."
قالت بخجل من هجومها غير المبرر على يونس:
"معلش يا يونس، أنا بس مضغوطة اليومين دول في المستشفى وأنا لوحدي فيها والشغل كتير والمدير مختفي."
هنا وضع يونس يده على السبب، فهي غاضبة بسبب غياب أخيه غير المبرر.
ترى هل احتل أخيه تفكير تلك الجميلة؟ حدث نفسه: ولما لا، فهو وسيم حد الهلاك.
قال بمكر وهو يدعي البراءة:
"آه فعلاً الشغل كتير عليك، وأخويا ده مستهتر، أنا لازم أقوله."
سألته والفضول يكاد يقتلها:
"هو فين؟"
قال يونس وهو يبتسم:
"مش عارف، بس أكيد أول ما يظهر هقوله."
سألته مرة أخرى:
"هو بيختفي كدا دايمًا؟"
"مش دايما، بس أكيد ده شغل وهيظهر أول ما يخلصه."
شردت قليلاً ثم سألت يونس كي تغير الموضوع، إن كان قد اختفى من أجل عمل، فلم تقلق عليه من الأساس. هنا زجرت نفسها ووبختها.
"كنت عاوز إيه يا يونس؟"
اعتدل يونس في جلسته وقال بطريقة مرحه:
"كنت عاوز آخد آسيا النهارده تتفرج على الفيلا، وقولت أعزمك معانا نغير جو."
قامت وقد شقت البسمة وجهها وقالت بسعادة:
"وهي تدفعه: وأبقى أنا العزول، روح يا دكتور أنت وخطيبتك وشوفوا الفيلا براحتكم، أنا ورايا شغل كتير مش هبقى أنا وأخوك."
هتف بمرح وهو ينساق خلف يدها التي تدفعه:
"خلاص خلاص، ملكش في الطيب نصيب."
***
نائم براحة، يدفن وجهه في تلك الوسادة، عاري الظهر.
وقفت خلفه تطلع له، تتمنى نفسها بقربه، فهو على تلك الحالة منذ يومان، منذ أن جاء إليها وهو مخمور وملابسه مبعثرة، بشعر أشعث، حينما ارتمى في أحضانها وقال بصوت متعب:
"عاوز أنام."
استند عليها إلى أن وصل إلى الفراش، ارتمى عليه، ولكنها لم تتركه، ساعدته في خلع ثيابه.
ولكنه أبعد يدها بجفاء وقال لها بأمر وكأنه استفاق الآن من لمسة يدها على جسده حين مرت على يدها بأغواء عليه.
"اطلعي بره يا درة ومتصحنيش إلا أما أصحى لوحدي."
علمت أنه هناك أمر أحزنه، فهو عندما يتعرض لصدمة أو يحزن حزن شديد، يهرب إلى النوم، فهو عند موت أبيه تتذكر أنه نام أسبوع لكي يهرب من الأمر الواقع.
ترى ماذا حدث لك يا عزيز؟
تركته لينام وخرجت خارج الغرفة.
ولكنه كان مستيقظًا، يعيد كل ما حدث مرة أخرى.
عمه يريد قتله.
ترى هل هو صاحب القرار أم هو والمافيا؟
ماذا فعل لكل هذا؟
لابد أن يعرف كل شيء وينتقم.
اعتدل في جلسته ونادى بصوته الجهوري:
"درة."
أتهت مهرولة:
"عيوني يا ملك."
قال لها بأمر:
"جهزي هدومي والحمام."
اقتربت منه وهي تتعلق في رقبته:
"حاضر يا حبيبي، بس كلك لقمة الأول، بقالك يومين ما أكلتش حاجة."
أجابها وهو يبعدها عنه:
"اخلصي يا درة، جهزي الحمام والهدوم."
قالت بغضب:
"مالك يا عزيز متغير من ناحيتي ليه؟"
أجابها بنفاذ صبر:
"ولا متغير ولا حاجة، اعملي اللي بقولك عليه من غير أسئلة كتير، يلا."
انصاعت لطلبه وهي حزينة، فهو بالفعل تغير عليها، ويوما بعد يوم يبعد عنها.
***
لم تصدق نفسها من جمال ما ترى، فهي عند أبيها تنعم بالأمان والدلال من الجميع.
وقفت تتفقد نفسها بذلك الفستان المحتشم الرائع الذي اختارته لها زوجة أبيها منى، تلك السيدة الحنونة التي تذكرها بحنان زينب، تلك السيدة التي ربتها ولم تفرق بينها وبين أبنائها، أو ابن خليل المدعو زوجها، التي كانت في عشقه متيمة، ولكنها استيقظت على تلك الحقيقة المخجلة وأيضًا المرة.
هو لم يحبها ولم يراها من الأساس، هي كانت بالنسبة لهم مجرد حصن أمان يحتمي به زوجها الندل وأبيه الحقير، زوج خالتها الخادع.
"رحيل."
"رحيل."
علا صوت أخيها مراد خلفها.
أجابته ببسمة مشرقة:
"أنا هنا يا مراد."
دلف إليها وجهه بشوش يحمل لها حبًا كبيرًا.
سألها وعيناه تتأملانها:
"تحبي تيجي معايا نشوف أرض بابا وتغيري جو، ونروح الاستراحة بتاعتنا كلنا هناك النهارده؟"
قالت بحب، فهي قررت أن تخرج من ثوبها الحزين الضيق وتترك نفسها تسعد بقرب أهلها وتنعم بدفء حياتهم.
"موافق، يلا بينا."
وصلت إلى الاستراحة، ووجدتهم جميعًا هناك، حتى علي، ذلك الشاب الغامض الذي أوصلها لبيت أبيها.
جلست بجوار أبيها الذي أغدقها بدلاله وحبه، قال عندما لمحها:
"أهلاً بالغالية، نورتي أرضك واستراحتك يا حبيبتي."
قالت بخجل من نفسها، فابيها رجل حنون أغدقها بحبه ونسي أنها كانت ابنة عاقة له.
"الأرض والاستراحة والدنيا كلها منورة بك يا حبيبي."
قالت منى التي دلفت بعدها هي وأخوها الصغير محمود وهم يحملون الطعام:
"شوفوا يا أولاد، الحاج سالم بقى يقول كلام حلو، فين كلامك ده من زمان يا حاج؟"
قال بمحبة وهو أنا مش بقولك انتي وأولادك كلام حلو، ولا إيه يا أم مراد؟
خجلت منى من حديث زوجها الحنون، وقبل أن تجيب، هتفت رحيل بمرح لكي تبعد الخجل عن زوجة أبيها الحنونة:
"دا نظام غيرة ولا إيه يا ماما منى؟"
قالت منى بابتسامتها:
"غير من بنتي، دا أنتِ نورتي البيت وعملتي له روح يا حبيبتي، بدل ما كنت هتحول راجل كلهم رجالة، مش عارفة أعمل إيه فيهم."
قالت رحيل بمحبة:
"ولا تعملي أي حاجة، أنا جيت خلاص، هنبقى أصحاب، ولا إيه رأيك؟"
قالت منى بمحبة لتلك الفتاة، فهي بالفعل حنونة كأمها:
"لأ يا روحي، هتبقي أحلى بنوتة وأنا أمك."
احتضنها رحيل وقالت بمرح وهي تخرج لسانها للجميع:
"أحلى ماما في الدنيا."
ضحك الجميع وانقضى اليوم بين المرح والحب والدفء العائلي الذي افتقدته رحيل، وأخيرًا عادت بين أحضان أهلها.
وقفت تتأمل الشمس وهي تختفي بين تلك الأراضي الخضراء، وكأنها تحرق أطراف الشجر.
وقف علي بجوارها.
ولم يستطع منع عينيه من النظر إليها، فهو يعرفها جيدًا، كم سمع لعمه وهو يبكي من جحودها، وكم واساه وكم طيب جرحه، وكم أخبره أنه سيأتي اليوم الذي تعرف فيه الحقيقة وتأتي لأبيها نادمة، ويبدو أن الوقت جاء وبسرعة.
ولكن السؤال الأهم، هل إذا عاد زوجها المزعوم معتذرًا كما يقولون، ماذا سيكون رد فعلها؟
هل ستغفر وتعود وتكسر أبيها مرة أخرى، أم ستبقى؟
وقف بجوارها وسألها مباشرة بدون مراوغة:
"لو رجع ياخدك ويصالحك، هترجعي له؟"
نظرت له ببطء وهي تحاول أن تجمع كلمات سؤاله لتستوعبها أخيرًا.
قالت وهي تتصنع عدم الفهم:
"نعم، بتقول إيه حضرتك؟"
قال مباشرة، فهو واضح لا يحب المراوغة:
"أنتِ سمعتي الكلام كويس."
قالت وقد بدأت تغضب:
"دي حاجة متخصكش."
وقبل أن تنصرف، وقف أمامها وقال بجدية:
"فعلاً حاجة مليش اتكلم فيها، بس فيه كلمتين لازم تعرفيهم."
"مش عاوزة أعرف حاجة."
قالت بإصرار وهي تحاول أن تتخطاه.
اعترضها مجددًا وقال:
"لأ، لازم تعرفي إن أبوك كان مكسور من اللي عملتيه فيه، وبعد فرح سيادتك دخل المستشفى، كان عنده شبه جلطة، ولولا ربنا سترها الحمد لله عدت على خير."
"أنا بحذرك، لو لسه هتكرريها وتعصيه، محدش هيقف لك إلا أنا، ومش هترجعي للإنسان ده لو الدنيا اتهدت."
وقفت تستوعب حديث ابن عمها، والآن فقط عرفت سبب غضبه منها، فهي أصابت أباها بالمرض. وأباها عفا عنها، ولكن يبدو أن ذلك العلي ما زال لم يعرفوا أو يصدق أنها ندمت وعادت تجر أذيال الخيبة.
قالت بغضب اشتعل في صوتها من طريقة حديث ابن عمها وأيضًا غضبه غير المبرر منها:
"أولاً، أنت ملكش دعوة بيا ولا بحياتي."
"ثانيًا، أنا لو هموت عمري ما هعمل حاجة تكون سبب في أذية بابا."
"وابعد عن طريقي."
دفعته بيدها ومرت من جانبه.
هتف خلفها بصوت ماكر:
"طيب، من غير لمس عشان متتوضى."
صمتت من حديث الذي لا يمت للحديث السابق بأي شيء، ولكنها لن تصمت. نظرت له وقالت بصوت غاضب منه:
"ترعة مليانة يا شيخنا، اشرب واتوضى منها."
علت الدهشة وجه علي الذي ظن أنها ستصمت، ولكن يبدو أنها لن تصمت، وهو أيضًا لن يتركها تصمت.
***
وقفت آسيا مبهورة من جمال تلك الفيلا الصغيرة الجميلة كجمال صاحبها.
هادئة بهدوئه، تحمل روح يونس الجميلة في كل شيء.
سألها يونس وهو يتأمل جمالها، فهو غارق، لا ذنه في عشقها، لا يعلم متى واين وكيف أحبها، ولكنه أحبها، وهي الآن له، هذا ما يهم.
"عجبتك يا سو؟"
قالت بصوت يقطر فرحًا:
"جميلة أوي يا يونس."
"يا الله، لما اسمه يصبح بتلك الحلاوة حين تنطقها."
اقترب منها والمكر يتلاعب في عينيه:
"يعني مش هتعيري فيها حاجة؟"
قالت بعفويتها الحلوة:
"لأ طبعًا، دي روعة."
اقترب أكثر وهو يدرس كل خطوة يقوم بها، فهو لم ينسى رجفتها بين يديه يوم عقد قرانهما، فهو علم أنها ما زالت تخشى اقتراب أي أحد منها، وما تقوم به هي مجرد محاولات منها للتعايش مع الواقع الذي فرضه هو عليها بتسرعه في الحصول على شفائها، ولكنه أدرك أنها لم تتعافى بعد.
اقترب أكثر إلى أن أصبح أمامها.
نظر في عينيها التي أخفتها عنه وهي تنظر بعيدًا عن مرمى عينيها.
احتضن خصرها بين يديه ورفع ذقنها بيده الأخرى.
تحولت آسيا في لحظة إلى كتلة من الجمر الملتهب على وجنتيها، وأيضًا أصبحت يدها مثل الثلج.
قالت بصوت مرتجف:
"يونس..."
أجابها بصوت مطمئن هادئ وهو ينظر إلى عينيها:
"عيون يونس."
"ابعد."
قال بلهث:
"مش قادرة."
تملكها الخوف، ورفعت يدها لكي تدفعه بعيدًا عنها، ولكنها كانت أغبى حركة منها عندما وضعت كفيها الصغيرين على صدره العريض لتدفعه، فعثرت دقات قلبه وفعلت به الأفاعيل من مجرد لمسة.
قالت بصوت متلعثم:
"يونس، ابعد، أنا..."
أومأ لها لكي تتحدث دون خوف، فهو يعلم كل مخاوفها ويريدها أن تواجهها وتتعافى منها.
"أنتِ إيه يا سو؟"
"أنا... أنا خايفة."
شد من يديه حول خصرها وقال:
"مش عارفة."
فك حصار خصرها، ولكنه جذبها في لحظة إلى حضنه وهمس بجوار أذنها بصوت يقطر حنانًا:
"أنتِ في حضني، آخر مكان ممكن تخافي وأنتِ فيه يا آسيا."
انتفضت أولاً، ثم بعد لحظة هدأت في أحضانه وهدأت مقاومتها.
قالت بصوت يرتجف من الألم:
"أنا خايفة، طمني يا يونس."
انشق قلبه من الحزن عليها، ولكنه ربت على كتفها بحنان وقال وهو يستنشق عبير شعرها:
"أنا معاكي عشان أطمنك وأخليكي تعيشي تاني."
فتحت عينيها وهي ما زالت بين أحضانه، وللغرابة، انتهت رجفة الخوف التي تنتابها إذا رأت أي رجل أو اقترب منها أحد.
نعم، هو أمانها الذي لا تخاف من أي شيء، وهو معها.
ابتعد عنها قليلاً، ولكنه ما زال يأسرها بين يديه. نظر لها وقال وهو يمنع نفسه عن قطف قبلة من شفتيها المغرية التي تضغط عليها بأسنانها، وقال بشيء من المرح وقليل من الوقاحة (قصد يونس حتى تعتاد عليه، فهو زوجها ويريدها أن تتحرر من قيود تلك الجريمة التي، والحمد لله، رغم بشاعتها، إلا أنها كانت مغيبة فيها عن الواقع).
"بطلي تغضي شفايفك الحلوة دي."
مد يده وحرر شفتيها من بين أسنانها وقال وهو يميل عليها، يقبل جانب شفتيها:
"الشفايف الحلوة دي اتخلقت عشان كدا."
اقتنص الماكر أول قبلة منها وهي مخدرة بحديثه العذب.
دفعته بعيدًا عنها حين وعى على نفسها وقالت وهي تخرج خارج الغرفة:
"ابعد يا قليل الأدب."
ضحك بصخب وقال وهو يجري خلفها من غرفة إلى غرفة وهي تجري وتضحك وكأنها طفلين يلعبان في أرجاء المنزل:
"دي بوسة بريئة يا سو، بعد الفرح هقل أدبي."
انطلقت أمامه وهي ما زالت تضحك وقالت بصوت عالٍ وأنفاس لاهثة من الجري:
"مفيش كدا يا يونس، متخوفنيش منك."
ومع آخر كلماتها، مسك ذراعها.
انتفضت حين مسك بها، ولكنه قال بصوت حنون:
"مفيش أي حاجة هعملها تخوفك يا روح قلب يونس، أنا كفاية عليا أبص في الوش الجميل ده كل يوم."
تورّد وجهها من غزله. نظرت له بشك وقالت بجد:
"أجابها بجدية حتى يطمئنها: جد الجد يا روحي."
الآن استطاع يونس طمأنتها وخطب ودها ونزع أي خوف منه تجاهها.
***
اليوم الثالث بدأ وأوشك على الانتهاء، وعزيز ما زال مختفيًا، وهي لم تعد تتحمل غيابه.
خرجت هاتفها وتغلب قلقها على كبريائها وطلبته.
كان جالسًا في سيارته يفكر كيف له أن يخرج من تلك الدوامة، دوامة الشك.
هل أراد عمه أن يقتله حقًا؟
هل يصدق راجح؟
أجابه عقله بشيء من الإقناع.
ولم لا يصدقه، فهو أخبره أمور لا يعلمها إلا هو وعمه.
هل وصل خليل إلى حقيقة مشاعره نحو بلقيس وهو كان جاهلاً بها؟
هل أحبها وتعلق قلبه بها؟
كل تلك الأسئلة تعصف برأسه، والسؤال الأهم، كيف سينجو من تلك الورطة؟ فهو في كل الأحوال، سواء أراد عمه أن يقتله أو تجار السلاح الآخرين، أصبح هدفًا للموت. كيف ينجو ويحمي أخاه وأمه؟ وهي نعم، فقد فضحه قلبه وعينه، وعلم الجميع أنه يهتم بأمرها، ولابد وأنها هي أيضًا دخلت دائرة الخطر.
ماذا يفعل؟
كاد رأسه ينفجر وهو يفكر.
وفي وسط تلك الزوبعة من التفكير، علا صوت هاتفه. نظر للهاتف ووجدها هي من تتصل.
تناول هاتفه وأجاب عليها ببرود تصنعه حتى يجعلها خارج دائرة الخطر:
"ألو، يا دكتورة."
أجابته بلهفة:
"عزيز، أنت كويس؟"
قال بنفس الصوت البارد:
"أنا تمام، خير، متصلة ليه؟"
خجلت من نفسها وأيضًا من تسرعها الغبي، فيبدو أنه بأفضل حال وعاد لتجهم الرد معها مرة أخرى، لامت نفسها ألف مرة على خوفها عليه.
قالت بصوت لم تتحكم به، صوت غاضب من برود رده:
"فيه ورق محتاج إمضاء حضرتك يا مستر عزيز، لو سمحت أول ما سيادتك تلاقي وقت للمستشفى، عدّي إمضيه وخلصه."
اشتعل هو بالغضب حين اختفت نبرتها القلقة عليه وتحولت إلى ذلك الصوت البارد.
ولكن لماذا يغضب هو؟ من أراد ذلك.
قال بغضب:
"تمام، هخلص شغلي وأعدي على المستشفى."
قالت وهي تغلق الخط:
"براحتك."
أغلقت في وجهه مباشرة دون أن تنتظر رده.
جعله يشتعل أكثر وأكثر. ركب سيارته وانطلق لها ليعرفها كيف تتحدث هكذا مع الملك.
***
"رايح فين؟"
سؤال بسيط سأله خليل ليوسف الذي كاد أن يخرج بسيارته من باب البيت.
أجابه يوسف بلا مبالاة:
"خارج."
قال خليل:
"مفيش خروج إلا أما نروح نصالح مراتك ونجيبها."
نظر يوسف لأبيه باستنكار:
"أجيبها فين هنا؟"
"هنا فين بعد اللي سمعته منى يا بابا؟"
قال خليل بعدم اكتراث:
"بسيطة، اتأسف لها وكلمتين حلوين تاكل بيهم عقلها، هترجع معاك تاني."
سأله يوسف بشك:
"ممكن ترجع؟"
أجابه خليل بتأكيد:
"لازم ترجع معاك، دي صمام الأمان لنا كلنا، مفكرتش يا بيه إنها ممكن تبلغ عنك بالكلام اللي سمعته من سيادتك والقضية تتفتح تاني ونرجع تاني لنفس المتاهة؟"
عندما تغير وجه يوسف الذي تحول إلى الأصفر الشاحب، علم خليل أنه وصل لمبتغاه.
قال يوسف وعلامات القلق على وجهه:
"تعالى معايا يا بابا نجيبها من عند أبوها."
هتف خليل بسعادة:
"عين العقل يا حبيبي."
كان خليل يعلم أن رحيل لن تخبر الشرطة عن ابنه، ولكنه يريد أن تظل زوجته، لأنها إنسانة طيبة القلب ستسعد ابنه وتبعده عن طريق الشيطان الذي مشى فيه.
ولكنه نسي أن يحسب في حسبته الذي يريد فيها كل شيء جميل ومثالي لابنه، أن رحيل تغيرت وأصبحت تحتمي تحت جناح أبيها، ولن تعود له مرة أخرى.
***
احترقت من الغضب ومن نفسها ومن خوفها عليه، لما تهتم لأمره أصلًا.
خرجت تمر في المشفى بين المرضى، على تلك الجولة تخفف عنها غضبها منه، ولكنها لم تهدأ، بل زاد غضبها منه.
عادت مرة أخرى لمكتبها، دلفت بغضب وهي تبرطم من بين أسنانها:
"فاكر نفسه مين."
أتاها صوته الساخر من داخل مكتبها:
"عزيز التهامي."
رواية بلقيس و أنا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم هيام شطا
في اليوم التالي، وقف أمام ذلك المكتب المهيب وقلبه يرتجف من الخوف. خوف من ذلك القناع الذي سيتخلى عنه، وذلك الثوب الذي سيجرد نفسه منه، قناع رجل الأعمال الشهير وثوب الطبقة المخملية التي ينتمي لها.
بعد قليل، أذن له سكرتير مكتب النائب العام بالدخول.
دلف إليه بكل وقار، وألف سؤال يدور في ذهنه، وأهمها: ماذا ستكون نظرة أهم رجل في القضاء له بعد أن يتعرى أمامه؟ لا يهم، المهم هو أن ينجو بنفسه وأهله، له ولها، بعد أن أصبح مصدر تهديد لكل من يعرفهم.
ولا ينكر أنه اختار ذلك الطريق ليحسن صورته إذا انكشفت الحقيقة، وأيضًا لينتقم من عمه الذي أيقن أنه لن يتركه لطريق الاستقامة، وأخيرًا من أجله هو، من أجل أن يحيى حياة نظيفة تليق بملكة قلبه بلقيس.
رحب به وكيل النائب العام، فهو أيضًا أشهر من النار على علم كما يقولون.
قال الوكيل بتهذيب:
تفضل يا مستر عزيز.
جلس وهو يحمل في يده كل الأدلة التي تدينه وتدين عمه، وأيضًا أشهر رجال الأعمال في البلد، ومسؤولين، وغيرهم.
سأل النائب العام:
أقدر أساعدك في حاجة يا مستر عزيز؟
تنحنح ليجلي صوته ويستجمع شتات أمره، واستعد ليلقي قنبلته. وضع أمام النائب العام جميع الأوراق والمستندات التي بحوزته. أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ في سرد قصته منذ أن كان فتى في العشرين من عمره، يسكن هو وأبيه وأمه وأخيه في ذلك الحي الشعبي. كان في العام الثالث في الجامعة، مقبل على الحياة، يحب جارته، بل متيم في هواها، ينعم بدفء عائلته، يحب عمه وابن عمه وأخيه الصغير. كانت أحلامه بسيطة، لا يريد إلا أن يحيا حياة هادئة كحياة أبيه، يتطلع لأن يحسن مستوى معيشته.
ولم يحلم في يوم من الأيام أن يصبح ملكًا، إلا بعد أن توفى أبيه في حادث تفريغ حمولة في أحد المواني الذي كان يعمل بها أبيه وعمه.
عاش أيامًا عصيبة بعد وفاة أمين حياته، ليتحمل هو مسؤولية عائلته الصغيرة في الحجم، الكبيرة عليه في المسؤولية.
بعد أشهر من وفاة أبيه وعمله مع عمه في ذلك الميناء، بدأ يظهر على عمه بوادر الطرف والغنى. إلى أن أتى له عمه خليل وطلب منه أن يكون معه في عمل سيصل إلى المينا. لم يكن الأمر صعبًا، هم فقط سيخرجون عدة صناديق من الشحنة قبل الكشف عن الشحنة. لم يسأل.
أنهى عمله البسيط مع عمه في تفريغ حمولة الشحنة، ولكن ما أثار دهشته هو المال الكثير الذي أخذه مقابل هذا العمل الضئيل. ولكنه تغاضى عن الأمر، فهو لا ينكر أن المال أغوى عينيه، والعمل لم يكن مرهقًا كحال العمل الذي يقوم به كل يوم. وهكذا توالت الأعمال مع عمه إلى أن استطاع أن ينهي دراسته في العام الأخير من الجامعة.
وبعدها قال بكل وضوح لعمه خليل:
أنا مش هشتغل في المينا تاني يا عمي. هدّور على شغل بشهادتي وإن شاء الله هألاقي.
قال خليل بسخرية:
بالتوفيق يا عزيز، بس شهادة إيه اللي هتصرف عليك وعلى أمك وأخوك؟
أجاب عزيز باحتقار، لكي يخبره أنه يعلم طبيعة عمله:
انت عارف يا عمي وأنا عارف إن حراسة شحنة وتهريب صندوق ولا اتنين منها قبل التفتيش والكشف عنها مش شغل مظبوط، وأكيد الصندوق ده بيكون مخالف، وأنا فاهم كدا كويس.
أجاب خليل بمكر:
يعجبني ذكائك يا عزيز، وعشان كدا عاوزك معايا، إيدي في إيدك نكبر الشغل ونعدي من الفقر.
نفض عزيز يد عمه عنه وقال بغضب:
لأ يا عمي، مال حرام تاني لأ. أنا هشتغل وهعيش أنا وأمي وأخويا بالحلال.
قال خليل بسخرية:
شغل إيه اللي هيعيشك ويكفي مصاريف أمك وأخوك يا عزيز؟
قال عزيز بقناعة:
هألاقي يا عمي.
تركه وانصرف ليقابل حبيبة طفولته وشبابه، درة.
أتت إليه بلهفة وسألته:
تأخرت ليه يا عزيز؟
قال وهو يجلس أمامها يحتضن كفها الصغير:
معلش يا حبيبتي، كنت في مشوار شغل.
سألته بلهفة:
لقيت شغل؟
أجابها بيأس:
لأ، بس هألاقي إن شاء الله.
وهكذا أصبح عزيز كل يوم يبحث عن عمل أو يعمل أي عمل يجده حتى يستطيع الإنفاق على أخيه وأمه دون اللجوء لأعمال عمه المشبوهة.
إلى أن اتصلت به درة في يوم وهي تبكي:
عزيز الحقني، عمي هيجوزني واحد تاني.
بالطبع لم يقف مكانه، وذهب هو وأمه كي يخطبها. ولكن عمها رفضه بحجة أنه شاب وحمله ثقيل، كما قال عمها. أمه وأخيه وابنة أخيه، لن تنتظره.
جاء إليه خليل يضغط عليه بتلك الورقة:
إيه رأيك يا عزيز تيجي معايا تاني ونكبر شغلنا ونكبر؟
أجابه عزيز برفض تام.
قال خليل: أنا بس عامل على مصلحتك.
قال عزيز يمني نفسه بالأمل الكاذب:
درة هترفض العريس يا عمي.
سأله خليل بمكر:
متأكد إنها هترفضه؟
أجابه عزيز بتأكيد، بعد أن أكدت له درة أنها ستنتظره حتى يستقر وضعه المادي:
أيوه، درة هتستناني.
"وإن خلفت وعدها عشان الفلوس هتعمل إيه؟"
أجابه عزيز بقليل من الغضب:
استحالة تعمل كدا.
انقضى شهر ودرة تقابله وتخدعه أنها ستنتظره. إلى أن علم خليل أنها تمت خطبتها على أحد الرجال الأثرياء. استغل خليل هذه المعلومة ودبر لقاء مع درة واتصل على عزيز لكي يعرف حقيقة درة.
أخبره خليل أنها تمت خطبتها وتخدعه. ولكنه لم يصدق عمه.
قال خليل بفحيح ثعبان ماكر:
لو مش مصدقني، تعالى اسمع بودانك.
قابلها خليل بعيدًا عن البيت بحجة أنه يريد منها أن تنتظر ابن أخيه. أتت في الموعد. قال لها وهو يدعي دور الأب الصالح:
درة يا بنتي، عزيز بيحبك وهيعمل كل حاجة علشان يسعدك.
أجابته بمكر:
أنا كمان بحبه يا عمي وهستناه.
سألها بخبث:
يعني انتي رفضتي تاجر الفاكهة اللي اتقدم لك؟
ظهر التوتّر على وجهها، وقالت وهي تدعي البراءة:
حضرتك عرفت؟
أجابها وهو يقصد كل كلمة حتى يثبت لعزيز كذبها:
آه عرفت، وعرفت كمان إن فرحك كمان شهر. ليه كدا يا بنتي تضحكي على عزيز؟
أجابته وهي تدعي دور المظلومة المغلوبة على أمرها:
أعمل إيه يعني يا عمو خليل؟ عمي غصب عليا، وانت عارف أنا يتيمة وهو اللي مربيني.
قال بمكر وهو يعرف أن عزيز يستمع إلى كل كلمة بينهم:
يعني تضحكي عليه؟ عرفيه على الأقل إنك اتخطبتي لغيره.
قالت وهي تقوم لتغادر:
هو مفروض يفهم لوحده إن مقدرش استناه. هو ظروفه صعبة وأنا كمان. يبقى يسيبني أشوف مصلحتي وهو كمان، وقوله كل شيء نصيب.
قبل أن تغادر، مسك خليل بيدها وألقى آخر ما في جعبته حتى ينصاع له عزيز. قال بصوت ادعى فيه الألم والانكسار:
والحب اللي بينك وبين عزيز...
قالت درة بتجبر:
حب إيه يا عمو؟ الحب مش بيأكل حد، الفلوس هي اللي بتعمل كل حاجة. ممكن أشتري بيها ألف واحد يحبني، بس الحب رخيص مش بيشتري حد.
نزلت كلمتها على أذن عزيز وكأنها خناجر مسمومة. لم يظهر لها عزيز بعدها، وكل ما حدث أنه قال لعمه:
هنبدأ شغل امتى يا عمي؟
وهكذا أخذ خليل عزيز إلى ذلك الطريق أكثر من ثمانية عشر عامًا أو يزيدون، أصبح فيهم عزيز ملك تجارة السلاح والعملة والأدوية الفاسدة، ويتاجر في أي شيء وأي شيء، لكي يملك المال الذي يستطيع به شراء كل شيء كما قالت درة. وأول شيء اشتراه بأمواله هي درة نفسها، ليخبرها ويخبر نفسه أنه الآن يملك المال ويستطيع شراءها، وأيضًا يملي عليها شروطه، وأولها أن تتخلى عن زوجها وابنتها الوحيدة. وهي بالفعل وافقت لتثبت له نظريتها الخبيثة: إذا وجد المال أصبح كل شيء متاح، حتى الحب يباع ويشترى.
إلى أن ظهرت له بلقيس، ملكة قلبه، التي قلبت كل الموازين وكل القواعد، ليسلم لها ويغير كل ثوابته لأجلها. وبعد أن كان يقول: "أنا عزيز الملك"، أصبح يقول: "هي بلقيس ملكتي".
أنهى كل حديثه أمام النائب العام وهو يقول:
دي كل المستندات اللي تدين كل اللي قلت أسماءهم يا هشام باشا، وكل المعلومات اللي تدين عمي، وأنا معاهم.
مسك النائب العام المستندات وسأله سؤال واحد:
ليه يا عزيز تكشف نفسك كدا قدامنا؟
أجابه عزيز بصراحة:
علشان عاوز أنضف يا هشام باشا، حتى لو هتتعاقب.
قال بإقرار:
أنا راضي بأي عقاب.
ابتسم النائب العام بود وقال له:
إحنا هنعتبرك شاهد ملك في القضية يا عزيز، بشرط.
سأله عزيز بهدوء:
كل أوامر سيادتك.
أجابه بإقرار:
طبعًا، انت عارف قد إيه الأسماء دي تقيلة في البلد، وناس زي دي لازم تتمسك متلبسة.
سأله عزيز وهو يفكر:
قصد حضرتك إنهم يكونوا مع صفقة السلاح؟
قال عزيز بإقرار حقيقة واقعة:
يا فندم، الصفقة بتتم وأنا بدخلها لهم البلد. آخد ربع الصفقة لوحدي مقابل تأمين الشحنة، والباقي بيتوزع عليهم.
قال النائب العام:
متقلقش، أنا هسلم القضية للواء رياض إسماعيل وهو هيظبط معاك كل حاجة. انت نفذ كل اللي يطلبه منك.
أجابه عزيز:
حاضر يا فندم.
أخذ النائب العام كل المستندات من عزيز بعد أن عرفه على اللواء رياض إسماعيل، والذي طلب منه أن يعيش حياته كما هو، بكل حذافيرها، حتى لا يظهر عليه شيء.
قال النائب العام لعزيز وهو ينصرف:
عزيز...
نظر إليه. قال:
أول ما الما... فيا تكلمك للصفقة الجديدة؟
أجاب عزيز:
هبلغ اللواء رياض أول ما أعرف يا فندم.
ابتسم له بسماحة واستأذنهم وانصرف.
قال النائب العام وهو ينظر إلى اللواء رياض:
"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ". صدق الله العظيم.
صدق اللواء رياض على حديث النائب العام، لينصرف وهو يحمل معه أهم وأخطر قضية قد يتولاها في تاريخه.
وقف خليل هو ويوسف أمام منزل الحاج سالم. وما أشبه اليوم بالبارحة، فمنذ ستة أشهر وقف سالم نفس وقفة خليل يحاول أن ينقذ ابنته من براثن خليل. واليوم خليل وقف أمام بيت سالم وهو يحاول أن ينقذ مستقبل ابنه.
دلفوا إلى البيت، وبعد قليل أتى لهم سالم. أخبره أحد رجاله أن هناك ضيوفًا في انتظاره. وكما توقع سالم أنه خليل ويوسف، الذي انتظر مجيئهم منذ مجيء ابنته إليه. لم يسلم عليهم أو يرحب بهم.
تولى خليل دفة الحوار، قال بسماجة:
إزيك يا حاج سالم؟
قال سالم باقتضاب:
الحمد لله.
تمسك خليل ببرود أعصابه وقال مباشرًا:
إحنا جايين نصالح رحيل ونعمل لها اللي هي عايزاه.
قال سالم بغضب:
رحيل مين؟
قال يوسف بتسرع:
رحيل مراتي.
زمجر سالم بغضب:
مراتك اللي سبتها تيجي في نص الليل بهدوم نومها؟ مراتك لسه فاكر تسأل عليها بعد أسبوع؟ مين قالك إن مراتك هنا أصلًا؟
نظر خليل لابنه بغضب وقال لسالم وهو يرسم صورة الأب الحنون:
والله يا سالم، من يومها واحنا بندور عليها. والحمد لله اطمنا من المستشفيات إنها بخير، فعرفنا إنها أكيد هنا.
قال سالم بغضب:
أنا معنديش حد يخصك انت أو ابنك. وبنتي هطلقها يا ابن خليل، غصب عنك. واشتري سكاتي وسكات بنتي، وطلقها بالمعروف بدل ما أبلغ عنك وأجيب القديم والجديد.
هدر يوسف بغضب من تهديد سالم الصريح لهم:
متقدرش تعمل حاجة، ورحيل مراتي هأخدها غصب عنك وعنها.
ولكن خليل سحب يد ابنه المتهور حتى يستطيع التصرف والتفكير في تلك المشكلة الجديدة ويفكر كيف يستطيع أن يأخذ رحيل مرة أخرى ويؤمن حياة ابنه.
قال وهو يدعي الغضب من ابنه:
لأ يا يوسف، واسكت كدا، عيب. الحاج سالم أبو مراتك ميصحش تتكلم معاه كدا. هو عنده حق وانت غلطان. يلا دلوقتي ونيجي وقت تاني يكون هدى.
قال سالم بغضب من حديث خليل البارد:
ولا وقت تاني ولا غيره. ومش عاوز أشوف وشك ولا وش أبوك هنا، واطلعوا بره.
صاح يوسف بغضب وهو ينادي باسمها:
رحيل! أنا عاوز أتكلم معاها الأول.
بالطبع سمع كل من بالبيت صوت يوسف الغاضب. نزلت رحيل درجات السلم المؤدي إلى الأسفل وهي تسمع صوت يوسف الغاضب. علمت أنه أتى وحانت لحظة المواجهة.
وقفت أسفل السلم، ولكن قوتها خانتها. تريد أن تخرج كل غضبها، أن تصيح فيه أن يتركها تحيا بعيدًا عن خداعه. وجدت أخيها مراد يقف بجانبها وهو يسألها بحنان:
مالك يا رحيل؟
قالت بإقرار حقيقة:
خايفة يا مراد.
قال: متخافيش، واحنا كلنا معاكم.
أمسك بيدها وفتح باب الغرفة التي بداخلها يوسف وخليل. وقف بجوارها يساندها ويدعمها. قالت بجراءة لم تعهدها بنفسها:
عاوز إيه يا يوسف؟
وقف يوسف أمامها وهو نادم بالفعل على كل خطئه في حق تلك الجميلة:
أنا جيت أتأسف لك يا رحيل وأصالحك. أنا آسف، سامحيني يا رحيل، وأنا هأعمل لك كل اللي انتي عاوزاه بس سامحيني وارجعيلي.
نظرت إلى أبيها الذي قال لمراد بغضب:
خد أختك واطلع يا مراد.
قالت رحيل لأبيها:
بعد إذن حضرتك يا بابا.
ثم نظرت إلى يوسف ومراد مازال يمسك بيدها ليدعم قرارها. قالت وهي تنظر في عين يوسف:
طلقني يا يوسف، وده آخر كلام عندي. طلقني وابعد بعيد عني.
قال يوسف وهو يترجاها أن تسمعه:
أنا عارف إنك زعلانة مني، بس أنا مقدرش أعيش من غيرك.
قالت بقسوة تعمدتها حتى تنهي تلك المسرحية الهزلية:
وأنا هموت لو رجعت لك. لو عندك غلاوة ليا في قلبك زي ما بتقول، طلقني وابعدوا عن حياتي.
مات أي حديث بعد حديثها. خرج يوسف مباشرًا دون أن ينظر خلفه، فلا معنى لحديثه بعد أن أنهت كل شيء. انطلق خليل خلف يوسف وهو ينادي باسمه. بينما صفع سالم الباب خلفهم وقال بغضب:
في ستين داهية.
رمت رحيل في حضن أبيها وهي تبكي بحرقة، تبكي على نفسها، تبكي على سذاجتها، بعد أن تركها أسبوع لا يعلم أين هي، لم يكلف نفسه عناء السؤال عنها عند أبيها أو حتى يهتم أين ذهبت وحدها في هذا الليل المخيف، أو يذهب خلفها إلى أبيها يبحث عنها في نفس الليلة. كان وجدها، وكانت هي وجدت له شيئًا في قلبها يشفع له.
قال لها سالم برفق وحنان:
بتعيطي ليه دلوقتي يا حبيبتي؟ لسه عندك أمل فيه يا رحيل؟
أجابت أباها مسرعة:
لأ يا بابا، أنا بعيط على نفسي، على سذاجتي. كنت فاكرة إنه هييجي ورايا يدور عليا هنا. البيه جاي بعد أسبوع يدور عليا فعلًا، أنا كنت مخدوعة فيه.
قال لها أخيها مراد:
بلاش دموع يا حبيبتي، خلاص انتي معانا وبلاش تلومي نفسك على أي حاجة، وإن شاء الله بابا هيخليه يطلقك.
كلمات أخيها وأبيها ضمدت جرح قلبها من ذلك الحبيب المزعوم التي نجت منه ومن أبيه المخادع.
جلس يونس مع الدكتور إبراهيم وسأله بإلحاح:
قلت إيه حضرتك؟
قال إبراهيم وهو يظهر عليه علامات التردد:
والله يا ابني ما عارف أقولك إيه.
قال يونس وهو يمني نفسه بقرب ذلك اليوم:
حضرتك تقول موافق والفرح نعمله آخر الشهر.
طيب، حتى ناخد رأي آسيا ووالدتها، وكمان فيه حاجات كتير لسه بيشتروها علشان البيت.
قال يونس وهو يلح عليه:
الفيلا مش ناقصها حاجات كتير يا دكتور، وبعدين لسه أسبوعين بحالهم، يعني هنكون خلصنا كل حاجة.
قال إبراهيم وهو يبتسم على تلهف يونس على زفافه من ابنته:
وهما أسبوعين كفاية يا دكتور يونس؟
قال يونس بجدية مصطنعة:
آه دول كفاية أوي أوي يا دكتور. وافق انت بس.
سلم إبراهيم أمام إلحاح يونس، قال له:
لله الأمر يا يونس، خلاص يا ابني الفرح آخر الشهر.
قفز يونس وصاح والفرح يملأ صوته:
آآآآآآآآآسييييييا! فرحنا آخر الشهر.
نزلت بلقيس وآسيا عندما سمعوا صوته العالي. ابتسمت آسيا بخجل على هيئة ذلك المجنون الذي يحتل قلبها يومًا بعد يوم بأفعاله المجنونة وحنانه عليها. همست بلقيس بجانب أذن آسيا وهي تمزح معها:
الواد اتجنن على إيدك يا سو 😉.
وقفت آسيا وسط تلك الأشياء التي أحضرتها أمها مع بلقيس وبعض العمال، تدخل تلك الأجهزة إلى فيلا يونس التي سيعيش فيها هو وآسيا بعد الزواج، وبدأت في وضع كل شيء في مكانه لتنهي فرش البيت. وقفت بلقيس تضع ملابس آسيا في تلك الخزانة، بينما يونس مثل ظل آسيا، يخرج خلفها من حجرة إلى أخرى.
قالت له بلقيس وقد ملت منه، فهو ملتصق بأختها مثل العلكة:
يونس روح، روح ومش عاوزة أشوف وشك إلا يوم الفرح.
قال بتذمر مصطنع:
وأنا عملت إيه يا دكتورة؟ أنا بس بساعدكم.
دفعته من ظهره حتى تخرجه من الباب:
هتف وهو يحاول أن يترجاها تتركه: خلاص يا دكتورة، هبعد عنها. أنا هساعدكم بس...
واصلت دفعه خارج المنزل وهي تقول:
يونس اطلع بره.
جرت آسيا خلفها لتحاول أن تمنعها من دفع خطيبها:
خلاص يا بلا، سيبى يونس بيساعدنى، علشان خاطري.
ولكنها واصلت دفعه خارج المنزل وهي تلهو بسعادة مع أختها التي واخيرًا بدأت تحيا من جديد، والفضل لله، وبعده يونس، ذلك الطبيب الجميل. جميل في خلقه، جميل في طبعه، جميل في كل شيء.
وفجأة ظهر ذلك الغامض أمامها، وهو ينظر إلى مرحهم ولهوهم بتعجب. توقفت بلقيس عن دفع يونس، الذي هتف بسعادة لمجيء أخيه وأيضًا أمه:
عزيز! ماما! الحجة نورتوا البيت.
تدلفت الحاجة زينب وهي تقول بوجه بشوش:
أنا قولت لعزيز يجيب الغدا وناكل كلنا مع بعض. زمانك نسيت تجيب غدا يا يونس.
قال يونس بحرج وهو يحك رأسه من الخلف:
فعلًا نسيت يا ماما.
ابتسمت بلقيس بمحبة وذهبت لتسلم وترحب بتلك السيدة جميلة الروح:
قالت بتهذيب: أهلًا أهلًا يا طنط، اتفضلي حضرتك.
قالت زينب بمحبة:
أهلًا بيك يا دكتورة.
سلمت عليها وعلى آسيا وآمال. قالت زينب:
خد الأكل اللي أخوك جابه، ويلا يا يونس نجهز السفرة، زمان الجماعة ماتوا من الجوع.
قالت آسيا وهي تقف:
خليك يا يونس، أنا و بلا هنجهز الأكل.
قال يونس بمكر:
وأنا كمان هساعدكم.
تدلفت آسيا وبلقيس ويونس إلى المطبخ ليعدوا الطعام. وبعد قليل استغل عزيز أن آسيا تعد السفرة وحدها، وقف بجانبها صامتًا، ينظر إليها فقط. لم تتحمل صمته.
قالت بغضب:
تفضل ساكت كتير.
اقترب منها وقال بجرأة:
وحشتيني.
نظرت إليه والدهشة تعلو وجهها. ماذا يفعل بها هذا الرجل؟ وما تلك الجرأة؟ ولأول مرة تتلعثم ولا تعلم ماذا تقول. حمل الأطباق من يدها وهمس بجوار أذنها بجرأة:
مش هتتكلمي؟
نظرت إليه دون حديث. قال مرة أخرى:
وحشتيني يا... دكتورة.
تركها وبدأ في وضع الأطباق على طاولة الطعام، وتركها في تخبطها وهي تسأل: أي رجل هذا؟
هتف يوسف بغضب حين وقف عزيز يخبر عمه خليل بموعد زفاف أخيه:
يعني إيه هيتجوز آخر الشهر ده؟ أنا هعمل مصيبة.
زمجر عزيز بغضب وهو يقول:
يوسف، ابعد عن يونس وخليك في مراتك وحياتك.
ثم نظر إلى خليل وأخبره بهدوء:
عمي، انت لازم تكون موجود. إحنا في الأول والآخر أهل، وانت كبرنا.
قال خليل بجدية:
أكيد هكون معاكم وجنب يونس.
ثم نظر إلى يوسف وقال له بغضب:
وانت بدل ما بتتدخل في حياة ابن عمك، فكر هترجع مراتك إزاي. وكل الهري اللي في دماغك ده انساه، وملكش دعوة بأولاد عمك.
قال وهو يحاول كبح غضبه:
حاضر يا بابا.
تركهم وانصرف، ولكنه انتوى أنه لن يخسر وحده. قال بحقد:
ماشي يا يونس، إن مخليتها جوازة سودة على دماغك، مبقاش يوسف.
حمل هاتفه في يده وأرسل لها رسالة عبر تطبيق الرسائل:
صاحية؟
وصلت لها الرسالة، رأيتها، حملت الهاتف وهي تجيب عليه بغضب من جرأته معها. أجابت:
لأ، نايمة.
كتب وهو يمزح:
وبتردي عليا إزاي؟
أجابته:
من الحلم 😂.
قال بمكر:
بتحلمي بـ... ياه، دا أنا محظوظ بقى.
"وهحلم بيك ليه؟"
قال بغرور:
أنا عزيز التهامي، طبيعي أكون بطل أحلام البنات.
كتبت بغضب:
مغرور 😠.
اتصلت به. ضحك وهو يقول ببرود:
إزيك يا دكتورة؟
سألته بغضب:
عزيز، عاوز إيه مني؟ وقصدك إيه بالكلام ده؟
قال بهدوء:
بلا...
"عايز تتجوزيني؟ 😉❤️"
انتهى البارت. دمتم بخير. قراءة ممتعة.
الملك سلم قلبه خلاص.
وهحلم بيك ليه؟ قال بغرور: أنا عزيز التهامي، طبيعي أكون بطل أحلام البنات. كتبت بغضب: مغرور 😠. اتصلت به، ضحك وهو يقول ببرود: إزيك يا دكتورة؟ سالته بغضب: عزيز، عاوز إيه مني؟ وقصدك إيه بالكلام ده؟ قال بهدوء: بلا... عايز تتجوزيني؟ 😉
رواية بلقيس و أنا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم هيام شطا
يوم جديد يحمل الامل الذى يحلم به عزيز أن يبدأ بدايه جديده نظيفه من كل قذارة الماضى و السعاده التى يحلم بها مع ملكته بلقيس
وايضا يحمل العشق والشوق من يونس لآسيا
وايضا يحمل الحـ. ـقد من يوسف على كل من حوله فبعد أن كان الفتى المدلل الذى يطلب فيجاب طلبه أصبح الآن الفتى المـ.ـمقوت ضاع منه كل شئ.
اسيا الذى تمناها وكم رغب فى التمـ.ـتع بها والعيش معها أصبحت ليونس وهو من سينعم بقربها ورحيل التى كانت تتمنى قربه ابتعدت عنه ولم تعد تريده
ولكنه اقسم أن يجعلهم يـ.ـندمون ولن يكون هو الخــ.ـاسر فقط
أما خليل فما زال يطمأن نفسه أن عزيز مازال فى قبضت يده
أما رحيل فقد قررت انها ستحيا من جديد ولن تـ. ـندم على. قرار انفصالها عن يوسف بتلك العلاقه المسمومه التى كادت أن تق.ـضـى عليها
وقفت والشمس تشرق وكأنها عروس تخرج على حياء للدنيا لتنير الكون بنورها الخافت الهادئ وشعاعها الذهبى
خرجت من بوابة بيتهم وهى تستنشق عبير الصباح البارد المنعش
قابلها ابيها الحنون وهى تخطوا خارج بيتهم أثناء عودته من صلاة الفجر
سألها بوجهه البشوش
رحيل خير يا روحى ايه مصحيك بدرى كدا
قالت وهى تبتسم لأبيها الحنون بحلاوه
خير يا حبيبى لقيت الجو جميل بعد ما صليت الفجر مع ماما منى قولت اتمشى شويه
وماله يا روحى اتمشى بس ما تبعديش
ابتسمت بشقاوه تحاول أن تسترجع رحيل روحها المرحه مره اخرى
ابعد ايه يا بابا دى البلد كلها خطوتين والناس كلها عارفه بعضها
ضحك سالم على حديث رحيل وقال
خطوتين ايه يا بكاشه دانتى توهتى فيها اول ما جيتى
رغما عنها اخذها كلام ابيها إلى تلك الذكرى التى مرت عليها بقـ.ـهر فى نفسها وجـ.ـرح غـ.ـائر رغم محاولتها المستـ.ٕميـ.ـتة كل ليله لكى تنسى ولكنها لا تنسى
عندما شردت وتغير وجهها هتف ابيها بمرح حتى لا تعود التفكير فى حـ.ـزنها
خلاص يا رورو اتمشى شويه فى البلد الصغيره بس اوعى تتوهى
ابتسمت له وقالت ووجهها الصبوح عادت إليه جمال روحها
حاضر يا حاج سالم متقلقش عليا بنتك بميت راجل
قال هو بتأكيد
اكيد يا حبيبتي يلا متتاخريش
تركت ابيها ومشيت بخطوات هادئه كهدوء نسيم الصباح العليل
وجدت بعض الرجال والنساء بدأت تخرج لأعمالها
وجدت هناك ذلك الغامض يمسك يد صغير ويلهو معه وكأنه صغير فى مثل عمره
توقفت أمامه وهى ترى ضحكات الصغير تعلو وذلك المدعوا الشيخ على يجرى هنا وهناك أمام الصغير وضحكاته تعلوا مع ضحكات الصغير
مهلا مهلا لمايتغير شكل الإنسان حين يضحك أو يبتسم
توقف على عن اللعب مع الصغير عندما راها تاتي
وهى تبتسم ولكنها كانت تبتسم للصغير
اعتدل فى وقفته وقال
رحيل خير طالعه بدرى ليه من البيت
قالت ببساطه ومازالت تبتسم لذلك الصغير
بتمشى
سألها بتعجب
دلوقتى
إجابته وهى تجثوا أمام الصغير الذى خطف قلبها بجماله
اه وفيها ايه
قال وهو يتعجب
حد يتمشى سته الصبح
انا
ثم قالت له بس.ـخريه فهى لم تنسى ما قاله لها اخر لقاء معه وهى غاض.ـبه منه
من حديثه معها
من تحذيره لها من نفسها هى غاضبه حزينه وبها طاقه سلبيه ويبدوا أنه سيكون المتنفث لها
واللعب مع الاطفال فى الشارع بعد الفجر هو اللى عادى يا شيخنا
نظر لها وابتسم بجمال بسمه إنارة وجهه الصبوح وقال بهدوء
والله اللعب ملوش وقت ولا ميعاد يا بنت عمى
هتفت بعتراض
ولا التمشيه لها وقت
ثم استدارت لتغادر ولا نعلم لماذا تغضب عندما ترى هذا العلى
وجدت يد الصغير تتعلق بها وسألها ببراءه
تعالى انتى يا بنت العمده اللعبى معايا
الشيخ على مش بيعرف الا لعبه واحده
نظر على إلى الصغير بتعجب ودهشه
من تغير هذا الصغير عليه وقال باستنكار مرح
دلوقتى بقيت مش بعرف العب
ثم انطلق خلف الصغير وهو يلهوا معه جرى الصغير أمامه ليختبئ خلف رحيل التى بدات هى الأخرى تخفى الصغير خلفها هتف على وهو يلتقط أنفاسه بـ.ـلهاث
اطلع هنا يا عبدالله
هتف الصغير وهو يختبئ خلف رحيل
مش هتعرف تمسكنى يا شيخنا
ليستدير على خلف رحيل لمسك بالصغير ولكن يد رحيل سبقت يده لتدير الصغير أمامها ويعلوا صوت ضحكاتها مختلطا بصوت الصغير
تضحك وكأنها فى العاشره من عمرها
تلهو وتجرى مع الصغير وكأنها عادت يعمرها إلى طفولتها
لعبت كتيرا
جرت كثيرا
الى أن مسكها الصغير وهو يهتف وكأنه امسك امسك نجمه من السماء
انا اللى مسكت بنت العمده
ضحكت بصخب على كلمات الصغير بينما تاه الشيخ فى جمال ضحكتها ثم انتبه على بسمته التى تعلو وجهه ببلاهه غض بصره واستغفر بصوت عال وهو يمسح على وجهه
سمعته وهو يستغفر.
عبثت بوجهها وهى تسأله
انت شوفت ذنب ولا ايه يا شيخ على
تجاهل كلماتها وقال وهو. يسبقها بخطوه
يلا يا عبدالله نوصل بنت العمده الشمس طلعت والناس بدأت تروح وتيجى ميصحش حد يشوفها بتلعب فى الطريق
غضبت من تجاهله لها وهتفت
مرسى بعرف اروح لوحدى
قال بسخرية قصدها
هوصلك انا وعبدالله علشان متهويش تانى ثم ابتسم لها ببرائه وسبقها لتخطوا خلفه بغضب عندما ظهر بيت أبيها أقسمت لترد له الصـ.ـاع صاعـ.ـين
جثت على ركبتها وقبلت الصغير وقالت
شكرا يا عبدالله على التوصيله ابقى تعالى نلعب مع بعض.
هتف الصغير بفرح
هاجى لك على طول يا بنت العمده
قبلت خده وانصرفت وتجاهلت على وكأنه هواء ليعلم بعقله الكبير أن الصغيره تلهو معه وتريد أن ترد له تجاهلها
ابتسم على عقلها الصغير وتفكيرها الطفولى
هتف من خلفها
العفو يا بنت العمده
نظرة بغضب لتـ.ـضرب الأرض بقدمها بغضب وتصيح بابااااااااااا
ضحك بصخب على غضبها واخذ يد الصغير وانصرف
........................
أنه الصباح كيف أتى وهى لم تنم مازالت تعيد كلمات ذلك المنـ.ـحرف فى ذهنها
كيف يكون بتلك السوقيه وفى نفس اللحظه يصبح انسان نبيل مهذب لا وكأنه خليط بين شخصين أو عدة أشخاص
ولكن كيف ستخبره بسرها الصغير
يعلم أنها مطلقه ولا يعلم سبب الطلاق
سيأتى اليوم ليستمع إلى رأيها
ابتسمت بلقيس بجمال وروح هائمه فى حلاوة حديثه تحبه بكل ما تحمله شخصيته المت.ـناقضة
مهلا هل قالت تحبه
نعم فهى تغـ.ـرق لأذنها فى هواه
تسائلت مره اخرى هل تخبره سرها الصغير أو تتركه ليكتشف الأمر بنفسه
فلاش باك قبل خمس سنوات
وقفت بلقيس فى منتصف الغرفه تحمل غيمتها البيضاء أنها ليلة عرسها من زميل دراستها وحبها الاول
الدكتور آدم
اقترب ادم منها على وجهه علامة الاضطراب
كان ادم حلم جميع فتيات الجامعه
ولكنه اختارها هى ووقع فى حبها هى
احتضنها من الخلف وقبل عنقها وهمس لها وكأنه متيم
مبروك يا روح قلبى
نظرة له واجابته بخجل
الله يبارك فيك يا حبيبي
وقف أمامها وبدأ فى فك سحاب فستانها لتبدأ اول ليالى زواجها الحالمه كما ظنتها هى وبعد فتره طويله
عمت الصـ.ـدمه عليها بينما انهار ادم يبـ.ـكى وهو يمسك بجسدها العـ.ـارى وهو يضمها لحضنه وصوت بـ.ـكائه يعلو
لم يكن أمامها خيار إلا أن تهدأه فيبدوا أنه متوتر أو خائـ.ـف من ذلك اليوم
مهلا ايجب عليه هو أن يـ.ـخاف
ام هى
ولكنها وبكل الاحوال استطاعت أن تهدأه بكلماتها الحنونه وتفهمها الوضع
قالت وهى تربت على ظهره بحنان
ادم يا حبيبى اكيد اللى حصل ده علشان مضـ.ـغوط من كام يوم فى الفرح وتجهيزاتها
معلش يا روحى ننام النهارده وترتاح والايام جايه كتير
امتثل لحديثها الهادئ
ونام فى حضنها لتستطيع أن تفهم موقفه وتعطيه العذر
ولكن ما حدث اليوم كان هو ما حدث فى كل الايام التاليه إلى أن مر على زواجهم سنه
عام وهى تقف بجانبه
عام وهى لم تشتكى لأحد لم تخبر اى احد بسره
لقد أيقنت وعلمت أنه عاجـ.ـز جنسيا ولن تتخلى عنه من اجل تلك الشـ.ـهوه طالما يعاملها بمحبه وحنان إلى أن جاء اليوم الذى انـ.ـهار فيه كل شئ حين
كانت تقضى اليوم برفقة والدته
سالتها ام ادم بخبث حين تركهم ادم
سويا
مفيش اخبار حلوه يا دكتوره.
نظرة لها بلقيس ببراءه وسألتها
اخبار حلوه عن ايه يا طنط
نظرة إلى بطنها وقالت
مفيش بيبى فى الطريق.افرح به يا حبيبتي
قالت بلقيس بتلبك وتسويف.
ربنا يسهل يا طنط
وفى تلك اللحظه دلف ادم
ليستمع إلى كلمات أمه ليقول بأرتباك واضح
أن شاء الله نفرحك قريب يا ماما
نظرة له لتتدارك الموقف وبعد قليل استأذنت باللطف لتخرج ويخرج خلفها ادم
ما أن وصلوا إلى البيت حتى رمت حقيبتها على اقرب مقعد ولم تظهر له غضـ.ـبها لتراعى شعوره اقترب منها وسألها بخبث
مالك يا روحى فيه حاجه مضيأكى
زفرت بضـ.ـيق لتحاول كبح غضـ.ـبها ولكن نبرتها انفلتت منها غاضبه قالت من بين أسنانها
متضـ.ـايقه من اسئلة مامتك كل يوم والتانى يا آدم
قال ببرود
معلش يا حبيبتى أم ونفسها تشوف حفيدها
نظرة له بدهشة وانفلت لسانها بكلمات مسـ.ـتنكره
حفيدها ده هيجى ازاى
نظر لها بينما أشعلت كلماتها المست.ـنكره نيران النقص الذى يعانى منه
هتف بغـ.ـضب
هيجى يا دكتوره انا بتعالج وانتى عارفه
تمالكت أعصابها لكى لا تظهر بمظهر الزوجه المتخليه التى تختلق المشاكل
وقالت
طيب يا آدم ليه متقولش لها أننا مأجلين الموضوع ده شويه لحد ما تخلص العلاج
اقترب منها وقال بلؤم
لاء يا روح قلبى عندى حل تانى
نظرة له وتسائلت.
حل ايه
قال .
نقول انك كنتى حامل والحمل نزل.
هتفت مستنكره
نكدب
قال ببساطه
فيها ايه علشان محدش يسأل بعد كدا
رفضت بإسرار.
لاء يا آدم مش هكدب
انزعجت ملامحه ليلح عليها فى الطلب
أسرت هى برفض
لاء يا آدم
ليخرج ويعود بعد ليله قضاها خارج المنزل
ووجهه باسم وكأن شئ لم يكن
تعجبت من تصرفه ولكنها لم تشأ أن تتحدث فى الأمر مره اخرى
ليذهب معها إلى العمل وتتغير معاملته لها مئه وثمانون درجه
اقل كلمه معها ومع أحد زملائها فى العمل يفتعل عليها المشـ.ـاكل .
منعها من الذهاب الى اى مكان الا معه أو بامره ضـ.ـيق عليها الخناق وأصبح يومهم ينقضى بالمـ.ـشاكل أو عدم الاتفاق او تفعل هى ما يريد لتريح نفسها قليلا من الشـ.ـجار والمشاكل.
الى أن جاء وهى تتحدث مع أحد زملائها فى مكتبها بشأن عمليه خطـ.ـيره
وكانت قد أنهت الاجتماع وبقى طارق زميلها الذى قال لها وهو يمزح معها.
والله يا دكتوره بلقيس مش عارف كنت هعمل ايه من غيرك.
ضحكت واجابته بمرح
اكيد مش هتعمل حاجه
أجابها بنفس المزاح
عندك حق انتى هنا الكوماندا
ضحكت بصوت عالى قليلا على مزاح طارق وقالت بغرور
علشان تعرفوا قيمتى
دلف وهى تمزح مع طارق.ادم الذى اشتـ.ـعل غضـ.ـبا
هتف بغضب
خير يا دكاتره بتضحكوا على ايه ضحكونى معاكم
صوته الغـ.ـاضب
نظراته الحـ.ـارقه لبلقيس وطارق جعلت طارق يستأذن بحرج
طيب بعد اذنك يا دكتوره بلقيس
خرج ليعلوا صوت ادم وهو يجذبها بعـ.ـنف
بتضحكى معاه على ايه
إجابته وهى تتـ.ـألم بإستنكار
ادم فيه
صاح بغـ.ـضب حـ.ـارق لموقف لا يستدعى كل هذا. الغــ.ـضب
فيه انك بتتعاملى بمسـ.ـخره مع زمايلك ولا أكن سيادتك متجوزه
هدرت بغـ.ـضب
مسخره
حاسب على كلامك يا آدم
صاح وهو يقف أمامها
حاسبى انتى على أفعالك يا دكتوره وخليك محترمه وافتكرى انك متجوزه.
كلماته المسـ.ـمومه جعلتها تصيح بغضـ.ـب
انا محترمه غصب عنك وعن عشره زيك
صفعه مدويه كانت هى الجواب على تلك المشاجرة لتنتهى وبلقيس تضع يدها على وجهها وتحمل حقيبتها وتغادر وهى تنتوى أنها لن تكمل مع هذا الادم الذى خـ.ـدعها باسم الحب والأن يخـ.ـنقها بأفعاله وعدم ثقته فيها
وقفت تجمع ملابسها ودموعها تسبقها
حين علا صوت جرس البيت فتحت بأعين منتفخه تحاكى حمرتها الـ.ـدماء
من شدة بكـ.ـائها لتجد والدة ادم أمامها
مسحت عيناها قالت طنط نبيله اتفضلى حضرتك
اندفعت نبيله تحتضنها وهى تبـ.ـكى أيضا لا تعلم لماذا تبـ.ـكى ولكن بكـ.ـائها وحزنـ.ـها كان أكبر من حزن بلقيس
احتضنتها نبيله مره اخرى وهى تربت على ظهرها بحنان حين دلف ادم أمامها
يقف خلف أمه التى تحتضن بلقيس ومازالت تبـ.ـكى
سالتها بلقيس.
بتعـ.ـيطى ليه يا طنط
اجابت نبيله ببراءه
معلش يا حبيبتي ربنا يعوض عليكي
تاهت للحظه تستوعب كلمات حماتها
لتــ.ـضرب الحقيقة رأسها وتأكدت ظنونها حين أكمل ادم عنها
بقالى اسبوع يا ماما بقول لها الكلام ده من وقت ما خسـ.ـرنا البيبى وهى مش مبطله عياط ونفسيتها بقت فى الارض
هتفت فى نفسها بغـ.ـضب واشـ.ـتعلت زيتونتها بغضـ.ـب حـ.ـارق
ذلك الحـ.ـقير كذب والف سيناريو واستغل لهفة أمه للحفيد ما ذا تفعل
الان هل تصرخ لتخبر تلك المـ.ـخدوعه بحقيقة ابنها التى خـ.ـدعها وخدع أمه
نظر لها برجاء أن تصمت
قالت وهى تنظر إلى نبيله
الحمد لله يا طنط قدر الله وماشاء فعل
اجابتها نبيله بحزن
الحمد لله يا حبيبتى
أن شاء الله ربنا يعوضك باللى احسن منه
أن كان كذب على والدته بكل دم بارد واستغلها ستقلب الطاوله عليه
وتتخلص منه
قالت وهى تبكى
ازاى بس يا طنط الإجـ.ـهاد عملى مشاكل فى الرحم وصعب احمل تانى
صعـ.ـق ادم من تلك الكلمات التى ألقتها
بلقيس أمام أمه
لتسـ.ـتنكر ملامح نبيله فى لحظه
وسألتها بقلق
يعنى ايه يا بنتى الكلام ده
اجابتها
وهى تنظر فى عين ادم لتخبره بتحدى انا لن أكمل معك وانت من بدأ
يعنى مفيش فرصه انى اخلف تانى
وعلشان كدا طلبت من ادم الطـ.ـلاق ويتجوز غيرى
ثم أكملت بذكاء تحسد عليه لانهاء تلك الزيجه التى كرهـ.ـتها وكرهـ.ـت الرجال بسببها
انا مش انانيه يا طنط
صاح ادم بهتـ.ـياج
انا استحاله اطلقك
قالت بمكر وقد استغلت حب ام ادم للاطفال
وانا مش هكمل معاك انت تستحق تخلف وتعيش مع اولادك
ثم دلفت إلى غرفتها لتخرج بعد أن جمعت ملابسها
ليقف أمامها ادم وهو مصدوم غير مستوعب ما فعلته
هى حرفيا قلبت اللعبه عليه
أراد أن يستغل الموقف ويضـ.ـرب عصورين بحجر كما يقولون ويخبر أمه بالكـ.ـذب أن بلقيس كانت حامل وخسرت جنينها ليثبت لامه المتلهفه على أن تسمع خبر حمل زوجته ويحضرها معه ليضع بلقيس أمام الأمر الواقع لتظل فى المنزل مع أمه يعلم أنها لن تبقى بعد أن ضربها واهانها واستغل أمه ليضغط عليها ويبقيها فى المنزل
قال لامه
معلش يا ماما تعالى واسيها مصممه تروح لأهلها وانا محتاجك تخففى عنها
انصاعت له أمه بقلب لهيـ.ـف لتنطلى عليها كذبتـ.ـه الحقيره ولكن بلقيس لم تستسلم له لتجعل من كدبته طوق نجاه لها من ذلك المريض النفسى
جذب يدها وصاح بصـ.ـراخ
بلقيس انا بحبك ومش عاوز ولاد
قالت بشـ.ـمئزاز منه وهى تدفع يده عنه
وانا مش هكمل بعد كدا
كانت بلقيس تقصد كـ.ـذبه
بينما فسرتها نبيله أنها لن تكمل بعد أن أصبحت غير قادره على الإنجاب لذلك
لم تستمع إلى رجاء ابنها الذى استنجد بها
ماما امنعيها
انا مش عاوز ولاد يا بلا انا مقدرش اعيش من غيرك
نهاية الفلاش باك
لتخرج بلقيس من حياة ادم وتنهى تلك الصفحه من حياتها وتعيش تبتعد عن الرجال وتركز على. عملها إلى أن أصبحت من الطبيبات المشهورات فى مجال الجـ.ـ.راحه
الى ان قابلت ذلك الجرئ الشهم الذى استطاع أن يخطف قلبها مره اخرى ولكن بطريقه مختلفه
طريقه سوقـ.ـيه منـ.ـحرفه وايضا نبيله كنبل أخلاقه
جميله كجمال روحه هو خليط مختلف من كل شئ وهى غرقت لاذنها فى عشقه
نامت الان قريرة العين لتستعد للقاءه فى المساء
...................................
دلفت زينب إلى غرفت عزيز وجدته نائم على بطنه يفترش الفراش بأزرعه القويه
فتحت الستائر واقتربت منه وهى تهز كتفه بحنان
عزيز قوم يا حبيبى بقينا بعد الضهر
مش هتروح الشركه النهارده ولا ايه
كانت أمه تنادى عليه وهو فى حلمه الجميل وبلقيس بطلته
قال بصوت ناعس
مفيش شغل النهارده يا بلا
مهلا مهلا هل نطق اسم بلا
تسائلت زينب وهى تبتسم
هل نطق اسم الدلال الخاص ببلقيس اخت اسيا زوجة يونس
جلست بجواره وقالت بمرح
بلا مين يا روح قلب امك انا زينب امك يا عزيز
الان وعى على نفسه انتفض من النوم ضحكت زينب على هيئته المبعثره ووججه الخجول وكأنه تم ضبطه بالجرم المشهود
قال بحرج
صباح الخير يا حاجه
إجابته بمرح مساء الخير يا قلب الحاجه
سألها وهو يفرك وجهه من أثر النعاس
الساعه كام
قالت وهى تنظر إلى أذنه الحمراء فهى تعلم طبع ابنها الكبير حين يغضب أو يخجل تصبح اذنه حمراء
بلا مين يا حبيبى
قال بصوت خجل وهو يمسح بيده خلف راسه
بلا مين دى يا حاجه
قالت زينب بجديه مصطنعه
وانا اعرف منين يا حبيبى انت اللى قولت كدا وانا بصحيك
قال وهو يتصنع الغضب.
ليخفى حرجه من أمه فهو نطق اسمها وأمه لن ترحمه
بلا مين يا امه انا قولت ايوا يا حاجه
ابتسمت بحنان وهى تجلس بجانبه
وقالت وهى تربت على كتفه.
عموما يا حبيبى انا كنت بصحيك ليكون وراك حاجه واتاخرت عليها.
قال بقتـ.ـضاب
تمام يا حاجه شويه ونازل.اعمليلى حاجه خفيفه اكلها
مش هتتغدى معانا يا عزيز
قال وهو. يدير ظهره لامه
لكى لا يقع لنظراتها المتفحصه
لاء
عازم جماعه اصحابى على العشاء
قالت بإبتسامه حلوه تنير وجهها فقد أيقنت أن بلقيس هى صاحبة تلك العزيمه.
طيب يا حبيبى ابقى سلملى عليها
نظر لامه وسألها
هى مين
قالت له وهى تبتسم بمكر.
الدكتوره بلا يا روح قلبى وانا موافقه عليها
هتف حين خرجت أمه وهى تضحك على هيئته واذنه التى أصبح لونها احمر قانئ
قولت لك جماعه اصحابى يا حاجه
ثم ضحك على حديث أمه وأنها دايما تكشف أمره
دلف إلى الحمام وهو يقول.
بقيت بحلم بيك يا دكتوره والله عال بقيتى خطر على يا بلا ..بلقيس وانا بقلمى هيام شطا....
....................................
تعالى صوت هاتفها لتجيب
الو
أجابها الضابط عماد
دكتوره بلقيس
ايوا يا حضرت الضابط
سالته بلهفه
فيه اخبار عن القضـ.ـيه
قال بحديه انا فى المينا وقريب جدا هوصل لاسم شركة االاستيراد اللى استوردت شحنة الادويه وتطالبيها بالتعويض
قالت وقد انتبهت لكل حرف يقوله ذلك الضابط
انا عاوزه بس اعرف اسم الشركه يا عماد وانا هعرف اجيب حقى وحق ابويا لأن خالى هو اللى الصفقه كانت باسمه وخالى سابنا وهرب شكله كان متفق معاهم
قال عماد بجديه بكرا اسم الشركه هيبقى عندك
......................
وصل عزيز امام بيتها ليصتحبها لموعد العشاء ليعرف رأيها على طلبه
فتح لها باب السياره وقال بشقاوه وهو يرى هيئتها الخ.اطفه لانفاس.
ايه الحلاوه دي. يا دكتوره كدا انا اطمنت
قالت بغرور انثوى
طول عمرى
غمز لها بعينه وهو يجلس بجوارها
اكيد طول عمرك حلوه بس الحلاوه زياده النهارده
انتهى البارت دمتم بخير بقلمى هيام شطا مستنيه رايكم في مكالمة عماد يا ترى بلقيس هتعمل ايه لو عرفت أن شركة من شركات عزيز هى المستورد
رواية بلقيس و أنا الفصل السادس عشر 16 - بقلم هيام شطا
باعتني مع أول عريس مريش اتقدم لها.
عندما لمست في صوته مرارة الغدر والتخلي، قالت بصوت حاولت أن يكون غير مشفق عليه، فهو عزيز النفس لا يهوى نبرة الشفقة:
"بلاش تلومها يا عزيز، يمكن فيه ظروف خلتها تعمل كده."
"يا الله"، قال هاتين الكلمتين وهو ينظر لها.
ثم أكمل بصوت جاد:
"اللي شارى يا دكتورة مش بيبيع بالساهل، وهي لو شاريه كانت عافرت معايا، بس هي استسهلت وباعت."
صمتت، فلم يعد هناك كلام يقال.
نظر لها وأكمل بصوته الرخيم:
"فقد قرر أن يبدأ حياته معها حياة نظيفة خالية من أي كذب أو مراوغة."
قابلتها بعد عشر سنين.
انتبهت لحديثه بكل جوارحها.
سألته وهي تتأهب لمعرفة الباقي:
"من حياته؟ وبعدين؟"
قال بصدق:
"طلبت إني أرجع لها."
اندهشت من حديثه الغير سوي.
قالت بصوتها المستنكر:
"وهي لسه متجوزة؟"
قال بصوت حاول أن يكون غير مبالٍ من تعبير وجهها:
"كانت على خلاف مع جوزها، واتطلقت منه بعد كام شهر."
قالت مباشرة:
"ورجعت لها؟"
"حسناً، حان وقت إفشاء أعظم أسراره، ولكن لا مفر، لابد أن ينهي هذا الطريق."
"تزوجتها عرفي."
قال تلك الكلمات ثم صمت ونظر إلى وجهها الذي لم يعكس أي رد فعل.
ثم أكمل بجرأة، فهو قد خطى أول خطواته بالفعل ولن يعود مرة أخرى، فهو سيحصل عليها، وأقرب طرق النجاة هي الصدق:
"اتجوزتها وكنت فاكر إني بحبها، بس اكتشفت إني اتجوزتها عشان أثبت لها ولنفسي إنها مش بتحبني."
"بتحب فلوسي؟"
نظرت له بتمعن ولم تجبه، ولكنه فهم نظرتها.
أكمل كلماته وقال بصدق:
"أيوه يا دكتورة، لقيتها بتحب الفلوس، مش عزيز. تخلت عني عشان تاجر فاكهة معاه قرشين يعيشوها عيشة كويسة هي وبنتها. وسبتها وقطعت كل صِلتي بها لحد ما اشتغلت وعافرت وبقيت عزيز التهامي رجل الأعمال. ظهرت مرة تانية في حياتي تترجاني أقف معاها عشان تخلص من جوزها. وقتها طردتها بره حياتي، بس هي رجعت تاني مطلقة تفكرني بحبي لها. اتجوزتها عرفي وهي وافقت، وأنا كمان فضلت أدور في قلبي على زرة حب لها. ملقيتش عندي لها إلا رغبة فيها بتخلص أول ما آخد اللي أنا عاوزه منها."
نظرت له وتعجبت من جرأته معها في الحديث، ولكن لما التعجب وهي من أسمته الوقح.
قال في نهاية حديثه:
"بلا..."
نظر له وانتظرت باقي حديثه.
أكمل بجدية:
"أنا قلت لك تقريباً على كل أسرار حياتي، أنا قدامك كتاب مفتوح، محبتش أبداً حياتي معاك بكذبها وأخبي عنك حاجة."
بقدر ما غضبت منه ومن وقاحته ومن تلك الأسرار التي أشعلت بها نيران الغيرة، إلا أن مكانته ارتفعت عندها بمقدار غضبها منه.
قالت بغرور أنثوي لاق بها فقط:
"وتفتكر بعد كل اللي قولته ممكن أوافق عليك يا مستر عزيز؟"
قال بجدية:
"أنا مش باخد رأيك، أنا بحكي لك حياتي قبلك كانت عاملة إزاي، بقولك على حاجات محدش يعرفها عني إلا أنا عشان تكوني عارفة كل حاجة عني، إنما مش عشان تحاسبيني على حياتي قبلك."
سألته بجدية وصوت علت فيه نبرة الغضب:
"عاوزني أعمل إيه يعني ولا أحاسبك إمتى؟"
قال بصوت هادئ حنون ليمتص غضبها الذي يعطيها الحق فيه:
"حاسبيني من أول ما عرضت عليك الجواز يا ملكة. أنا بعد العرض ده بقيت كلي ملكك."
"حسناً حسناً، متى تحول هذا العزيز إلى تلك النظرة الهادئة الحنونة؟"
تلعثمت في حديثها وأربكتها.
هتفت بغيره واضحة:
"عاوز إيه يا عزيز؟"
قال بوقاحة:
"عاوزك."
"تفتكر هوافق بعد اللي قولته؟"
"مينفعش متوافقيش يا ملكة."
سألته مستنكرة من ثقته وغروره:
"إيه يخليني أوافق؟"
اقترب منها وقال وهو يخرج علبة من جيبه ويضعها أمامها:
"عشان أنتِ عجبتني وخلاص بقيتي تخصيني."
فتح العلبة التي كان بها خاتم لونه كلون عيناها أخضر مموج بالبني يلمع ببريق خاطف الأنفاس.
جذب يدها برفق وهو يتحدث معها وقال:
"ده هدية أول ميعاد بينا يا ملكة."
حسناً، سيقف قلبها من أفعاله، كيف يفعل كل هذا في لحظة يغضبها، في لحظة يشعلها بالغيرة، في لحظة يطفئ نار غيرتها بلحظة، يرضي غرورها بكلمة، يتوجها بالكلمات المعسولة "ملكة" على عرشه كما يناديها دائماً، ملكة.
ألبسها الخاتم. نظرت له وسألته وهي تشكره:
"مرسي."
أومأ لها وجلس.
أكملت:
"إيه حكاية ملكة ده؟"
أجابها ببساطة:
"أنتِ يا دكتورة ملكة، ومش أنا بس شايفك ملكة."
ابتسمت بينما ضرب الخجل وجهها وقالت:
"محدش بيقولي يا ملكة غيرك."
قال بمكر:
"الدكتور إبراهيم له رأي تاني، ده سماكي أنتِ وأختك على أسامي أشهر ملكات العالم."
انتبهت الآن لحديثه، بالفعل هو وأبوها يرونها ملكة.
***
وقف أمام غرفة أمه، طرق على بابها بهدوء وروح مستكينة كروحه التي بدأت تستكين بعد حديثه معها. سيسلم قلبه لها ويعيش باقي عمره يعوضها هي وعائلتها عما فعله بها وبهم.
أتته صوت أمه الحنون:
"ادخل يا عزيز."
دلف لها وهو يبتسم وقال:
"نفسي أعرف بتعرفي إزاي إن أنا اللي على الباب؟"
ابتسمت بوجهها البشوش وقالت:
"قلبي بيشوفك قبل عيني يا حبيبي."
قال وهو يقترب منها وهي جالسة على فراشها تمسك بيدها مسبحته تسبح بها:
"ادعيلي يا أمي."
أجابته بحنانه:
"وأنا عايشة إلا عشان أدعيلك أنت وأخوك."
قال بنبرة يدعو فيها الحزن والدلال على أمه:
"لأ يا ست الكل، تدعيلي أنا أكتر اليومين دول."
ابتسمت بحنان، هي تجذب رأسه ليستريح بجذعه على الفراش بينما استقرت رأسه في حجر أمه، وبدأت تمرر يدها بحنان في خصلاته الفاحمة وسألته:
"فيه إيه يا عزيز؟ عنيك مليانة كلام."
أخذ نفساً عميقاً وهو نائم براحة وقال:
"عايز أتزوج يا ست الكل."
قفزت الفرحة في عينها قبل لسانها، فابنها البكري أخيراً تخلص من عقدته وحب بنت الجيران الذي ظل أسيراً له إلى أن تخطى الخامسة والثلاثين.
قالت بفرحة:
"ألف مبروك يا حبيبي، هنخطبها امتى؟"
ابتسم بفرحة على فرحة أمه وقال بحماس:
"بقولك اتزوج يا حاجة زينب مش نخطبها."
قالت بحماس:
"خلاص يا حبيبي هتتجوزها؟"
قال بمرح وصوت هائم:
"إن جيت للحق يا حاجة زينب، عايز أتزوجها امبارح."
هتفت بفرح تساير فرحة بكرها:
"وماله يا حبيبي، نجوزهالك بكرة، هو أنت ناقص عليك حاجة، ده أنت عزيز التهامي."
ضحك بصخب على حماس أمه وقال وهو يعتدل ليجلس مواجهاً لها:
"مش بكرة يا حاجة، يعني بكرة."
قالت بفرحة:
"وأيه يمنع بكرة يا حبيبي، عندك بدل الشقة أكتر من واحدة."
ابتسم وهو ينحني يقبل يدها وقال:
"أهدي بس يا حاجة، إحنا نروح نخطبها بكرة مع عمي وأنتِ ويونس. وأنتِ بقى وشطارتك زي ما عملتي مع يونس، اعملي معايا، تجيبي مأذون حلو كدا زيك وتصممي يكتب الكتاب، وكمان تقولي الفرح مع يونس وأسيا."
هتفت بفرح:
"كدا بس، ده أنت تأمر يا حبيبي."
ثم قالت بحماس:
"هتروح للدكتور إبراهيم الساعة كام بكرة؟"
علت الدهشة وجه عزيز وسألها:
"عرفتي إزاي؟"
قالت بفطنة:
"أم... من يوم ما قولت اسمها وأنا بستناك كل يوم تيجي تقول لي هتيجي تخطبيهالي امتى."
ابتسم ونظر لأمه وهو يقبل يدها ويقول:
"ربنا يخليكِ ليا يا ست الكل."
قالت بحنان:
"ويفرح قلبك يا حبيبي."
***
وقف أمام عمه الذي جلس مع يوسف في حديقة فيلا التهامي.
قال بجدية، فهو يريد أن يطمئن عمه من ناحيته ولا يثير أي شكوك، وأول طريق الأمان هو أن يذهب عمه معه لخطبة بلقيس، حتى يطمئن خليل إلى أن عزيز ما زال طوع أمره وذراعه الذي لا يجرؤ على الابتعاد عنه.
جلس بهدوء بجانب عمه وقال:
"عايزك في موضوع يا عمي."
أجابه خليل باستخفاف:
"خير عزيز، حصل إيه في الدنيا علشان تعوز مني حاجة؟"
تمسك عزيز ببرود أعصابه ونظر لعمه بمكر وقال بصوت جعله محباً هادئاً ليلعب على وتر عمه الحساس وهو أنه لا يستطيع فعل شيء إلا بالرجوع له:
"عايزك معايا يا عمي تكون كبيري وأنا رايح أخطب."
لاقيت كلمات عزيز استحسان خليل.
قال بغرور:
"ده يوم المنى يا عزيز، مين سعيدة الحظ؟"
قال عزيز:
"دكتورة بلقيس بنت الدكتور إبراهيم الحديدي."
"حسناً حسناً."
تغير وجه خليل بينما صاح يوسف بغضب:
"الله الله، ده أنت وأخوك متفقين بقى."
هدر عزيز:
"ملكش دعوة يا يوسف، أنا موجهتش كلام لك."
قال عمه وهو يحاول كبح غضبه:
"اشمعنى دي يا عزيز؟"
قال بلا نقاش:
"عجباني."
قال عمه بوقاحة:
"شوف لها سكة."
أجابه ببرود:
"دي سكتها ومش هنكلم كتير، قولت لك محتاجك تيجي معايا وأنت كبيري، قولت إيه يا عمي؟"
لاقت كلمات عزيز استحسان خليل وقال بصدر منتفخ من الغرور:
"حدد ميعاد وأنا معاك."
"بكرة يا عمي."
قال بزهو:
"ربنا يتمم لك بخير يا عزيز."
بينما انتفض يوسف بغضب وصاح في أبيه:
"تمام يا خليل باشا، خليك مع أولاد أخوك، حل لهم مشاكلهم وجوزهم، ولا أكن لك ابن."
انصرف غاضباً. حاول عزيز إيقافه، ولكن خليل جذبه وقال له:
"سيبه، هيلف بالعربية شوية ويرجع تاني."
تركه عزيز وانصرف ليبلغ الدكتور إبراهيم بموعد زيارتهم له ويمنى نفسه بقربها، وأخذ منه الموعد في اليوم التالي.
***
وقف يونس وآسيا في حديقة ڤلتهما بعد أن وضعوا آخر لمسات على الحديقة.
قالت آسيا بابتسامته الجميلة:
"الجنينة بقت تحفة يا يونس."
اقترب منها كالمأثور بضحكتها الحلوة وقال بغزل صريح:
"ده أنتِ اللي حلوة أوي أوي يا سو."
ابتعدت قليلاً عنه وقالت وهي مرتبكة لتغير مجرى الحديث:
"طيب يلا... يلا نشوف إيه ناقص."
مسك يدها قبل أن تغادر واقترب منها ونظرات المكر تتراقص في عينيه وقال:
"خلاص الجنينة كانت آخر حاجة يا سو."
اقترب منها أكثر وأكثر حتى أصبح ما يفصل بينهم إنشات بسيطة.
رفع يده إلى خصلات شعرها ليزيل من عليها أحد الأعشاب العالقة بها، بينما هي ظنته سيقبلها، دفعته والخجل يملأ قسمات وجهها وقربه المهلك وعطره النفاذ الذي ملأ مجرى تنفسها، وهي تقول:
"يونس وبعدين..."
"شلت الأعشاب العالقة في شعرك يا سو، أنت مخك راح فين؟ 😉"
ثم غمز لها بوقاحة وقال:
"لأ لأ يا سو، دا أنا كده أخاف على نفسي منك."
نظرت له ببلاهة لا تستوعب مرحله معها، تورّد وجهها بالخجل لتدفعه وهي تنصرف مسرعة تداري خجلها بغضبها المصطنع:
"آه يا قليل الأدب."
كانت تلك كلماتها التي انفجر يونس بعدها بالضحك. لا ينكر أنه سعيد بقربها، بل يتمنى قربها، ولكن قرب دون رهبة. أرادها ويريدها بشدة، ولكن مهلاً مهلاً حتى لا تخشاه، يريدها أن تبدأ هي أول خطوات القرب، وهو ما يعمل عليه، يعالجها بالمواقف حتى تتعلم ولا تنتكس مرة أخرى.
***
وقف أمام ذلك الشخص الذي تظهر على وجهه علامات الإجرام من تلك الندبات التي تحتل وجهه.
سأله بصوته الخشن:
"خير يا يوسف باشا، إيه رماك علينا؟"
قال والغـ.ـل يملأ صوته:
"عايزك في خدمة يا عنتر."
ضرب الرجل عنقه بسماجة وقال:
"رقبتي يا باشا."
أعطى يوسف عنوان رحيل إلى ذلك الرجل وصورتها له وقال:
"عايزك تخـ.ـطف لي مراتى من أبوها."
قال عنتر وهو يأخذ الصورة منه:
"اعتبرها عندك يا باشا."
***
وقف بينما يهندم له يونس رابطة عنقه وهو يقول له بفرحة:
"والله وجه اليوم اللي أفرح فيك يا عزيز باشا، مش مصدق، ده حصل امتى وإزاي؟ دكتورة بلقيس مرة واحدة، أه يا قادر وقدرت تقنعها إزاي؟"
أزاحه عزيز بغرور وهو ينظر في المرآة ويقول:
"أقنع مين يا حبيبي؟ أنا عزيز التهامي، ولا أنت ناسي؟"
قالت زينب وهي تضحك:
"لأ يا حبيبي، محدش ناسي، ومتنساش أنت كمان إنها الدكتورة بلقيس."
صاح يونس وهو يضحك:
"أوبا! الحق يا عزيز، الدكتورة لسه مدخلتش البيت وأمك بتدافع عنها."
قال عزيز مصدقاً على حديث أمه المرح:
"لازم تدافع عنها، مش مراتي."
صاح يونس بطريقة مسرحية:
"أنا أعترض، لازم تدافعي عن الاختين يا أم عزيز، يا أما بقى ده ظلم."
قالت زينب بحنان:
"أنتم وهما في عيني يا حبيبي، ويلا هنتاخر على الناس."
نزل يونس يسبق أمه وأخيه، بينما انتظره خليل في بهو الفيلا ليذهبوا لخطبة بلقيس لعزيزها.
***
جلسوا جميعاً في بهو فيلا إبراهيم الحديدي.
قال خليل بفخر، ولكنه غير مصطنع، فبرغم كل شيء، فعزيز هو اسم على مسمى. بالنسب لخليل، فهو أعز الناس إلى قلبه:
"يشرفنا يا دكتور إبراهيم نطلب إيد الدكتورة بلقيس بنت حضرتك لعزيز ابني."
قال إبراهيم بسعادة لم يخفيها:
"موافق، أكيد عزيز زي ابني من يوم ما عرفته، وغلاوته من غلاوة يونس."
هتفت زينب بفرحة:
"يبقى على خيرة الله، نقرا الفاتحة."
ردد الجميع فاتحة الكتاب وأنهوها، بينما أطلقت آمال الزغاريد ومن اليوم بفرحتها، فها هم بناتها سيتزوجون أخوة، وأيضاً من عائلة مروقة، وارتاح قلبها عليهم بعد الأيام العصيبة التي مرت عليهم.
قالت زينب وهي تنظر إلى عزيز ثم إلى الدكتور إبراهيم:
"بعد إذنك يا دكتور، نعمل فرح عزيز مع يونس."
قال إبراهيم بدهشة:
"بس فرحهم لسه عنه عشر أيام بس يا حاجة، مش هنلحق نجهز البيت لهم."
هتفت زينب وهي ترى فرحة ابنها:
"ونجهز له يا دكتور، الفيلا عندنا مش ناقصها حاجة، والدكتورة تشاور على الفرش اللي يعجبها، نص ساعة ويكون مفروش في جناحها هي وعزيز."
ثم نظرت إلى بلقيس المأخوذة بجمال اللحظة وسألتها برجاء:
"قولتي إيه يا بنتي، تعيشي معايا في الفيلا ولا هتقولي عليا حما وتخافي مني؟"
قالت بلقيس بصوت رغم ثقته في الرد إلا أنه خجول:
"لأ طبعاً يا طنط، أكيد مش هقول كدا."
هتفت زينب بفرحة بينما جعلت الجميع ينصت لحديثها العفوي الجميل:
"ماما يا روحي، قوليلى يا ماما، ده طبعاً بعد إذن مدام آمال."
لم تعارضها آمال، بينما لمست في تلك السيدة طيبة القلب والحنان لبناتها.
وقالت بمحبة:
"لأ طبعاً يا حاجة زينب، أنتِ كمان أم بناتي."
قالت زينب بفرحة:
"يبقى خلاص، الفرح مع يونس وآسيا، وفرحتنا تبقى فرحتين. وبكرة الشبكة وكتب الكتاب."
قالت بالفيس وهي تشعر أنها في حلم:
"بسرعة كدا."
مال عليها عزيز دون أن يلاحظه أحد وقال بوقاحة:
"رجل العصا بات، بسرعة إيه يا ملكة، ادعي لي أصبر العشر أيام دول."
قالت بخجل:
"عزيز."
قال بوقاحة:
"عيونه يا ملكة قلبي."
قالت بما تشعر به دون تردد:
"مش مصدقة."
قال لها وهو يغمز لها بعين تكاد تلتهمها:
"صدقي يا ملكة، قولت لك قبل كده، إحنا عيلة سحرة."
ضحكت على ذلك الوصف التي لقبته به هي، وقالت:
"أنا عرفت أنتم ورثتوا السحر منين."
ثم نظرت إلى زينب التي كانت سعادتها لا توصف نابعة من سعادة أبنائها.
***
خرجت كعادتها بعد صلاة الفجر تستنشق هواء الخريف البارد النقي، وتبحث عن الصغير عبد الله التي تهوى اللعب معه، لتقع عينها عليه يجري كعادته يسبق شيخه ويجري حوله.
ما إن رآها الصغير حتى صاح بفرحة:
"بنت العمدة!"
جرى عليها. وقفت رحيل وفتحت يديها للصغير يجري عليها ليرتمي بحضنها. حملته بحنان، فهي عرفت قصته من زوجة أبيها الحنونة وعرفت أنه يتيم والشيخ علي يكفله ويتولى رعايته.
قالت وهي تقبل خده الشهي:
"اسمي رحيل، تناديني يا رحيل."
قال ببرآة:
"ميصحش."
سألته بحجب مقتضب:
"ليه ميصحش؟"
أجابها وهي تنزله أرضاً حين اقترب منها علي:
"علشان الشيخ علي قالي كدا، ميصحش ننادي للناس اللي أكبر منا باسمهم."
قالت بمحبة:
"هو كلام الشيخ صح، بس أنا عايزك تقول لي باسمي ومش هزعل."
قال الصغير بفرحة:
"خلاص، يلا نلعب استغماية يا رحيل."
جرت خلف الصغير وهي تضحك:
"أنا همسكك قبل الشيخ علي يا عبد الله."
ظلت تلعب وتلهو مع الصغير وهي غافلة عن تلك السيارة التي تراقبها من بعيد لينزل منها ثلاث أشخاص ويمسكوا بها مستغلين بعد عبد الله والشيخ علي عنها وخلو الطريق من المارة، فما زال الوقت مبكراً والبلد لم يخرج منها سكانها للطرقات.
انقض عليها شخصان بينما الثالث جلس في السيارة ينتظرهم حتى يأخذوها.
وجدت نفسها مكبلة من رجلان غريبان يجذبونها بقوة ناحية سيارة.
صرخت بصوت مرعوب:
"الحقني يا علي، بيخطفوني."
رواية بلقيس و أنا الفصل السابع عشر 17 - بقلم هيام شطا
صباح الجمال يا أحلى عروسة.
تورد وجهها من غزله وقالت: صباح الخير يا عزيز.
أنت في؟
في طريقي للمكتب.
سألته بجدية: ممكن نتقابل؟
عيوني يا ملكة، أعدي عليك.
قالت وهي تركب سيارتها: أنا هكون في المستشفى بعد عشر دقائق، يا ريت تيجي هناك.
أجابها: هسبقك هناك، أنا جنب المستشفى تمامًا.
***
تعالى رنين هاتفه ليجبره على الاستيقاظ.
أجاب بصوت ناعس: ألو مين؟
أتاه صوت عنتر المرعوبي: يوسف باشا، العملية باظت واحنا هنختفي.
صاح يوسف بغضب: علشانك غبي يا غبي، اختفي.
وإياك تجيب سيرة ليا، ولو اتقبض عليك أنا معرفكش ولا شوفتك، وامسح رقمي من عندك.
ثم أغلق الخط ونظر بغل إلى الهاتف الذي ذكره براحيل التي تحتل صورتها شاشة الهاتف.
وتذكر كيف كانت متيمة به وكيف أنها الآن تسربت من بين يديه.
ليرمي الهاتف بغل ليتحطم إلى أجزاء صغيرة ويصيح بغضب باسمها: رحيييييييييل.
ولكن أين هي رحيل؟ الإنسان لا يدرك النعمة التي كانت في يده إلا بعد أن يفقدها.
***
وصلت إلى المشفى.
كان قد سبقها بقليل.
دلفت إليه لتجده يستمع إلى وردة كالعادة تشدو بأغنية ويبدو أنه في مزاج جيد، بل جيد جدًا.
قال: إيه بيسألوني عنك يا نور عيوني. معقول أكون بحبك أكتر من نفسي؟ ليه ليه؟
عند هذه الكلمات تمنت أن يكون متيم بها.
وتساءلت: هل يحبها؟ لم يقولها لها، ولكنها تشعر بها في كل أفعاله.
لما لا يقولها لها؟ أحبك، ما أعذبها من كلمة.
طرقت على باب مكتبه بهدوء.
قال بثقة: ادخلي يا دكتورة.
دلفت وهي تبتسم وقالت: صباح الخير.
استقام في وقفته، ومد يده لها ليصافحها واحتفظ بيدها داخل يده وهو يستدير ويجلس على الأريكة ويجلسها بجواره.
قال وهو ينظر إلى وجهها الصبوح بسمتها الجميلة: كل العرايس حلوين كدا ولا أنت أخدتي كل حلاوتهم.
قالت وهي تدعي الجدية: عزيز.
قال وهو ينظر لها وكأنه مفتون: عيونه.
هتفت مرة أخرى: عزيز اسمعني، عاوزة أقولك حاجة مهمة، خلينا نتكلم جد.
قال وهو يعتدل في جلسته ولم يترك يدها: جد الجد يا دكتورة، خير.
توترت ملامحها.
قالت وهي تفرك يدها لتستجمع شجاعتها، وأخيرًا تحدثت: طبعًا يا عزيز، أنت عارف إني كنت متجوزة قبلك.
ما أن نطقت تلك الكلمات حتى تغيرت ملامح وجهه.
ويده التي ما زالت تمسك بيدها ضغط بها على يدها وكأنه يكبح جماح غضبه.
قال بجمود: عارف ومش عاوزك تفكريني.
قالت وهي تستدعي هدوءها لتعرفه الحقيقة التي تخصها ولا تترق للحديث عن طليقها لأن هذا سره هو ولا يحق لها إفشائه: فيه حاجة مهمة لازم تعرفها يا عزيز.
قال وما زالت صفحة وجهه متجهمة، ولكن الغيرة غلبت عليه: قلت لك مش عاوز أعرف حاجة.
كل اللي عاوز أعرفه، وإنتي كمان تعرفيه، إنك متجوزتيش قبلي ولا حد دخل حياتك قبلي ولا اتكتبتي باسم حد قبلي.
أنهى كلامه بينما اشتعلت عيناه بالغيرة والغضب وقال وهو ما زال يضغط على يدها غير منتبه للألم الذي ألم بها: ولا حد لمسك قبلي.
كل اللي فات تنسيه يا دكتورة، إنتي من يوم ما دخلت حياتك وإنتي بتاعتي أنا، تخصيني أنا.
كل اللي فات قبل كدا تمسحيه من ذاكرتك.
يا الله، هل يغار إلى تلك الدرجة؟ أنه لا يتحمل أن تذكر إنسان وجد بحياتها قبل ظهوره.
تساءلت بلقيس.
قالت وقد اشتد الألم بيدها: خلاص يا عزيز.
ثم تأوهت: آه إيدي يا عزيز.
هنا انتبه ليدها التي يضغط عليها.
تركها بسرعة، ورفعها لينظر إلى كفها الذي كاد أن يكسر أصابعها دون أن يدري بسبب غيرته.
قال واللهفة تنطق على وجهها: إيدك جرالها حاجة؟
سحبت يدها من يده وقالت وهي تخفي ألمها: حصل خير.
صمت لحظة ثم نظر لها وقال بحنان: تعالي إيدك أطمن عليها.
مدت يدها له ليمسك بيدها يمرر يده عليها بحنان وقال وهو يتحاشى النظر لها حتى لا تفضحه عيناه: بلا.
أجابته وهي مخدرة من حنانه على يدها: أيوا.
قال وهو يكمل ما يفعله يمرر يده على يدها بحنان: بلاش تفتحي السيرة دي تاني.
أنا فتحت معاك صفحة جديدة ملهاش دعوة بأي ماضي ليا، عاوزك إنتي كمان تعملي كدا.
افتحي صفحة جديدة في حياتك والماضي انسيه، واكتبي في أول صفحة اسمي.
عزيز وبس.
كادت أن تفقد وعيها من همسه وكلماته.
تماسكت في حضوره الطاغي المهلك لقلبها الذي يحيي معه شعور أول مرة يغزو قلبها.
قالت وهي تغاير الموضوع: مغرور.
نظر لها وقد علت الدهشة وجهه: ما هذا الرد؟ ليس هذا ما انتظرته منها.
ثم أكملت بمرح: طبعًا مغرور، عاوزني ألغي كل الناس اللي في حياتي وأكتب في الصفحة عزيز بس؟ وباقي الناس؟
قال بغرور: نكتبهم في صفحات تانية، إنما الصفحة دي ليا أنا، أنا أولها وأنا آخرها، عزيز وبلقيس.
أنا وإنتي وبس.
تورد وجهها من حديثه الجريء.
وقفت وقالت وهي تجمع شتات قلبها وعقلها: تمام، أسيبك أنا تشوف شغلك وأنا كمان ورايا حاجات كتير وكدا أنا اتأخرت.
قال وهو يتركها لتغادر: هتوحشيني.
نظرت له وابتسمت بحلاوة.
سألها بشقاوة: مفيش إنتي كمان؟
أجابته بدلال: لأ، مفيش.
هتف خلفها وهي تغادر: بخيلة.
نظرت له وقالت بأسلوبه السوقي: يعجب.
أجابها وهو يشبع عينيه منها: يعجب يا باشا.
***
كادت أن تفقد حياتها أو يخطفها تلك المجهولين.
من هم؟ ماذا يريدون منها؟
والأهم ماذا كان سيحل بها لولا علي الذي دافع عنها بـ.ـسماته كاد أن يفقد حياته.
جلست هي وأبيها وزوجته الحنونة وأخواتها وبعض من أهل القرية الذين رأوا ما حدث وجائوا خلف شيخهم يطمأنوا عليه.
جلست تبكي في حضن زوجة أبيها الحنونة.
قالت وهي تنتحب: أنا خايفة أوي يا ماما.
مني خايفة على الشيخ علي يحصله حاجة.
قالت مني وهي تحتضنها: إن شاء الله بسيطة يا حبيبتي والدكتور هيطلع دلوقتي يطمنا.
بينما كان أبيها مع مأمور المركز وضابط القرية.
سأل: هبتهم حد يا حاج سالم؟
قال سالم بيقين فهو متأكد أن خليل أو ابنه هو من فعلوه: هبتهم جوز بنتي يوسف خليل التهامي.
إحنا على خلاف يا فندم وبنتي رافعة عليه قضية خلع وهو مش راضي يطلقها.
قال الضابط بعملية: لازم ناخد أقوال مدام رحيل.
نادها منير أخيها ووقف بجوارها وقال بحنان: متخفيش يا رحيل، كلنا معاكي.
سألها الضابط: والدك بيتهم جوزك أنه هو له مصلحة في خطفك، شفته؟
قالت بصوت مرتعش: لأ، مشفتهوش.
سألها مرة أخرى: له مصلحة في خطفك؟
قالت بصوت خائف: مش عارفة، يمكن أيوا، لأننا على خلاف.
قال أبيها: أنا باتهمه يا فندم وبطالب حضرتك تعمل محضر عدم تعرض لبنتي.
كانت كالمغيبة، لا تدري على من تحزن.
تحزن وتقهر من ابن خالتها زوجها التي استأمنته على نفسها وروحها ليستأجر مجرمين يخطفوها؟
بأي عقل يفكر؟ هل أراد أن يعيدوها إليه؟ ألم يخشى عليها منهم؟ أم أراد منهم أن ينتقموا له منها؟
أم تحزن وتقهر على ذلك العلي ابن عمها التي لم تعاشره إلا شهران ودافع عنها بـ.ـسماته حتى أن حياته في خطر بسببها؟
هل عاشت حياتها في كذبة؟ اسمها حب ابن خالتها الغيرة أم.
نظرت إلى الضابط الذي كان ينهي ذلك المحضر باتهام يوسف بالتحريض على خطفها وانتظار على ليأخذوا أقواله.
عادت مع أبيها تنظر إلى غرفة العمليات التي خرج منها الطبيب.
جرى عليه منير أخيها يسبقها ويسبق أباها ليطمأن على أخيه الكبير علي.
قال بلهفة: طمنا يا دكتور.
أجاب الطبيب بعملية: الحمد لله، الطعـ.ـنة ما أثرتش على الكلى، هو بس الجرح صعب شوية بس الحمد لله المريض بخير.
هنا تنفست رحيل الصعداء وأخيرًا اطمأنت على ابن عمها الشهم وعلمت أن كل حساباتها كانت خاطئة.
فهي كان لابد عليها من طاعة والدها ولكنها لم تطعه لتتعلم الدرس، ولكنه كان قاسي عليها.
ولكنها الآن تعلمت الدرس ووعته جيدا.
***
أنه الليل وما أجمله.
أتى أخيرًا.
لم تصدق أنها ستكتب له اليوم.
لم تصدق من الأساس، هل هي له؟
تبلغ السرعة؟ لم يمر عام على معرفته بها.
توقعت عام حزين بينما كانت بدايته مأساوية ولكن نهايته أفراح ملأت قلبها وقلب أهلها.
وقفت تنظر إلى هيأتها في المرآة.
هل هي جميلة؟
لم يدم سؤالها طويلا.
هتفت آسيا خلفها بفرحتها: إيه الجمال ده يا بلا.
خفضت عيناها بخجل وقالت وهي تدعي الجدية: جمال إيه يا ست سو، أروح فين أنا في حلاوتك.
ثم تعالى صوت يونس وهو ينادي عليها.
قالت بلقيس بمناغشة: اتفضلي، أهو يونس مش متحمل يغيب عنك دقيقة، يبقى مين الجميل فينا.
ضحكت آسيا وهي تقول بغرور: لأ، هو يونس كدا مش متحمل، على طول جمبي.
هتفت بلقيس بفرحة: سيدي يا سيدي.
شوف شوف آسيا هانم بتقول إيه.
انتهت شجاعتها مع كلمات أختها وتورد وجهها بالخجل.
هتفت: بلا بطلي سخافة ويلا زمان عزيز جاي.
ثم انطلقت خارجاً تبحث عن يونس بهجت حياتها، هو الذي أعاد لها الأمل وأعادها للحياة مرة أخرى.
***
جلس في شرفة غرفته يتجرع مرارة الخسارة.
ينظر إلى أبيه وهو يجاور عزيز في سيارته وينطلق بها.
يعلم أن أبيه يحب عزيز ولا يستطيع الاستغناء عنه لأجل أعمالهم الذي يشك وبدرجة كبيرة في أنها مشبوهة.
مما جعل الحقد يتزايد في قلبه من الجميع، وخاصة أبناء عمه.
فينوس أخذ منه آسيا، وعزيز كالعادة، هو دائمًا صاحب المكاسب الجبارة.
أخذ أختها الكبيرة وأصبحت كل العائلة في يد أبناء عمه.
ورحيل، آه من رحيل.
تلك التي كانت بين يديه أضاعها بغبائه.
من يده يتذكر كيف أهانته حين قبضوا عليه بشأن حادث الاختطاف وأنكر كل شيء، ولكنه أرغم على أن يمضي على عدم التعرض لها.
ولابد أن يبتعد عنها اليوم بقوة أبيها وقوة القانون.
يتذكر كيف تراجعها هي وأبيها أن تغفر له، أن تسامحه.
يريدها الآن وبشدة.
ولكن مهلاً.
هل يريدها؟ أم يريد آسيا؟ أم يريد الانتقام من رحيل؟
أم يريد أن يدمر آسيا وأبناء عمه؟
أم يريد أن يقتل هاني صديقه الذي دمر آسيا ودمر معها أي فرصة له؟
لأن هو لا يعلم ما يريد.
كل ما يريده أن يحـ.ـرق العالم كله لأنه أخذ منه كل شيء وأصبح لا يملك إلا الحسرة التي ينظر بها لأي شيء حوله وكل شيء.
***
وصلوا إلى بيت دكتور إبراهيم في حفل هادئ في حديقة المنزل وأجواء هادئة.
العائلتان والأصدقاء وأطباء المشفى وقليلاً من رجال الأعمال وكفى.
وقف أسفل السلم بجوار أبيها أمها أمه أخيه ينتظرها.
وكم كانت خاطفة للأنفاس وهي تطل عليه متأبطة يد أختها الصغيرة آسيا.
كانت بحق تملك هي وأختها نفحة من أسمائهم.
فهن الآن وكأنهن ملكات هربن من صفحات التاريخ.
تصنم الأخوان من جمال زوجات المستقبل.
أعطت آسيا يد أختها إلى عزيز وقالت له بمشاكسة: اتفضل عروستك يا عزيز.
أخذ يدها وكم كانت خجولة ترتعش يدها وكأنها ابنة السابعة عشر.
أمسك بيدها وخرجا إلى حديقة المنزل حيث الاحتفال البسيط.
جلس بجوارها واقتربت زينب وهي تحمل في يدها علبة كبيرة مزخرفة لامعة.
وقفت بجانب عزيز وهي تقول بفرحة: لبس عروستك شبكتها يا حبيبي.
وقف وجذب يد بلقيس.
فتحت العلبة التي توسطها طقم من الألماس الخالص وخاتم الخطبة الخاطف الأنفاس.
ودبلة عزيز البلاتين.
قالت وهي غير مصدقة ما تراه: ألماس يا عزيز.
قال بوقاحة وهو يهمس بجوار أذنها وهو يلبسها العقد: ألماس يجي إيه وهو بيحضن رقبتك الحلوة يا بلا.
ورد خدها هتفت بخجل: عزيز.
قال وهو يكمل تلبيسها باقي شبكتها: عيونه.
ثم أخذت دبلته وألبستها له.
علت الزغاريد والتهاني حولهم.
وبعد قليل أتى المأذون ليعقد قرانهم.
جلسوا حولهم ليعقد القران وأخيرًا ستكتب على اسمه.
أنهى المأذون عقد القران وهو يقول: بارك لكم وجمع بينكم في الخير.
تعالت الزغاريد والتهاني.
جلسوا واكتملت الحفلة الهادئة التي لم تخلوا من بعض الصحافيين لتغطية الخبر، فها هو عزيز التهامي يرتبط أشهر رجال الأعمال وحلم الكثير من الحسناوات.
يختار طبيبته ويقع في هواها.
همس لها وهو يقترب منها: مبروك يا حرم عزيز التهامي.
قالت بخجل أذاب قلبه وقضى على صبره: الله يبارك فيك يا عزيز.
قال بوله: عزيز عاوز ياخدك ويروح، وبلاها الفرح.
ضحكت بدلال وقالت: كلهم عشر أيام.
أخذ يدها ومشى بجوارها إلى أن اختفى في أحد أركان الحديقة الهادئة.
مال عليها ليهمس: مش قادر أتحمل كل حلاوتك دي يا بلا.
وقبل أن تجيبه كان ينحني ليسرق منها الماكر أولى قبلاته لها.
وكم تمناها وحلم بها، ولكن الواقع أجمل بكثير.
ابتعد عنها وقال وهو يلتقط أنفاسه: كان هيجرالي حاجة لو ما عملتش كدا.
انخرست، لم تستطع حتى النظر إليه.
بينما غرقت في خجلها وما فعله معها هذا المنحرف.
دفعته وأخيرًا خرج صوتها.
قالت وهي تدعي الغضب لتهرب منه: آه يا قليل الأدب.
وجرت أمامه.
ضحك خلفها وقال بسوقيته: العهود همتظاميش قلة الأدب.
استضم كتفها بكتف يونس الذي وقف هو الآخر يدلل آسيا ويحاول أن يمحو كل الحواجز بينهم قبل الزفاف.
قال بمناغشة فهو يعلم طرق أخيه ويبدو أنه استخدمها على طبيبته: براحة يا دكتورة، إيه حد بيجري وراكِ؟
كل ما تجيبه بينما ظهر عزيز خلفها وهو ينادي عليها وضحكته ملء فمه.
علم أنها وقعت في فخ أخيه.
***
أنه الصباح وكم كان جميلاً مشرقاً على بنات الحديدي وحياتهم.
فدوام الحال من المحال والشئ الثابت في الحياة هو التغير.
أصبحت حياتهم أجمل، أهدأ.
نعموا أخيرًا بالراحة والاستقرار والحب.
ولكن الصباح هذا اختلف عند درة التي اتقدت أعينها بالشر وهي تنظر إلى صورته عبر أحد تطبيقات الإنترنت وتحت الصورة خطبة أشهر رجال الأعمال عزيز التهامي والدكتورة بلقيس الحديدي.
صرخت بقهر: ما ضاع منها، عزييييييييز.
هل ضاع منها وإلى الأبد؟ بتلك الزيجة نعم ضاع منها.
ولكنها لن تتركه ينعم بأحضان غيرها حتى وإن كانت نهايتها.
***
كان صباح على مختلف وهو يرى إصرار عمه وهو يجمع له أغراضه من المشفى هو ورحيل.
قال سالم بجدية: مش هترجع على بيتك يا علي إلا بعد ما تخف خالص.
أجابه بصوت متعب: علشان خاطري يا عمي، سيبني أروح بيتي.
إنت عارف عبدالله ملهوش حد غيري.
قالت رحيل بصوت هادئ وهي تنظر له: عبدالله كمان هيجي معاك إنت وعبد الله.
قال بإصرار مقابل بإصرار عمه: معلش يا عمي، سيبني براحتي.
قال سالم بجدية: هتيجي معانا يا علي، مرات عمك وأولاد عمك يراعوك الكام يوم دول نرد حاجة من جميلك علينا يا ابني.
هتف علي بصوت متعب: متقولش كدا يا عمي، أي حد مكاني هيعمل كدا.
اقتربت رحيل وهي تحمل حقيبته وقالت وهي تناغشه: وهيضرب بالمطوة برضو؟
ضحك علي كلماتها وقال: وهيضرب بالمطوة برضه.
وقالت بحنان: جعله يغض بصره، فهو لا يريد الفتنة بتلك الحورية خمرية اللون.
يبقى تسمع الكلام وتروح معانا، دي ماما منى بتطبخ من امبارح وجهزنا لك إنت وعبدالله أوضة الضيوف.
لم يستطع الرفض أمام هذا الإصرار وذهب معهم لتعتني به زوجة عمه وأبناؤه.
ولكنه يخشى الوقوع في تلك الفتنة التي تمرح أمامه بعفوية وبراءة.
تستفز مشاعر كان يتوهم أنها ماتت ودفنت مع زوجته.
***
ذهب آدم مباشرة إلى مكتب عزيز بالمشفى، فهو يريد أن ينهي كل الأعمال لديه قبل موعد الزفاف.
استأذن آدم في الدخول.
قال عزيز بصوت خشن: اتفضل.
دلف آدم إلى عزيز الذي كان يعمل في بعض الأوراق.
رفع عزيز عينيه إليه يرى من القادم.
عرفه دون جهد في الاستذكار، فهو طليق بلقيس.
قال بصوت بارد: خير.
علم آدم أن تلك الزيارة منه لن تكون مرحب بها من عزيز.
جلى صوته وقال بصوت حاول أن يكون متماسك: طبعًا إنت مستغرب أنا جاي لك ليه.
قال عزيز بنفس صوته البارد: وإيه سبب تشرفك النهارده؟
قال آدم بخبث: جاي أنصحك.
قال عزيز بلا مبالاة: مش عاوز منك نصايح واطلع بره بدل ما أطلعك غصب عنك.
علا صوت عزيز نسبياً وبدأ الغضب يظهر على وجهه.
كانت بلقيس متجهة إلى مكتبه لتأخذ الملفات الخاصة بالجناح المجاني.
سمعت صوته وآخر كلماته.
كادت أن تفتح الباب وتدخل.
ولكن الصوت الذي سمعته والكلمات شلت حركتها.
إنه صوت آدم طليقها.
قال آدم بخبث: أهدى بس يا عزيز باشا، أنا جاي أنور لك طريقك.
قال عزيز بغضب: اطلع بره.
ألقى آدم قنبلته الفتاكة وأيضاً الكاذبة لكي يفسد الزيجة قبل فلقيس له وحده.
قال بصوت حقود: أنا طلقت بلقيس عشان استحالة تخلف.
استمعت بلقيس لكلمات آدم المسمومة وافتراأه عليها.
كادت أن تدخل وتصفعه ذلك الكاذب المخادع.
ولكن عزيز أسكت كل الأصوات.
صوت آدم وصوت غضب بلقيس.
وقف عزيز واقترب من آدم وقال ببرود بينما علم أنه كاذب لأنه ما زال يلهث خلفها مثل الكلب: وطالما هي مش بتخلف، لسه بتجري وراها زي الكلب ليه؟
ثم صاح عزيز بغضب وهو يلكمه في وجهه: اطلع بره يا روح أمك، واسم مراتى ميحيش على لسانك تاني.
المرة الجاية هقطعه لك.
تملك الرعب من آدم وانطلق يجرى وفمه يـ.ـنزف بغزارة.
تراجعت بلقيس للخلف تحاول أن تستجمع دقات قلبها النافرة التي اعترفت بل تيقنت أنها تغرق لاذنها في عشق هذا العزيز.
***
انقضى باقي اليوم في هدوء.
لم يعلم أنها استمعت لمحادثته مع آدم وهو تصرف كأن شيئاً لم يكن.
دلف إليها وفي يده بعض الملفات وبالطبع لم يترك الباب، فهي عادته.
ابتسمت وهي تراه أمامها بكل هيبته.
قال وهو يعطي لها الأوراق: دي ميزانية القسم المجاني.
ابتسمت بحلاوة وهي تأخذها وتفتحها لتفاجئ أنه ضاعف المبلغ.
قالت وهي تنظر له: أنت ضاعفت الميزانية؟
أجابها بصوته الأجشد: المكسب بتاعنا الحقيقي، قولت لك لك قبل كدا، لازم المصلحة يبقى فيها لله.
وضعت الميزانية فوق مكتبها.
قال وهو يمد يده لها: يلا.
سألته بدهشة: يلا فين؟
أجابها: يلا نتغدى ونعدي على كذا معرض ننقي أوضة النوم، إنتي ناسيه فرحنا الأسبوع الجاي.
تورد وجهها للمرة التي لم يعد يعلم عددها وكأنها ما زالت بكر ولم تتزوج قبله.
قال بوقاحة وهو يلمس وجهها بظهر يده: وبعدين بقى في الخدود اللي بتبقى تفاح كدا كل ما أتكلم.
دي بتبقى عاوزة.
ثم صمت.
سألته بجرأة لم تعدها بنفسها: عاوزة إيه؟
قال بوقاحته المعهودة: عاوزة تتاكل، وأنا بصراحة جعانة.
هتفت بدلال: عزيز.
أجابها بوله: عيونه.
قالت وهي تدعي الجدية: أنا بقى جعانة بجد، يلا نتغدى ولا لغيت العزومة ولا إيه؟
قال بمرح: ودي تيجي؟ عاوز مراتي تفتكر إني بخيل.
تفضلي يا عيوني.
ابتسمت له وسبقته ليلحق بها ويخرجا سويا.
ولكن هناك دائمًا من يفسد كل لحظة جميلة لهم.
استوقفتها امرأة تبدو في الثلاثين من عمرها وقالت: دكتورة بلقيس.
وقفت بلقيس أمامها بينما جاء عزيز مسرعاً.
أمرها بصوت غاضب: امشي من هنا.
قالت درة بجرأة: أنا مش جايه لك، أنا جايه للدكتورة.
جذب يدها بقسوة وقال من بين أسنانه: غورى من هنا بدل ما أد فـ.ـنك مكانك.
نفضت يده وقبل أن يجذبها من يدها مرة أخرى، جذبت يده بلقيس وهي تقف أمامها وتقول بهدوء: سمعاكي خير.
قالت درة بغل: أنا جايه أعرفك بنفسي يا دكتورة.
وقبل أن تكمل، قاطعتها بلقيس وأكملت عنها: لأ، عرفاكي، إنتي طليقة عزيز.
لجمت الصدمة درة بينما ظنت أنها تملك الكارت الرابح وأنها ستنهي تلك الزيجة قبل بدأها، ولكنها وجدت العكس أمامها.
نظرت لها بلقيس بثقة وسألته: ده الكلام اللي جايه تقوليهولي وأنا عارفاه؟ لسه فيه كلام تاني؟
لم تتحدث درة فهي علمت أن عزيز أخبرها بكل شيء.
تركتها وكادت أن تنصرف لولا يد عزيز التي طوقت خصرها بتملك وهو يقول لها بفخر: اتفضلي يا دكتورة، الجو هنا بقى يخنق.
تركتها وانصرفت لتتجرع درة ولأول مرة مرارة الخسارة.
***
انقضى الأسبوع ولا تعرف كيف مر بتلك السرعة.
وها هي تجلس بجوار أختها ويجاورهما أجمل شابين في البلد.
هل ستتزوج هي وأختها أخوان؟ لم تتخيل هذا في أجمل أحلامها.
نظرت إلى عزيز الذي كانت عيناه تنطق بالفرحة التي بها شيء مختلف عن أي يوم.
همست لآسيا وصوتها كان ينطق بالفرح: مبروك يا سو، شوفتي ربنا جميل وكبير إزاي.
قالت آسيا بصوت متوتر قليلاً: الحمد لله يا بلا، بس أنا خايفة.
قالت بلقيس بحنان: متخافيش يا حبيبتي، كل اللي فات ماضي، عيشي وافرحي يا سو.
وفي تلك اللحظة جذبها عزيز بينما أخذ يونس يد آسيا الذي كان كالما غيب عن الدنيا، لا يرى إلا تلك الفاتنة بين يديه.
يتميل معها في رقصة جعلت قلبه يتراقص فرحًا، فها هي آسيا تزف إليه.
كان عزيز ينظر إلى بلقيس بعشق.
قالت وهي تتمايل معه: هتفضل باصص كدا كتير؟
قال بوقاحته المعهودة: ببص لمراتي الحلوة بزيادة النهارده.
ذابت خجلاً بين يديه.
لتقول وهي تغاير الموضوع: حلو الفرح.
أجابها بصوت يقطر حبًا: أقل حاجة تليق بك يا ملكة.
ضحكت على ذلك اللقب الذي تهواه حين يناديها به.
قالت وهي تهمس له بجرأة: عندي لك مفاجأة.
قال بفرحة: بجد؟ فين؟
إجابته بمراوغة: وقتها هتعرفها لوحدك.
رواية بلقيس و أنا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هيام شطا
انتي حلوة قوي النهاردة.
قبلها مرة بعد مرة، ويبدو أنه لن يكتفي.
لما قبلتها، اختلفت عن درة أو أي امرأة قبلها.
إنها مختلفة.
مثلها، قبلة بطعم الجنة.
سلب روحها الماكر بحنان قبلاته وجمالها.
كان كالمغيب وهو يدفعها بحنان إلى الفراش.
همست بضعف: "عزيز".
همهم هو كالمسحور.
عيونه.
قالت بصوت مرتعش: "ألا تقلق؟"
قال وهو مغيب: "أنا أحلى الأول".
كان كمن ملك الدنيا وهو يحتضنها بين يديه، يسبح في غيمتها الوردية، يرتوي من شهد شفتيها بقبلات لم يعد يعلم عددها.
وحين سمحت له ليحتل أرضها، شعر بصوتها المتألم المكتوم.
وشعر بشعور أول مرة يشعر به.
أيعقل أنها؟
المفاجأة كادت أن تذهب عقله.
كيف وهي كانت لغيره قبلها؟
ابتعد عنها وسألها بأنفاس لاهثة:
"بلقيس، أنا آذيتك؟"
"تكتفي حاجة؟"
لملمت حولها الغطاء وحبات العرق تتناثر على وجهها الندى.
قالت بصوت متألم: "هي دي المفاجأة؟"
لم يستوعب عقله، أو استوعب ولكن المفاجأة كقنبلة مدوية.
ولكنها لم تفتك به أو تميته، إنها جعلته أسعد رجل.
وقف يرتدي ملابسه.
أخذ الغرفة ذهابًا وإيابًا، لا يعلم ماذا يفعل.
اقترب منها وسألها بصوت مرتعش:
"أنتِ كويسة؟"
"أنا أنا وجعتك؟"
"أعمل لك إيه؟ أجيب دكتور؟"
أشفق قلبها عليه.
وسؤال واحد شغل بالها.
كيف يكون بتلك اللهفة والحنان؟
ألم يتزوج قبلها؟
لما هو بتلك الحالة الآن؟
انجذبت يده بهدوء وقالت بصوت حاولت أن يكون هادئ لتمتص خوفه:
"اهدأ يا عزيز، أنا كويسة".
قال بفرحة لم يخفيها بعد أن استوعب جمال مفاجأتها التي لم يتخيلها حتى في أجمل أحلامه.
أنها بكر وهو أول من احتل أراضيها وجنتها الرحبة.
"أنتِ بنت إزاي؟"
أدمعت عيناها من جمال تعبيره، وأيضًا وقاحة لسانه المعهودة.
جذبها بخشونة حين لاحظ عيناها التي تتلألأ بالدموع.
"تعبانة؟"
نفت برأسها وهي في أحضانه.
سألها مرة أخرى وبلهفة:
"متأكدة إنك كويسة؟"
قالت بصوت حنون: "أنا كويسة يا عزيز بجد".
دلف إلى الحمام وعاد بعد دقائق ليحملها بحنان ويضعها في المياه الدافئة، ويطبع قبلة حنونة على جبهتها وقال:
"خليكي شوية في المية الدافية".
أومأت بابتسامتها الجميلة.
بعد قليل خرجت لتجده جالسًا على طرف الفراش ينتظرها، وبجواره ملابس لها بيتية مريحة.
أخرجها لها من حقيبة سفرها التي كانت أحضرتها.
قال وهو يعطيها لها:
"غيري يا روح قلبي علشان تتعشي ونامي".
كان حنونًا معها.
استبدلت ملابسها.
أخذ من يدها فرشاة الشعر وصفف لها شعرها بحنان.
أكلت معه الطعام.
أطعمها بيده وكأنها ابنته.
أغدقها بحنانه.
وأخيرًا أخذها بحضنه لينام قرير العين بعد أن فاجأته ملكته بأجمل مفاجأة.
تقلب للمرة التي لم تعد تعلم عددها في نومته الغير مريحة على تلك الأريكة الصغيرة التي بجوار الفراش.
نظرت له وأشفقت عليه.
نادت عليه بصوت خجول: "يونس".
نظر لها وسألها: "أيوه يا سو؟"
قالت بخجل، لتتغلب على خوفها:
"تعالى نام هنا، السرير كبير".
قفز قلبه من الفرحة ولكنه تمالك نفسه وقال:
"علشان تاخدي راحتك في النوم".
قالت بإصرار وبراه لأنها اطمأنت له:
"السرير كبير يا يونس".
قفز بجوارها وجلس بجوارها.
مسك يدها وقال بحب وهو يقبلها:
"يسلم لي قلبك الجميل يا حبيبتي".
نام يونس بجوار أسيا، ولكن النوم لم يجرؤ أن يقترب من عينه وهو يتأملها.
ويمني نفسه باليوم الذي ستسمح له فيه أن يحيا معها في جنتها وتغمره بحبها.
وقف آدم أسفل الفندق التي توجد به بلقيس، يعض على أصابع الندم.
فبلقيس ضاعت منه وللأبد.
والآن هو يعلم أن سره انكشف، وعلم عزيز التهامي سره الذي دفنه لسنوات.
وعليه أن يختفي من أمامه ومن أمام كل من يعرفهم.
وينهي من حياته صفحة زواجه من بلقيس وإلى الأبد.
وكما وقف آدم، وقف يوسف هو الآخر.
ولكن يوسف لم يستسلم.
ولن يترك يونس يسعد مع أسيا.
سيفعل كل شيء ليفرق بينهم.
وأول ذلك سيخبرها أن زوجها العزيز كان يعلم أنه يحبها وأنه ينوي أن يغدر بها.
وكما خسر هو رحيل وحياته، لن يتركه يسعد بقرب أسيا ويحيا معها حياة سعيدة.
"أما أن تعود له أو لا. ولا له ولا ليونس".
وهكذا تحكم به حقده الذي أعمى عينيه عن أي خير بقلبه لأبناء عمه الذين عاش معهم عمره كله وكانوا يتمنوا له الخير.
بينما هو عاش بأنانية لا يتمنى لأحد الخير.
قالت منى وهي تدخل الطعام لعلي:
"الأكل يا علي".
قال وهو يعتدل في فراشه:
"متحرمش منك يا رب يا أم منير".
"لو سمحتي بعد إذن عمي، إن شاء الله هرجع بيتي إن شاء الله النهاردة".
قالت منى بحزن:
"ليه يا علي يا ابني؟ خليك معانا لحد ما تشد حيلك وجرحك يخف".
قال وهو ممتن لعمه وزوجة عمه وأبناء عمه الذين لم يقصر أحد في حقه وواجبه.
كما يقولون "حملوه على كفوف الراحة".
ولكنه هو الذي لم تزره الراحة يوم.
وهو كل يوم يفتن أكثر وأكثر بتلك الجميلة ابنة عمه.
بريئة في أفعالها، جميلة في روحها، حنونة في طبعها.
عرفها أكثر من خلال مكثه معهم الأيام الماضية.
كم هي حنونة.
تحمل نفسها دائمًا ذنب ما حدث له.
عندما ينظر لها أو تحدثه بعفويتها وحنانه.
تثير داخله مشاعر ظن هو أنه دفنها منذ رحيل زوجته منذ أكثر من خمس سنوات.
كانت زوجته حنونة مثلها، طيبة القلب مثله.
تزوجها زواج تقليدي ولكنها أصبحت له الدنيا بما فيها بعد زواجه منها.
لم ينعم الله عليه بالابناء منها، ولكنه كـ "غل عبد الله" ذلك الطفل الجميل اليتيم ليبقى معه يعيش له.
ولكن تلك الجميلة ابنة عمه أحيت في قلبه مشاعر ظنها ماتت مع زوجته.
إنها تفتنه كلما تحدثت معه.
يخشى على نفسه من فتنتها.
وأيضًا يخشى أن يحبها ويرفضه عمه أو ترفضه هي.
هو ليس من الرجال التي يمكن أن تغرم بها الفتيات.
أو هو ظن ذلك.
قال: "معلش يا مرات عمي، أنا بقيت الحمد لله بخير، أول ما عمي ومنير يرجعوا، منير يوصلني البيت".
قالت منى بحزن:
"خلاص يا علي اللي يريحك".
خرجت ووجدت رحيل في حديقة المنزل، جمعت بعض الزهور كعادتها لتضعها في غرفة علي.
قالت منى بحنان:
"يا رحيل يا حبيبتي، اعملي حسابك على هيتغدى وهيرجع بيته النهارده مع منير. نادى سعدية ابعتها تفتح بيته وتروقه له قبل ما يرجع".
سألتها رحيل بشيء من لهفة وحزن بدا عليه:
"ليه هيرجع يا ماما؟ هو زعلان من حاجة؟"
قالت منى بطيبة:
"هو عاوز يرجع بيته يا بنتي، كل واحد يرتاح في بيته".
دلفت رحيل إلى غرفته وهو يجمع ملابسه.
سألته بصوت حزين:
"انت هترجع بيتك النهارده يا شيخ علي؟"
نظر لملابسه وهو يجمعها من الخزانة وقال بصوت هادئ:
"إن شاء الله".
سألته بعفويتها وهي تجذب ملابسه من يديه:
"سيب الهدوم دي، انت لسه تعبان ومش هترجع إلا لما تخف".
جذب الملابس من يدها وهو ينظر إلى الأرض ويتابع جمع ملابسه ويستغفر من فتنتها وتأثيرها عليه.
وقال: "معلش، سيبيني براحتي يا رحيل".
تفتت بإصرار:
"راحتك هنا وكلنا حواليك بنراعيك لغاية ما تتحسن".
"أنا الحمد لله اتحسنت، سيبيني براحتي".
أجابها باقتضاب.
تفتت مرة أخرى بحزن:
"علشان خاطري يا شيخ علي خليك".
أدار وجهه عنها وقال بصوت صارم:
"مقدرش، كفاية كده".
لا تعلم لماذا هي حزينة هكذا.
هل لأنه أنقذها؟
أم لأنه سيغادر؟
أم لأنها اعتادت على وجوده معهم؟
كم هو إنسان شهم، يعلم معنى الرجولة.
ترى فيه رجل لم تقابله إلا مع عزيز وأخيه يونس.
أما ابن خالتها زوجها المصون لم يكن مثله أو حتى يمت له ولأخلاقه بصلة.
هي الآن تكرهه وتحزن على تلك الشهور الست التي قضتها معه.
نظرت مرة أخرى لعلي وهو يغلق حقيبته وقالت بصوت حزين:
"يعني مصمم؟"
أجابها وهو ينظر إلى الأرض:
"معلش، سيبيني على راحتي".
خرجت من الغرفة وهي حزينة لأنه سيغادر.
تساءلت.
لما هي حزينة كل هذا الحزن؟
ولكنها لم تصل لإجابة.
أسبوعان مرا عليها.
أسبوعان في النعيم.
يكاد يجزم أنه لم يكن يحيا، إنما الحياة وجدها في أحضان تلك الطبيبة الجميلة التي غرق لاذنيه في عشقها.
كان يراقبها مثل مراهق وهي نائمة بين أحضانه.
يكره النوم الذي يأخذها منه.
يتذمر مثل الأطفال حين تلهو وتمرح مع أختها وتنشغل عنه.
يغار عليها بجنون.
وهذه الطباع التي اكتشفها في نفسه مع ملكة قلبه.
يغار حين تضحك، ويكره رؤية ضحكتها.
يغار حين تكلم أي شخص.
يكاد يقتل أي شخص أن سألها عن أي شيء أو نظر لها نظرة عابرة.
مال عليها يقبل وجهها بقبلات متفرقة.
يشبع بها روحه المشتاقة لها حتى وإن غابت عنه مجرد ساعات نومها.
قبلها بحنان، ولكن عندما يأتي عند شفتيها الجميلتين يطير عقله ويذهب الحنان.
يقبلها بجموح.
استيقظت من قبلاته وابتسمت وهي تدفعه عنها برقة.
"صباح الخير يا عزيز".
قال وهو يتابع ما يفعل:
"صباح الفل والورد والضحكة الحلوة".
دفعته مرة أخرى لتعتدل في جلستها على الفراش وسألته:
"الساعة كام؟"
قال وهو يعاود تقبيلها:
"الساعة اتنين الضهر".
قالت وهي تعتدل: "ياه، دا إحنا اتأخرنا، قوم يلا زمان يونس وأسيا مستنينا نفطر سوا".
جذبها إلى أحضانه مرة أخرى وقال وهو يتذمر مثل طفل يتدلل عليها:
"يفطروا لحالهم النهاردة، إحنا خلفناهم وآنَسناهم".
ضحكت بصخب على تذمره ودفعته مرة أخرى:
"عزيز، بطل بقى، إحنا متعودين نفطر سوا".
جذبها مرة أخرى وقال بغضب مصطنع:
"مفيش فطار قبل ما أفطر أنا وأصبح على مراتي حياتي".
هتفت باعتراض وهي:
"عزيز، أنت مش بتشبع؟"
جذبها لاحتضانه وتابع ما يفعله وهو يقول بطريقته السوقية:
"حد يشبع من الملبن يا ملبن".
ضحكت مرة أخرى وهي تترك له العنان ليسقيها جمال عشقه.
قال بصوته المنحرف: "أموت أنا في المهلبية".
جلست في ذلك المطعم الهادئ تنتظر حضور بلقيس وعزيز.
سألها يونس وهو يكتم ضحكته:
"مالك يا سو؟"
قالت وهي تنظر حولها:
"بلا وأبيه، عزيز اتأخروا أوي".
قال بمكر:
"عرسان بقى يا سو، حقهم".
هتفت بتذمر دون أن تعي لعواقب حديثها:
"عرسان إيه؟ ما إحنا كمان عرسان ودايمًا بنيجي في ميعادنا، هما بيتأخروا".
أجابها بمكر: "هما عرسان بحق وحقيقي".
هتفت بغضب: "وإحنا عرسان إيه؟"
ثم انتبهت لمكر يونس، انفجر وجهها من الخجل.
كيف أنها انساقت خلف حديث ذلك الماكر.
نظرت له وقالت بغضب:
"يونس، أنت قليل الأدب".
ضحك بصوته الرجولي وهو يقترب منها بالمقعد ويجذبها لأحضانه.
لم تمانع بل أخفت وجهها الخجول منه في أحضانه.
همس بجوار أذنها: "والله أنتِ ظلمانى، هو أنا حتى قادر أفكر أقل أدبى؟ آه يا قادرة".
بعد قليل دلف عزيز وبلقيس.
وهو يرى من بعيد أخاه يحتضن زوجته، قال بشقاوة لبلقيس:
"أنا بقول نرجع نتغدى في أوضتنا، الدكتور بيحب ومش فاضي".
ضحكت بلقيس وقالت له:
"أنا بقول يلا نروح لهم، زمانهم هيخنقونا".
وصلوا إليهم لتنتفض أسيا مبتعدة عن يونس وهي تحترق خجلاً.
سأله عزيز بمكر:
"اتغديتوا؟"
قال يونس وهو يغمز له:
"منقدرش يا باشا".
قالت بلقيس وهي تحتضن أسيا:
"وحشاني يا روح قلبي".
تدللت أسيا عليها وقالت:
"مهو باين أهو، طول الوقت مع جوزك وسيباني".
ضحك الجميع على دلال أسيا.
قال عزيز وهو يقصد كل كلمهم:
"مهو إحنا برضو سيبينك مع جوزك يا سو، ولا الواد ده مقصر معاكي ولا مزعلك؟ قوليلى بس".
قالت مسرعة قبل أن تقع في فخ الكلمات مع يونس وعزيز:
"لا أبداً يا بيه، يونس زي الفل".
ضحك الجميع.
بينما مر الطعام بينهم في ضحك ولهو.
ولكن اللحظات الجميلة لا تدوم.
على صوت هاتف عزيز ليتركهم ويجيب عليه.
قال عزيز: "أيوه".
أجابه ماكس: "مرحباً يا ملك".
"لقد اشتقت لك".
علم عزيز أنه حان موعد عملية السلاح الجديد.
أجابه بصوته البارد: "مرحباً ماكس، مستعد؟"
قال عزيز بثقة: "دايمًا، الملك مستعد".
"إذن موعدنا بعد ثلاثة أسابيع".
أنهى عزيز الاتصال ليعود إلى بلقيس وأخيه وزوجته.
ولكن وجهه عاد صفحة بيضاء باردة.
سألته بلقيس بتوجس:
"مالك يا عزيز؟"
انتبه على نفسه رسم ابتسامة وطمأنها:
"مفيش حاجة يا حبيبتي".
ولكن قلبها انقبض.
"هناك شيء".
وقف هاني في ذلك الحي الشعبي الذي يختبئ فيه منذ أن اعتدى على أسيا.
واتصقت به التهمة.
أمام تلك الغرفة فوق أسطح البيت يتحدث مع أمه.
بقلب لهيف:
"يعني إيه يا أمي، نوسة بقالها يومين غايبة؟"
صاحت أمه عبر الهاتف:
"مش عارفة يا هاني، اختك مرجعتش من شغلها من امبارح، أنا خايفة يكون حصلها حاجة وانت هربان وسايبنا وتليفونها مقفول، أعمل إيه؟"
قال وهو يحاول أن يطمئن أمه:
"متخافيش يا أمي، أنا راجع وهلاقي نوسة، بكرة هكون عندك".
انتهى البارت.
دمتم بخير.
بقلمي هيام شطا.
رواية بلقيس و أنا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم هيام شطا
انتظر حتى خف الخطى واوى الجميع إلى منازلهم وخلت الحارة التي يسكن فيها من الناس وتجاوزت الساعة الثانية صباحاً ليتأكد أنه لن يراه أحد.
دلف في هدوء إلى تلك البناية القديمة التي تسكن أمه فيها. طرق على الباب بخفة.
وبعد قليل أتاه صوت أمه الخائف من خلف الباب.
"أنا يا ماما أنا هاني."
فتحت مسرعة.
ارتمى في أحضانها بشوق.
"هاني."
احتضنته بشوق وهي تبكي.
"شوفت اللي حصل لنا يا هاني؟ أختك بقالها تلات أيام محدش يعرف عنها حاجة."
قال وهو يأخذ بيدها ليجلسها على أقرب مقعد وقال وهو يطمئنها:
"متخافيش يا ماما هدّور عليها وهلاقيها."
قالت والدموع تنهمر من عينيها:
"هتلاقيها فين يا ابني؟ أختك حالتها مقلوبة بقالها كام شهر، وآخر شهر بقى معاها فلوس كتير، ولا عشّيتنا عجباها ولا حياتنا. وانت عملت عملتك وهربت والحكومة هنا كل يوم والتاني."
هتف بكذب:
"معملتش حاجة يا ماما، مظلوم. وهو عشان ابن ناس واصلة شالوني الليلة."
قالت أمه بأمل:
"يا ريت يا هاني تكون مظلوم. لو مش مظلوم وكلام الحكومة وصاحبك طلع صح وعملت كدا في البنية، اعرف إن ربنا هيخلص حقها من لحمك يا هاني. ويا ويلنا لو عملت العملة دي يا ابني. ربنا مش هيسيب حق البنية. وربنا يسترها على اختك."
عند ذكر أخته انقبض قلبه وتخيل أخته مكان آسيا. هل سيحدث لها كما فعل في آسيا بدم بارد.
***
وصلت آسيا مع يونس إلى فيلا يونس ليبدأ معها أولى أيام حياتهم الزوجية.
دلفت إلى بيتهم. معه أوقفها يونس أمام الباب. نظرت له بتساؤل.
"فيه إيه يا يونس؟"
قال وهو ينحني ويحملها في لحظة.
قالت والدهشة تعلو وجهها وهي تلف يديها بتلقائية حول رقبته.
قال وهو يغمز لها بشقاوة:
"هو مش هبقى قليل الذوق مرتين. مرة يوم الفرح مشلتش عروستي. والنهاردة لازم أشيلك يا روحي وانتي داخلة بيتك."
حملها وهو يدفع الباب بقدمه بعد أن فتحه. دلف إلى الداخل ولم ينزلها.
صعد بها في اللحظة التالية إلى الغرفة. أنزلها بهدوء وأنفاسه متلاحقة. لا يعلم أهو من تأثير ركضه وهو يحملها أم من تأثير قربها المهلك لقلبها.
لأول مرة تكون بهذا القرب منه. حتى عندما كان يشاركها الفراش يظل بجانبها يتأملها. ترهق قلبه المشتاق لها. ولكنه كان يبتعد عنها، يلتزم طرف الفراش حتى لا تهابه.
تجرأ ولم يعد يستطع أن يقاوم فتنتها. ألغى الحواجز التي تفصله بينها. والتقط شفتيها في قبلة ساحرة. لم تكن قبلة رغبة. كانت قبلة حنونة ناعمة كحنان يونس. ناعمة كنعومة رحيل.
لم تبتعد عنه، لم تخشاه، ولم تبعده عنها.
همست بضعف:
"يونس."
قال بعشق:
"قلب يونس."
قالت لكي تخرج من سحره الطاغي:
"الشنط."
ابتسم وهو يفك أسر خصرها ويقول بينما فهم خجلها أنها تخجل منه ولم تخشاه:
"ماشي يا سو. بس عندي شرط."
لم تتحدث بينما نظرت له بترقب لكي تعرف شرطه.
قال بمرح:
"مال وشك جه ألوان كدا ليه يا سو؟ أنا شرطي إني هنام هنا على السرير جنبك."
ثم قال بشقاوة وعشق:
"أيوه مهو مش بعد ما اتعودت أصحى ألاقي القمر جنبي تحرميني منه."
ضرب خجلها وجهها. قالت وهي تنظر إلى الأرض وما زالت ضحكتها تعلو وجهها:
"موافقة."
صاح بفرحة:
"أجمل موافقة سمعتها في حياتي."
وانطلق يحضر الحقائب بينما قلبه يرفرف بين أضلعه بحب تلك الجميلة ابنة أستاذه التي غرق في بحر عشقها.
***
وصل عزيز إلى فيلا التهامي، وجد أمه في استقباله بفرحة وسعادة كبيرة. نعم هي نعم الأم. لم تلتفت إلى حديث الناس، لم تقول إنها مطلقة أو أختها معتدي عليها. نظرت لهم نظرة أم أرادت سعادة أبنائها.
هتفت زينب بفرحة وهي تحتضن بلقيس:
"نورتي بيتك يا حبيبتي."
قال عزيز بمرح وهو يقترب منها:
"يعني بلا نورت البيت وأنا إيه؟"
قالت له بمكر:
"البنات هي اللي بتنور، إنما الرجالة لأ."
ضحك بصخب على حديث أمه الحنون. وقال وهو يسايرها:
"بقى كدا يا ست الكل. ماشي، أنا شكلي كدا هغير."
قالت بحنان وهي تحتضنه:
"ولا تغير ولا حاجة يا حبيبي، كلكم معزة واحدة." ثم أكملت: "يلا يا حبيبي ريحوا شوية قبل العشا."
صعدت بلقيس بصحبة عزيز. قابلهما خليل.
قال بفرحة لرؤية عزيز:
"الحمد لله على السلامة يا عزيز، نورت بيتك انت ومراتك يا حبيبي."
احتضن عزيز وسلم على بلقيس.
سأله عزيز:
"خارج يا عمي؟"
قال خليل وهو ينظر له بمغزى:
"لسه جاي من شوية الشغل. انت سايبه كله عليا."
قال عزيز:
"هريح من السفر وبعد العشا نتكلم في الشغل."
ابتسم خليل بخبث. تركهما وانصرف لأنه قد علم من عيونه في المافيا أن العملية الجديدة قريبة جداً.
***
دلفت بلقيس إلى الغرفة التي كانت أجمل مما تخيلتها بكثير. نعم هي من اختارتها، ولكن أم عزيز هي من فرشتها وجملتها لها. ويبدو أنها سيدة رغم بساطتها، إلا أنها تمتلك ذوقاً عالياً وجميلاً.
وقف عزيز خلفها يحتضنها بشوق. دفن وجهه في عنقها يتنفس راحتها الجميلة وهمس لها:
"عجبتك؟"
سألته بمكر وهي تبتسم:
"هي إيه؟"
قال لها وهو يسايرها:
"الفرش وزوق الأوضة."
قالت بإعجاب لم تخفيه:
"تحفة جميلة أوي أوي يا زيزو."
ابتسم ملء فمه وقال وهو يجذبها لتستقر في أحضانه:
"زيزو. الهيبة ضاعت يا عزيز يا تهامي."
ضحكت وهي تلف يديها حول عنقه وتتجرأ وتقبل طرف شفتيه لأول مرة.
"مفيش هيبة معايا؟"
"معايا انت زيزو وأنا بل..."
لم يتحمل ما تفعله تلك الجميلة. لم يمهلها ثانية أخرى وأنقض على شفتيها يرتوي منها وهو لا يشبع أبداً.
همست بضعف:
"عزيز. هنتأخر على ماما."
قال بمكر:
"ماما مش هتمسك لنا الساعة. لازم نجرب الأوضة."
ثم حلق هو معها في عالمهم الجميل الذي أصبح هو ملكه وملك قلبها. عزيز التهامي.
***
جلس الجميع على طاولة العشاء. كان العشاء هادئاً ممتعاً مع ضحكات عزيز وخفة دم زينب. إلى أن دلف يوسف وهو ينظر لهم بحقد.
قالت زينب بطيبة قلب:
"يوسف يا حبيبي، حماتك بتحبك. تعالى اتعشى معانا."
قال يوسف بحقد:
"الحمد لله حماتي ماتت قبل ما أشوفها وهي كمان تشوف بنتها. سابت بيتها، والغريبة قعدت مكانها."
نظرت له بلقيس وقد اشتعل الغضب في زيتونتها، ولكنها كبحتة. ولكن عزيز لم يصمت. نظر ليوسف وقال له بمغزى:
"محدش هنا غريب يا يوسف. اللي هنا ست البيت الحاجة زينب، والدكتورة بلقيس مراتي وصاحبة البيت كله."
نظر له يوسف بحقد تزايد عنده حينما أخرسه عزيز ورأى نظرة الانتصار في عين بلقيس.
قال بكره:
"ما بقاش ليا مكان في البيت ده يا خليل."
قالت زينب بلهفة:
"متقولش كدا يا يوسف. استنى يا حبيبي."
لم يعير حديثها اهتماماً وانصرف وهو ينوي أن ينتقم من الجميع، وأولهم آسيا وبلقيس ورحيل زوجته.
***
وقفت مع ذلك الطفل الجميل تحمل في يدها أكياس كثيرة بها طعام وأشياء أخرى بعد أن علمت أن علي يمكث في البيت ولا يخرج منه بعد أن سألت عبد الله عليه ليخبرها أنه مريض ولا يريد أن يعلم أحد.
كانت ستنتظر عودة أبيها أو منير أخيها من السفر لمحافظة أخرى، ولكن القلق جعلها تطلب الإذن من زوجة أبيها الحنون في الذهاب مع عبد الله للاطمئنان على الشيخ علي، وأيضاً تأخذ له الطعام.
بعد تردد من زوجة أبيها، وافقت على أن تذهب له وتعود بسرعة مع عبد الله.
قالت رحيل وهي تخرج مسرعة:
"حاضر يا ماما. هاطمن إنه بخير وأرجع على طول."
وقف على أعتاب منزل شيخها الذي أنقذها من المصير المجهول الذي أراده لها زوجها المصون.
دلفت بعد عبد الله الذي انطلق إلى غرفة علي ينادي عليها بلهفة:
"شيخ علي! بنت العمدة جت معايا!"
لم يأتها الرد. دلفت رحيل خلفه إلى حجرة النوم الخاصة بالشيخ علي. فوجدته نائم طريح الفراش لا يتحرك، وما يصدر عنه مجرد همهمات وأنين.
اقتربت منه وضعت يدها فوق جبهته لتحسس درجة حرارته، وجدته يحترق من الحرارة العالية ويهذي. سمعته يهذي باسمها:
"رحيل... رحيل."
صرخت على عبد الله بصوت مرعوب:
"عبد الله! أجرى نادى على ماما منى وأنا هتصل بالدكتور."
هرول عبد الله يفعل ما طلبته رحيل، بينما هي جلست بجوار علي وجلبت ماء وقطعة قماش لتصنع له كمادات تخفض درجة حرارته إلى أن يأتي الطبيب.
قال وهو يهذي باسمها:
"رحيل."
أجابته وهي تبكي على حالته التي وصل إليها بسببها. فمن المؤكد أنه أهمل جرحه حتى وصل إلى تلك الحالة.
"نعم يا علي."
قال وهو يهذي:
"ابعدي، ابعدي عني."
لم يكن يقصدها هي، ولكنه قصد فتنتها التي يصاب بها. ولكن هو الآن يهذي. صدمت من كلماته لتتجمد يدها على جبهته من الصدمة والحزن. هل يكرهها إلى هذا الحد حتى يهذي باسمها ليأمرها أن تبعد عنه؟
وضعت كمادة المياه على جبهته لتسمعه يهذي مرة أخرى. قال اسمها مرة أخرى وهو يترجاها أن تبتعد وأن تأخذ حذرها. فتات هي في تلك الكلمات، ولكنها عزمت أمرها أنها ستعالجه وتختفي من أمامه لكي لا تكون عبئاً عليه.
بعد قليل وصلت منى ومعها الطبيب الذي كشف عليه، وأعطاه أدوية لتخفض درجة حرارته ويغير ضمادة جرحه الملوث، والذي كان سبب تلك الحمى وذلك الهذيان.
بعد أن عاد وعيه ووجد تلك الفاتنة أمامه تبتسم له بحنان، ولكن عيناها حزينة.
قالت رحيل بفرحة بعد أن استجمع قوته:
"الحمد لله على السلامة يا شيخ علي."
قال بصوت واهن:
"الله يسلمك يا رحيل."
اقتربت منه منى وقالت بلهفة:
"كذا يا علي تهمل أدويتك وتتعب تاني؟ الحمد لله أن عبد الله قال لنا."
قال بصوته الضعيف:
"الله يسلمك يا حاجة."
أسندته منى وهي تقول لرحيل:
"هاتي شوربة الخضار يا رحيل عشان علي ياكل وياخد باقي أدويته."
قبل أن تطلب كانت رحيل أحضرت الطعام وهي تبتسم، ولكن نفس النظرة الحزينة تسكن عينيها. قالت وهي تجلس أمامه بالطعام وتطعمه:
"اتفضل يا شيخ علي، يلا كل."
أطعمته بعض اللقيمات وهو لم يمانع لأنه كان مريض ولا يقوى حتى على إطعام نفسه. أخذ أدويته، ثم غرق في النوم مرة أخرى. ولكن رحيل ومنى ظلوا معه إلى أن يأتي منير وسالم من ذلك السفر.
قامت رحيل مع عبد الله بترتيب المنزل الذي كان مرتباً ولا يوجد عليه أثر الإهمال برغم أن يسكنه رجل، ولكنه رجل مرتب نظيف وأيضاً شهم يعرف الله. ولكنها تذكرت كلماته وهو يهلوس من الحمى:
"رحيل ابعدي عني."
فتملكها الحزن مرة أخرى لتبقى تفكر وتفكر في ذلك علي لماذا يشغل بالها إلى تلك الدرجة.
***
جلس عزيز مع خليل وأخبره تفاصيل الصفقة الجديدة، ستكون خلال شهر. ولكن عزيز، وللمرة الأخيرة، أشفق على عمه من ذلك المصير المشؤوم.
سأل خليل بصوت حنون:
"بقولك يا عمي."
نظر خليل له ينتظر باقي حديثه.
قال عزيز:
"متبلاش تدخل المرة دي في الصفقة. خلي راجح وباقي الشركة يشبعوا بيها، وأنا وانت نعوضها المرة الجاية."
أراد عزيز وبشدة أن يبعده عن تلك الصفقة لأنها الصفقة المبلغ عنها. أراده أن يبدأ معه حياة نظيفة خالية من الدنس والأخطاء، حتى وإن نال العقاب فلن يكون عقاباً مضاعفاً.
نظر له خليل وهو متفاجئ من طلبه وقال والطمع والحقد يظهران على صوته:
"إيه يا عزيز؟ ملك عمك مبقاش قد المقام إن يكون شريك في الشغل. عاوز كل الشغل على قدك ولا إيه؟"
أجابه عزيز بدفاع:
"لأ يا عمي، بلاش تفهمني غلط. أنا كان قصدي..."
وقبل أن يكمل عزيز حديثه غير المدروس والذي كان سيقضي عليه بسبب عاطفته تجاه عمه، قال خليل بحقد:
"إيه يا عزيز؟ عايز تاكل التورتة كلها وتدي الفتافيت للرجالة عشان خاطر الدكتورة؟"
انتفض عزيز وصاح بغضب:
"عمي! إيه جاب سيرة مراتي دلوقتي؟"
قال خليل من بين أسنانه:
"ما انت طمعت في الصفقة كلها عشان خاطر عيون السنيورة وطلبتها. ولا انت ناسي إنك كتبت كل المستشفى لها، وكمان حطيت خمسة مليون باسمها في البنك."
قال عزيز ببرود، وقد تذكر الآن أن عمه يبيع الغالي والرخيص من أجل المال:
"الصفقة كلها لك يا عمي، وأنا مجرد هخلصها لك وانت حر فيها."
ابتهج خليل وقال والطمع يملأ صوته:
"أهو كدا. هو ده عزيز ابني تربية إيدي."
انتهى من الترتيب للصفقة وخرج عزيز. ولكنهم لم ينتبهوا للذي وقف يبتسم بخبث بعد أن سمع كل حديثهم. أنه يوسف، الذي عزم على تدمير أبيه وعزيز لكي يدمر بالتالي كل من وراءهم، وأولهم يونس وآسيا وبلقيس.
ابتسم والشر في عينيه ونار الانتقام تحركه، وذهب لكي يخطط لانتقامه.
***
ذهب هاني إلى ذلك المحل الذي كانت تعمل فيه أخته، وبعد سؤال صاحب المحل وأيضاً من كان يعمل معها، توصل إلى اسم رجل ثري كان يتردد على المحل وكان صديق أخته.
أخذ اسمه وذهب يبحث عنه وعن أخته. والخوف يأكله أن يرى ما فعله بأسيا فعل بأخته.
***
قال عزيز للواء رفعت بعد أن أنهى حديثه وهو يقص عليه كل تفاصيل القضية والمكالمات بين المافيا وبينه:
"الملف ده يا رفعت باشا فيه كل التفاصيل، وميعاد العملية بعد شهر."
قال رفعت وهو يطمئنه:
"اطمن يا عزيز، إحنا عاملين حسابنا كويس."
سأل عزيز باهتمام:
"خير يا رفعت بيه؟"
قال رفعت:
"فيه ضابط في المباحث بيدور على ملفات عملية الأدوية والأجهزة بتاعة مستشفى الدكتور إبراهيم الحديدي."
انتبهت كل حواس عزيز وسؤال واحد احتل عقله: هل هناك من يبحث خلفه؟
سأله عزيز وقد بدا الخوف على ملامحه من أن يصل ذلك الضابط لشيء أو يصل لحاجة.
ابتسم رفعت وطمأنه:
"لأ، اطمن."
سأله عزيز مرة أخرى:
"الضابط ده مين وعاوز إيه؟"
قال رفعت بعملية:
"ده الضابط اللي كان مسؤول عن الحادثة، وأكيد فيه حد طلبه منه إنه يدور على أدلة للشركة المستوردة."
أنهى عزيز المقابلة وشكر اللواء رفعت على كل شيء، وذهب ليستعد لأهم عملية ومستقبله كله يتوقف على الأيام القادمة.
***
وصلت إلى المشفى لتبدأ أول أيام عملها بعد عودتها من إجازة الزواج. هنأها جميع من في المشفى. وأخيراً دلفت إلى مكتبها لتتابع أعمال مشفاها.
بعد قليل وصلت عزيز. ابتسمت حين فتح الباب ودلف دون استئذان.
قالت وهي تمزح:
"عزيز، مفيش فايدة مش هتبطل الطبع ده أبداً."
قال وهو يحتضنها بشوق:
"معاك بس يا روحي."
ثم قبل طرف شفتيها لتبتعد عنه وتجلس على المكتب المقابل لها.
قالت وهي تضع أمامه بعض الملفات التي تحتاج توقيعه:
"دي ملفات محتاجة توقيعك عليها."
أعاد لها الملفات وقال بجدية:
"مش محتاجة توقيعي في حاجة بعد النهارده."
نظرت له بتساؤل.
قال وهو يضع أمامها تلك الأوراق:
"المستشفى كلها ملك دلوقتي، تقدري تعملي اللي انتي عايزاه فيه."
تفاجأت من كلامه وقالت وهي تسأله:
"عزيز، انت بتقول إيه؟"
مسك يدها لتقف أمامه ثم احتضنها وهمس بجوار أذنها وقال:
"ده مهرك يا روح قلبي، المستشفى مهرك."
كادت أن تبكي من الفرحة. فهذا الرجل دائماً يفاجئها، ولكن مفاجآته مفرحة. احتضنته هي الأخرى وهتفت باسمه:
"عزيز."
قال وهو يشدد أمن احتضانها:
"عيونه."
"ده كتير."
قال وهو يقبل رأسه:
"مفيش حاجة كتير عليكي يا حبيبتي."
ابتعد عنها وقال بجدية:
"هسيبك تشوفي شغلك وأنا هروح الشركة وهعدي عليك بالليل نروح مع بعض."
***
وقف أمام فيلا يونس ينتظر خروجه حتى يستطيع أن يدخل وينفرد برحيل ويخبرها أن يونس كان على علم بما يريد أن يفعله بها ويدمر زواجه كما تدمر زواجه.
بعد قليل خرج يونس. وذهب هو يخبر آسيا بما صوره له خياله المريض. أخبر البواب أنه ابن عم يونس وسمح له بالدخول. ودلف إلى الفيلا بعد أن فتحت له إحدى العاملات. وأخيراً آسيا أن هناك زائراً يريدها.
قالت آسيا بترحاب لمن يقف ويعطي لها ظهره:
"أهلاً وسهلاً يا فندم."
التفت لها بوجهه البغيض الذي تكرهه. وتذكرت تلك البسمة الشيطانية المرتسمة على وجهه الذي تمقته وتكره النظر إليه كما لم تكره شيئاً قبله.
قالت بصوت حاولت وجاهدت أن يكون قوياً:
"إيه جابك هنا يا حقير؟"
قال بصوت بارد:
"مبروك يا عروسة. إيه أخبار الجواز معاكي؟ ويا ترى يونس مبسوط معاك؟"
قالت بصوت غاضب وشجاعة اكتسبتها من ثقتها بنفسها التي عززها يونس بها:
"اطلع بره يا حقير وبيتي متدخلوش تاني."
اتجه نحو الباب والتفت لها ليلقي قنبلته عليها ليدمر حياتها.
"نسيت أقولك يا آسيا هانم، الدكتور يونس حبيب القلب كان عارف كل حاجة أنا ناوي أعملها فيك."
صدمت ملامح آسيا. ثم أكمل يوسف كلامه المسموم وقال:
"الشهادة لله في الأول منعني، بس بكلمتين وريح دماغها. نسيت أقولك إن هو اللي وصل لنا البيت وأنقذنا أنا وانتي."
وقبل أن يكمل حديثه وجد يونس يندفع من الباب وينقض عليه وهو يصرخ بكره وخوف على آسيا:
"متصدقهوش يا آسيا، ده إنسان مريض."
رواية بلقيس و أنا الفصل العشرون 20 - بقلم هيام شطا
كانت تلك الطلقات تنهي حياتها وأيضًا حياته، فبعد أن قتلها قتل نفسه ليقع بجوار جسد أخته وتكون نهايته. ولا أبشع من ذلك.
الآن فقط استوعب بشاعة جريمته حينما شاهد ما تفعله أخته، ليقضي على حياته الذي فضل أن ينهيها بدلًا من العيش بعار أخته وذنب آسيا، تلك الضحية التي غدر بها دون ذنب.
وقف في مسرح الجريمة كما يقولون. تلك الجرائم معتاد عليها في ذلك المكان، ولكنه اليوم تم استدعاؤه بشكل مباشر.
الجانى هو نفس مرتكب جريمة الاغتصاب في آسيا، الحديدي، أنه هاني. وبالتحقيق المبدئي والذي كان واضحًا وضوح الشمس، أنه أطلق النيران على أخته التي من كلام الشهود المبدئي أنها صديقة أحد رجال الأعمال. وأخاها تخلص منها بعد أن تركت المنزل وأصبحت صديقة رجل الأعمال بعد تجميل المعنى من عشيقته لصديقته.
قضية منتهية. لم يستطع هاني تحمل الصدمة وما فعلته أخته، لتسقيه من نفس الكأس الذي جعل آسيا وأهلها يتجرعوه مرغمين على تحمل مرارته. ولكن هو كانت المرارة مضاعفة له إذ سقته له أخته بملاء إرادتها.
انتهى التحقيق، وبالطبع لا يوجد متهم، فالمتهم هو الجاني والمجني عليه. لتنتهي قصة هاني وأخته، تاركين خلفهم أم مفتور قلبها تحيا مع شبح ما حدث لأولادها.
***
أغلقت باب غرفتها عليها منذ أن تركها يوسف تتخبط في ظنونها مرة أخرى، بعد أن ظنت أن الحياة جميلة بجمال أخلاق يونس وكلها ربيع مزهر كجمال روحه.
هل كل هذا كذب؟ هل تزوجها بدافع الشعور بالذنب لأنه كان يعلم نوايا ابن عمه وصمت ولم يحذرها؟
ولكن مهلًا، هل كل هذا كذب؟ حبه لها كذب؟ لهفته عليها كذب؟ وقوفه معها في أقصى لحظات حياتها كذب؟
فاقت على صوته وهو يترجاها للمرة المليون أن تفتح له، وأنه بالفعل سمع ابن عمه يتحدث عنها، ولكنه حذره أن يقترب منها.
هتف برجاء:
"آسيا، عشان خاطري افتحي أشوفك وأطمن عليكِ، واعملي اللي انتي عايزاه بعد كده."
قال بضياع مرة أخرى:
"آسيا افتحي."
لم تجب عليه.
هتف بحدة هذه المرة:
"آسيا افتحي وإلا هكسر الباب."
لم تجبه ولم تفتح له.
كانت تجلس أمامه على الفراش تحتضن ركبتيها إلى صدرها، ودموعها منهمرة. لا تصدق ولا كلمة من حديث يوسف المسموم، فهي لن تصدق إلا ما تراه عيناها ويشعر به قلبها.
يونس وقف بجوارها منذ اللحظة الأولى في نكبتها. هو من أنقذها من الموت ليس مرة واحدة بل عدة مرات. بينما الحقير الآخر يوسف هو من خدعها وخدرها، أخذها إلى شقتهم عنوة عنها ليسلمها لصديقه القذر الآخر.
جلست تبكي على نفسها، على يونس المظلوم الذي يترجاها بالخارج. جلست لا تعرف ماذا تفعل.
وفي خضم تفكيرها، دفع يونس الباب عدة مرات إلى أن كسر قفله ليندفع إليها. وجدها تجلس على الأرض تضم ركبتيها إلى صدرها، وجهها منكب على الأرض تهتز وكأنها ترتعش من الخوف.
انشق قلبه من أجلها. جثى أمامها ليبعد خصلات شعرها من على وجهها، قال وهو يبكي مثلها:
"آسيا متصدقيش. صدقيني أنا."
بعد دقيقة من الانتظار، نظرت له وكانت عيناها مثل الدماء من شدة البكاء. قالت بصوت مرتعش وخائف وهي ترمي نفسها بين أحضانه:
"يونس أنا خايفة."
صدم من ردة فعلها. ألجأت إليه وإلى حضنه بعد كلام ذلك الحقير. استوعب أنها تتشبث به. وقف أوقفها معه وهو يضمها أكثر بين أحضانه، يريد أن يدخلها فيه لتكون ذلك الضلع الذي خلقت منه له.
نعم، هي منه. أحبها ولم يتحمل دموعها. لربما أحبها منذ أن كانت صغيرة يراها تتدلل على أبيها كلما ذهب إليهم. يعشقها ولا يتخيل حياته من دونها ولا يتخيل حزنها أبدًا. لا يرى بها أي نقص بل يراها كثيرة عليه. فأين هو يونس ذلك الشاب الطموح الذي تبناه أستاذه علميًا؟ وأين هي تلك الجميلة ابنة أستاذه؟
بعد مدة من انهيارهما معًا وبكائهما معًا، قال بصوت متحشرج من أثر بكائه:
"أوعي تصدقي كلامه يا آسيا. أنا بحبك، بحبك أوي أوي يا آسيا ومقدرش أعيش من غيرك."
ابتعدت عنه قليلاً لتنظر إليه، وجدت عيناه مليئة بالدموع. قالت بحنان وهي تمسح دموعه:
"دموع يا يونس."
قال بصدق وهو يحتضن وجهها بين يديه ويبعد شعرها الملتصق بوجهها من أثر البكاء:
"مفيش أغلى منك عشان تنزل دموعي لها يا قلب يونس."
قبلته بجرأة وحنان في عينيه. لم يصدق أيضًا ما تفعله تلك الجميلة مرة أخرى به. هل تبدل حالها؟ أيشكر يوسف على تلك الصدمة النفسية التي بفضلها استرجعت الجميلة نفسها وثقتها به؟
قالت وهي تقبل عينيه:
"انت جميل أوي يا يونس."
احتضنها بلهفة ونام بجوارها وهو يقول:
"انتي أجمل يا روح قلب يونس."
سكنت بين أحضانه لتنام أخيرًا قريرة العين، لا تعلم لماذا أراد الهروب إلى حضنه تختبئ به وتحتمي فيه. نعم، هو أمانها وهو كل عالمها، أنه يبدأ به وينتهي إليه. يونس وكفى.
***
اتصل عماد عليها في اليوم التالي لتذهب لإنهاء محضر الاعتداء ويخبرها أن هاني قضى على نفسه بنفسه.
جلست بلقيس أمامه وهو يقص عليها ما حدث. قالت وقد أشفت على موته بتلك الطريقة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
قال عماد بصدق:
"ده حق آسيا يا دكتورة، ربنا سَقاه من نفس الكأس وده عدل ربنا."
أجابته بصدق:
"صدقني يا حضرة الضابط أنا مشفقة عليه. ده أمر ربنا ومشيئته ملناش فيها حاجة."
وقفت لتنصرف، ولكنها سألته باهتمام:
"طيب وقضية الأدوية والأجهزة الطبية؟ موصلتش لسه لاسم الشركة؟"
أجابها عماد بتلبك، فكيف سيخبرها بظنه في شركة زوجها؟
"أصل يا دكتورة الشركات اللي أنا وصلت لها مفيش معلومات تأكد أن فيه واحدة بعينها هي اللي استوردت الصفقة."
قالت بجدية:
"أقدر أعرف أسماء الشركات دي لو سمحت يا عماد؟"
قال بتردد:
"يعني هتعملي إيه يا دكتورة أكتر من اللي أنا عملته؟"
قالت له بأمل:
"معلش يمكن أقدر أوصل لحاجة أو أخلي جوزي يدور معايا، هو له علاقات كتير وزي ما انت عارف أنه رجل أعمال."
أجابها عماد وقد عقل حديثها:
"لم لا، وإن كانت شركة زوجها هي المسؤولة، فلتعلم ذلك هي وهي من تقرر حياتها معه إن كان خدعها. لتعلم هي ذلك وتفيق من تلك الخدعة. وهي وحدها صاحبة القرار. وإن لم تكن هي شركته، فليساعدها زوجها للوصول إلى الجاني وتأخذ حقها منهم. وهو يزيح هذا الحمل عنها."
"أسماء الشركات هي: شركة البحيري، وشركة الزهور، وشركة الملك."
نظرت له وهي متفاجئة:
"بتهزر؟"
قال بإقرار واقع:
"هي دي الشركات اللي استوردت أجهزة طبية في اليوم ده يا دكتورة. ودي المعلومات اللي قدرت أوصل لها، والقضية زي ما حضرتك عارفة اتقيدت ضد مجهول لعدم كفاية الأدلة."
كتبت أسماء الشركات وعقلها أصبح ساحة حرب مشعلة. هل زوجها سبب دمارها ودمار حلم أبيها؟ هل خدعت مرتين من أقرب الناس إليها؟ مرة من خالها، والثانية الرجل الذي استأمنتنه على نفسها، زوجها عزيز؟
***
ذهبت بلقيس مباشرة إلى آسيا أختها تخبرها بما حدث في قضيتها وأن قصاص الله كان عادلاً وأخذ لها حقها.
وصلت، قابلها يونس بالترحاب، ولم يحكِ لها شيئًا عن زيارة ذلك المريض النفسي يوسف ابن عمه. وأيضًا لن يمنع آسيا إذا أرادت أن تخبر أختها.
جلست مع يونس قالت بحماس:
"عندي لكم خبر حلو."
هتف يونس بفرحة:
"بجد؟ إيه؟"
قالت بتعقل:
"أما آسيا تنزل عشان أحكي لكم مع بعض."
وبعد قليل نزلت آسيا ترتدي فستانًا زهري اللون يتماشى مع قوامها الفاتن، مشرقة وابتسامتها تعلو وجهها. احتضنت أختها بشوق.
"بلا، احتضنها بلقيس وهي ترى إشراق أختها من جديد. هل عادت إلى سابق عهدها؟"
تساءلت بلقيس:
"إيه الحلاوة دي يا سو؟"
خجلت من إطراء أختها وقالت لها وهي تشاكيها:
"من بعد حلاوتك يا بلا."
هتفت بلقيس وهي تضحك:
"آه يا بكاشة. المهم أنا جايبه لك خبر حلو."
هتفت آسيا ويونس معًا:
"خير يا رب."
قالت بلقيس:
"خلاص يا سو ربنا جاب لك حقك."
عن أي حق تتحدث؟ أيعقل أن يوسف حدث له شيء لأنه المدبر الأصلي للحادثة حتى وإن لم يشترك به؟
بدأت بلقيس تقص عليهم ما حدث لهاني وأخته. وبعد أن انتهت قالت آسيا بحزن:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يرحمها."
من يونس على حديثها، بينما تركتهم بلقيس وانصرفت وما زال عقلها يعمل في كل اتجاه.
***
تعافى علي وذهب أكثر من مرة لبيت عمه بحكم عملهم في تجارة الحبوب الغذائية مع عمه. ولكن في كل مرة لم يراها. تساءل: هل تتجنب اللقاء به؟ أم تتهرب منه؟ ولكن ماذا فعل لكي تتجنب اللقاء به؟
وفي وسط تفكيره، قال سالم له:
"خلصت الحسابات بتاعة محصول القمح يا شيخ علي؟"
انتبه علي وهو يمد يده بالأوراق:
"أيوة اتفضل يا عمي، كل حاجة خلصانة."
قال سالم:
"طيب كويس عشان نبيع المحصول بكرة."
استأذن بأدب لكي ينصرف:
"طيب أستأذن أنا يا عمي."
هتف سالم بإصرار:
"والله ما أنت ماشي، انت هتتعشى معانا النهارده."
"معلش أعفيني يا عمي."
"لأ، هتتعشى معانا النهارده. فيه خير حلو هقوله لكم على العشا."
أراد علي أن يبقى وحمد الله أن عمه أصر عليه للبقاء ليرى من خطف قلبه وشغلت تفكير تلك الجميلة البريئة. رحيل، همس بينه وبين نفسه:
"آه يا رحيل، آه من اللي بتعمليه فيا."
بعد قليل نادت منى على سالم:
"العشا يا حاج سالم."
"حاضر يا أم منير."
وقف سالم يسبق علي. دلفوا إلى غرفة السفرة والجميع مجتمع. قال علي بصوته الأجش:
"السلام عليكم."
رد الجميع:
"وعليكم السلام."
قال سالم بترحيب:
"ادخل يا علي يا ابني."
جلس علي بجوار عمه، وفي المقعد المقابل جلست رحيل. وضع الطعام والجميع بدأوا في الأكل إلا رحيل التي ظلت تقلب في الطعام الذي أمامها.
سألها علي وهو يراها على تلك الحال:
"مش بتاكل ليه يا رحيل؟"
تفاجأت من سؤاله وأيضًا جرأته، فبأي حق يسألها؟ أليس هو من قال: رحيل ابعدي عني؟
قالت بصوت غاضب وظهرت نبرته الغاضبة أمام الجميع:
"أنا حرة."
قال سالم بغضب:
"رحيل ردي كويس على ابن عمك."
قالت بطاعة لأبيها:
"حاضر يا بابا."
ثم نظرت إلى علي وقالت:
"مليش نفس أكل."
أومأ لها وانتبه بفطنته أنها بها شيء أغضبها منه.
بعد انتهاء العشاء قال سالم:
"اعملي لنا الشاي وهاتيه في المضيفة يا رحيل وتعالوا كلكم عندي خبر حلو."
أعدت الشاي ودلفت وهي تحمله. وضعته أمامهم. قال سالم بفرحة وهو يحتضن وجه رحيل:
"مبروك يا حبيبتي، المحكمة حكمت لك النهارده بالخلعة."
هل تحلم أم أنها بالفعل وأخيرًا تخلصت من ذلك الكابوس المسمى بزوجها؟
التف إخوتها وزوجة أبيها الحنونة يباركون لها. بينما كان علي آخر من هنأها، قال وصوته ينطق بالفرحة:
"ألف مبروك يا رحيل."
قالت بفرحة:
"الله يبارك فيك يا علي، مش مصدقة إني خلاص بقيت حرة."
أجابها أبوها وهو يحتضنها:
"صدقي يا حبيبتي."
قالت وهي تحتضن أباها:
"ربنا يخليك ليا يا بابا."
احتضنها أبوها بمحبة خالصة لابنته التي استردها أخيرًا بعد طول سنين. بينما تاه الشيخ علي في فرحة تلك الفاتنة التي تأسره بجمالها وتحيي في قلبه وجسده مشاعر ظن أنه نسيها. ليجزم أنه وقع في هوى تلك الجميلة. وعزم أمره أن كانت تملك مشاعر تجاهه فلن تكون إلا له. ولكن كيف؟ وهو يكبرها بأكثر من عشر سنوات؟ هل يحلم؟
نادى على نفسه ليفيق من أحلامه الجميلة:
"فوق يا علي، انت فين وهي فين؟"
***
أسبوع مضى وهي تبحث وتسأل وتبحث، لم تصل لشيء. أسبوع وهو يشعر بها وكأنها تحارب شيئًا مجهولًا. دائمًا شارده، حزينة.
اقترب منها واحتضن خصرها من الخلف. طبع قبلة رقيقة على رقبتها. سألها:
"اللي واخد عقلك يا روح قلبي؟"
قالت وهي تستدير له:
"أبدا يا روحي، معاك."
ثم جلست على طرف الفراش وسألته:
"عزيز؟"
أجابها بوله:
"عيونه."
"الشركة بتاعتك بتستورد إيه؟"
قال وهو يمزح:
"إيه يا روح قلبي، هتشتغلي في الاستيراد وتنافسيني؟"
ابتسمت بحلاوة ولفت يديها حول رقبته وزادت دلالها عليه لتفصل تفكيره عن أسئلتها حتى تأخذ منه إجابة تساعدها في حل معضلتها.
سألته:
"لأ بجد يا زيزو، بتستورد إيه؟"
قال وهو لا يركز في أي شيء إلا هي:
"طبعًا يا روحي، بيستورد أي حاجة."
قالت بدهاء وهي تدعي البراءة:
"حتى المعدات الطبية؟"
أجابها وهو يكاد يغرق في عيناها:
"معدات، أدوية، أي حاجة تأمري بها الملكة وأنا أجيب اللي هي عايزاه."
تركت رقبته وقالت وهي تستدير:
"حتى الأدوية؟"
قال وهو يقترب منها لينال الوصال مرة أخرى:
"حتى الأدوية. ولو الملكة طلبت لبن العصفور استورده لها."
همست له وهي ما زالت تسكره بقربها:
"ربنا يخليك ليا يا زيزو."
والآن حصلت على إجابة شافية لأسئلتها. إذن هو يستورد كل شيء. باقي عليها تعلم هل استوردت الشركات الأخرى صفقة أدوية في ذلك اليوم أم لا.