مر اليوم سريعا ولم تشعر به الفتيات لانشغالهم في تنظيم وترتيب الشقه التي استأجروها. وسط انشغالهم في اعمال التنظيف، لم ينسوا تأدية فرض ربهم. عندما حل المساء، جلست الفتيات بتعب. ورد: هموت من التعب، مقدرش أتحرك. آيه: أنا هموت من الجوع ياناس. دعاء: أنا هموت وأنام. بعدما أنهت دعاء كلمتها، دق الباب. ورد بتوتر: مين اللي بيخبط علينا؟ آيه: مالك قلقتي كده ليه؟
متخافيش، عمك وولاده عمرهم ما يعرفوا طريقنا. واتكلمي عدل، متفتحيش علينا أبواب النار. ورد: حاضر. فتحت ورد الباب لتتفاجئ بالست تهاني تحمل بين يديها صينية مليئة بالطعام، وتقف بجوارها جارتها صديقتها أم عاصم التي تحمل إبريقاً من العصير. ورد: أهلاً أهلاً، ست تهاني اتفضلي تعالي. دخلت الست تهاني وخلفها أم عاصم، لتقابلها دعاء وتحمل عنها الصينية وتضعها على طاولة الطعام. ورد: ليه تاعبة حالك يا خالتي وجاية شايلة؟
تهاني: ولا تعب ولا غيرة يا حبيبتي، انتوا زمانكم من الصبح على لحم بطنكم. مشوفتش ولا واحدة خرجت تجيب أكل أو حتى إزازة ميه. دعاء: كتر ألف خيرك يا خالتي، والله تعبناكي معانا. تهاني: تعبكم راحة يا حبايبي. أعرفكم، دي حبيبتي وجارتي خالتكم أم عاصم. حكيتلها عنكم وصممت تيجي ترحب بيكم وتتعرف عليكم. أم عاصم: بسم الله ما شاء الله، تبارك الخلاق فيما خلق.
تهاني: لا جمال ونضافة، ده أنا حاسة إني أول مرة أدخل الشقة بجد، تسلم إيديكم يا بنات. دعاء: تسلمي يا خالتي. تهاني: احكولي يا حبايبي، انتوا ملكوش أي قرايب؟ سادت دقائق من الصمت، لتكسرها دعاء قائلة: دعاء: لينا بعد ربنا ابن عمنا فارس ومرات عمنا صفية، بس دول مسافرين برة مصر من سنين. أم عاصم: يا حبايبي يا بنتي، وعايشين كده لوحدكم؟ ورد: ربنا كبير يا خالتي.
آيه بمرح: وبعدين يا خالتي، انتوا أهو ربنا بعتكم لينا تبقوا عزوتنا، ولا إيه؟ تهاني: طبعاً يا حبيبتي، وأي حاجة تحتاجوها اطلبوها مني على طول. أم عاصم: وأنا يا حبايبي، ساكنة في العمارة اللي قصادكم دي، لو احتاجتوا أي حاجة تعالولي على طول. ورد: تسلمي يا خالتي. تهاني: وانتوا بتشتغلوا إيه بقى يا حبايبي؟ ورد: ها... أنا أنا...
آيه: ورد دكتورة صيدلانية لسه متخرجة من كام شهر، ودعاء كمان لسه متخرجة من كلية تجارة، وأنا بقى آخر العنقود، لسه داخلة تالتة هندسة. أم عاصم وتهاني: بسم الله ما شاء الله، ونعم التربية يا بنتي. أم عاصم: ولقيتوا شغل ولا لسه بتدوروا؟ دعاء: إحنا سيبنا شغلنا في إسكندرية، بس من بكرة هننزل ندور إن شاء الله على شغل. تهاني: طب نستأذن إحنا بقى ونسيبكم تتعشوا وتناموا ترتاحوا. يا بنات، تصبحوا على خير. البنات: تلاقوا الخير.
بمجرد نزول تهاني وأم عصام، قامت الفتيات بإغلاق الباب وجلسوا يتناولون العشاء في راحة تامة. آيه: ياااه، الواحد كان جعان بشكل. دعاء: بجد، كتر ألف خيرها الست تهاني دي. ورد: وعصير المانجا بتاع أم عصام جميل أوي. آيه: أنا حاسة براحة فظيعة، عمري محسيتها قبل سابق. يمكن عشان البهيم اللي اسمه فراچ مقعدش معايا على الأكل. ضحكت الفتيات على كلمة آيه الأخيرة، وتنهدت ورد بحزن:
ورد: خايفة قوي على صفية مرات عمي، خايفة يعملولها حاجة. واتوحشتها جامد، أول مرة أغيب عنها كده. دعاء: وأنا كمان، أول مرة نبيت برة القصر. آيه: وأنا اتوحشتها أكتر منكم، بس جوايا راحة معرفش إيه سببها، حاسة كأنه هم وانزاح من قلبي. ورد: وأنا كمان نفس الإحساس يا آيه. دعاء: طب وبعدين ناويين على إيه؟
ورد: هنشتغل ونعيش حياتنا وننسى الماضي بكل اللي فيه. وكلها شهر ودراسة آيه تبتدي، نكون اتصرفنا ونقلنا ورقها لجامعة القاهرة. وأنا من بكرة هنزل أدور على شغل. دعاء: وأنا كمان. آيه: وأنا كمان. ورد: لا، انتي لا. انتي تذاكري وتنجحي وبس، ملكيش صالح بأي حاجة تانية. آيه: طب ومالنا اللي عند عمك، هنعيش محرومين منه العمر كله، ولا إيه! ورد: معوزاهوش، أنا مرتاحة كده. كفاية إني لأول مرة في حياتي هنام وبالي مرتاح بعيد عن ظلمة.
دعاء: أنا بس عاوزة فارس، إنما ورثي معوزاهوش. الفلوس والأرض كانوا هما السبب إنه مورّينا العذاب ألوان من يوم ما أمي وأبويا ماتوا وسابونا تحت رحمته. آيه بضيق: وأنا مسيباش ليه جنيه واحد، وحقي هاخده يعني هاخده. كفاية إنه سنين طويلة بيتمتع بمالنا وعز أبويا. واعملوا حسابكم على كده. ورد: طولي بالك يا آيه، وسبيها على ربنا. وقومي يلا ننام، واللي مكتوب لنا هنشوفه. في قصر المنشاوي: حسان بغضب: يعني إيه ملاقينهمش؟
الأرض انشقت وبلعتهم، ولا إيه؟ هما يعرفوا مين ولا هيروحوا فين؟ سليم: مسبتش مكان غير ودورت فيه يا بوي، حتى أصحابهم بتوع الجامعة دورت عندهم واحدة واحدة. حسان: ودار أخوالهم؟ فراچ: روحتلهم يا بوي واتخانقنا معاهم وملقيناهمش هناك. حسان وهو يضرب بعصاه في الأرض: أقلبوا عليهم الدنيا، تجيبهملي راكعين أهنه، وساعتها همضيهم غصب عنهم وأقتلهم وأرتاح منهم. سليم: والله لو في آخر الدنيا يا ورد لهجيبك وأدفنك حية.
ابتلعت صفية ما في حلقها خوفاً على البنات، وانسحبت بهدوء من مجلسهم وصعدت لغرفة فارس. دخلت إليه، وهو بدوره كان جالساً شارد الذهن، لم يشعر بدخول والدته. صفية: فارس ولدي. أفاق فارس من شروده ونظر لوالدته بألم: فارس: جيتي إمتى يا ما؟ صفية: متزعلش مني يا ولدي.
فارس: زعلان عليهم يا ما، كانوا زي المسجون اللي بيستنى يوم إعدامه، وأنا كنت متكتف وواقف معرفش أساعدهم. أنا قلقان عليهم، معرفش هما فين ولا مع مين. قلبي ما ارتاحش واصل، ومقدرش أسامح دعاء على عملتها. دلوك بس فهمت هي كانت تقصد إيه لما كلمتني بالليل وقالتلي: "سامحني على أي حاجة أعملها". صفية بخوف: هي عملت كده غصب عنها يا ولدي. فارس: غصب عنها إزاي يا ما؟ صفية: أنا اللي قلتلهم يهربوا يا ولدي. فارس بغضب: إيه! كيف تعملي كده؟
لو حد من أخواتي شم خبر مهيحصلكيش. طيب ليه كده يا ما، ليه؟ صفية بألم: كنت عاوزني أقف أتفرج عليهم وإخواتك بياخدوا منهم مالهم غصب عنهم ويرموهم كيف الخدم؟ انت عارف زين إيه اللي كان مستنيهم، صح ولا غلط؟ فارس: بس يا ما... صفية: مبسش يا فارس، أنا عارفة ومتأكدة إن ربنا مهيتخلاش عنهم، وهو لوحده قادر يوقف لهم ولاد الحلال اللي يساعدوهم يرجعوا حقهم من أبوك. فارس: مرتاحة في بعدهم الوقتي يا ما؟
صفية بدموع: لا، ولا عمري هرتاح وأنا بعيدة عنهم. بس ضميري مرتاح يا ولدي. أمهم وصتني عليهم وهي بتطلع في الروح، وأنا وعدتها إني أفديهم بروحي. فلاش باك: في إحدى مستشفيات الصعيد، وفي غرفة العمليات. الطبيب ١: دي خلاص بتموت مننا، مهنلحقش نعملها العملية. الطبيب ٢: بتقولي إيه يا حاجة؟ منال: صصص... صاا... صغففف... صفييييييه. الطبيب ١: صفيه؟! منال: اااايييوووااا!
خرج الطبيب من غرفة العمليات لينادي باسم صفية، ليعود لغرفة العمليات ومعه صفية لتلك المرأة التي تنازع الموت على سرير غرفة العمليات. صفية: متخافيش يامنال، أنا معاكي أهوه. منال بدموع تنساب من عينيها: اللللبنات البنات ياااا صصصفييه، اماااانه ففففي رقبببتك. صفية بدموع: محدش هيربيهم غيرك يا منال. منال: خلي بالك ممممنيييهم. صفية: أفديهم بروحي يا منال، متخافيش عليهم.
نظرت لها منال نظرة أخيرة، لتفيض روحها إلى بارئها، تاركة خلفها ثلاثة بنات، أصغرهم عمرها ٦ أشهر، في أمانة سلفتها منال. بااااك: فارس: طب كلمتيهم يا ما؟ أنا هموت من قلقي عليهم. صفية: لا، ملقيتش فرصة أطلبهم. يلا قبل ما حد يجي. أخرج فارس هاتفه من جيبه وطلب ورد، لأن دعاء أغلقت هاتفها. رن هاتف ورد مراراً وتكراراً، وفي النهاية استسلمت وقامت بالرد. ورد بخوف: ألو. فارس بحنو: كيفك يا ورد؟ ورد: بخير يا فارس، متقلقش.
فارس: أخواتك مناح؟ ورد: كلنا بخير، اطمن. فارس: انتوا فين؟ ورد: في أرض الله. فارس: متقلقيش يا ورد، أنا مش زيهم. وواحدة من أخواتك هربت ومعاها قلبي. ورد بابتسامة: خدها معاك أهيه، اطمن على قلبك. ناولت ورد الهاتف لدعاء. دعاء: ألو يا فارس. فارس: كده يا دعاء، تموتيني من خوفي عليكي. دعاء: قلتلك يا فارس، راحة أخواتي عندي بالدنيا. فارس: طب وراحتي مش في بالك؟ دعاء: انت خابر زين يا واد عمي، إن راحتك ربنا خلقني عشانها.
فارس بابتسامة: ماشي يا قلب فارس. افتحي تليفونك عشان أعرف أكلمك. وخذي مرت عمك، عاوزة تطمن عليكم. صفية: ألو، أيوه يا دعاء، كيفك يا حبيبتي وكيف أخواتك؟ دعاء: إحنا مناح يا ما، متقلقيش علينا. صفية: انتوا فين؟ طمنيني. دعاء: إحنا في مصر يا ما، ومتخافيش، أجرنا شقة عند ناس طيبين. صفية: اقفلوا عليكم بابكم، وأوعاكم ترجعوا.
ثم أكملت باكية: لو جاكم خبري يا بنتي، أو عواكم تحضروا عزايي، أو عواكم تبصوا وراكم يا بنتي. افرحوا وعيشوا حياتكم. وأنا كام يوم وهبعتلكم فارس يطمن عليكم، متقلقوش، مهنسيبكمش واصل. بعد مكالمة طويلة مليئة بالدموع، أغلقت الفتيات باب الشقة واستسلموا جميعاً للنوم بعد عناء يوم طويل. لتشرق شمس الصباح وتتسلل أشعتها الذهبية من شباك غرفة ورد لتلامس عينيها السوداء وتوقظها من النوم. ورد بتثائب: قومي يا ورد، كفاية فاتتك صلاة الفجر.
بعد دقائق، قامت ورد وأدت فرض ربها، ثم ارتدت ملابسها وأخذت بعضاً من المال الذي أعطته إياها صفية، ونزلت من المنزل. لتدخل أقرب سوبر ماركت وأخذت كل ما يلزم ليكون في المطبخ الخاص بها. وتوجهت نحو صاحب المحل لتدفع الحساب. عاصم: إيه كل ده؟ عندك عزومة ولا إيه؟ ورد: في حاجة اسمها "ما شاء الله" ولا مسمعتش عنها؟ رفع عاصم عينيه لينظر لصاحب الصوت الناعم، ليتفاجأ بفتاة ذات جمال مهلك وشعر أسود حريري. وأطال النظر إليها
ليفيق من شروده على صوتها: ورد: إيه يا أستاذ، هتفضل مبلم كده كتير؟ عاصم: لا أبداً، حسابك ١٢٧٠ جنيه. فتحت ورد حقيبتها الصغيرة وأخرجت منها المال وناولته لعاصم، الذي رفض بدوره أن يأخذ منها المال: عاصم: لا والله أبداً، خلي علينا المرة دي. ورد باقتضاب: هتاخد ولا أشتري من حد تاني؟ عاصم بصدمة: احم، لا هاخد. هاتي. ناولته ورد المال وهمت بالذهاب، أما عاصم فوقف يتابع خطواتها حتى اختفى أثرها في البيت المقابل لبيته.
عاصم بفرحة: أنا والقمر بقينا جيران. صعدت ورد للشقة وأعدت طعام الإفطار لأخواتها، وحملت صينية العشاء وقامت بإنزالها لشقة الست تهاني، ثم صعدت لشقتها لتأتي بأبريق العصير الخاص بأم عصام وتنزل مجدداً لتعطيه لها. وقفت ورد أمام باب شقة أم عصام وهي تحمل أبريق العصير المملوء بعصير الفراولة الذي أعدته هي كشكر على حسن ضيافة أم عصام. فتحت هناء، أخت عصام، الباب وهي فتاة في أوائل العشرينات ذات طابع مرح ووجه طفولي بشوش.
هناء: عاوزة مين يا جميل؟ ورد: ده بيت أم عصام. هناء: وأنا ابنها عصام، ودي زنقة غسيل المواعين الحزينة. ابتسمت ورد رغماً عنها: ورد: طب ادي لها ده وقوليلها بتقولك ورد تسلميلي يا أم عصام. هناء: إيه الكروته دي؟ متدخلي تشكريها بنفسك. ورد: مرة تانية إن شاء الله. هناء: أبداً والله، لا يمكن. تعالي بس تعالي. دخلت ورد بإحراج، وأجلستها هناء في الصالون وغابت دقائق لتنادي والدتها التي خرجت لتقابل ورد بابتسامة.
أم عصام: وليه التعب ده بس يا ورد يا بنتي. ورد: تعبك راحة يا خالتي. أم عصام: لازم تتغدوا معانا النهاردة بقى. ورد بإحراج: مرة تانية إن شاء الله. قطع كلامهم دخول عصام من باب الشقة بدخوله المرح المعتاد: عصام: بت يانؤة انتي فين؟ هناء: أنا هنا يا عصومي، تعالي. نظر عاصم ناحية ورد التي كانت تجلس بخجل ولم تنظر إليه. عصام بدهشة: مين المزة دي يا ماما؟ انتفضت ورد من مكانها واستأذنت بالرحيل. أم عصام: استني يا بنتي، نتغدى سوا.
ورد: مرة تانية يا خالتي، عن إذنك. همت بالرحيل، ولكن استوقفتها كلمات عاصم: عاصم: أنا ممكن أنزل عادي، وكملي قعدتك. ورد باقتضاب: اتفضل، ده بيتك. بعد إذنك. رحلت ورد، ولكنها تركت علامة في قلب شاب وقع أسيراً لرونق جمالها. جلس عاصم يتساءل عن ورد، لتروي له أمه قصتها هي وأخواتها، واختتمتها بقولها: أم عصام: والله دول باين عليهم بنات محترمين وجمال وأدب وأخلاق ونضافة، دول خلوا شقة تهاني ولا شقة عروسة.
هناء: أخواتها حلوين زيها كده يا ماما؟ أم عصام: قمرات يا بت يانؤة، قمرات يتاكلوا أكل. عاصم بمكر: طب والاحلى هما ولا مرات ابنك اللي نزلت دلوقتي؟ أم عصام بابتسامة: يخرب عقلك يا واد يا عاصم، ده انت لسه شايفها دلوقتي. عاصم: خطفت قلبي يا ماما، البت قمر قمر، يخرب بيت كده. هناء: طب وتغريد؟ عاصم: يا شيخة غوري انتي وهي، بقولك دي قمر وطعمة وحلاوة، تقوليلي تغريد؟ جتك سد نفسك. هناء بمرح: لا طلع ذوقك حلو بجد.
أم عصام: أخوكي باين وقع ومحدش سمي عليه يا هناء. عاصم: يبختك يا واد يا عاصم، قمر قمر يعني مفيش كلام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!