أبتلع غصة مرة نزلت في جوفه تحرقه. كلماته كانت خنجر غرسته في قلبه كصفعة ليستفيق من أحلامه. هي لن تنظر إليه، ربما تغافل في غمرت مشاعره عن طريقة زواجهم، وربما تناسى ما طلبته منه في ليلتهم الأولى. فترة زواج محددة. حتى التقطت مسامعه باقي حديثها.
-بس عمر الشهادة ماكانت مقياس للشخص بنسبالي، فيه مقاييس أكبر من كدة. احنا مش هننكر ان الشهادة مهمة، لكن مش مقياس لأخلاق أو ثقافة. فيه ناس عندهم دكتوراه لكن هتلاقي معندوش خلق، وفيه ناس بسيطة وتلاقيه مثقف وأخلاقه عالية. مش معنى أن الإنسان عنده شهادة يعني إنسان كويس. عادت الدماء تتدفق في قلبه بعد أن تيبست عروقه. عاد ينبض بالأمل من جديد، فباقي حديثها أعطاه جرعة سعادة وارتياح. ليعاود سؤالها: -طب لو كنت بتحبيه هتوافقي؟
أسئلته بدأت تكمل لها الصورة وتضيئ زوايا الشك عندها ليصبح يقين. تلك اللمعة التي تراها في عينه، أسئلته المبطنة اليوم يضعها ضمن دائرة الحقيقة، ويدفعها نحو ما تخشى. لتنفض أفكارها وتبني حصونها، تحفظ عقلها وقلبها من الانسياق خلف تلك الأفكار. صمتها أثار ريبته، لكنه وجدها تضحك وتعتدل. تنام على ظهرها، تنظر لسقف الغرفة بشرود وتقول: -أنتِ بتفكرني بهدى يافارس، دايما كانت تسألني عن الحب ورأيي في الحب. ثم أدارت
رأسها نحوه وقالت بثقة: -أنا عمري ما جربت الحب، طول عمري شايفاه عذاب لصاحبه، حاجة مؤذية. -بس دي فكرة ظالمة عن الحب، والتعميم غلط. ياما ناس بيحبوا بعض ويعيشوا سعيدين. تنهدت بألم وهي تتذكر والديها: -عندك حق، يمكن أنا حكاية أمي وابويا مأثرة عليا. حسيت أنهم أتأذوا من الحب. -بس هما كانوا سعيدين مع بعض، مش كده؟ أسبلت عليها بحزن وهزت رأسها موافقة:
-فوق ما تتصور. كانوا نموذج للسعادة الزوجية والتفاهم. عمري ماشفتهم اتخانقوا ولا اختلفوا. بابا كان حنين أوي، وماما كان بتحبه محتوى. عوضته عن حاجات كتير، حتى عوضته عن وجود عيلته. أتسعت ابتسامته بانتصار وقال: -شفتي إذاً نظرتك للحب غلط. لتقول ساخرة: -مش يمكن يكونوا حالة خاصة. ضاق عنه وقال يداعبها: -بطلي عند واعترفي أنك غلط مرة واحدة. تنازلي عن كبريائك يادكتورة. ضحكت لأنها شعرت أنه يرد لها حديثها، لتستدير بتجاهه وتسأله:
-فارس، أنت حبيت قبل كده؟ قطب حاجبه ورفع يده يعد على أصابعه مازحاً، لتشيح وجههاً بانزعاج. ضحك على تصرفها: -لا كحب أنا ماحبتش أبداً، لكن أكيد كان عندي علاقات عابرة، بس منقدرش نقول عليها حب. ضيقت عينها وتهكمت ساخرة: -اسمها علاقات محرمة، مش علاقات عابرة. بلاش نزوق الكلام عشان نزيف الحقيقة. ليصيح بها مستنكراً بعد أن رأى ردت فعلها: -أي حيلك حيلك يابنتي، ده مجرد كلام يعني مش علاقة جسدية. استهجنت حديثه وقالت بأنفعال:
-مهو الكلام كمان حرام، مش الجسد بس يا أستاذ. هو أحنا هنحلل ونحرم على مزاجنا. استدار ينام على ظهره وقال بحنق بعد هجومها عليه: -أنا مضربتش واحدة على إيدها، هما اللي كانوا بيتقربوا مني. -آهو دا المبرر اللي بتحاول ترضي بيه ضميرك. طب لما هي قربتلك مش عشان شافت تجاوب منك؟ رفعت كتفها وحركت يدها بأصرار: -وبعدين أنت كنت تقدر تصدهم. التفت بسرعة وهب ينهض جالساً يهتف بحدة: -شمس!
أنا مش ملاك، أنا شاب طبيعي. أنت بتتكلمي بمثالية زيادة عن اللزوم. أزاحت الغطاء وجلست على السير مقابل له، ثم تسارعت انفاسها بضطراب وهي تحدق به: -والله أنا مش شايفاها مثالية، دا الطبيعي. -لا مثالية، مفيش شاب بيفكر كده. أنت مأفورة. الموضوع كل الشباب عندهم علاقات عادي. -لا ياباشا مش عادي، أنتو اللي اعتبرتوها عادي. الضحك واللعب بالمشاعر مش حاجة عادية. صمت ينظر لها بعدم اقتناع، لتردد هي:
-طب أنت ترضى أن حد يلعب بمشاعر بنتك، يمثل عليها الحب بعدين يسيبها ويكسر قلبها؟ -أكيد لا. لترفع سبابتها في وجهه وتقول بابتسامة انتصار: -شفت اهو، أنت مبترضاش لبنتك اللي بتعملو في بنات الناس. يعلم أنها محقة، لكنه لن يترك لها فرحة الانتصار. ليدنو منها حتى الامست ركبته ركبتها وانحنى ينظر لها بوقاحة هامساً: -بس بنتي أنا ضامنها، هتكون زي أمها قوية ومحدش يقدر يضحك عليها.
اتسعت عينها عندما فهمت مغزى كلامه، لكنها دهشت أكثر عندما مال عليها أكثر، فانحنى جسدها إلى الخلف كلما اقترب منها. لينهض فأقترب أكثر، لتشهق عندما وجدت نفسها تستلقي بظهرها على السرير وهو يعتليها ويديه تستندان السرير وتحيطها من الجهتين. صرخت بغضب: -أنت بتعمل أي؟ مال أكثر حتى سند جبهته على جبهتها وقال ساخراً: -أي مالك؟ أنا كنت لسة بقول بنتي قوية.
آلامها ارتبكت، متشتتة من هذا القرب. لتستجمع قوتها ووضعت كفي يدها على صده ودفعته بقوه ليرتد نحو الخلف ويختل توازنه ساقطاً على سريرها. صاحت به غاضبة: -ابعد وبطل هزارك البايخ. قهقه ضاحكاً وابتعد نحو سريره: -مش كنا من شوية المرأه القوية، أي اللي حصل؟ نظرت له بشمئزار وقالت بضيق: -تصدق الحق عليا إني بتكلم مع واحد زيك. افتكرتك تناقشيني، لكن أنت لا عارف إنك غلط ومصر عليه. ولما اتزنقت هربت بحركاتك البايخة.
غطت جسدها ورأسها بالغطا واستدارت تواليه ظهرها. شعر بالندم من تصر فه الذي شوه صورته أمامها من جديد. اقترب منها وجلس بقربها على حافة السرير: -شمس، أنا آسف. أنا مش قصدي أضايقك. أنا بس حبيت أوريكي أن القوة وسيطرتك على مشاعرك ممكن تختفي في لحظة ضعف. أنا بشر ياشمس، ممكن أضعف وممكن أخطأ، لكن برجع. لو قدرت أرجع. أنا مش مستهتر للدرجة دي، صدقيني. جايز عندي أخطاء كتير، بس مش وحش بالصورة اللي أنت شايفاها. -شمس… شمس.
لكنها لم تجيب، بل كانت تبتسم تحت الغطاء وهي تسمع كلماته التي أراحته. تنهد بيأس وزفر نفساً طويلاً. نظر لها وهي تحيط جسدها كاملاً بالغطاء. وعندما لم تجيب قال وهو ينهض نحو سريره: -تصبحي على خير. تمدد على سرير بضيق وهو يشعر أنه فشل مرة أخرى أمامها. ***
شعرت بسعادة وهي تنجح في اختبار قبولها. ونظرت بأمتنان إلى دعاء التي أخذتها بجولة في المدرسة وعرفتها على الكادر التدريسي وسلمتها الكتب المنهجية بعد أن أطلعتها على جدول الحصص والمهام المكلفة بها. -متشكرة يادعاء، تعبتك معايا. تأبطت ذراعها وقالت بأبتسامة: -يابنتي متقوليش كده، أحنا أهل. وبعدين أنا معملتش حاجة، عرفتك على المكان. بستنهدت بخجل ثم ابتسمت ابتسامة هادئة تخبرها: -كنت خايفة لفشل في الاختبار وأحرجك.
أطلقت دعاء ضحكة وقالت لها: -وعلي أي دخلوا في الحكاية؟ أسبلت أهدابها برتباك: -يعني مكنتش عايزة أحرجك. كتمت غيضها منها وسألتها بحرقة مزقت قلبها لتخفيها خلف ابتسامة مصطنعة: -يااا لدرجة دي بتحبيه؟ أجابتها بعفوية وحسن نية: -ده أنا بموت فيه. أنا وعلي بنحب بعض أوي، ربنا يحفظه ليا. ودت لو تلكمها وتسكت لسانها الذي كسرته كلماته وتصم صوتها الذي زاد نزيف جرحها الذي لم تستطيع مداواته. لكنها مثلت الثبات وقالت
بأمنيات مزيفة تمنت عكسها: -ربنا يخليكم لبعض. تصنعت المحبة ولونت كلماتها بخبث تطليها بصبغة الكذب مدعية صداقتها: -بصي ياستي، من النهاردة تعتبريني صاحبتك. أنا معنديش أخوات وهعتبرك أختي. نفسي ياهدى ألاقي حد أكلمه وأشكيله وأحكي له كل أسراري. ماما عصبية أوي مش بقدر أحكي لها حاجة ومش بتفهمني. استقبلت تلك البريئة حديثها بعطف وأشفاق. أمسكت يدها تؤازرها: -ولا يهمك، اعتبريني أختك ومخزن أسرارك.
مسحت دمعة مزيفة جاهدت لإخراجها كي تستميلها وتكسب عطفها وابتسمت بخبث وهي ترى نجاح خطتها عندما وجدت الدمع تلمع في عين هدى: -يا ريت ياهدى، ده أنا أكون شاكرة ليكي. ابتسمت لها ومدت يدها تمسح دموعها وقالت بمحبة: -خلاص، أرجوك متعيطيش. مسحت دموعها المزيفة وقالت تشكرها: -متشكره ياهدى، متشكرة أوي. وأنا كمان مستعدة أسمع منك. ثم صمتت تستدرك سرعتها في اقتناص فريستها البريئة لتمثل الحرج: -ده إذا كنت حابة تحكي… ثم عادت تملئ عيونها
بالدموع مدعية الحزن: -أنت أكيد عندك أخواتك. -بس مش بقدر أحكيلهم كل حاجة عشان بيزعلوا عشاني. قالتها هدى بحزن وهي تطأطأ رأسها. أخفت ابتسامة النصر وهي ترى نفسها تدنو من تحقيق هدفها ولبست قناع التعاطف والمحبة: -ولا يهمك يا هدهد، أنا مستمعة جيدة. تقدري تحكيلي، وأوعدك إن ده هيكون سر مابيننا. لمعت عينها بمكر وهي تمد لها يدها تصافحها: -اتفقنا. مدت هدى يدها تصافحها وهي مبتسمة: -اتفقنا. ***
جلست أمامه في ذلك المقهى الذي اعتادت أن تشرب فيه الشاي. دارت عيناه في المكان فأعجبه النمط الكلاسيكي الذي طغى على أجوائه. تطلع إليها فوجدها مندمجة في هاتفها، يبدو أنها تراسل شخصًا ما، ومن تقلبات ملامح وجهها أدرك أنها "هدى" التي لا تكف عن مشاكستها دائمًا. قال وهو يبتسم بخفة: -دي هدى؟ رفعت نظرها من الهاتف، خطفت نظرة نحوه ثم عادت إليه لتجيبه: -أيوه. -سلميلي عليها. -حاضر.
أخرج هو الآخر هاتفه وبدأ يقلب فيه، حتى سمع ضحكتها الخافتة ونظرها ما زال مسلطًا على الشاشة. رفعت نظرها لتلتقي عيناه بعينيها، وقالت وهي ترفع الهاتف أمامه: -هدى عاوزاني آخد سيلفي معاك عشان تطمن إني في إيطاليا مش بكذب عليها. رفعت الهاتف والتقطت الصورة، فابتسم بمكر وقد راودته فكرة ليحتفظ بصورة معها على هاتفه. -استني، أنا موبايلي أحدث، الصورة هتطلع أحلى.
ترك مكانه واتجه نحوها، سحب الكرسي وجلس بجانبها، ثم رفع يده والتقط عدة صور لهما معًا. خفض هاتفه يبتسم بسعادة وهو يقلب الصور، ثم أراها إياها قائلًا: -هبعتلك الصور عشان تبعتيها لهدى. أومأت برأسها موافقة، ليصل النادل واضعًا فنجان القهوة أمامه، ثم همّ بوضع كوب الشاي أمامها، لكن فجأة اضطربت يده فاختل توازن الكوب، وسقط ساكبًا محتواه على يدها. شهقت بألم ورفعت يدها نحو فمها تنفخ عليها.
انتفض هو بفزع، جذب يدها نحوه ينظر إليها بخوف وقلبه يخفق هلعًا: -وريني يا شمس، حصلها إيه؟ آخدِك المستشفى فورًا. أغمضت عينيها بألم وقالت: -ملوش داعي، دا حرق بسيط. لومها بعينين ممتلئتين بالقلق: -إزاي ملوش داعي؟ شكلك موجوعة.
أمسك يدها وبدأ ينفخ عليها وسط اعتذار النادل الذي أسرع وعاد بقطعة ثلج ملفوفة في منديل ورقي. أخذ الثلج وبدأ يمرره على يدها بحذر وقلق، وهو يرى احمرار جلدها. كانت تتأوه مغمضة العينين، تعض على شفتيها من الألم. فتحت عينيها أخيرًا، فتبدل ألمها بدهشة وهي تبصر لهفته وقلقه عليها، وكيف يمسك يدها ويحرك قطعة الثلج برفق وينظر إليها بخوف. بلعت ريقها بتوتر، ولما رفع بصره نحوها سألها بقلق: -أحسن دلوقتي؟
لم تستطع نطق كلمة، واكتفت بهز رأسها بخجل. ازداد حرجها حين شعرت بملمس شفتيه على يدها يقبلها برقة. اضطربت وحاولت سحب يدها التي كان لا يزال يمسكها بقوة. -خلاص، بقت أحسن… متشكرة. لكنه لم يستمع لحديثها، ظل ممسكًا بيدها، يمسح عليها تارةً وينفخ تارةً أخرى، حتى ذابت قطعة الثلج بين أصابعهما من حرارة جسدها، لا تدري أكانت من أثر الحرق أم من الحرج.
قبل يدها أخيرًا وأفلتها، وسط نظراته التي امتلأت بالألم والشفقة، فسحبتها بسرعة تمسكها بيدها الأخرى وتضمها إلى صدرها. وما فعله جعل قلبها المتجبّر يرتجف بتوتر. *** أسبوع مر منذ أن استلم مفاتيح العيادة وبدأ في ترتيبها وإعدادها. ورغم أن العيادة يفصلها طابقين فقط عن شقتهم، لم يفكر أن يأخذها إليها أو حتى يأخذ رأيها في شيء من الديكور أو الألوان. كم تمنت أن يشاركها أحلامه وطموحاته.
لم تراه سوى بضعت ساعات من النهار في خضم انشغاله. لم تعاتبه ولا تسأله، فقد حفظت الإجابة عن ظهر قلب. والعذر أصبح باهتاً يثقل عليها تقبله، لكن ماذا تفعل، ليس أمامها سوى الصمت. اليوم هي مجبرة للذهاب إلى عيادته بعد أن طلب من سماح الحضور إلى العيادة لاستلام وظيفتها. سارت أمام سماح المتحمسة للبدء بالعمل، لكن لا تعلم لماذا كلما اقتربت من عيادته زاد خفقان قلبها. ودعت الله ألا تفضحها دموعها عندما تصل هناك.
وقفت أمام باب العيادة بتردد لتقطب سماح حاجبها وتقول مستفسرة: -مالك يابنتي وقفتي ليه؟ ماتدخلي، هو دكتور طارق مش جوزك؟ أومأت بتوتر وقالت متلعثمة: -أيوه موجود جوه، بس كنت عايزة أستأذن منه. تعجبت سماح وقالت بدهشة: -وتستأذني ليه؟ دا جوزك. توترت بحرج ونبض قلبها بحسرة أخفتها، ترسم ابتسامة باهته على محياها وتقول بدعابة: -عشان أنا زوجة مؤدبة ياسماح. نهرتها سماح بسخط وقالت وهي تربت على كتفها وتقول بستهزاء:
-طب يلا يامؤدبة، عندي مشوار مع خطيبي هتأخر عليه. التفتت نحو الباب المورب وفتحته، تخطو بخطوات مترددة نحو الداخل لتجده منكباً في تعليق إحدى اللوحات على الحائط. لتتحمحم بأضطراب: -احم… مساء الخير. التفت لها فور سماع صوتها. تزين وجهه ابتسامته التي باتت تعشقها، ليرفرف قلبها لرؤيته. ورغم أنه هيئته مبعثرة وتملئ ملابسه الأتربة، فيبدو أنه كان منغمساً في ترتيب الأشياء، لكنه لا يزال وسيم وطلته تخطف أنفاسها. -أهلاً ياندى.
قالها مقترباً منها حتى انتبه لوجود سماح خلفها ليشير نحوها: -أكيد انت سماح. -أيوه يادكتور. قالتها سماح وهي تهز رأسها معرفة بنفسها: -أهلاً ياسماح، عاملة إيه؟ -بخير متشكرة. -أكيد ندى فهمتك على طبيعة الشغل والالتزام. قالها يحول نظره نحو ندى التي كانت تنظر نحو سماح التي أجابت: -أيوه يادكتور. -خلاص يبقى متفقين. ليذهب نحو مكتب صغير وضع في صالة الاستقبال: -ده مكتبك ياسماح.
ثم التقط ورقة موضوعة عليه نظر لها ثم مد يده يسلمها إليها. التقطتها تمعن النظر بها: -ده الجدول اللي هتمشي عليه. تقدري تيجي تستلمي الشغل بكرة عشان كمان نتفق على المرتب. ثم اقترب من ندى يحيط كتفها وقال مازحاً: -ومتخافيش ياستي، أنتِ واسطتك قوية مش هنختلف إن شاء الله. كست وجهها حمرة الخجل وامسكت يدها تفركها بحرج. خفق قلبها يصرخ بحبه. رغم أن حركته بسيطة لكن عنت لها الكثير مما جعل سماح تنظر لها وتبتسم بتلقائية:
-وهو أحنا لينا غير ندوش القمر. نظرت له لتجده ينظر لها مبتسماً. غابت في سحر عينه كما غاب هو في رقتها وخجلها المعلن. قطعت لحظات تواصلهم صوت سماح: -احم… عن إذنكم، أنا لازم أمشي. هكون عندك بكرة في المعاد يادكتور إن شاء الله. مع السلامة ياندوش. -مع السلامة. قالها الاثنان بصوت واحد وعينهم تتبعها حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها. ابتعد عنه مبتسماً وعاد يعلق اللوحة على الجدار.
تجولت هي داخل المكان تستكشفه وعينه ترصد التنظيم وتنسيق ألوان الأثاث والجدران. اقترب منها عندما رأها وعينها تدور في المكان: -أي رأيك عجبتك؟ التفتت نحوه وهي تهز رأسها برضى: -أيوة جميلة، بس محتاجة تنظيف. -ما أنا هنظفها دلوقتي. قالها وهو يحمل دلو ماء فارغ وضع جانباً. لتقترب تأخذ منه قطعه القماش المبللة وتقول بحزم: -خليني أساعدك. أحاطها بنظرة شكر وابتسم بأمتنان: -ياريت ياندوش.
ليبدأو العمل سوياً وتعالت ضحكاتهم وهو يرشها بالماء يشاكسها وهي تفعل مثل ما فعل. تشاركو في العمل وكم كانت سعيدة بأنها شاركت معه تلك اللحظات. رغم أنهما أجهدا في العمل لكن كان لها مذاق مختلف. أزاحت قليلاً من الفتور الذي تسلسل لحياتهم وأصابها بالجمود.
كان يختلس النظر نحوها بين الحين والآخر يجد اجتهادها في التنظيف وسعادتها بمساعدته. ابتسامتها اللطيفة باتت تأسره وطبيعتها الهادئة تجذبه نحوها. هي حقاً الزوجة المثالية له والأم التي سوف يأمن على أطفاله معها. لكن هناك ركن آخر، ركن الحبيبة التي أصبح يوقن أنها بدأت تخطو لتمتلكه هو الآخر.
ابتسم بسعادة وهو ينظر نحو الماء الذي يستخدمه في غسل الأرض. كيف يجي تحت قدمه متسارعاً ويتعثر ببعض الأماكن لياخذ مساراً آخر ويغير طريقه. وكأن مجرى الماء يشابه هذه الحياة في مسيرها حتى توقف فجأة وهو يرى الماء قد ارتطم بأحد الجدران وتناثرت قطراته متباعدة عن بعضها.
ليغمض عينه يوقف سيل الأفكار السيئة التي تدفقت في مخيلته وهو يخشى أن تواجه حياتهم عقبة تدمر صوف تلك الحياة التي يرسمها بدقة. كما أعتاد دائما في حياته أن تكون قراراته دقيقة ومتعقلة. -خلصت يا طارق. أفاقه صوتها من دوامة تلك الأفكار الغريبة التي لا يعلم لماذا طرقت فكره الآن: -ها أيوه يا ندى، دقايق. أنهو عملهم ليقفوا وينظروا لصنيعهم بأستحسان. ضمها إليه يشكرها: -متشكر ياندى. تحدثت وهي داخل أحضانه كأنها تتشبث بحياتها
التي تتمنى أن تكتمل بحبه: -متشكرنيش يا طارق، أنت جوزي. إذا ماكنتش أنا أقف معاك مين هيوقف معاك. ضمها إليه أكثر بعد أن أثلجت قلبه كلماتها: -ربنا يحفظك ليا ياندى. أخرجها من أحضانه لكنه لا يزال يأسر جسدها بذراعيه. لتدور عينه في أرجاء العيادة يخبرها بسعادة:
-عارفة ياندى، العيادة دي كانت حلمي من أول مادخلت كلية الطب. جدو وعدني بيها من زمان وأنا اللي اخترت المكان واخترت يكون قريب من شقتي. العيادة دي هي أول حجر في مشوار مستقبلي ياندى. لو نجحت يبقى أنا على الطريق الصحيح. لا تعلم لماذا ذكره لاسم جدها في وسط كلامه ووعده له نغز قلبها. هل كانت العيادة مقابل للزواج منه؟ لحضات تصارعت هذه الأفكار في رأسها حتى نفضتها من رأسها وقالت: -ربنا يوفقك وتكون أشطر دكتور في الدنيا.
-أيوه ياندى، أدعيلي. -أنا بدعيلك دايماً ومن غير ما تطلب. هو أنا عندي أغلى منك. أربكته كلماتها التي خرجت صادقة من فمها. لم تقصد بها جرأة أو دلال، لكنها تلقي بمشاعرها أمامه. ليبتسم فتبادله الإبتسامة خجلاً وكأنها وعيت لحديثها التلقائي. قبل جبهتها بحب: -ربنا يقدرني وأسعدك. ودت لو تخبره أن وجوده بقربها هو سعادتها والاتحتاج أكثر من ذلك. *** جذب يدها يسحبها خلفه بأصرار نحو إحدى الصيدليات القريبة. لتثبت
جسدها على الأرض بعناد: -فارس، الحرق سطحي خف خلاص مش محتاج دوا. عبس وجهه بغضب يوبخها: -بلاش العند ويلا، ممكن يتأثر كمان شوية. كان تعلم صحة حديثه لكنها كانت تخشى تلك النظرات التي أصبح يحيطها بها. وتتمنى أن ما تفكريه مجرد وهم وخوفه عليها الذي ظهر في نبره صوته ليس سوى لأنه مسؤول منه. أمتثلت له مجبرة وسارت خلفه حتى وصلا الصيدلية وأظهرت يدها للصيدلي الذي وصف لها مرهم خاص بالحروق وطمأنها أن الحرق بسيط ولا يجب أن تقلق.
خرجوا من الصيدلية لتلفت نحو وتقول: -مش قولتلك حاجة بسيطة. -أهو أطمنا عليكِ، تعالي. قالها يسحب يدها نحو أحد المقاعد العامة جلس واجلسها بجانبه وأمسك يدها عنوة رغم اعتراضه ليضع القليل من المرهم على أصابعه ويمسح على الحرق بتروي. ثم رفعها ينفخ عليها حتى تأكد أن الجلد قد امتصّ المرهم.
كانت تراقبه بتوتر تتمنى أن يتوقف. ودت لو تصرخ به وتخبره أن لا يفعل ذلك. اهتمامه لا يزيدها سوى اضطراب وتشتت. سحبت يدها من بين يده لترفعها تنفخ عليها هي، مشيحة بوجهها إلى الناحية الثانية تخفي حرجها وارتباكها. رغم انزعاجه من حركتها لكنه أصبح يفهم عنادها. التقط المرهم ومدزيده يعطيها إياه: -خليه عندك ومتنسيش المواعيد.
أومأت برأسها وأخذته منه تضعه في حقيبتها. لكنها لم تستطع فتح الحقيبة لتحاول عدة مرات لكن دون جدوى. كتم ابتسامته وهو يختلس النظر نحوها حتى مد يده وساعدها في فتح الحقيبة وسحب المرهم يضعه داخلها: -متشكرة. قالتها باقتضاب وهي تهرب من عينه التي تحاصرها: -نتمشى شوية، أي رأيك؟ قالها يحثها على النهوض بعد أن رأى توترها وبدأت تصرفاتها تزعجه، ليتنهد بضيق ويقرر أن يغيروا المكان.
سارت بجانبه ليجذب انتباهها عينه التي تتبع إحدى السيارات الفارهة حديثة الطراز. ظلت عينه تترقبها حتى اختفت من أمامه. وضع يديه في جيب معطفه يخبرها: -العربية دي حلمي، بس هي إنتاجها محدود. -حلوة… بس أنا مش شايفاها مبهرة. -هي عشان إنتاجها محدود بتكون مميزة. أنا بحب الأشياء المميزة. التفتت نحوه ومطت شفتيها بلا مبالاة: -أنا مليش في العربيات، جايز عشان كده مش بتشدني. لتتفاجأ به يسألها: -أنت أي أحلامك ياشمس؟ تنهدت ببطء
وأتسعت ابتسامتها بسخرية: -بصراحة أحلامي كتيرة أوي. يضحك بخفة وقال يمازحها: -طب يله همسك ورقة وقلم واسجل، أتحفينا. شاركته الضحك وقالت: -ماشي ياسيدي سجل عندي. لترفع يديها تعد على أصابعها: -أولاً… نفسي أقعد على البحر. -ثانياً… نفسي أركب خيل. -ثالثاً… نفسي أجري في الشارع. بس دا طبعاً بعد نجاحي وتطوري وأني أكون دكتورة مشهورة. دا أهم أحلامي. يرفع حاجبه بدهشة: -بس دي كلها أحلام بسيطة ممكن تحقق بسهولة.
-عندك حق، بس فيه لسه أحلام بعيدة وأمنيات مستحيلة. قطب حاجبه يسألها: -وأي هي الأمنيات المستحيلة؟ تنهدت بيأس ولسعت عيونها الدموع: -إني أصلي مع بابا جماعة مرة وحدة وياخدني بحضنه بعدها زي ماكان بيعمل زمان. تألم لحالها وشعر بالإشفاق عليها. ود لو يستطيع أن يأخذها بين أحضانه وتمنى لو كان بأمكانه أن يبوح لها بحبه ويخبرها أنه بجانبها. مسحت دمعتها الهاربة وهي تسمعه يواسيها: -ربنا يرحمه. ادعيلي. وزفر أنفاسه بحرقة
وكان كلماتها لامست جرحه: -اللي بيروح مابيرجعش، عندك حق لما قلت مستحيلة. ليغير مجرى الحديث تطلع لها بأبتسامة: -طب والأحلام البعيدة تطلع إيه؟ ارتبكت بأحراج وقالت: -لا دي اسمحلي أحتفظ بيها لنفسي.
نظرت نحو المجهول وتاهت في حلمها البعيد الذي لم يكن سوى قصة حب قوية ومختلفة تتمنى أن تعيشها في يوم ما. التفتت نحوه لتجده ينظر لها بتلك النظرات الجديدة عليها، تتوقد بالمشاعر. التقت عينه بعينها وكأنه يخبرها أنها حلمه الجديد، لتشيح بنظرها بعيداً. *** كانت تسير بجوار صديقتها لتجده يدخل إلى باب الكلية. خفق قلبها بشدة وأصبح وجوده يسلب تعقلها كما سلب قلبها. وكزتها صديقتها بعد ما وجدتها تحدق به:
-أي يابنتي امسكي نفسك، نظراتك مفضوحة. منزلتيش عينك من عليه من ساعة ما دخل الكلية. -مش أستاذي وبشوفه رايح فين. لوت صديقتها شفتها بسخط وقالت بتهكم: -أستاذك برضو؟ عليا الكلام ده. ده انت عينك هتطلع عليه. لتربت على ذراعها تلومها: -يابنتي دا مجوز، سيبك منه. ثم أكملت مستهزئة: -وإلا أنت عايزة تكوني زوجة تانية؟ أشاحت نظرها بعيد عنها وهي تهمس لنفسها بخبث: -مش لما يبقى فيه زوجة أولى أصلاً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!