انتهت تلك الرحلة وعاد الاثنان، كل يحمل معه مشاعر مختلفة. هو عاد يحمل حبها بين خفقات قلبه، وهي عادت تحمل خوفها من مشاعره التي باتت تقرأها بوضوح. حمل عنها حقيبتها بعد جدال مابين رفضها وإصراره. "خلاص أنا شنطتي خفيفة وأنت ماشاء الله جايه بشنطة ورجعتي بتنين." قالها ليشاكها، فهذه أصبحت طريقته ليجعلها تندمج معه بالكلام. نظرت له نظرة جانبية وقالت بسخط وهي تجر إحدى حقائبها:
"مش أشتريت هداية لأخواتي وناسي حضرتك البدل الي اشتريتها وقولتلي لوسمحتي ياشمس حطيها في شنطتك." قالتها وهي تلوي فمها متهكمة، تقلد صوته. لينفجر ضاحكاً حتى أدمعت عينه. "هو أنا صوتي حلو كدة؟ نفخت بضيق وتسارعت خطاها نحو مدخل بنايتهم ليمسك ذراعها يمنعها من التقدم. "استنيني هنا هطلع دول وارجعلك، مطلعهاش أنت تقيلة عليكِ."
كادت أن تخالف أمره مكابرة، لكنها لم تستطع. حملتها لتقف تنتظره مربعة يديها على صدرها بتذمر. غاب قليلاً وعاد إليها يحمل الحقيبة، لتتبعه حتى وصلوا إلى الشقة. دخل ودخلت خلفه تجر حقيبتها بعد أن أخذتها منه نحو غرفتها. وقبل أن تدخل، سمعت صوته الذي كان يخرج لاهثاً يلتقط أنفاسه من صعود السلم. "مش هنتغدى؟ ألتفتت نحوه تسأله بتعجب: "أنا مش جعانة، هو أنت مش أكلت وجبة على الطيارة؟ جلس على المقعد القريب بتعب وقال ساخراً:
"وهي الوجبة دي تسد جوع دي، يادوب تصبيرة." تنهدت مستاءة وقالت بأمتعاض: "تحب أعملك غدا؟ ابتسم بزهو، فلم يكن يحتاج سوى الجلوس معها. كان يخشى عودتها إلى الإنعزال داخل جدران غرفتها. ليقول بأمتنان: "ياريت ياشمس، لوسمحتي." "أغير هدومي واعملك غداك." كادت أن تغلق الباب خلفها قبل أن تسمعه يقول وكأنها تذكر شيئاً: "متنسيش الملح." زفرت أنفاسها متأففة، وقالت بحدة قبل أن تغلق الباب بعنف: "حاضر."
ابتسم بأنتصار ورحل يغير ملابسه هو أيضاً. خرجت تخطو نحو المطبخ بضيق وهي تتمتم بسخط وعينها تبحث عنه في أرجاء الشقة. "هو راح فين؟ طبعاً تلاقيه نام، وألا خد شاور، مهو الخدامة الي جابها جدو موجودة." دخلت المطبخ وفتحت الثلاجة، وجدت بعض حبات البيض. أشعلت الموقد تعد الشاي ولسانها لازل يتمتم بكلماتها المحتجة. "هو معقولة يكون مشبعش." لامها عقلها عندما شعرت بحاجتها لكوب من الشاي هي أيضاً.
"يلا ياشمس انت كمان محتاجة كوباية شاي تعدل دماغك، مفهاش حاجة الراجل مقصرش معاكِ في إيطاليا." كانت مندمجة في صنع الشاي والبيض عندما سمعت باب الشقة يغلق. دهشت لتتقدم نحو باب المطبخ لتجده يدخل يحمل أكياساً. ينظر إليها ويقول مفسراً: "جبت عيش وشويت حاجات من السوبر ماركت القريب." همست لنفسها تؤنبها: "ظلمتي الراجل ياشمس."
لتكتم ضحكتها وتهرب نحو المطبخ قبل أن تخونها وتصدح رغماً عنها. جلس على المائدة لتضع أمامه البيض وكوب الشاي، ثم وضعت علبة وقالت بحده: "الملح." ثم اتّبعتها بأخرى بحنق: "السكر." نظر نحو العلب التي وضعتهم، ثم رفع نظره نحوها لتقول بسخط: "عشان لو فيه نقص متلومنيش." رسم ابتسامة مستفزة وقال يحاول إثارة حنقها: "أحسن، أكيد مفيش ملح ولا سكر." تجهم وجهها وكادت أن تغادر وهي تحمل كوب الشاي، لكنها وقبل أن تتجاوزه أمسك رسغها وقال:
"انت مش هتاكلي معايا؟ "مش جعانة." "طب أشربي الشاي هنا، عاوز أتكلم معاكي." قالها بعين متوسلة. لتتوتر، أرادت أن تغادر مبتعدة عن عينيه التي تحدق بها، لكن وجدت نفسها تسحب الكرسي وتضع كوب الشاي على الطاولة وتجلس تستمع له. تحمحمت بارتباك: "احم.. اتفضل، أنا بسمعك." أمسك قصعة الخبز وقطع قطعه ودسها في طبق البيض. وقبل أن تصل اللقمة إلى فمه أخبرها:
"علي بيقول طارق فتح العيادة بتاعته، كنت بفكر نزورهم بكره ونباركلهم. علي وهدى هيزورهم بكرة، واهي فرصة نتجمع، أي رأيك؟ دس لقمته في فمه يمضغها وعينه تتطلع لها يترقب إجابتها ليرى العبوس يرتسم على محياها. تنهد بحزن: "يعني مش هشوفهم النهاردة؟ أصلهم واحشني أوي." "أنتِ أكيد تعبانة من السفر، خليها بكرة نكون استريحنا."
أومأت برأسها متفهمة ورفعت كوب الشاي ترتشف منه القليل. وما أن أخفضته وجدته يقرب من فمها قطعه خبز ممزوجة بالبيض. لتتمتم رافضة: "متشكرة، مش جعانة." ليحرك رأسه يحثها وهو يقول محاولاً إقناعها: "محبش أكل قدام حد من غير ما يشاركني." فتحت فمها تلتقط الطعام بشفتيها ليبتسم وهو يرى وجهها يحمر خجلاً. فرغم شدتها لكنها تخفي خلف ستارها فتاة خجولة تربكها بعض الكلمات وتخجل من حركات بسيطة. ليمزحها قائلاً:
"شمس، هو أنتِ مبتعرفيش تعملي غير بيض وشاي؟ تحول خجلها لغضب لتهتف بأنزعاج: "آه ياسيدي، مع الأسف مبعرفش أعمل غير بيض، عندك اعتراض؟ زاد انزعاجها عندما وجدته يغمغم وهو يحرك شفتيه بأرقام لم تفهمها، حتى استشاطت غضباً وحدقت به بشراسة عندما سمعته يقول: "كده محتاجين ميزانية كاملة عشان الدليفري." لتلهب واقفة بأنفعال، أمسكت علبة الملح ترشها على البيض بغيض وهي تقول مستنكرة: "شكل البيض ناقص ملح، أطلب دليفري أحسن."
ثم تركته وغادرت بسرعة وسط دهشته وهو ينظر لتصرفها بعين متسعة. ليحاول استيعاب ما فعلت، ثم انفجر ضاحكاً وهو يوزع نظره بين الطعام وبين أثرها. "يامجنونة." *** تفاجئت بدعاء تسحبها بوجه عابس نحو إحدى الغرف الفارغة وتجلسها، تنظر لها بعين دامعة. "ممكن أتكلم معاكِ ياهدى؟ ربتت هدى على يدها بقلق وأخبرتها تطمئنها: "أكيد، أنا سمعاكي ياحبيبتي، اتكلمي يادعاء، مالك؟ أصطنعت التوتر ومثلت البكاء:
"أنا بحب يا هدى، اتعرفت على شاب على النت وحبينا بعض، بس خايفة لماما تعرف." أمسكت هدى يديها تضمها بحنان وقالت ناصحة: "معلش يادعاء، أنا عارفة إن كلامي ممكن ميعجبكيش، بس العلاقات دي حرام وغلط. العلاقات اللي في الظلمة عمرها متعمر. لو الشاب دا بيحبك بجد، خلي يتقدملك." زادت من وتيرة بكائها المزيف وقالت: "خايفة ماما ترفضه." شددت هدى على يديها وقالت تشجعها:
"خليه يتقدم، يحاول مرة مرتين، وأكيد والدتك لما تشوفو متمسك بيك وانت متمسكة بيه، أكيد هتوافق." ثم ابتسمت محاولة التخفيف عنها: "وبعدين انت ليه متوقعة إنها ترفض؟ مش جواز؟ توافق؟ أزالت دموعها الكاذبة وقالت تمثل الألم: "أصله أقل من مستوانا، هو عنده شهادة بس حياته بسيطة على قدو يعني." "مسحت تلك المسكينة دموعها بطيب خاطر. "الفقر مش عيب مادام عنده شهادة وبيشتغل، الفلوس مش كل حاجة يادعاء، والسعادة مش بالمادة، بالحب."
كلماتها التي كانت تقصد فيها التخفيف عنها نبعت من قلبها الصافي لتصب في قلب دعاء، تزيدها مقتاً وحقداً عليها. فهي تملك كل شيء، المال والحب والراحة. سرقت ما كان سيكون لها يوماً من الأيام. لتترسم ابتسامة خفيفة ونظرت لها بخبث تكمل قصتها الكاذبة: "انتِ رأيك كدة ياهدى؟ بادلتها الإبتسامة وقالت: "أيوه ياحبيبتي، حاولو، وأكيد خير إن شاء الله."
احتضنتها دعاء تحكم أركان خطتها وترمي شباك مكرها عليها، تمثل عليها الحب كالعنكبوت تغري فريستها، تحيطها بشباكها الواهمة. "متشكرة ياهدى." "حبيبتي، أحنا أخوات." خرجت من أحضانها ترمي أول أسهمها عليها وتضع أول ضربة فأس لتهشيم حياتها. "يابخت علي بيكي، ويابخت خالتي بأمراة ابن زيك." تلونت عين هدى بلحزن وابتسمت ابتسامة باهتة. لتسألها دعاء بخبث: "مالك ياهدى؟ هو علي زعلك؟ نفت هدى برأسها: "علي زي النسمة الباردة اللي محلية حياتي."
"خالتي مزعلاكي؟ صمتت هدى رغم أن عينها تتحدث بالكثير، لكنها أبت أن تذكر والدة زوجها بسوء احتراماً له، ولدعاء كونها خالتها. لكن دعاء رصدت ذلك وأخفت ابتسامة انتصارها لتزيد من وتيرة تمثيلها وتدعي الإزعاج محاولة بذر الثقة في قلب هدى، فقالت: "خالتي طول عمرها أنانية، بتحب تأخذ كل حاجة ليها لوحدها وتكره الخير لغيرها." اتسعت عين هدى بندهاش من ذمها لها وواصلت ثباتها قائلة تنفي ما تخشى أنه قد وصل لعقل دعاء: "لا...
لا، ماما كويسة، هي بس بتحب علي أوي، حقها مهو ابنه." تداركت كلامها تجمله وتدس السم في العسل: "أنتِ طيبة أوي ياهدى، بس أنا عارفه خالتي بتحب علي بجنون وبتغير عليه." حاولت هدى إنهاء هذا الحديث لتقول تنهي استرسال دعاء: "ربنا يهديه." نظرت لها دعاء وأحست بظفر أول خطواتها لتتنهد بارتياح، عازمة على استكمال خطتها. ***
أخرجت قالب البيتزا من الفرن وعادت تنظف المطبخ وتغسل الأطباق المتسخة. تنظر إلى لمعان خاتم زواجها بعد أن غمرته المياه وغطته فقاعات الصابون، تشوه هذا اللمعان ليعود لمعانه مرة أخرى بعد أن أزاحت الصابون عنه، وكأنه يصف حالها معه. فتارة تشعر أنه يبادلها المشاعر، بل وترى صورتها في انعكاس نظراته، وتارة تشعر أنه بعيد عنها. حياتها معه مابين ربيع مزهر وشتاء قارص يجلد روحها صقيعه. لكن كل ما هي متأكدة منه الآن أنها تحبه. نعم،
وربما تعشقه قلبها الذي يخفق لرؤيته، وعينها التي باتت لا ترى غيره، وروحها التي أصبح يؤنسها قربه. رنين جرس الباب أخرجها من شرودها لتتجه نحو الباب مندهشة من سيزورهم الآن. نظرت إلى الكاميرا الموضوعة عند الباب لتبتسم بشوق خالطته اللهفة وهي تجد شقيقاتها يقفن عند الباب. اتجهت نحوه تفتحه بسرعة.
فتحت الباب بابتسامة عريضة تزين محياها لتسمع هدى وشمس يهتفون بصوت واحد: "مفاجأة." "ياااااحلى مفاجأة." ارتمت شمس بين ذراعيها لتحتضنها ندى بقوة: "وحشتيني يامشمش." لم تستطع شمس كتم دموعها بين أحضان ندى كطفلة عادت لأحضان والدتها. لتبعدها هدى عن حضن شقيقتها تلومها بتذمر: "بتعيطي ليه ياهبلة؟ دول هما عشر أيام اللي غيبتيهم مش سنة." ابتسمت من بين دموعها ولتشاكسها أمسكت ذراع هدى تمسح دموعها بأكمام ثوبها، لتشهق بنزعاج
وهي تضربها بخفة على رأسها: "بتعملي إيه يامجنونة؟ أما أوريكي."
لتختبئ شمس خلف ندى تدعي الخوف، وندى تقهقه ضاحكة وهي تقف حائلا بينهم. لحظات عادوا بها إلى الماضي ومزاحهم المحبب. عادوا بنات ورد الصغار. انشرح صدر ندى وهي تحتضن الاثنان بعد وصلة الضحك والمزاح التي كانت تحت نظرات علي وفارس الذي شعر بالحزن لأجلها. كل يوم يكتشف أنها طفلة في جسد امرأة، لا تزال تنشد الحنان والحب. بكائها بين أحضان ندى مزق قلبه، ود لو يجذبها إلى أحضانه ويمسح دموعها بيده، لكن تنهد بيأس، فطريقه لا يزال بعيد.
رحب ندى بعلي وفارس: "هو الدكتور العظيم فين؟ جينا نباركله على العيادة." قالها فارس لندى التي ارتبكت ولم تعلم ماذا تخبرهم. أنها لا تراه حتى لا تعلم أين هو. "طارق بيتاخر، مبيرجعش في الوقت دا." "يعني هو مش في العيادة دلوقتي؟ دا أنا قلت نطب عليه ونعمله مفاجأة." قالها علي وهو يوزع نظره بين فارس الذي أيده وندى. لطمت شمس جبهتها في لحظة إدراك وقالت:
"النهاردة الإثنين، دكتور طارق عنده عمليات. النهاردة أنا إزاي فاتتني الحكاية دي؟ نكزتها هدى وقالت بسخرية: "طبعاً إيطاليا نستك كل حاجة." امتعض وجهها وهي تنظر لهدى مستنكرة حديثها. وضع علي وفارس أكياس الطعام المائدة ليقول فارس بأسف: "كان نفسنا نتعشى معاه." لترد ندى معاتبة: "طب ليه مكلفين على نفسكم كدة؟ "ولا تكلفة ولا حاجة، أحنا مفيش فرق بينا." قالها علي لتشير ندى لشقيقاتها: "تعالو يابنات خلينا نرص الأكل ونتعشى." "وطارق؟
مش هنستناه؟ قالها فارس متسائلاً. "يبقى يتعشى لما يرجع، هيتاخر والأكل هيبرد." وضعت الشقيقات الأكل على المائدة. جلسوا يتناولون العشاء لتنظر شمس نحو البيتزا التي أعدتها ندى وتقول وهي تلتقط قطعة وتتناولها بتلذذ: "الله ياندى، تعرفي إني أكلت بيتزا تجنن في إيطاليا، لكن زي البيتزا بتاعتك ماذقتش. فيها دفء وحب." "بالهنا والشفا ياحبيبتي."
كانت الأجواء جميلة، لكن ينقصها شيء. نظرت إلى الكرسي الخالي بجانبها وأسدلت عينها بحسرة. كم كانت تتمنى لو كان معها لكانت اكتملت سعادتها بوجوده ووجود شقيقاتها. ابتسمت وهي تطالع دلال علي لهدى ونظرات الحب المتبادلة بينهم. لكن ما جعلها تبتسم أكثر دلال من نوع آخر ونظرات تراها للمرة الأولى. ورغم عنها ظلت تطالع ذلك المشهد وفارس يضع الطعام بصحن شمس ويهمس لها بكلمات كتمت ضحكتها وهي ترى ارتباك شمس وإحراجها وهي تعترض على ذلك. توترت بخجل وهي تراه يضع الطعام أمامها دون طلب منه. اهتمامه الذي أصبح يحيطها به بات يثبت لها يوماً بعد يوم شكوكها.
"أحطلك حاجة تانية؟ "متشكرة." "دا الأكل اللي يرم العضم ويعدل المزاج، أكل مصري أصيل مش الأكل اللي بقالنا عشر أيام بناكله." قالها فارس وهو يضع قطع من اللحم (الكباب) في صحنها ويلتقط قطعة أخرى في فمه. ظلت عينها منخفضة نحو طبقها بتشتت. لا تنكر أن تجد شخص يهتم بك شيء جميل. لكن لماذا هي خائفة؟
ولا تريد لذلك الشعور الذي بات يدغدغ قلبها أن ينتصر. هي تعلم أنه ليس حب، ربما رضى أو تقبل لوجوده في حياتها. قبضت على قطعة الخبز وهمت بإمساك قطع اللحم. أحست بعيون شقيقاتها تحدق بها. رفعت عينها بحذر لتصدم عينها بعيونهم التي تطالعها بابتسامة. حتى وجدت هدى تغمز لها وتكتم ضحكاتها، ثم تلتفت نحو ندى التي كانت تنظر لها مبتسمة. حتى التفتت نحو هدى التي أشارت لها بعينها نحوها لتكتم ضحكاتها هي الأخرى. عادت تخفض
عينها وهي تهمس مستاءة: "دلوقتي يقعدوا يغلسوا ويضحكوا عليا، كل منك يافارس." قالت كلماتها الأخيرة بعين دامعة من شدة الحرج. وما توقعته حصل بالفعل لتنفرد بها شقيقاتها بعد أن وضعوا الأغراض في المطبخ ووقفوا يعدون الشاي والقهوة. لتتابع هدى ذراعها وتهمس لها بطريقة أزعجتها: "أي شكل السنارة غمزت، والود بدأ يحب." لتتحدث ندى بلهفة تؤكد كلامها وهي تقرص وجنة شمس ضاحكة على عبوس وجهها:
"أيوه ياهدى، أنا كمان خذت بالي، حتى نظراته مختلفة والحب باين في عينيه." لتسند هدى رأسها على كتفها وتزفر أنفاسها بهيام: "آه، عيني على الحب وسنينه." ثم رفعت رأسها تخبرها: "شكل رحلة إيطاليا جات بفايدة." ثم سألتها بفضول تمازحها: "هو أنتِ عملتي إيه خليتي الواد حالو اتشقلب كده؟ وزادت ندى عليها تقبض على يدها مسرورة: "طب والله صحيح يامشمش، شكل الواد بيحبك." زفرت أنفاسها بضيق ونفضت يديها منهم بأنزعاج مبتعدة:
"طب والله أنتو فايقين ورايقين، حب إيه وكلام فارغ إيه؟ أنتو بس بيتهيألكو." ونظرت هدى نحو ندى ورددت كلمتها الأخيرة بسخرية: "بيتهيألكو! ثم تعالت ضحكتهما وهما يقفان إحداهما بجانب الأخرى يمثلان الرقص وهدى تدندن: "اهو هو.... دا….الحب دا." ضايقتها فعلتهما لتنظر نحوهما وتهتف بغضب: "بس كفاية، بطلو غلاسة." أما في الخارج فلم يكن الوضع مختلف، وعلي يجلس أمام فارس يستجوبه: "أي يامعلم، شكل رحلة إيطاليا كانت جميلة."
ضيق فارس عينه وحدجه بنظرات ثاقبة بعد أن لمس مقصده، ليقرر مسايرته: "آه، إيطاليا جميلة." ضربه علي على قدمه وغمز له مبتسماً: "وشكل الحب جميل كمان." هز رأسه مؤكداً. "أكيد، هو فيه أحلى من الحب." ليصفق علي بيده ويقول بصوت منخفض: "وشكل ابن محسن طب يولاد." عبس وجهه وقال بأمتعاض: "أتلم ياعلي." لكن علي اقترب منه يلكم ذراعه ويقول مازحاً: "أعترف ياجبان." نهره بضيق يدفعه عنه بيده: "بطل ياعلي." لكن علي أبى الابتعاد
وأمسك كتفه يهزه بإصرار: "ياابني أتكلم، عينيك فضحاك." ثم أمسك ذراعيه بيديه يجبره على النظر إليه: "طب عيني بعينك كده." نفخ فارس بنفاذ صبر ونفض يد علي وهو يهتف: "أيوه، طب، ارتحت كده؟ فرح علي لصديق عمره واتسعت ابتسامته قبل أن يتوقف فجأة وتضاءلت ابتسامته ويهمس له سائلاً: "وهي أخبارها إيه؟ تنهد بيأس ونظر له بخيبة أمل: "لسة زي ماهي، مش متقبلاني. ساعات بتلين وبقول فرجت وترجع تاني لصدها وبرودها."
طالعت علي باشفاق وربت على كتفه مواسياً: "معلش يا فارس، هي معذورة، انت عارف ظروف الجوازة كانت عاملة إزاي."
أومأ براسه وهم بإكمال شكواه، لكنه توقف عندما لمحها تقبل عليهم وهي تحمل أكواب الشاي والقهوة. بوجه مضطرب تتبعها هدى وندى يتهامسن ويضحكن، وكأن اضطرابها تسلسل لقلبه هو. تعجب من تعلقه بها لهذا الدرجة حتى أصبح يشاركها مشاعرها، يبتسم إذا ابتسمت وتدمع عينه إذا رآها تبكي. أصبح لا يعلم من يكون. أشاح عينه عن عين علي التي تتنقل بينه وبينها. ووضعت ما تحمل على الطاولة والتقطت كوب الشاي الخاص بها وكادت أن تجلس، لكنها تذكرت فنجان القهوة الذي أعدته له بكمية سكر أعلى من الفناجين الأخرى، لتلتقطه هو الآخر خشية اختلاطه مع الفناجين الأخرى.
ثم مدت يدها تعطيه إياه: "قهوتك يافارس." اتسعت ابتسامته ورقص قلبه بأمل وهو ينظر ليدها الممدودة بفنجان القهوة الذي التقطه منها بفرح وقال: "متشكر، تسلم إيدك." ضغط علي بقدمه على قدم فارس الذي التفت نحوه ليغمز له علي وحاول مشاكستهما بعد أن رأى شمس تجلس على الأريكة: "وأنا يا دكتورة مليش قهوة؟ "خلي مراتك تخدمك، ملكش دعوة بمرات." قالها فارس مفتخراً وهو ينظر نحو شمس التي اشتعل وجهها خجلاً من كلماته. لتقدم هدى تحمل فنجان
القهوة نحو علي وهي تقول: "أتفضل ياروحي." "تسلم أيدك ياحبيبتي." قالها علي وهو يلتقط منها الفنجان ويمسك يدها يقبلها بعد أن جلست بجانبه. ثم نظر نحو فارس يلاعب حاجبيه في محاولة لإغاضته. ليضحك فارس وهو يغمغم: "مجنون." مضت ساعتان من الضحك والنقاشات في مواضيع مختلفة في انتظار طارق الذي تأخر حتى شعروا بالملل. "هو طارق عنده نبطشية؟ شكلو أتأخر أوي؟ سؤال طرحه علي على ندى التي شعرت بالإحراج وتحيرت بماذا تجيبهم.
"لا ما أعتقدش، دكتور طارق نبطشيته مش الأيام دي، بس ربنا يعينه أكيد عمليات ودي وقتها مش محدد حسب الحالة يعني." منحها كلام شمس بعض الراحة لتتنهد بارتياح عندما سمعت صوت مفتاحه في باب الشقة ليدخل بطلته البهية وابتسامته المحببة لقلبها، ليخفق قلبها فرحاً كطفل عاد والده بعد غياب. يبدو أنه أصبح أهلها وعائلتها الصغيرة. ورغم تعبه، لكن رؤيته لضيوفه جعلته يبتسم مرحباً بهم. "اهلا... اهلا الحبايب كلهم هنا."
اقترب يشاكسهم ويلاطفهم وعينه تخطف نظرات نحوها بين الحين والآخر، يبصر سعادتها بوجود شقيقاتها بقربها. انقضت السهرة بين الحب والألفة والضحكات، جو تمنوا أن يدوم بينهم. *** اليوم سوف تبيت في المستشفى وسيظل هو وحيداً. كانت الشقة مظلمة، دخل غرفته وتسطح على فراشه بضجر. أدرك اليوم أنها باتت جزء مهم من حياته. صوتها، ضحكتها، مشاكسته لها. اشتاق لوجودها رغم غيابها البسيط. أخرج هاتفه وأرسل إليها رسالة: "ازيك عاملة إيه؟
وضع الهاتف على صدره وأغمض عينه وابتسم وهو يسمع صوت رسالتها ليرفع الهاتف يقرأها بلهفة: "الحمد لله." ليحاول المزاح معها فيكتب: "جعان." قهقه ضاحكاً عندما وجدها ترسل له: "تستاهل عشان تقدر قيمة البيض." واتبعت ذلك بتعبير مضحك وكتبت: "اطلب دليفري." تنهد بهيام وهو يحتضن الهاتف مردداً: "بحبك يامجنونة."
اتسعت ابتسامته عندما سمع رنين الهاتف ظناً منه أنها هي، لكن تلك الإبتسامة تبخرت عندما وجد اسم حازم. كان يعلم ما يريده منه، فهو أكيد يريد منه أن يسهر معهم. أوشك أن يضغط على زر الإجابة لكنه تراجع في للحظات الأخيرة. هناك شيء صار يبعده عنهم ويشعره بضيق من تلك السهرات. انقطع الاتصال وعاد الهاتف لرنينه مرة أخرى، لكنه هذه المرة وضعه على وضعية الصامت وقرر الخلود إلى النوم. ***
أزالت سماعتها الطبية عن عنقها بإرهاق بعد ليلة متعبة قضتها في المستشفى. ثم خلعت عنها معطفها الأبيض وبدأت تلملم أغراضها بعد انتهاء فترة العمل وتعيد كل شيء مكانه حتى تغادر. "صباح الخير." رفعت نظرها عما كانت تفعله لتجد ليلى زميلتها المناوبة. خطفت نظرة نحوها وعادت لما تفعل مرددة:
"صباح الخير يا ليلى، جيتي في وقتك بالظبط كويس إني لحقتك. دكتور مجدي موصي على حالة عشان أتابعها، ياريت تستلمي مني وتبلغيه آخر تطوراتها. مش عارفة هو كان المفروض يكون هنا من نص ساعة، مش عارفة أتأخر ليه؟ حملت بعض الأوراق تسلمها لها: "امسكي ياليلى، دي كل التقارير اللي طلبها." أخذت ليلى منها الأوراق تنظر لها متفحصة لتهز رأسها بعملية: "ماشي يادكتورة، هبلغه." هربت شمس على كتفها مبتسمة لتتجاوزها: "متشكرة، مع السلامة."
بادلتها ليلى الابتسامة: "مع السلامة." خطت تخرج من الغرفة تتنفس بإجهاد، تخطو خطوات مثقلة. وبعد بضعة خطوات داخل الممر لمحته من بعيد يتقدم نحوها بابتسامته المعهودة ونظراته المتوقدة. في بادئ الأمر ظنت أنه ربما يكون شخص يشبهه، لكن كلما اقترب وضحت الرؤية. لكن لماذا هو هنا الآن؟ سؤال جعلها تقف أمامه مندهشة وتسأله باستغراب. "فارس، أنت هنا ليه؟ بتعمل إيه؟ ازدادت ابتسامته يخبرها:
"أبداً، انت مش قولتي نبطشيتك هتخلص الساعة تسعة، قولت أوصلك البيت بعد مانفطر في أي مكان. أنا عازمك على الفطار ياستي. وهو أرحمك من البيض اللي من غير ملح." قال الكلمات الأخيرة مازحاً ليقابله امتعاض وجهها. وقبل أن تفتح فمها وترد عليه وجدت من يصرخ باسمها: "دكتورة شمس." أستدارت لتجد مرافقين أحد المرضى يتقدمون نحوها بقلق يسألوها بخوف: "دكتورة، إيه أخبار والدتي؟ قطبت حاجبيها محاولة تذكره. حتى رفعت سبابتها على فمها
عندما أدركت هويته لتقول: "آه، انت ابن الحاجة رضوى." هز رأسه مؤكداً: "أيوه يادكتورة، طمنيني." "الحالة لحد دلوقتي مستقرة، دكتور مجدي زمانه جاي وتقدر تستفسر منه أكتر. هو الدكتور المسؤول عن الحالة، عن إذنك." وكادت أن تلتفت مغادرة ليصرخ بغضب مستنكراً: "انت هتمشي وتسيبيها؟ قطبت حاجبيها وقالت باستهجان وسط تنبه فارس الذي اقترب وقف بجانبها: "حضرتك أنا نبطشيتي خلصت وسلمت الحالة خلاص للدكتورة المناوبة." صاح معترضاً
بتهكم وهو يحرك يده: "طبعاً، وأنتو يهمكم حياة مريض، أهم حاجة راحتكم. المريض يموت يتفلق في ستين داهية ولا كأنها أرواح ناس." بهتت ملامحها بتعجب وكادت أن تجيبه تدافع عن نفسها: "يافندم..... لكنها شعرت بيد فارس يسحبها واضعاً إياها خلفه. كأنها كنزه الذي يحاول حمايته. بعد أن أثارت كلمات الرجل جنون غضبه. وقفت خلفه بهلع تتشبث بسترته وهي تسمع هجومه على الرجل: "انت اتجننت؟ انت بتكلمها كده إزاي؟
الدكتورة بتقولك نبطشيتها خلصت يعني خلاص المهمة اتنقلت لشخص تاني، مش ملزمة هي تبات مع والدتك." تراجع الرجل إلى الخلف بعد أن رأى تقدم فارس نحوه، لكنه مثل الثبات وقال بانفعال: "وأمي يسيبوها كده وهي بحالتها الحرجة؟ وبذات الانفعال تقدم نحوه: "انت مابتفهمش؟ هي يعني مفيش غيرها في المستشفى؟ بتقولك سلمت الحالة." أمسكت بذراعه تمنعه من التقدم خشية الاصطدام مع الرجل، بعد أن وجدت عينيه تشعان غضباً وعروقه تكاد تنفر من مكانها.
قالت متوسلة تحاول إيقافه: "خلاص يافارس... خلاص أرجوك... تجمهر عدد من الممرضين والأطباء بعد أن جذبهم الصوت العالي يسألونها بقلق: "خير يادكتورة؟ كانت لا تزال متشبثة بذراعه تجيبهم موضحة موقفها، حتى تقدم أحد الأطباء نحو الرجل وسحبه خلفه يتفقد والدته. ظل متسمراً مكانه بأنفاس متسارعة من شدة الغضب. ابتلعت ريقها الذي جف من شدة الخوف وحركت يدها على ظهره محاولة تهدئته: "خلاص يافارس، خلينا نمشي."
زفر أنفاسه المشتعلة ومسح على وجهه بضيق. تلتفت نحوها يطالعها باضطراب ليمسك يدها بقوة ويجرها خلفه. رغم خوفها من تطور الموقف، لكنها ابتسمت وهي تتذكر وقوفها خلفه. شعور بالأمان لامس قلبها وهي تحتمي به. نظرت نحو يده التي تمسكها ليتسلل شعور غريب يسكن قلبها ويعكر صفو جليده، يضرب على أوتار عنادها ويعزف أنشودة بلحن مختلف، لحن الأمان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!