الفصل 19 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
14
كلمة
4,104
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

مين حضرتك؟ لكن مرسل الرسالة أكتفى بأن يرسل لها تعبيراً مضحكاً وكأنه يستهزئ بها. تملكها الغضب لتقرر إنهاء تلك المهزلة، لتحظر هذا الرقم من الاتصال أو إرسال الرسائل وتلقي بالهاتف بعيداً عنها. تسارعت أنفاسها بأضطراب وهي تفكر في من يرسل لها هذه الرسائل، وأحتارت هل تخبر طارق عنها، أم أنها أنهت هذه المزحة السخيفة بحظر الرقم عن قائمة اتصالاتها. لتقرر الاكتفاء بالحظر، فطارق منشغل في تجهيز عيادته ولا تريد أن تزيد مشاكله. ***

يومان قد مضت بعد تعافيه من مرضه. كانت تجلس وحيدة في مطعم الفندق تتناول فطورها، بعد أن أخبرها أن لديه لقاء عمل. نظرت إلى فنجان القهوة الذي ترتشفه بضجر وقالت وهي تحيطه بيديها: -مع أنك جميل بس كوباية الشاي وحشتني. تبسمت ساخرة. -حاسة إني بخونه، أعمل إيه الشاي في الفندق دا مش حلو، فاضطرينا للخيانه. اتبعت كلماتها ضحكة خافتة، جذب انتباه شخص يجلس في الطاولة القريبة منها، لينهض مقترب منها ووقف أمامها يسألها بأبتسامة:

-حضرتك عربية؟ رفعت رأسها تنظر له بتعجب وهزت رأسها. -أيوة. اتسعت ابتسامته، يشير لها نحو فنجان القهوة بسبابته. -معلش أعذريني أصلي غصب عني سمعت حوارك مع فنجان القهوة، أصلي بعاني زيك كدة من مدة، عشان كدة جيت أنصحك فيه. هنا كافيه في الشارع الي ورى الفندق بيعملو شاي جميل، تقدري تجربيه. ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت بأقتضاب. -متشكرة على النصيحة. -حضرتك مصرية؟ -أيوة.

إجابتها المقتضبة جعلته يعلم أنها لا تريد إطالة الحوار معه، ليكمل موضحاً بأختصار. -أنا كمان مصري، بس بحضر موتمر طبي هنا. -حضرتك دكتور؟ عادت ابتسامته تزين وجهه مرة أخرى وهو يرى ترقبها لإجابته. -أيوة دكتور كامل نور الدين … اختصاص أمراض قلب. -أنا كمان دكتورة، بس لسه أمتياز. قالتها بأبتسامة فخر تناقصت مع كلمتها الأخيرة. -أهلاً يادكتورة، كلنا كنا أمتياز ودرسنا وتخصصنا، بكره تكبري متخافيش.

اتبع كلماته بضحكة هادئة، ليستأذن منها. -فرصة سعيدة يادكتورة. ثم صمت، ليضيق عينه يسألها. -هو حضرتك اسمك إيه؟ -شمس. -تشرفنا يادكتورة، مع السلامة. أومئت له مودعة. -مع السلامة. *** سمعت همهمات زملائها عن المعيد الجديد الذي سيستلم مهمة تدريسهم، بعد أن انسحب أستاذهم لأسباب صحية. كانت منخرطة في ترتيب أوراقها وتبادل الحديث مع صديقاتها، عندما شعروا بحركة الآخرين لانتظام على المدرجات استعداداً لبدأ المحاضرة.

دخل بهيبته ووسامته، ليخطف أنظار الجميع ويخطف قلبها هي. منذ أن وقعت عينها عليها، لتتمركز حيث وقف. يعرف نفسه بلباقة، وتلك الهالة من الهيبة تحيط به تزيدها انجذاب نحوه. -أنا دكتور طارق، هدرسلكم بدل دكتور حمدي، وأن شاء الله يكون فيه تعاون بنا. أنتم سنة أولى كلية، والطريق قدامكم طويل، الشاطر الي هيثبت نفسه من البداية.

أكتفت بأن تسمع هذا الجزء من كلامه، ورغم أنه أستمر في إلقاء محاضرته، لكنها غابت في تفاصيله ولم تعد تسمع، وكأن العالم تلاشى من حولها ولم يعد سواه أمامها. بدأت تتمعن في تفاصيله، سحرتها تلك العينين. أصبحت قلبها يخفق بقوة، لا تعلم هل هو الحب من أول نظرة كما تصفه الروايات، أم هو إعجاب بأستاذها الوسيم.

لا تعلم مادهاها، لم تعد تسيطر على عيونها التي أبت أن تحيد عنه، ولا قلبها الذي يخفق بضطراب، لتجد نفسها تبتسم وهي تطالعه بهيام. لكن فجأة تبخرت تلك الإبتسامة عندما لمحت بريق ذلك الخاتم الذي يزين إصبعه، يعلمها أنه متزوج وملك لغيرها. أمتعضت ملامحها بأنزعاج. انتهت المحاضرة، لتجد قدمها تسوقها خلفه بلا وعي، لتناديه وهي تتبعه داخل الممرات. -دكتور طارق … دكتور طارق. توقف واستدار نحو مصدر الصوت الذي اقترب نحوه،

لتقف امامه وتقول: -لوسمحت كنت عاوزة… قاطعه إسترسالها بحدة قائلاً: -لوسمحتي يا آنسة، أي سؤال يكون داخل المحاضرة عشان الكل يستفيد، غير كده أنا مش ملزم أجاوب. ثم تركها مغادرًا، تنظر لأثره بدهشة. ورغم أن صده لها أزعجها، لكنه زادها إعجابًا به، لتلمع عينها بتحدٍ. فقد استقر في عقلها هدفًا جديدًا، وهي لم تتعود الخسارة. -روان … روحتي فين يابنتي؟ أخرجتها زميلتها من أفكارها، لتلتفت نحوها.

-هنا ياتولين، بس كنت عاوز أسأل الدكتور الجديد عن حاجة. -طب يلا خلينا نروح النادي ناكل حاجة. جذب يدها يسحبها خلفها، لكنها هي كانت في عالم آخر، عالم ذلك الذي شغل فكرها. *** دخلت غرفتها في الفندق، بعد أن قضت وقت تتجول في الشوارع القريبة تبحث عن الكافيه الذي أخبرها ذلك الرجل أنها تبيع الشاي. وقد صدق في وصفه ووجد فعلاً مبتغاها، بعد أن شعرت بسعادة وهي تحتسي كوب الشاي الذي اشتاقت له.

تجهت نحو سريرها تضع أغراضها عليه، ليلفت نظرها زهرة مربوطة مع علبة شوكولاتة. رفعتها تقلبها يمينًا ويسارًا، حتى أجفلها صوته القادم من خلفها. -رجعتي إمتى؟ شهقت بذعر، تضع يدها على صدرها وهي تلتفت نحوه بتعجب، لتجده يقف يجفف شعره بالمنشفة. -بسم الله الرحمن الرحيم، أنت اللي رجعت إمتى وطلعت منين؟ ضحك على خوفها وقال وهو يقف أمام المرآة يمشط شعره وينثر عطره. -رجعت من شوية ودخلت آخد شور.

عادت تنظر لعلبة الشوكولاتة التي كانت لا تزال تحملها، ونظرت إليه تسأله بأستفهام. -إيه دي يا فارس؟ استدار واقترب منها مبتسمًا، ينظر لها بأمتنان، مشيراً نحو العلبة بسبابته. -دي شكراً. قطبت حاجبها مستفهمة وهي تهزها. -يعني إيه شكراً؟ -يعني ياستي أنا حبيت أشكرك على وقفتك معايا لما كنت عيان، فجبتلك شوكولاتة بس. ثم ضيق عينه يسألها. -إيه معجبتكيش؟ رفعت كتفها بلا مبالاة وقالت. -لا بس ملوش داعي. تنهد مبتسمًا.

-لا ياشمس دا أقل حاجة، ولو معجبتكيش، آخدها عادي. ليخطف منها علبة الشوكولاتة على غفلة منها، محاولًا مشاكساتها. لتعود وتنتشلها منه بأمتعاض. -هات، أنت ما صدقت. ضحك وهو يراها تأخذ العلبة منه وتخبئها. سارت بجانبه بعد أن تناولا العشاء في أحد المطاعم، ليجدها تفرك يديها ببعضها، ثم تقربها من فمها تنفخ عليها. -تصدق كان عندك حق لما قولتلي أني مأمنش للجو، وأكيد هيغير كمان شوية، رغم إني لابسة جاكت، لكن فعلاً فيه لسعة برد.

-شوفتي عشان تبطلي تعاندي. لتجده يمد يده يمسك يدها ويدس الإثنين معًا في جيب معطفه كي يدفئها. رغم اعتراضها، وجدته يتمسك بها، لتبتسم وتضع يدها الأخرى في جيب معطفها. -إيه رأيك في المكان؟ -جميل أوي، مزيج حلو بين ثقافة وتقدم، تاريخ وحداثة، مكس جميل، أنت بتيجي هنا كتير؟ -لما يكون فيه طلبات مخصوصة، البضاعة الإيطالية غالية، بس ليها زبونها.

كان مندمجًا في الشرح، عندما وجدها تشهق فجأة وتشيح نظرها نحو الناحية الأخرى، واضعة يدها على عينها وهي تغمغم. -إيه دا، أستغفر الله. نظر حيث تنظر، ليقهقه ضاحكًا عندما وجد شاب يقبل فتاة على أحد الأرصفة. -يابنتي مالك، دي حاجة عادية هنا. احتقن وجهها وقالت بشمئزاز. -أيوه عارفة عادية، بس تفاجأت وسط الشارع. عاد يضحك من جديد.

-يابنتي عادي المجتمعات هنا كدة، مش زينا، إحنا الحمد لله مجتمع بيحكمه الدين والعادات والتقاليد، منكرش فيه تجاوزات، لكن دي شواذ عن الأصل. أمالت رأسها تنظر له بحيرة، وكأنه مزدوج الشخصية، يتكلم عن الدين والعرف، وهو لا يملك شيئًا منهم. قطب حاجبه يسألها بعد أن رأى تحديقها به. -إيه مالك بتبصيلي كده ليه؟ -أصلها غريبة، فارس الجوهري يتكلم عن العادات والتقاليد والدين اللي هو… ثم ابتلعت كلماتها المتبقية، فلا تريد إحراجه.

زفر نفسًا طويلاً، فهو من رسم الصورة التي أخذتها عنه، بل وتولى مهمة أن يطلعها عن أسوأ صفاته. تنهد بقلة حيلة. -شمس، هو أنتِ فكراني صايع للدرجة دي؟ صمتت ولم تجب عليه، أتخبرها أنها تراه أسوأ من ذلك؟ شعر كأنه يختنق، وكأن الهواء انحسر من حوله. دائمًا يخسر أمامها، دائمًا يشعر أنه ضئيل. ليجلي حنجرته وتتلعثم الكلمات على لسانه، يخرجها باختناق. -ممكن نرجع الفندق، حاسس نفسي تعبان.

شعرت بخجل من نفسها، فقد أحرجته، لكنها لم تقصد ذلك، هي قالت الحقيقة فقط. لتومئ له رأسها وتعود معه نحو الفندق. وصلوا الفندق وذهبوا حيث مكتب الاستقبال، أخذ مفاتيح الغرفة، ثم اتجهوا نحو المصعد. وفي طريقها سمعت من ينادي عليها. -دكتورة شمس… دكتورة شمس. التفتت نحو مصدر الصوت، لتجد دكتور كامل يقترب منهم حتى وقف أمامهم. -كويس أني شفتك يادكتورة.

ارتبكت، وهي توزع نظرها بين فارس الذي احتقن وجهه بدهشة، وبين كامل الذي زينت وجهه ابتسامة وهو يحدثها. دون الاكتراث لفارس الواقف بجانبها. -أهلاً يادكتور. ثم أشارت لفارس نحو كامل. -دكتور كامل، دكتور مصري ساكن هنا في الفندق. وأشارت نحو فارس. -فارس، جوزي يادكتور. -أهلاً يافندم. قالها كامل وهو ينظر نحو فارس بتوتر. لتجد يد فارس تمتد وتحيط خصرها، يقربها نحوه بتملك، وهو يقول: -تشرفنا.

نظرت نحو يده التي استقرت على خصرها بضيق، لكنها تمالكت نفسها حتى ينتهي هذا اللقاء الغريب. -دي دعوة لحضور ندوة الأطباء العرب الموجودين هنا، هيكون فيه اختصاصات مختلفة ونقاشات عن آخر تطورات الطب الحديث في مجال جراحة القلب والأمراض الحديثة، هتستفادي منها كتير. ليمد لها يده بالدعوة. نظرت نحو فارس الذي كان وجهه جامدًا، ونظرت نحو الدعوة، لتمد يدها تأخذها وتهز رأسها شاكرة. -متشكرة أوي يادكتور.

-هكون سعيد بوجودك يادكتور، عن إذنكم. شعرت بأرتجاف جسده، نظرت نحوه لتجد عينه التي غزتها الحمرة مسلطة على دكتور كامل بغضب ظاهر. أزاحت يده عن خصرها بعد أن وجدت كامل ابتعد عنهم وتجاوزه، متجهة نحو المصعد الذي فتح مباشر. استقلت المصعد وتبعها هو، يزفر أنفاسه المتسارعة، يشعر بجسده يحترق، يضغط على راحة يده بقوة حتى برزت عروقه. كانت ترمقه بين الحين والآخر وتراقب تغيرات وجهه، وبمجرد أن دخلا الغرفة، وقفت حتى تجاوزها.

وقبل أن يسألها أي سؤال، قالت: -دكتور كامل، اتعرفت عليه الصبح لما كنت بسأل عن كافيه بيبيع الشاي. ليسألها وهو يوليها ظهره. -وما سألتنيش ليه؟ -ماجاتش مناسبة. أغمض عينيه يحاول أن يسيطر على ثورته أمامها. -مرة تانية لو عزتي حاجة، اسأليني أنا. خيم الصمت لحظات، لتتفاجأ به يستدير ويتجاوزها متجهًا نحو الخارج، يغلق الباب خلفه بعنف أجفلها. نظرت نحو الباب ومطت شفتها بتعجب. -ماله دا؟

بخطوات سريعة، وجد نفسه خارج الفندق، يقف على أعتابه. ثم سار دون هدف، وبعد وقت قليل، وجد إحدى المقاعد العامة على بعد مسافة منه، ليقترب منها يجلس ويرمي ثقل جسده عليها، وزفر أنفاسه المتسارعة بثقل. ليحني رأسه، يضعه بين راحتي يديه، ودوامة أفكاره تبتلعه، حتى غاص بين تخبطاتها. صراع أنهكه مابين عقله وقلبه، لا يعلم أيهما يخبره الحقيقة، قلبه الذي يصرخ بما يرفضه عقله، أم عقله الذي يلجم جموح ذلك المتمرد بين أضلعه.

لا يعلم كم مر من الوقت، ليرفع رأسه ببطء ويمسح على وجهه بتعب، متسائلًا. -أنت بتغير عليها يافارس؟ ليجيب قلبه. -أيوة بغير عليها، مش مراتي. أغمض عينيه وتنهد بشدة، يسأل نفسه ذلك السؤال الذي يخشى معرفة جوابه. -أنت حبيتها يافارس؟ -لا. -أيوة. -مستحيل. -أيوة. -أيوة. وضع كفي يده على وجهه، يضغط على عينيه بأصابعه، ليصرخ قلبه معلنًا العصيان. -أيوة بحبها… بحبها… بحبك ياشمس.

أخفض يده، يفتح عينيه على اتساعها، متعجبًا من اعترافه لنفسه، وعاد يردد ما قاله ببطء، كأنه يؤكد. -أيوة بحبك. رفع يده نحو قلبه الذي كان يخفق بقوة تحت وطأة ذلك الاعتراف بالحب. -دخلتي قلبي إمتى وامتلكتيه إزاي؟ سؤال طرحه على نفسه بشرود، ويده لا تزال تربط على قلبه، كأنها تهدئه. نسمات الرياح الباردة ضربت صفحات وجهه، كأنها تصفعه، لتعيده إلى الواقع، كي يستفيق.

لينهض عائدًا، يحمل معه مشاعره التي أسرها، يحبسها بين أضلعه حتى لا تفضحه أمامها. وصل الغرفة، ليفتح الباب بحرص، وحمد الله أنه وجدها تغط في نوم عميق. أقترب منها، ثم جثى على ركبتيه أمامها يتأملها وهي غافية. نبض قلبه بأضطراب مع حركة عينه التي بدأت تتجول على قسمات وجهها بهدوء، كأنها ترسمه. ليرفع يده يزيح خصلات شعرها عن وجهها، وهو يعيد اعترافه لنفسه بحبها. -بحبك ياشمس. أبتسم، يدنو منها لينحني ويقبل جبينها بحب.

يحمد إلله أنها غافية، فهو يعلم ما كان سيحدث لو كانت مستيقظة، وما عواقب تلك القبلة. ليكتتم ضحكاتها وهو يتخيل شكلها. *** سارت بجانبه متشابكي الأيدي، وهو يدخل ذلك الصرح العلمي، فقد صدق بوعده ووجد لها وظيفة في المدرسة الخاصة التي تديرها خالته. نغزها قلبها منذ أن خطت أول خطواتها نحو هذا المكان، لتضغط على يده تنشد بوجوده الأمان. وصل أمام مكتبها، ليطرق الباب ويدخل، ووجد خالته بأنتظاره، لتقف مرحبة به تحتضنه.

-أهلًا ياحبيبي إزيك؟ بادلها العناق بأحترام. -أهلًا يا خالتي إزيك؟ ابتعدت عنه تجيبه وهي ترمق تلك الواقفة بجانبها بضيق. -الحمد الله… أهلًا يا هدى. قالتها بأقتضاب، أزعجها كما أزعج علي. -الحمد الله. -اتفضلوا. أشارت له خالته بالجلوس، ليجلس على الكرسي وتجلس هدى أمامه، لتطالعها خالته بتكلف وتقول: -أنتِ خريجة إيه؟ أجابت هدى بأضطراب، فنظراتها كانت غريبة، وكأنها تحدق بها بأزدراء. -كلية آداب قسم اللغة العربية.

هزت رأسها بأستحسان، تعض على طرف نظارتها التي تمسكها بتفكير. -كويس… اشتغلتي قبل كده؟ نفت هدى برأسها. نظرت هدى نحو علي الذي كان يبتسم لها، كأنه يدعمها. تنهدت ابتسام بأستياء، وقالت وهي ترتدي نظارتها الطبية. -ممم… حيث كده، أنتِ لازم تخضعي لاختبار عشان نقدر نقيمك. ثم حولت نظرها نحو علي بأعتذار. -أنت عارف الإجراءات. أجابها علي بتفهم مبتسمًا. -أكيد يا خالتي، ولا يهمك.

-خلاص كده، أنا محتاجة المستمسكات عشان أحدد لها يوم نعملها اختبار فيه. اندمجت في الحديث عن التفاصيل، حتى سمعت من يفتح الباب دون استئذان، وهي تقول: -ماما، المستلزمات اللي طلبت… توقفت عن إسترسالها وابتلعت باقي كلماتها، لتقف متسمرة، وهي ترى الصورة التي كانت تود أن لا تراها، علي وزوجته. نهض علي يلقي التحية عليها. -أهلًا يا دعاء إزيك؟ تقدمت بخطى متوترة، تنظر إلى حلمها الضائع، وقالت بتلعثم. -أهلًا يا علي.

لتنهض هدى تلقي عليها التحية. -أهلًا يا دعاء. سمعت صوتها الذي كانت تود ألا تسمعه، لكن ها هي ورائها. رغم ضيقها منها، لكنها فاجأت علي ووالدتها عندما استدارت تحتضنها بقوة، كأنها تعرفها منذ زمن. -أهلًا يا عروسة، إزيك؟ ضحكت هدى على وصفها وقالت بلطف. -الحمد الله، بس أنا بقيت قديمة على حكاية عروسة. لتمسك يدها تلومها. -لا قديمة إيه، ماشاء الله عليكِ، لسه منورة زي يوم الفرح. -متشكره، دا من ذوقك حبيبتي.

علي الذي كان يراقب المشهد من بعيد، راوده الشك في كلمات ابنة خالته ومدحها لزوجته وجمالها، وهي لم تكلف نفسها حتى أن تبارك لهم ليلة الزفاف، لكنه نفض تلك الأفكار وأوعز ذلك ربما لعدم انتباهها أو تناسيها الأمر. أما والدتها، فقد كانت الدهشة من نصيبها، وهي تعلم كره ابنتها لهدى، بعد أن تزوجت علي الذي كان يومًا حبها المستتر عن الجميع، إلا هي.

طأطأت رأسها بندم، فهي من زرعت في فكرها أن علي من نصيبها، حسب اتفاقها مع شقيقتها، لتنمو داخلها فكرة الاقتران بعلي، وسقتها هي بالوهم حتى تعمقت، لتتحول لحب من طرف واحد، تهدم وأنهار عندما قرر الجد زواجه من ابنة عمه، الذي تبين حبه السابق لها. لتتعلم كم عانت ابنتها عندما علمت بزواجه، حتى أنها مرضت وأصبحت طريحة الفراش لعدة أيام، قبل أن ترضخ وتتقبل الأمر. لكن تصرفها اليوم مع هدى يدهشها، ربما تقبلت الأمر وتفهمت.

غادر علي وهدى، لتقف ابتسام تحدق بأبنتها، حتى انتبهت هي لتقطب حاجبها تسألها. -بتبصيلي كده ليه؟ -مستغربة تقبلك ومعاملتك لـ هدى. ابتسمت بحزن، ثم مطت شفتها بتعجب قائلة. -أنتِ قصدك على علي، عادي ياماما، كل شيء قسمة ونصيب. ثم تركتها وغادرت، وعين ابتسام تتبعها بريبة. -ياترى إيه اللي في بالك يابنتي؟ *** لم تكن تتوقع أن يوافق على اصطحابها إلى الندوة، بل وأدهشها برفقته لها ومكوثه بجانبها.

جلس بجانبها يراقب ذلك العالم الذي تنتمي له، عالم مختلف، صفوة من العلماء يلقون المحاضرة، مصطلحات تتناقل وأفكار تطلق، حوارات تدار بلباقة. تنهد بيأس، وهو يجد اندماجها وتفاعلها بكتابة المعلومات أو ترديد المصطلحات وفق طرحها. راقبه، ليشعر بغصة ويزفر أنفاسه بألم. هما قطبين متنافرين، عالمها بعيد عن عالمه، حتى وإن كانت دقات قلبه ترسم الطريق تجذبه نحوها.

شعر بالملل، وكاد أن يخرج هاتفه من جيبه يتصفحه، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، لا يريد أن يظهر لها جهله أكثر من هذا. قرر أن يراقبها عن كثب ويتأملها عن قرب. حركات يدها المتناسقة مع ردات فعلها، وقلبه الذي يتناغم مع تلك الحركات، وكأن كلماتها وحركاتها أصبحت تعزف على أوتار قلبه، تزيده إعجابًا بها. حتى لمح حجابها الذي انزلق أحد أطرافه بعفوية مع انحنائها، ليظهر جزء صغير من رقبتها. مد يده يغطيه وأعاد الطرف يضعه على كتفها.

التفتت نحوه مبتسمة بامتنان من فعلته. -متشكرة. بادلها الابتسامة وقال وهو يبصر الشعرات التي تسللت من جانبي الحجاب. -استني ثواني. ليحرك رأسه يمينًا ويسارًا ويمد إصبعه يدخلها، يخفيها تحت الحجاب. -نوع القماش مزعج، دايما بيتزحلق، بس أعمل إيه، هو اللي مناسب مع لون الفستان. -ولا يهمك، أهو ضبط. نظر لما صنعه برضى. -كده تمام. رفعت يدها تهندمه أكثر، ليبتسم ويقول. -متخافيش، ضبط خلاص.

-متشكرة يافارس، الظاهر كده هدى لسه عينها فيه، كل ما البس يطلع عيني. قالت كلماتها ضاحكة بخفوت. شاركها هو أيضًا بالضحك. -هي الندوة فاضل لها كتير؟ نظرت لساعتها وتطلعت للمنصة، ثم عادت تنظر إليه. -لو زهقت ممكن نمشي. حرك كتفيه بحيرة، ثم زفر أنفاسه بملل. -لا خلاص خلينا نستنى لحد ما تخلص، الظاهر الدكتور اللي بيتكلم بيقول حاجة مهمة، رغم إني مش مرتاحله. قالها بتهكم، مشيرًا إلى الشخص الذي يتحدث وهو يعقد حاجبه.

ضحكت على وصفه وقالت بجدية. -يابني دا دكتور كبير وعنده أبحاث ياما. رفع أحد حاجبيه بتعجب. -والله مش باين الصراحة. ضحكت على تعابير وجهه وقالت ساخرة. -يعني هو لازم يلبس ماركة عالمية عشان يبان عليه؟ هما الدكاترة كده، الأغلب بيكونوا بسيطين في لبسهم. ثم غمزت له وقالت تمازحه. -يعني مش كلهم هيلبسوا زي زباينك يا فارس باشا. ليجيبها مداعبًا إياها وهو يصطنع الجدية. -الحمد لله إني مش دكتور. لتضحك وتقول بتهكم.

-الحمد لله، أكيد، لأن انت كده مغرور، أمّال لو بقيت دكتور مش هتبص لحد. انحنى يقترب منها هامسًا. -ليه هو أنا هكون شمس الجوهري؟ أمتعض وجهها بغضب وقالت تشير نحو نفسها. -أنا مغرورة يافارس، دا أنا نقطة في بحر غرورك يا ابن محسن. كتم ضحكاته وكتف يديه على صدره، مدعيًا عدم مبالاه، وهو يكتم ضحكاته ويردف. -أنا غلبان، حكاية الغرور دي إشاعة مغرضة. -إشاعة … أيوه صح، إشاعة.

رددتها باستهازاء، وهي تعود لاندماجها مع المؤتمر الذي انتهى بعد مدة من الزمن. سار بجانبها نحو الخارج. -تحبي تتعشي فين؟ -براحتك، أي مكان عادي. قالتها وهي تضع أغراضها في حقيبتها. -دكتورة شمس، شكراً لحضورك. باغتهم بها كامل عندما قالها وهو يلتقي بهم عند مدخل القاعة. لترفع رأسها تنظر إليه وتشعر بيد فارس الذي أمسك بيدها يضغط عليها بتملك، أربكها. -متشكرة على الدعوة يادكتور. -يارب تكوني استفدتي منها.

-جدًا بصراحة، معلومات هايلة، والدكاترة ما شاء الله متمكنين. كان يراقب حوارها مع كامل الذي زينت وجهه ابتسامة سمجة، ود لو يلطمه على وجهه، يخفيها. تمالك أعصابه قبل أن يسحبها من أمامه. كانت تشعر بأصابعه تضغط على يدها، تعلم أنه هذا الحوار يزعجه، لتنهيه بسرعة. -متشكرة يادكتور مرة تانية، عن إذنك. تقدم وسحبها خلفه حتى ابتعدوا، ليلتفت ينظر نحو كامل ويقول بأنزعاج. -راجل غتت، مش قادر أبلعه.

لتطلق ضحكة كتمتها منذ أن شعرت بضيقه من كامل، لتقول تستفزه. -ليه دا حتى لطيف. نظر نحوها بحنق، يردد كلمتها مستهزئًا بغضب. -لطيف… دا مابينبلعش. -أشرب وراه ميه. قالتها ضاحكة. -والله لو شربت جردل ميه مش هيتبلع… شخص مستفزع. عاد إلى الفندق بعد أن تناولا وجبة العشاء، وتسطح كل منهما يقصد النوم الذي جافا الاثنان.

هو كان يفكر في الفارق بينهما، وهي تفكر فيما أصبحت تشعر به، أن هناك شخص مختلف داخل فارس، وما يظهره من انحراف ليس سوى غطاء يمكن إزالته كي يظهر مكنونه الداخلي. استدارت في رقودها لتواجه عينها عينه، التي كانت تراقبها. ذلك الضوء الخافت الذي يتسلل من النافذة أعطى تلك اللحظة سحر خاص، وتحدثت العيون بلغتها، مابين الحيرة، الرجاء، وحب وعناد، تفاصيل وتساؤلات كانت تبوح بها نظراتهم.

حتى استجمع قواه وتشبث بالغطاء كأنه يستمد قوته منه، وسألها هو. -شمس. -نعم. -هو لو كان حد اتقدملك معندوش شهادة، كنتي هتوافقي؟ تطلعت له بأندهاش من سؤاله، لكنها رمشت عينها بأحراج وقالت بصدق. -أكيد لا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...