ارتعش جسدها وشلت قدمها فما عادت تستطيع أن تقف على قدمها وهي تسمع صراخها الرافض أن تسمع الحقيقة. لقد خسرت صغيرها. صرخاتها المنهارة وصوت علي المواسي لها أعاد لها شبح الماضي الغابر. شعور لا أحد سيعرفه سواها، فلقد ذاقته وتجرعت مرارته قبلها. تساقطت دموعها بحرقة وهي تسمع توسلاتها لعلي أن يعيد صغيرها لها أو يخبرها أن ما تعيشه مجرد كابوس وستصحو منه. انهار علي كما انهارت هي وهو يجدها تتشبث بأحضانه وتنظر له برجاء قائلة:
-قلي ياعلي إنهم بيكذبوا عليا، قلي أنها بخير وهتنور حياتي، قلي أني هكون أم ياعلي وحياتي. لم يستطع كبح جماح دموعه التي تبكي صغيرته وحبيبته معاً ليحتضنها ويتشاركون البكاء معاً. -يا أولاد متعملوش كده، صلوا على النبي، بكرة ربنا يعوض عليكم إن شاء الله، أنتو لسه صغيرين. قالها حسن الذي تمزق قلبه لما حدث، لكنهم استمروا بالنحيب حتى اقترب حسن من ولده يحرك يده على ظهره.
-أهدى يابني، الله ما أعطى والله ما أخذ، مالكمش نصيب وربنا هيعوضكم. تدخلت الطبيبة تعاين حالتها. أشار لها حسن بتوسل أن تفعل شيئًا. نظرت لهم بأشفاق وقالت: -أستاذ علي لوسمحت ممكن أشوف المريضة أطمن على حالتها. ابتعد مرغماً عنها رغم تشبثها به ورفضها ابتعاده لتتحدث الطبيبة معها بروية بعد إشارتها للممرضة بإحضار دواء معين.
-مدام هدى أنا عارفة إن اللي حصل صعب، بس إحنا نحمد ربنا إننا قدرنا نوقف النزيف قبل ما نخسر الرحم، يعني إنتِ عندك فرص تانية وأنتِ بنوتة صغيرة لسه، الحياة قدامك. احمدي ربنا. لم تكن تعي ولاتسمع ما يقال لها. قلبها الذي احترق قهراً وتسارعت ضرباته بجنون كانه يريد الهروب من جسدها ليتخلص من هذا الألم الذي يجثو عليه حتى شعرت أنها تختنق.
انتبهت الطبيبة لحالة الانهيار وعدم التقبل التي تمر بها لتشير للممرضة أن تعطيها حقنة المهدئ. انتظرتها حتى تأكدت أنها أغلقت عينها لتزفر أنفاسها بارتياح وتلتفت نحو علي. -دورك كبير ومهم في حالتها، هي محتاجة تستوعب عشان تقدر بعد كده تتخطى، وأظن أنت فاهم كلامي يادكتور. أومأ علي لها بعد أن مسح دموعه. -هنعمل تحاليل عشان نعرف سبب اللي حصل. ثم أكملت تخبره بدهشة.
-أنا تفاجئت بصراحة، آخر كشف كان الوضع ممتاز، عشان كده عاوزين نعرف أي سبب اللي حصل. هز علي رأسه بتفهم لتخرج الطبيبة ويتجه هو نحو حبيبته يجلس بجانبها ويتأملها بحزن. خرج حسن نحو زوجته التي تخفض عينها وتئن من شدة البكاء. جلس بجانبها ورفع يده يحيط كتفها يعلم ما تشعر به الآن فقد عاش معها نفس الأحداث بذات المشاعر. انتبهت لوجوده لتلتفت نحوه تنظر له بعين ضائعة وتهمس له بصوت مختنق. -وجع الماضي رجع تاني ياحسن.
مسح دموعها وتنهد بحزن. -نصيبنا ياصفاء نعمل أي، الحمد لله. *** وقفت أمام بوابة ذلك القصر تنظر له بأنبهار ورعب في ذات الوقت، فقصر الهواري يعود لأكبر العائلات في القرية. اتجهت نحو الحرس تخبرهم بهويتها. -أنا الممرضة زهرة، بعتني دكتور وائل من الوحدة الصحية، فيه مريضة محتاجة محاليل. -استنى هنا.
قالها أحد الرجال ضخام الجثة مما جعلها تتسمر مكانها بخوف دون كلمة حتى أخبرها بسماحهم لها بالدخول. سارت نحومدخل القصر وكانت رأسها تلتفت يميناً ويساراً تتأمل حديقة القصر الجميلة وتبتسم وهي ترى تلك الزهور الجميلة. -دي مزرعة ورد مش جنينة. ظنت أن الطريق طويل لكن بضعت خطوات جعلتها تصل إلى البوابة الداخلية ليفتح لها الخدم. -يا حلاوة يا ولاد، والله يابت يازهرة وبقيتي بيفتحلك بيبان. كانت تتمتم بها لنفسها قبل أن يجفلها صوت خشن.
-إنتِ الممرضة؟ التفتت نحو مصدر الصوت وبلعت ريقها بأضطراب وهي تلمح شخص طويل عريض المنكبين، يمتلك عين حادة وأنف دقيق وشعره الأسود الكثيف يعطيه رهبة، يرتدي جلباب كحلي وعباءة. ظلت تحدق به حتى أعاد سؤاله. -إنت الممرضة؟ هزت رأسها وقالت: -أيوه، أصل دكتور وائل بعتني، قال إنه فيه… لم يمهلها إكمال حديثها حتى سار يشير لها أن تتبعه. -تعالي. نظرت إلى ظهره وهو يتقدمها وهمست بأنزعاج. -يما أي الراجل المخيف ده.
اتبعت خطواته السريعة بخطوات متعثرة تحاول اللحاق به قبل أن تتوه في هذا القصر الضخم. ليدخل غرفة فيها فتاة صغيرة ضعيفة الجسد ممدة على السرير. -شوفي شغلك، هي دي المريضة. لتقول بأقتضاب. -حاضر. وقف يراقبها، يراقبها وهي تعلق المحاليل في يد الصغيرة وتقيس حرارتها تتفحصها. لا ينكر أنها محترفة ودقيقة في عملها. فتحت الصغيرة عينها بتعب تسأله. -أنا فين؟ ليسرع نحوها ويقول: -إنتِ هنا، جار عامك ياحبيبة عمك.
انتبهت لخوف الفتاة لتراودها أفكار سخيفة وغبية. -هي تقربلك أي؟ -بنت أخويا. -أمال شكلها خايفة منك ليه؟ قالتها بشك ممزوج بالغضب. نظر لها بحنق وقال يوبخها. -وإنتِ مالك، شوفي شغلك. لتبدأ بالثرثرة وهي تمسح على خد الصغيرة. -مالي أي، مش يمكن تكون خاطفها من أهلها، والا جايز ضربها او مجوعها… -بس كفايه، أي التحليل الغبي ده. هتف بها الرجل بحنق وقسمات وجهه لا تنم على خير، ورغم أنها ترتعب لكنها أكملت سؤالها.
-آه… أمال تفسر بأيه خوفها منك؟ زفر أنفاسه بغضب وقال جوابه بصوت عالي نسبياً. -عشان أبوها وامها عملوا حادثة و… ثم صمت عندما وجد الصغيرة تتطلع إليه بترقب، فهو لم يستطع إخبارها أن والديها قد رحلا. ليقول بارتباك. -هما في المستشفى، ولما يبقوا كويسين هنروح لهم، مش كده يادودي. تبع كلماته الأخيرة بابتسامة متألمة. فهمت هي ما يخفيه خلفها لتشعر بالإشفاق على تلك الصغيرة. فتحتضنها وتهدئها واستمرت بجانبها حتى غفت الصغيرة مرة أخرى.
خرجت لتجده ينتظرها في صالة القصر ينفث دخان سجائر بتوتر، ويبدو أنها ليست السجارة الأولى لأن الدخان يملئ المكان. اقتربت منه لينهض عند رؤيتها يسألها بقلق. -إزيها دلوقتي؟ -الحمد لله نامت، بس عاوزه أبلغك إن البنت محتاجة غذا، لازم تأكل خضرة وفواكه، هتقولي مش بتحبهم هقولك لازم تأكل، هتقولي مش بترضى هقول اغصبوها، هتقولي ما أقدرش عشان وضعها، هقول حالتها تعبانة وجسمها محتاج غذا.
كانت مستمرة في الحديث وهي تميل برأسها يميناً ويساراً دون أن تعطيه فرصة في الرد. حتى أنفعل من ثرثرتها، لكنه استطاع أن يسيطر على نفسه ونظر لها بحنق. -مكنتش هقول كل الرغي ده، كنت هقول هنعمل بنصيحتك وخلاص. انزعجت من أسلوبه وقررت أن تغادر. فنعتها بالثرثارة يزيد من قساوة ذلك الجرح الذي تحاول نسيانه. -ربنا يشفيها… فتك بعافية. وانسحبت متجهة نحو الخارج بخطى سريعة حتى استوقفها صوته. -استنى.
زفرت أنفاسها بقوة وتوقفت وهي تشعر بخطواته تقترب منها. -إنتِ هتمشي من غير ما تاخدي حسابك؟! استشاطت غضباً من طريقة حديثه واستدارت تنظر له بضيق. -مش شاكرة دكتور وائل قال إن الحساب مدفوع وهو هيحاسبني. أنا ماليش صالح بالدكتور، هو عاوز يعمل جميلة معايا. امسكي. قالها يمد لها يده بالنقود، لكنها ظلت تنظر للنقود دون أن تحرك يدها لتأخذها حتى صاح بها بصوت أجفلها. -امسكي بقولك، مش راجل الهواري اللي يتبقشيش عليه.
توسعت عينها بدهشة وابتلعت ريقها بخوف. هل هذا هو الشخص الذي كانت دائما تسمع عنه؟ فقد اشتهر برجاحة عقله فلا يوجد خلاف إلا وأُستدعي لحله. يهابه الكبير قبل الصغير حتى ذاع صيته بقوته وصلابته. -بس لو أخدتها جايز الدكتور يزعل ويلومني، وجايز يعتبرني مستغلة، وجايز يعاتبني، وجايز… -بس كفايه، امسكي من غير كتر كلام. هتف بها بحدة لتخطف النقود وتفر من أمامه بخطى سريعة.
كانت تراقب انهيارها بين أحضان شقيقتها بأشفاق، وعاد جرح الماضي ينزف داخلها. رغم أن علاقتها بهدى ليست قوية، لكنها اليوم تدرك أن لا أحد سيشعر بما تشعر به مثلها. جرح لم تتمناه لعدوها، خصوصاً وهي تدرك لهفة هدى لذلك الصغير القادم. -بنتي راحت ياندى، كنت فرحانة بيها واقتنعت بالاسم مشمش ورد الشام، حتى فكرت أكتبه على هدومها. بس راحت قبل ماتلبسهم. ضمّتها ندى بحزن وبدأت تواسيها.
-أهدي ياهدى ياروحي، ربنا هيعوضك ياروحي، انت لسه صغيرة. استمرت تبكي فكلام ندى لم يقنعها. وقف فارس يواسي صديقه خارج الغرفة. -ربنا يعوض عليكوا ياعلي. -أنا مش عارف أزعل عليها وألا على بنتي اللي كنت بستناها. ربت فارس على كتفه. -لازم تكونو قوي ياعلي عشانها. التفت علي نحوه وقال بصوت امتلأ بالخوف. -أنا خايف عليها، هدى شكلها مش طبيعي ومش متقبلة اللي حصلها. -متلومهاش ياعلي، الفقد صعب أوي.
قالها بحرقة وهو يشعر بألم عندما أحس بغيابها بين أخواتها، كانت ستكون بجانبهم لولا فعله. عادت إلى المنزل بروح مثقلة وقلب احترق حتى بات رماداً ولم يعد ينفعه دواء ولا مواساة. ساعدها علي على أن تسندها حتى استلقت على السرير ليدثرها. قلبه كان يتمزق وهو يرى وجهها الشاحب وعينها المتورمة من كثرة البكاء شاردة الذهن كحالها منذ الصباح الباكر. جلس أمامها يمسح على وجنتها بحنان. -حبيبي أجبلك غطا كمان وألا كده كويس؟
لم تجبه وظلت عينها تنظر نحو المجهول. تنهد بيأس ونهض متجهاً نحو الباب بعد أن سمع صوت الجرس. فتح الباب ليجد والدته ومعها العاملة تحمل طعاماً لهما. لتسأله والدته بلهفة. -إزي هدى النهاردة يابني؟ اختنق صوته يخبرها بقلق. -تعبانة أوي ياما، أنا خايف عليها. ربتت والدته على كتفه تطمئنه. -متخافش يابني، هي محتاجة وقت بس عشان تقدر تستوعب.
أومأ برأسه لتشير والدته للعاملة أن تضع الطعام على الطاولة في الصالة وترحل، ثم أمسكت يد علي تجره نحو الطعام وتجلسه أمامه. -تعالى كل ياحبيبي. -مليش نفس يا أمي. تلومه قائلة وهي تضع ملعقة الطعام في يده عنوة. -لازم تاكل عشان تقاوم، أنت لازم تكون قوي عشانها.
امتثل لكلامها وبدأ يأكل ببطء لتحمل هي طبق الحساء وتتجه نحو غرفة هدى. دخلت لتجدها شاردة كأنها في عالم آخر. أغمضت عينها وهي بعد أن صورة أخرى منها لتتنهد وهي لا تعلم كيف تقنعها بما لم تستطع الاقتناع به هي. وضعت الطبق جانباً وجلست بجانبها على السرير. -هدى. لكنها لم تجبها لتبتسم ابتسامة شاحبة وتمسك يدها.
-أنا عارفه يابنتي إنك سامعاني وحاسة باللي إنتِ حاسة بيه، شعور مر مش هيقدر يوصفه إلا اللي ذاقه، وأنا ذقته قبلك ياهدى وفضلت أتعافى منه فترة عشان أقدر أقاوم. أنا يابنتي تعبت وجربت الإحساس ده مش مرة واحدة تلات مرات قبل ما ربنا يكرمني بعلي، يمكن عشان كده بحبه أكتر من روحي عشان علي كان حلم أتحقق بعد خيبات. شددت من ضم يدها بين يديها.
-خلي عندك أمل يابنتي وصدقيني ربنا هيعوضك وإن شاء الله يفرحك زي ما فرحني بعلي. اصبري ياهدى اصبري واحتسبي وخلي عندك أمل في ربنا. -هدى أنا آسفة يابنتي، أنا يمكن أكون تعبتك بس غصب عني، حبي لعلي جنوني، لكن صدقيني أنا تمنيت أشوف حفيدي منك وبتمنى أشوفه منك، وأوعدك أكون معاكِ زي أمك وأكتر.
وعندما ذكرت والدتها سالت دموعها الحارة على وجنتها تحرقها شوقاً لها. كم تمنت وجودها اليوم معها لترتمي بين أحضانها لتجد والدة علي تفتح ذراعيها لها في دعوة لاحتضانها لترمي نفسها بين أحضانها تبكي. علق عينه بها بقلق وهو يجدها تخرج من الغرفة وتعود بطبق الطعام نحوه. -ها يا أمي أكلت؟ وضعت الطبق مع الأطباق الأخرى وجلست بجانبه تخبره بحزن. -أكلت لقمتين بالعافية وخدت الدوا ونامت. نظر لها وأخبرها بامتنان. -متشكر يا أمي.
ربتت على فخذه وقالت: -دا واجبي ياحبيبي، ربنا يشفيها ويعوضكم يارب. كانت عينه تحمل هماً أكبر تفطنت لها هي لتسأله. -مالك ياحبيبي؟ أغمض عينه بوهن ثم فتحها ونظر لها بضياع. -الدكتورة بتقول إن هدى حصلها كده نتيجة تناولها لعقار سبب لها النزيف. توسعت عينها بدهشة ونظرت له بعدم استيعاب. أمسكت ذراعه تحاول فهم ما يقوله. -يعني إيه يابني؟
-يعني اللي حصلها مش طبيعي، هدى أخدت دوا، الدكتورة بتقول العقار ده فموي، يعني هدى يا أكلت يا شربت حاجة فيها الدوا ده. -بس إزاي يابني، البنت ماكنتش بتخرج الفترة الأخيرة، واللي أعرفه إنها حتى مش بتجيب أكل من بره. ثم صمتت قليلاً ونظرت له بضطراب. -وأنا والله يا ابني مستحيل… لم يتركها تكمل حديثها ليضع أصابعه على فمها بعتاب. -كده يا أمي تفكري بيه كده؟ إنتِ متصورة إني ممكن أشك فيكِ؟ دا أنا أشك بنفسي ولا أشك فيكِ.
ليزفر أنفاسه بقوة ويضع رأسه بين راحتيه. -أنا هتجنن، مش عارف الدوا ده جاها منين وإزاي. ثم رفع رأسه بسرعة كأنه تذكر شيئاً. -أمي خلي بالك، هدى مش لازم تعرف بالكلام ده، لغاية ما نفهم الكلام اللي قلتو. سيبيه بيني وبينك. *** دخل الوحدة الصحية بهيبته يمسك يده المربوطة بقطعة قماش ابتلت بالدماء من شدة نزيف جرحه. ليستقبله دكتور وائل. -راجح بيه، سلامتك ألف سلامة. -الله يسلمك، عاوز حد يشوفلي الجرح. -آه طبعاً، ثواني.
لينادي عليها. -زهرة… يا زهرة… لتخرج من غرفته التمريض مهرولة حتى تباطأت خطواتها عندما رأته يقف أمامها. -أيوه يادكتور. -شوفي يازهرة جرح راجح بيه لو محتاج تقطيب. ابتلعت ريقها برهبة سوف تضطر للتعامل معه. أشارت إليه نحو غرفة الإسعافات. جلست تقطب جرحه وبرغم أنه أخبرها أنه ليس بحاجة لمخدر فهو يستطيع التحمل، لا تعلم أجبر أم غرور أم بخل، لكنها كانت تجده يعتصر عينه بألم. لتهلس لنفسها ساخرة.
-ما كنت خدت مخدر بدل البهرجة الكدابة. انتهت لتربطها بشاش وقالت له. -بلاش تحركها. هتقولي شغلي هقولك استحمل. هتقولي جرحك هيفك ويلتهب. هتقول مش هتعبها. -خلاص يا آنسة فهمت، وكنت هقول حاضر من البداية. لوت شفتها بسخط تهمس متهكمة. -راجح الهواري يقول حاضر، عجايز. رغم أن همسها قد وصله لكنه فضل الصمت حتى استمع لتعليماتها. -متشكر. لتقول له محذرة. -متنساش حكاية الحركة ضروري. -ما قلنا حاضر، هي حكاية.
قالها بانفعال جعلتها تشير نحو غرفة دكتور وائل بحنق. -الدكتور هيكتبلك الدوا. اتجه نحو غرفة الطبيب وأثناء سيره نظر ليده المربوطة وابتسم على ثرثرتها. ***
خمسة أشهر مرت. كان يجلس في المطبخ يحيطه السكون لا يقطعه سوى صوت الشيخ عبد الباسط يصدح مرتلاً الآيات ليمنحه الطمأنينة. فهو يعتبرها دواء لصفاء روحه. منذ أن عاد من رحلة العمرة وهو يشعر بارتياح كأنه ولد من جديد. كان يتمنى لو كانت معه لترى التزامه وتغيره. أمسك هاتفه ينشر تلك الرسالة التي ينشرها لها كل يوم علها تراها. وفي الصعيد.
أمسكت هاتفها تتصفح المواقع بتلك الصفحة المزيفة التي تستخدمها لتتخفى بها حتى تدخل صفحته لتعرف أخباره وتقرأ تلك الرسائل التي ينشرها. كانت تعلم أنها موجهة لها. فتحت صفحته لتقرأ رسالته. (عودي حبيبتي، فما عاد قلبي يطيق البعاد. عودي حبيبتي، فروحي قد مزقها الفراق. وشوقي إليك فاق احتمالي حبيبتي.)
لسعت عينها الدموع وتنهدت بشوق. رغم كتمانه لكنه يشعل فؤادها. قلبت صورة ترى جسده الذي نقص وزنه وشحوب وجهه الذي يظهر جلياً في تلك الصور. مدت يدها نحو بطنها تمسح عليها كأنها تتلمس جنينها تستمد منه قوتها وتشحن صبره. تمسكت تلك الصور تقربها وتحرك. أناملها على وجهه بشوق حتى نهرتها كرامته. أغلقت الهاتف ووضعته تحت وسادتها. واستلقت تشعر بالهموم تثقل كاهلها. لا تعلم بسبب حالة شقيقتها التي لا تزال داخل حالة من الاكتئاب. هذا ما علمته من ندى وما شعرت به عندما اتصلت بها وحدثتها. ورغم أنها ادعت غير ذلك، لكن صوتها كان يحمل الكثير. شعرت بحركة صغيرها القوية لتضع يدها على بطنها المنتفخة تستشعر حركته وتهمس له موبخة بعد أن آذتها إحدى حركاته.
-متبقاش غتت يا ابن فارس، طالع غتت زي أبوك. تنهدت وهي تمسح على بطنها. ورغم أن لسانها لم ينطق بشيء، لكن قلبها صرخ شوقاً له. *** اتكأت على الجدار تستند عليه في خطواتها وعينها منخفضة تنظر لخطواتها المثقلة. أتعبها الحزن لتضع يدها على بطنها المنتفخة كأنها تستمد قوتها من صغيرتها. قطعت إحدى الممرات واستمرت بالسير كالتائه ليلمحها من بعيد فيهرول نحوها راكضاً بقلق يسألها بلهفة. -ندى مالك؟ إنتِ تعبانة؟ أي اللي جابك؟
سماعها لصوته جعلها ترفع عينها نحوه ببطء وعينها تعاتبه. ليعاود سؤالها بعد أن طال صمتها. -مالك ياندى؟ طمنيني أرجوك؟ لتجيبه ببرود. -النهاردة موعد زيارة الدكتورة. حرك عينه بتفكير ليسألها. -هو النهاردة أي؟ -خمسة عشر. ليضرب كف بكف ويقول معتذراً. -أسف ياندى، شكلي نسيت. طب ما فكرتنيش ليه؟ ابتسمت ساخرة بحزن وقالت. -إنت قلت إن عندك عمليات ومرضتش أأخرك. ل ينظر نحو ساعة يده ويقول.
-فعلاً العملية بعد ربع ساعة… طب تحبي نأخر موعدك لغاية ما أخلص العملية الأولى؟ هزت رأسها نافية. -ملوش داعي، روح على شغلك يا طارق، أنا هخلص وأروح عادي. وقف بتردد ينظر إلى الساعة وإليها يلوم حاله كيف لم ينتبه لموعدها مع الطبيب رغم أنه من اختاره وأكد عليها الموعد بعد الاتفاق مع طبيبتها. -خلاص يا طارق، أنا هدبر نفسي. لسانها نطق مخالفاً لنظرات عينها التي تعاتبه ليتنهد بحيرة حتى وجد أحد الممرضين يهرول نحوه منادياً.
-دكتور طارق، العملية هتبدأ كمان شوية. نظر لها نظرة اعتذار وقال. -أسف ياندى. هزت رأسها تزعم تفهمها. -أبقى طمنيني عليكِ. -حاضر. صوتها الباهت جعله يوقن أنها تخفي تأثرها وتدعي عكس ما تقول، فقد أصبحت خلال تلك الشهور واضحة بالنسبة له. تركها ورحل لتنظر لآثره بحسرة. -إمتى يا طارق هكون أهم حاجة في حياتك، لإمتى هفضل آخر اهتماماتك.
عاد إلى المنزل في وقت متأخر بعد وصول حالة طارئة استدعت بقاءه في المستشفى لوقت متأخر. بحث عنها لكنه لم يجدها. وجد طعامه المعد في الفرن وورقة وضعت على الطاولة كتب عليها. -الأكل في الفرن، معلش أنا تعبانة مقدرتش استناك.
طريقة هروبها صار يحفظها رغم أنه يخشى المواجهة التي سيكون فيها الطرف الملام والمخطئ. اتجه نحو غرفة النوم ليجدها مستلقية على السرير تدعي النوم كعادتها. أبدل ملابسه واستلقى بجانبها ليمسح على شعرها بحنان ويقبل رأسها. -ندوش، إنتِ صاحية؟ كانت تتمنى لو تستطيع الاستمرار في الكذب لكن حركة عيونها المرتبكة ستفضحها لتهمهم. -اممممم. -طمنيني، قالت أي الدكتورة؟ -الحمد لله. أجابته دون أن تفتح عينها فمسح على وجنتها برقة يسأله.
-يعني دودو حبيبة باباها بخير؟ لتجيبه باقتضاب. -أيوه. -الحمد لله. -اتعشيت؟ ابتسم على حنانها. فرغم غضبها منه لاتنسى واجباتها معه. تعامله كأنها والدته وهو صغيرها المدلل، حتى بجامته المنزلية وجدها معدة له مسبقاً. طقوس كثيرة تفعلها لأجله جعلته يتعود عليها ويتدلع أكثر. -مليش نفس. فتحت عينها بوهن وقالت تعاتبه. -ليه كده؟ أنا جهزتلك العشا. ليقرص وجنتها ويقول يمازحها وهو يضرب أنفها بأصبع. يعد لها الأسباب.
-ما إنتِ عارفة إني كسلان ومتعود على الدلع ومبعرفش آكل لوحدي. امتعض وجهها وهمت بالنهوض. -هسخنلك الأكل، بس أنا تعشيت، مش هقدر أتعشى تاني. لكنه جذبها يمنعها من النهوض واحتضنها يتمتم. -متتعبش نفسك، أنا مش عاوز عشا. تلومه وهي داخل أحضانه. -بس إنت تعبان، كده غلط. لكنه شدد من احتضانها وقال وهو يتثاءب ويغمض عينه. -أنا عاوز أنام.
ابتسمت هي أيضاً وأغمضت عينها، فدفء أحضانه ينجح دائماً في منحها الأمان والراحة. نغزة قلبه موبخاً، تبحث عن راحته دائماً حتى وهو يجلب لها الألم. ثم شدد من احتضانها كأنه يطمئن قلبه برضاها ويعترف لنفسه أنه أصبح يدمن قربها. ليقبل رأسها وقلبه يهمس له أنه يحبها. ف تلك الشهور الماضية وما مروا به كانت كفيلة في زرع ذلك الحب في قلبه. ***
سارت بخطواتها المترنحة نحو عيادته تحمل ترمس القهوة بعد أن أخبرتها سماح بتعطل آلة صنع القهوة الخاصة بهم، ولعلمها بعشقه للقهوة أعدت له القهوة ووضعتها في ترمس ثم نزلت إليه. لتستقبلها سماح. -أهلا ياندوش. التقطت منها القهوة وقالت شاكرة. -أنقذتينا، دا لسه دكتور طارق طالب فنجان. ثم غمّزت لها بخبث وهمست. -استني خلينا نعمله اختبار نشوفو هيعرف قهوتك.
ابتسمت ندى بتوتر وخشيت أن تحرج أمام صديقتها، لكن سماح تحمست وصبت فنجان القهوة واتجهت نحو مكتبه لتغمز لندى مرة أخرى قبل أن تدخل. لوضع الفنجان أمامه وقالت. -اتفضل يادكتور. رفع نظره نحوها بدهشة ليسألها مستفسراً. -إنتِ عرفتي تصلحي المكنة؟ لتكتم سماح ضحكاتها وتقول. -لا، اشتريت وحدة جديدة. قطب حاجبه وقال بتعجب. -اشتريتيها إمتى؟ جاهدت ضحكاتها واستمرت في كذبتها. -طلبتها دليفري، دوق واديني رأيك.
رفع الفنجان نحو أنفه يستنشق رائحتها ثم ارتشف القليل لتزداد دهشته، فمذاقها كان يشبه مذاق قهوة ندى. عادة يرتشف القليل مرة أخرى ليتأكد من مذاقها. اتسعت عينه يسألها. -نوعها أي المكنة الجديدة؟ لتنفلت ضحكتها هذه المرة بعد أن شعرت بحيرته لتشير له نحو الخارج. -تعالي شوفها بنفسك يادكتور، أصلي نسيت اسمها. نهض بسرعة واتجه نحو الباب ليفتحه فتتسع ابتسامته عندما رآها ليسرع بخطواته نحوها. -ندى، كنت متأكد أنها قهوتك.
ابتسمت بخجل عندما رأت سماح تقف خلفه وتغمز لها. استندت على مقبض الكرسي ونهضت تقول بتلعثم. -سماح قالت إن المكنة عطلانة وأنا عرفاك متعرفش تشتغل من غير فنجان القهوة. لمعت عينه بحب لاهتمامها ومعرفتها بأدق تفاصيله. -تسلم إيدك، تحفة. ليحيط كتفها بذراعه يحثها على السير. -كويس إنك جيتي عشان أعملك شوية فحوصات. ثم نظر نحو سماح. -الكشف الجاي إمتى؟ -كمان نص ساعة يادكتور. ليحول نظره نحوها. -كويس، أعتقد كفاية، يلا تعالي.
لتسير بجانبه بخجل من نظرات سماح المبتسمة وقبل أن يدخلا سالته سماح مازحة. -وأجرة الكشف يادكتور؟ ليضحك هاتفاً. -قيديها على حساب جوزها. لتضحك سماح وندى معاً. أمسك يدها يساعدها في الاستلقاء بحذر على سرير الفحص الطبي الموجود في عيادته. استندت على يده وضغطت على شفتيها تتحكم بحركتها، فثقل جسدها مع صغيرتها جعل حركتها أكثر صعوبة. -على مهلك ياندوش، وأنا معاكِ.
استلقت على السرير وبدأ هو بأجراء بعض الفحوصات لها كضغط الدم ثم معدل وسرعة ضربات القلب. أشرقت ابتسامة كبيرة تنير وجهها عندما شعرت بركلات صغيرتها وسماعه يتنقل فوق موضع قلبها الذي بدأ يخفق بسرور. لتتأوه وتضع يدها على بطنها عندما زادت قوة ركلاتها. انتبه هو لذلك ليضع يده بالقرب من يدها يشاركها مستمتعاً بحركة صغيرته. واتسعت ابتسامته يخبرها. -شكل دودو فرحانة إنها موجودة في عيادة باباه.
مشاعر جميلة ولحظات كانت لأجل أجمل اهتمامه ولمساته أنعشت قلبها المتعطش. حتى خشيت أن ينتبه لنبضاتها المتسارعة ويفضحها قلبها العاشق. -هنعمل رسم قلب ياندوش عشان نطمن على القلب، هو أنا الحمد لله مطمن بس زيادة أمان. ثم بدأ بأجراء هذا الفحص. وما أن انتهى اعتدلت في رقودها وساعدها على ارتداء ملابسها وحجابها.
ظل يحدق بها وهي تثبت حجابها كم هي جميلة وكأنه يراها بشكل آخر اليوم. هل قلبه الذي باتت تملكه هو السبب أم زادها الحمل جمالاً؟ انتبهت لتحديقه بها لتبتسم بخجل وتسأله. -بتبصلي كده ليه؟ -إنتِ حلوة أوي ياندى. جاءت إجابته بسرعة صادقة، فقد نطقها قلبه قبل لسانه. لتتورّد وجنتيها وعقدت سعادتها لسانها عن الكلام. لكن تلك السعادة لم تدوم وتحولت ملامحها للعبوس عندما سمعته يقول مازحاً.
-بس بيقولوا إن الحامل في بنت بتحلو، يعني بنتي هي السبب. تبع كلماتها بضحكة استفزتها لتلكم ذراعه وهي تقول بأنزعاج. -يعني بنتك هي السبب؟ لا أنا حلوة من غير بنتك يادكتور. قهقه ضاحكاً وهو يدعك ذراعه وينظر لوجهها المحتقن وهي تشيحه بعيداً عنه. ليمسك ذقنها بأنامله ويعيد وجهها لتقابل عينه عينها. ويخبرها بنبرة صوت تكاد تجزم أنها تسمعها للمرة الأولى. -إنتِ قمر ياندى مع بنتي أو من غيرها.
أثلج قلبها وصفه وتفاجئت به يحيط وجهها ويقترب منها يقبل وجنتها. لكنه انتفض مبتعداً عنها بعد أن سمعوا طرقة على الباب ليفتح بسرعة وتصدر شهقة قوية من تلك التي دخلت فجأة ووقفت متسمرة تنظر لهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!