الفصل 5 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الخامس 5 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
18
كلمة
3,597
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

خرجت من غرفة والدتها بعيون تحمل الكسرة، وألقت بجسدها المثقل بالهموم على الكرسي. آهات خنقت صدرها، ودت لو تصرخ وتخرجها. شعور بالعجز كبل يديها. حتى علمها وشهادتها لم تنصفها اليوم. تجد نفسها مقيدة أمام سطوة المال. حسرة جرحت فؤادها، وشعور بالذنب أصبح يطرق تفكيرها. لماذا لم تنتبه لشحوب والدتها؟ لماذا لم تسمع أنينها؟ كيف غفلت عن آهاتها؟ تدحرجت دموعها بحرقة، تلوم حالها:

"هداوي الناس إزاي وأنت فشلتي إنك تداوي أهم حد في حياتك." شعرت بكف ندى على كتفها، تسألها بعين متوسلة: "إزاي ماما النهارده يا شمس؟ زفرت أنفاسها المثقلة بقله حيلة وقالت: "أديتها مسكن ونامت." هزت رأسها تؤكد لها بحزن: "بس ماما حالتها تعبانه يا ندى. نسبة العجز كبيرة وجسمها ابتدى يتعب من الغسل." "والعمل يا مشمش؟ تنهدت شمس بألم وقالت: "ماقدمناش غير الزراعة." "بس الزراعة مكلفة، متنسوش إننا محتاجين متبرع."

قالتها هدى التي انضمت لهن: "لو ينفع نأخذ قرض أنا وندى." قالتها شمس وهي تنظر لندى بأمل، كأنها القشة التي سوف تنقذهم من الغرق. حركت ندى رأسها نافية بحزن: "مينفعش، متنسيش أنتِ امتياز." زفرت أنفاسها بتأفف، وهي تضع رأسها بين يديها بيأس: "طب والعمل أي؟ هو أحنا ممكن نستلف من حد؟ لتجيبها ندى بضياع، توكد لها استحالة الأمر: "ومين اللي هيرضى يسلفك مبلغ زي ده؟

نظرت لهم هدى في حيرة، تفكر في فكرة على، لتعود بذكرياتها إلى حوارها معه. "أنا عندي الحل لمشكلتكم." اتسعت عينها بترقب، لتسأله بلهفة: "بجد يا علي؟ ليكمل بتردد: "بس هو صعب شويه." عقدت حاجبيها تسأله في حيرة: "وأي هو؟ صمت قليلاً، ثم رمى ما بجعبته دفعة واحدة: "تطلبوا الفلوس من جدي." ارتفع حاجبها بدهشة، وقالت بسخط مستنكرة: "نطلب من بدران الجوهري؟ مستحيل! ليردف هو محاولاً إقناعها: "يا هدى جدي اتغير، صدقيني." تلوي

شفتها بسخرية وتقول ساخرة: "بدران الجوهري يتغير؟ افتر ثغره عن تنهيدة يائسة، لكنه أكمل: "يا هدى صدقيني، أنا بشوف عيني بدمع لما تيجي سيرة عمي حسين." لترتسم ضحكة ساخرة على فمها، وتقول: "والله فيه الخير." نظرات علي المنزعجة جعلتها تكمل، مستفسرة باستهجان: "وكان فين جدك وضميره؟ أبويا ميت من سنين، مفكرش في يوم في كوم اللحم اللي سابه دا؟ أحنا بنات، مخافش علينا من كلاب السكك تنهش لحمنا."

أطأطأ علي رأسه بخزي، يعلم صدق حديثها، لكنه لا يعلم السبب وراء ما فعله جده. "عندك حق يا هدى، بس أنتو ليكم حق عنده، على الأقل طالبوا فيه." ثم نظر نحوها يحثها قائلاً: "طب انت عندك حل تاني عشان تأمنوا الفلوس؟ عادت من ذكرياتها على نقاش ندى وشمس الذي انتهى من دون حل. استجمعت قواها، وقالت بتوجس: "احنا ليه منطلبش الفلوس من جدي." وكانت كلماتها كان الحجر الذي ألقي على بركان غضبها، لتهب تصرخ بها بغضب: "أنتِ اتجننتي؟

عاوزنا نطلب الفلوس من بدران الجوهري؟ أنتِ واعية؟ أنتِ بتقولي أي؟ "يا شمس دا حقنا وحق أبونا، وهو اللي هنطلبه. نقطة في بحر ثروته." لتنتفخ أوداجها بغضب حتى نفرت عروقها: "ملعون أبو الفلوس اللي تيجي من بدران! هو أحنا نسينا عمل فينا إيه؟! ثم نظرت إلى ندى التي لم تتحدث، بيريه وكأنها تؤيد كلام هدى، لتصرخ وهي تشير نحوهما: "شوفوا أنتو الاتنين، أنا عندي أسرق، أو أن شاء الله أبيع لحمي، وإلا أمد إيدي لبدران." ثم استرسلت،

رفعت سبابتها محذرة: "إياكم تفكروا في الحل ده، وإلا هيكون آخر ما بيني وبينكم." ثم تركتهم ترحل كعاصفة هوجاء، تدخل غرفتها وتصفع الباب خلفها بقوة. لينظر الاثنان إلى أثرها، ثم إلى بعضهما البعض بحزن. جلست على سريرها تنظر ليدها المرتعشة من شدة انفعالها، تشعر بضربات قلبها المنتفض داخل أضلعها، لتزفر أنفاسها بقوة، تحاول الهدوء من نوبة الغضب التي انتابتها.

لتستلقي على سريرها، وتأخذها الذكريات نحو الماضي. تتذكر كيف أمسك والدها يدها، يقودها نحو هذا المحل الكبير في تلك المنطقة الشعبية، ليقف عند أعتاب ذلك المحل بتذلل يطلب رؤية شخص عرف أن اسمه بدران. وما هي إلا لحظات، حتى جاء رجل بملامح طيبة، احتضن والدها مرحباً وقال مبتسماً: "أهلاً يا حسين، أهلاً يا خويا، واحشني." ليبادله والدها العناق وهو يقول: "أهلاً يا حسن، إزيك؟ لينظر ذلك الرجل إليها ويسأل: "بنتك يا حسين؟

لينظر لها والدها بفخر: "أيوه، شمس الصغيرة." لينزل ذلك الرجل لمستواها، ويحتضنها رغماً عنها، ويقبل وجنتيها وهو يقول: "أهلاً يا شموسة، أنا عمو حسن يا حبيبتي." ثم نظر نحو والدها، ثم عاود النظر إليها يسألها: "عندك كم سنة يا شمس؟ "عشرة." ليضيق الرجل عينه، يفكر ويقول: "يعني أنتِ أصغر من علي ابني." ليردف والدها: "ربنا يخليهولك يا حسن." لينهض الرجل، يربت على كتف والدها مردداً: "تسلم يا حسين، ويحفظلك البنات يا خويا."

ثم تحدث والدها بارتباك قائلاً: "أقدر أشوف أبويا الحج؟ ليبتسم حسن ابتسامة باهتة، ويقول بتوتر: "هبلغه، أصله قاعد هو ومحسن في المكتب." ليفهم والدها مغزى كلامه، فمحسن كان لا يحبه، وكان دائماً يحرض والده عليه. انتظروا مدة، حتى كاد الملل يخنقهم. ابتلت يدها التي بين يدي والدها بالعرق، لترفع نظرها إلى والدها تسأله بعبوس: "بابا خلينا نمشي، الظاهر مش هيدخلونا، أنا تعبت."

انحنى والدها، يمسح حبات العرق المتجمعة على جبهتها، ومسح على وجنتها بحنان، وهو يبتسم ابتسامة مضطربة: "استحملي شوية يا حبيبتي، أنتِ مش كنتِ عاوزة تشوفي جدو؟ "بس هو مش عاوز يشوفنا يا بابا." لسانها نطق بعفوية، ليبتلع ريقه، يعلم أن فطرتها الطفولية صادقة، يبدو أنه لا يريد رؤيتهم. مسح على رأسها بحنان، وقال يسألها: "لو رجلك وجعتك أشيلك يا مشمش؟ مطت شفتيها بإزعاج، وقالت رافضة:

"لا يا بابا، أنا بقيت كبيرة، ميصحش تشلني في الشارع، ماما قالت كده." ليضحك على قولها، ويهمس لها مازحاً: "ملكيش دعوة بماما، هي مش هتشوفنا." لكنها هزت رأسها رافضة، ونطقت بما مزق نياط قلبه: "لا يا بابا، أنا هستحمل." ليرحلوا بالمغادرة حزناً عليها، فما ذنب صغيرته أن تدفع ثمن عقابه. "يلا يا مشمش، خلينا نمشي، الظاهر ملكيش نصيب تشوفي جدو." ليستدير راحلاً، وكاد أن يخطو راحلاً، لكنه سمع نداء حسن.

ليسمح لهم أخيراً بالدخول. دخلت خلف والدها بخطوات بطيئة، يملؤها الخوف من هيئة الرجلين. لتجد والدها يتذلل. أحد هم يفلت يدها ويركض نحوه، يقبل يده ورأسه رغم أعراضه: "إزيك يا حج، وإزاي صحتك؟ إن شاء الله بخير." ثم ينظر نحوها مبتهجاً وهو يقول له: "دي بنتي شمس يا حج." انتفض قلب بدران، فقد كانت الفتاة تحمل اسم ابنته الراحلة. فقد رحلت شمس في عمر صغير جداً بعد إصابتها بالحمى.

ليرمق تلك الطفلة، يطالع هيئتها، كانت نسخة مصغرة عن والدتها. ليسمع ولده يقول، مشيراً لها: "تعالي سلمي على جدو يا شمس." لتقترب بخوف، وتفعل مثل ما فعلت. تمسك يد جدها تقبلها. وكاد قلب بدران أن يلين، لولا ذلك الصوت البغيض الذي سمعته شمس، يقول: "طريقة جديدة للشحاتة دي؟ جايب بنتك تضغط فيها على أبوك؟ وكان كلام محسن قد نبهه، لينفض يده، يسحبها من بين يديها الصغيرة التي كانت تمسك أصابعه، ويستدير مبتعداً عنها.

حتى اختل توازن شمس، وكادت أن تسقط، لولا والدها الذي أسندها. لتتشبث به بخوف، وتختبئ خلفه بعيون يملؤها الرعب. ليعصره قلبه من فعله أبيه، ويسحب شمس يحتضنها محاولاً تهدئتها. ثم صاح بغضب: "بنتي مش شحاتة يا محسن، بنتي كانت جايه توري جدها علامتها العالية." ليخرج نتيجتها الدراسية، ويضعها على سطح المكتب، ويضرب عليها بقوة. ثم يمسك يد شمس يسحبها، ليسمع صوت والده البارد وهو يقول: "خذ بنتك واطلع برا."

وكان صوته كان كسكاكين طعنت قلبه، مزقت روحه المشتاقة. لتلمع عينه بالدموع، ويتجمد في مكانه، لولا أن شعر بيد شمس التي تجذبه وتهتف تحثه على الرحيل: "يلا يا بابا خلينا نمشي من هنا." أستجاب لندائها، وخرج يجر أذيال الخيبة والكسرة، وسط نظرات حسن التي تابعته بحزن. ليقول لوالده معاتباً بصوت وصل له: "ليه كده يا حج؟ كسرت بخاطره قدام بنته." "يستاهل عشان يبطل حركاته الكدابة."

قالها محسن بصوت غلفه الحقد، ليحدق حسن بشقيقه بتعجب بعد كلماته الجارحة، ويهز رأسه بيأس. سار بجانبها كالمغيب، يسير بلا هدف، قلبه ينزف من لقاء ظنه سيساعده على نيل الغفران، لكنه ها هو الفشل. حليفة مرة أخرى. تعبت قدماها الصغيرتان من المسافة الطويلة التي ساراها معا، لكنها كلما نظرت نحو والدها، وجدت الحزن المرتسم على وجهه. تتردد في الكلام معه، لكن أنهكها التعب، لتفرح عندما وجدت إحدى المقاعد العامة، لتهتف تشير نحوه:

"بابا حبيبي، ممكن أقعد هنا؟ أفاقه سؤالها من شروده، لينظر إلى ما تشير إليه، ليومئ لها برأسه موافقاً. لتفلت يده بسرعه، وتهرول نحو المقعد. تجلس عليه، وبعفوية نظرت نحو قدمها المجهدة، لينفطر قلبه حزناً عليها. اتجه نحوه، ليقف أمامها، ثم ينزل إلى مستواها. خلع حذائها الصيفي، ليبصر احمرار قدمها، ليبدأ في تدليكها. ليحني رأسه، يُقبل قدمها الصغيرة كنوع من الاعتذار على ما عانته اليوم.

ورغم عنه، أنسياب دموعه بحرقة، وهو يتذكر نظراتها المرتبة أمام جبروت والده. سقطت دموعه الدافئة على قدمها القابعة بين يديه. لتلتزم شفتها بحزن، وتتجمع الدموع في عينها، تسأله بقلق: "انت بتعيط يا بابا؟ انتبه لسؤالها، ليمسح دموعه بسرعة، ويبتسم قائلاً وهو يرفع رأسه ينظر إليها: "لا يا حبيبتي، أنا مش بعيط." لكنها فاجأته، وهي ترفع يدها الصغيرة تمسح عينه وتلك الدموع التي علقت بين أهدابه. وبفطرة سألته: "أنت بتعيط ليه؟

أنت زعلت من جدو؟ ليمسك يدها يقبلها: "لا يا روحي، أنا مش زعلان." ثم صمت، يتنهد بألم وكسرة، وقال لها برجاء وهو يحتضن يديها بين يديه: "مشمش ياروحي، بلاش تقولي لماما وأخواتك إننا أحنا روحنا لجدو." ثم همس لها يقنعها: "ممكن يكون ده سر بيني وبينك؟ لتهز رأسها بطاعة: "حاضر يا بابا." ليحتضن وجهها بيديه، ويقبل وجنتيها وهو يقول: "شاطرة يا مشمش، وعشان أنتِ تعبتي، هنجيب آيس كريم قبل ما نروح البيت."

لتعود من ذكرياتها، تمسح دموعها التي سالت على وجنتها، وهي تقول محاورة طيف والدها: "ومشمش لسه شاطرة يا حبيبي، ولسه محافظة على السر." لترحل بذكرياتها مرة أخرى، إلى ما بعد عامين، في ذلك اليوم المشؤوم، وقبل حادثة والدها بساعات، عندما سمعت بصوته القادم من غرفة نومه، لتعلم أنه قد عاد من العمل. لتحمل ورقة علاماتها العالية، وتركض نحو غرفته لتريه الورقة. لكنها تسمرت عند أعتاب الغرفة، وهي تجد والدها يجلس أمام والدتها بجسد منهك.

لتسمع الحوار الدائر بينهم، لتجد والدتها تمسك بيد والدها المتشققة، تضع له المراهم، فعمله كان يجهد يده. لترفع يده تقبلها بعين دامعة: "ربنا يقويك يا حبيبي." ليبتسم ابتسامة منكسرة، يجيبها: "ربنا يحفظك يا ورد، متشكر." برودة حديثه أدهشتها، لكن الحزن المرتسم على وجهه جعلها تفهم ما به، لتسأله: "أنت روحت لوالدك النهارده؟ " ليهز رأسه بألم، ويأخذ نفساً عميقاً، ثم يزفره دفعة واحدة بقوة، عله يخرج معه نيران قلبه المتأججة.

يشكو لها: "سابني ساعتين في الشمس كأني شحات يا ورد." واسترسل بعيون دامعة كطفل يشكو لأمه: "كان نفسي بعد تمنتاشر سنة يسامحني وينسى. مكنتش عارف إنه قاسي للدرجة دي." حركت يدها على ذراعه تواسيه: "معلش يا حبيبي، بكرة يسامحك ويرضى عنك." "امتى بس يا ورد؟ ده أنا بروح كل شهر أستسمحه وهو يرفض ويطردني." قالها بحسرة، وبصوت مختنق ارتجف له قلبها. لتنكس رأسها بقهر.

ليمscك ذقنها، يرفع رأسها لتواجه عينه عينها الباكيه، فيمسح دموعها بأنامله. لتسأله بضطراب: "ندمان يا حسين؟ ليقبل عينيها، ويخبرها بوجه أشرق بوميض الحب: "أنا أندم على جوازي منك يا ورد، ده أنتِ أحلى حاجة في حياتي، أنت حب عمري. ولو رجع بيا الزمان، هختارك تاني يا عشق الروح." حرمت نفسها بين أحضانه، فهي موطنها وأمانها، وبادلها هو العناق، لتنساب دموعه بين أحضانه.

لم تكن ورد تعلم أن هذا هو العناق الأخير، عناق الوداع الذي ستفارق بعده أنيس روحها. عادت من تلك الذكرى، تمسح دموعها، تردد بجرح نزف لسنين، كتمته عن شقيقتها: "بكرهك يا بدران، بكرهك. إد كسرت أبويا وحزن أمي، وبدعي ربنا يأخذ حقنا منك يا ظالم." أنهى اتصاله الهاتفي، وجلس يمسك جهازه اللوحي، يسجل احتياجات محلاته، ويتواصل مع وكلاء الوكالات العالمية. حتى شعر بتشنج رقبته، ليضع الجهاز جانباً، ويدلك رقبته.

وأسترخى بجسده على كرسيه الوفير، ثم أغمض عينه، يدعكها ويضغط على جبهته، عله يخفف ألم الصداع الذي أنتابه فجأة. ليريح رأسه إلى الخلف، وما هي إلا دقائق من الاسترخاء، أعادت له ذكريات عديدة. لتلوح صورتها أمامه فجأة، فيفتح عينه مبتسماً بلا وعي. أعتدل في جلوسه، وأخذت أصابعه تضرب على طاولة المكتب بانتظام، مع تكرار صورة ذلك المشهد أمامه. ليقول بتهكم: "ليه صورتك مش راضية تفارق خيالي يا بنت ورد؟

ثم نظر نحو الصورة القابعة فوق مكتبه. ليلتقطها مقبلاً إياه، وهو يقول: "وحشتيني." توقفت السيارة أمام تلك الفيلا الكبيرة، لتنزل الفتاتين بخطى مترددة. وقفتا أمامها، لتمسك هدى يدها تمنعها: "ندى خلينا نرجع، شكلنا غلطنا لما قررنا نجي هنا." لتنظر لها ندى وتقول بقله حيلة: "عندك حل تاني يا هدى؟ أديكي شايفة حالة والدتك، وأحنا منقدرش نأمن المبلغ." لتسألها هدى برتباك: "طب وشمس؟ هنقلها إيه؟

"مش هنقلها حاجة، أوعي يا هدى تجيبي لها سيرة، أحنا جبنا الفلوس منين؟ أخذنا قرض واستلفنا من عم نعيم." بما كانت هذه اللحظة هي من أصعب لحظات حياتها، أن تذل لأكثر شخص تحقد عليه في حياتها. فهل تنسى دموع والدتها، أو كسرة والدها التي كانت تراها كلما زاره أسرار وأحاديث كانت تبوح بها أمها لها كي تزيح عن كاهلها بعض الهموم. وهل تنسى الحرمان الذي عاشوا فيه بعد رحيل والدهم.

ماكينة الخياطة التي رافق صوتها تفاصيل حياتهم، وحاكت خيوطها طريق مستقبلهم. عين والدتها الذابلة من السهر، أماً أصابعها التي نغزتها الإبر، أماً أظافرها التي حولتها لمخالب قطة وهي تحافظ عليهم من عيون الآخرين. أم تنسى ملابسها الباليه التي عاشت بها لسنين، ولسانها يعجز عن طلب ملابس جديدة. كل تلك الأفكار كانت تتزاحم في رأسها، وتتلاطم كامواج بحر هائج في ليلة عاصفة.

تنظر لواجهة تلك الفيلا التي تظهر ثراء ساكنيها، أسطول السيارات المتوقف بالخارج، ذكرها كيف عانوا مع المواصلات. أنوار مصابيحها المنيرة تذكرها بالأضواء الخافتة التي كانت تقرأ دروسها عليها. مقارنات عقدها عقلها، وهي تخطو داخل الفيلا، وهدى تتشبث بذراعها كأنها تستمد منها القوة. قدم تتقدم وأخرى تتأخر، حتى وجدوا الحراس يقتربون منهم: "عايزين مين؟ لتجيب بتلعثم: "بدران الجوهري." "استنوا دقايق." "ندى خلينا نمشي، أنا خايفة أوي."

حدقت ندى بها، لكنها كان من الممكن أن ترجع قبل دخولها المكان، لكنها الآن وبعد أن رأت هذا الثراء، فهم يمتلكون الحق بالمطالبة بالمال. ألم يكن والدهم صاحب الفضل الأول في هذه الثروة؟ ألم يفني عمره مع والده كما أخبرتها والدتها؟ إذا هم يستحقون بعض المال. أخرجها من شرودها، والحارس يقول: "اتفضلوا، بدران بيه مستنيكم." سحبت هدى خلفها نحو الداخل، بعد أن ثقلت خطوات الأخيرة، وهي تشعر بالذنب، فهي صاحبة الفكرة.

بخطى مترددة، وقفوا أمام غرفة مكتبه، لتطرق الخادمة الباب، وتأذن لهم بالدخول. نظرت أحدهما نحو الأخرى بتردد، حسمته ندى عندما تقدمت نحو الداخل، وجذبتها خلفها. حالة من الرهبة انتابتهم، وهم يرون رجل خط الزمان على وجهه آثاره وزاده هيبة. عينه التي كانت تتفحصهم، زادت من ارتباك خطواتهم، حتى أصبحوا أمامه. لم يكن بحاجة لمعرفة هويتهم، فروحه خالطت روحهم، وملامحهم حملت من ملامحه الكثير.

ليخفق قلبه بعنف، لو يأخذهم بين أحضانه، يشم رائحته فيهم. لكن كبرياؤه العنيد منعه، ليرسم الجمود على وجهه، ويقول: "انتو مين وعاوزين إيه؟ وبلسان مثلت فيه القوة، وروح افتعلت فيها الثبات، أجابته ندى: "أنا ندى حسين الجوهري، وأختي هدى." رنين اسمه من شفتيها، جعله يغمض عينه، يطربه تردد اسمه على لسانها، وكأنه عاد إلى الحياة من جديد. كم اشتاق لندائه وسماع صوته. حافظ على جموده، وقال مدعياً عدم اهتمامه: "عاوزة أي؟

بروده حديثه كان أشبه برياح ديسمبر الباردة، وكلماته المقتضبة كانت كخناجر طعنت كرامتها. لكنها أثرت الاستمرار من أجل والدتها. ستتحمل أي شيء. ضغطت على قبضة يدها، تجبر لسانها الذي تلعثم على الحديث، لكنه شل يمنعها من هدر كرامتها. ليكرر هو سؤاله: "عاوزة أي؟ جايه هنا ليه يا بنت ورد؟ ذكره لاسم والدتها جعلها تنسى كرامتها، وتتذكرها فقط، لتقول: "والدتي تعبانة، وكنت عايزة أستلف فلوس، وهرجعها."

لا يعلم أيفرح، فهذه ورد التي حرمته من فلذة كبده بعد أن فضلها عليه، أم يحزن وهو يرى الكسرة في عينيها. مد يده والتقط دفتر شيكاته، يمد يده لها ويقول: "اكتبي الرقم اللي أنتِ محتاجاه." أقتربت منه بتوجس، وأمسكت الدفتر بيد مرتعشة، تخط عليه الرقم الذي تحتاجه والدتها، وتعيده إليه. قرأ الرقم، وضحك بستهزاء، فهذا الرقم لا يعني شيئاً بالنسبة له. وقع الشيك، وأعطاه لها، لتمسك الشيك، وتنظر إليها وإلى جدها، هل كان الأمر بهذه السهولة؟

لتبتسم فرحاً، وقبل أن تخرج من لسانها كلمة شكر، وجدته يخرج ورقة يسجل عليها بعض الأشياء، ويقول لها: "امضي." لتمسك الورقة وتسأله في حيرة: "أمضي على إيه؟ وضع يده على المكتب وقال بهدوء: "ورقة ضمان ليا." قرأت الورقة، اتسعت عينها بدهشة، لتسأله: "بس دي المدة ست شهور بس؟ "أيوه." وأكملت بتعجب مستنكرة: "وكمان بند الشرط الجزائي فاضي؟! وبضحكة مستفزة، قهقه ضاحكاً وهو يقول: "لا، الشرط الجزائي أنا هضيفه على مزاجي." "بس ده ظلم!

أنا إيش عرفني إيه هو الشرط؟ وكمان الوقت قليل." لتصرخ بوجهها وهو يقول: "لو مش عاجبك، هاتي الشيك." لتطوي تلك الورقة، وتعتصرها حزناً على حالهم. هل ترفض؟ وما هو الحل إن رفضت؟ لتجد نفسها تمسك تلك الورقة. أمسكت تلك الورقة، ويدها ترتعش، تقرأ كلماتها بذهول، هل وصل به الأمر إلى هذا الحد؟ لم يرحمها هي وشقيقاتها. نظرت إليه، لتجده يحدق بها دون اكتراث، وكأنها لا تعني له شيئاً. ولو كانت تحقد عليه مرة، حقدها أصبح اليوم ألف مرة.

غصت الخذلان التي تتجرعها الآن، فاقت ممراتها آلام سنينها الماضية. نظرت نحو شقيقها، لتجد الخوف يستوطن عينها، كأنها تتوسلها أن لا تفعل ذلك. لكن لم يعد القرار بيدها. حادت بنظرها عنها، وحسمت قرارها. هي لا تمتلك الآن رفاهية الاختيار. أمسكت القلم، وارتعاش قلبها بين أضلعها، شابه ارتعاش القلم بين أصابعها. وقبل أن يصل القلم إلى الورقة، أمسكت هدى بيدها تمنعها. تنظر لها برجاء. التفتت لها، تهز رأسها برفض، وهي تقول:

"معنديش خيار تاني يا هدى." لتغمض عينها بقوة، كأنها تكتم صراخ كرامتها. ثم فتحت عينها بوهن، وأمرت يدها أن تخط عليها توقيعها. وكأنها توقع وثيقة بيعها هي وشقيقاتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...