الفصل 4 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الرابع 4 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
25
كلمة
4,074
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

عادت إلى غرفتها شاردة الذهن، فإجابة والدتها كانت كفيلة بتأكيد شكوكها، وهذا يعني الكارثة. تملكها الخوف من القادم، وتزاحمت الأفكار السيئة في رأسها، وكالمغيبة جلست على سريرها، حتى أنها لم تنتبه لهتاف هدى وكلامها. "رحتي اشتكيتي لماما أكيد، لكن متحاوليش مش هاديكي الجزمة يا شمس عشان تبطلي تستفزيني." تعجبت هدى من شرودها لتناديها. "شمس… شمس انت يابنتي مالك؟

رمشت عينيها عندما انتبهت لنداء هدى الذي انتشلها من شرودها، بعد أن كررت ندائها. "شمس مالك انت مش سمعاني؟ "هاااا…" تسلل الشك إلى قلبها، لتجلس بجانبها تسألها بقلق. "مالك ياشمس شكلك مش طبيعي؟ لتبهت ملامحها عندما أبصرت الدموع تتجمع في عين شقيقتها، والألم يظهر على قسمات وجهها، لتسألها بخوف. "شمس مالك اتكلمي؟ وبصوت مختنق وأنفاس مسلوبة، أجابتها. "ماما تعبانة ياهدى." لتشهق بذعر وهي تسألها. "مالها ماما ياشمس؟

لتسبق دموعها كلماتها، وهي تحاول التقاط أنفاسها، لتجيبها بحيرة. "مش عارفة، لكن الأعراض اللي عندها مخيفة، بس يارب أكون غلطانة. لازم آخدها بكرة للمستشفى عشان أتأكد." "طب انتِ شاكه فى إيه؟ تعمقت هدى بالنظر لعيني شقيقتها، تترقب إجابتها التي كانت تخشى أن تقولها. لترخي أهدابها وتقول بصوت مهزوز. "فشل كلوي." لتشهق هدى، واضعة يدها على فمها بهلع، وهي تتخيل لو كان ما تفكر فيه صحيح. *** صف سيارته أمام الفيلا، بعد أن أنهوا عشاءهم.

ليلتفت إليه علي ويقول بابتسامة هادئة ممتنًا. "متشكر يافارس." ربتت فارس على فخذه وهو يبادله الابتسامة. "متشكرنيش يا علي، انت أخويا." "حبيبي يابرو." والتفت علي إلى المقعد الخلفي، يأخذ باقة الزهور. ليضحك فارس وهو ينظر إلى مايفعل، عندما حمل الباقة يستنشق عطرها بهيام، ليقول له مازحًا. "تعرف ياعلي اللي يخوف في حكايتك انت وهدى مش جدي، طنط صفاء تخيل تقولها إنك بتحب واحدة غيرها."

ليتجهم وجهه للحظات، ثم افتر ثغره عن ابتسامة باهتة وهو يقول مستهزئًا. "دي كانت تطين عيشتي، دي بتغير لما بقول لبابا إني بحبه." ليهقهق فارس ضاحكًا بسخرية، حتى أدمعت عيناه، ويقول له. "طريقك مسدودٌ يا ولدي." *** "كان يسير بين أروقة المستشفى، يتناقش باندماج في أحد الموضوعات المهمة."

"يامازن أنا مش بشكك في قدرة دكتور عاصم، دا أستاذي، لكن أنا بعترض على الأسلوب المادي. أنا ليه أطلب من المريض إنه يعمل العملية في المستشفى الخاص، مع إنه كان يقدر يعملها هنا في الحكومي؟ "بس متُنكرش يا طارق إن المستشفى الخاص إمكانياته أكبر." "أكيد إمكانياته أكبر، بس الناس على قد حالها، يا مازن. ليه أزود حملهم وأنا أقدر أعملها هنا." أمسك مازن ذراع طارق يحذره.

"طارق بلاش النقاش في الأمور دي مع أي حد، ممكن الكلام يوصل لدكتور عاصم، وإحنا مش قده." هز طارق رأسه بتفهم، رغم استنكاره كلام صديقه. ليزفر أنفاسه بثقل. "رغم إني مابحبش أسكت عن الغلط، بس انت بتتكلم صح يا مازن." عاد يسير مع صديقه، يكمل حديثه، ليتوقف فجأة، عندما لمحها تقف في إحدى الممرات، وبجانبها فتاة أخرى. ومن الشبه الكبير بينهم، علم أنها شقيقتها. لينهي النقاش مع زميله بسرعة. "عن إذنك يا مازن."

وبخطوات سريعة اتجه نحوها، حتى وقف أمامها يسألها بقلق بعد أن رأى هيئتها. "شمس إزيك؟ خير، فيه حاجة؟ انتِ واقفة هنا ليه؟ رفعت عينها نحوه وأجابته بتوتر. "ماما تعبانة ومحتاجة سونار. دخلت دلوقتي مع أختي، وأنا هحصلهالي." يجيبها بحزن لحالها. "ربنا يشفيها إن شاء الله. خير، هدخل معاك عند دكتورة ملك، أعرف أقيمها للحالة." نظرة امتنان، لم تكن تتوقع يومًا أن تنظر له بها اليوم. تجده يستحقها بعد كلامه واهتمامه.

لتبتسم ابتسامة باهتة وتقول. "متشكرة يادكتور." ليحول نظره نحو تلك التي وقفت بوجه شاحب وعين دامعة، تفرك يدها باضطراب. انتبهت شمس لتقول له معرفة شقيقتها. "ندى أختي يا دكتور." ثم نظرت لشقيقتها التي كانت نظراتها ضائعة، وكأنها في عالم آخر. لتمسك ذراعها، تجعلها تنتبه. "دكتور طارق بيناديلك." يحاول طارق التخفيف عنهم، ليقول بدعابة مشاكسًا إياها. "لسه مصرة متعترفيش إني ابن عمك؟ كلماته جعلت ندى تفيق من شرودها، وتنظر نحوه بتركيز.

ليبتسم لها ويقول. "أهلاً يا ندى." "أهلاً يا دكتور." ليقطب حاجبيه، مدعي الانزعاج، ويقول. "إيه دا يا ندى، انتِ اتعديتي من أختك؟ أنا طارق ابن عمك، مش دكتور، و"رسميات"." وبابتسامة مغتصبة، بالكاد رسمتها على وجهها، قالت. "أهلاً يا طارق." "أيوه كده تمام." قالها طارق مبتسمًا، ثم حول نظره نحو شمس، وهو يطلب مرافقتها بعد أن طرق باب الغرفة. "تعالي يا شمس نشوف دكتورة ملك." دخل إلى الغرفة برفقة شمس، بعد أن أذنت له الطبيبة بالدخول.

ليجد ورد تستند على ذراع ابنتها الأخرى. توقف لحظتين، ينظر لها بتمعن. كان دائمًا يتملكه الفضول لرؤية المرأة التي تخلى عمه عن أهله وماله من أجلها. جالت عيناه على قسمات وجهها بانبهار. فرغم تقدمها في السن، لازالت جميلة، ترتسم الطيبة على ملامحها. تبعث هيئتها القبول والراحة للمقابل. اقترب منها وقال. "حمد الله على السلامة يا حاجة." رفعت ورد نظرها نحوه ببطء، ترتسم الدهشة على ملامحها. لتخبرها شمس التي أمسكت يدها الأخرى تسندها.

"دكتور طارق يا ماما." لتبتسم ابتسامة هادئة وتقول. "أهلاً يا بني." أسندت شمس وهدى ورد حتى الخارج. لتستقبلها ندى. وتعود شمس إلى الطبيبة تستفهم عن حالة والدتها. جلست أمام الطبيبة، تطرقع أصابعها بتوتر. قلبها ينتفض، عينها معلقة على وجه الطبيبة بترقب وجل. ما تخشاه أن شكوكها تكون صحيحة. أفاقها من شرودها سؤال طارق. "ها يادكتورة ملك طمنيننا؟ هزت الطبيبة رأسها بأسف وقالت.

"زي ما توقعتي يا دكتورة، فشل كلوي. بس المشكلة الوالدة واصلة مرحلة متأخرة." هوى قلبها بين قدميها، وشلت الصدمة لسانها. لتلمع الدموع في عينها التي اتسعت بخوف. أشفق طارق على حالتها، ليسأل الطبيبة مستفسرًا. "طب يادكتورة، والغسيل مش ممكن يساعدها؟ لتخبره بعملية. "وقت مؤقت يا دكتور. الحالة متأخرة، دا تقييمي الأولي. وممكن دكتور معتصم في قسم الباطنة ينصحكم، بس أنا متأكدة إن دكتور معتصم هيأكد كلامي."

أغمضت عينيها، ورفعت يدها تكمم فمها، تكتم شهقاتها. بعد أن فقدت السيطرة على دموعها، وهي تعلم الآن مدى سوء حالة والدتها. ليأتيها صوت طارق الذي قال محاولًا تهدئتها. "اهدي ياشمس، كل شيء وله حل. إحنا قدامنا الغسيل دلوقتي لحد ما نشوف هنوصل لإيه." "وانا من رأي دكتور طارق ياشمس، ومتنسيش إحنا ممكن نلجأ للزراعة." نفخت أنفاسها بسرعة، تحاول السيطرة على دموعها. لتمسح دموعها بيدها. ليناولها عاصم منديل.

"حاولي تهدي قدام والدتك عشان حالتها النفسية." التقطت المنديل منه، ومسحت دموعها. تحرك رأسها بالموافقة، لتنهض وتقول. "متشكرة يادكتورة." اتجت نحو الخارج برفقة طارق، الذي شكر الطبيبة بدوره. وما أن خرجت، حتى هرولت شقيقاتها نحوها يسألونها بلهفة. لتحاول رسم ابتسامة على وجهها، بعد أن وجدت عين والدتها تتطلع إليها. لتتجه نحوها، تنحني وتقبل يدها، وتقول مبتسمة. "الحمد لله ياحبيبتي، الدكتورة طمنتني."

نظرت ورد نحو ابنتها، لتشيح شمس عينها بعيدًا عنها. لتعلم أن ابنتها تكذب. *** ثلاثة أشهر مرت، وهي تنتظم في الذهاب إلى مركز الغسيل. ووضعها يزداد سوءًا، حتى انعكس ما يحدث بالسلب على بناتها. التي رحلت البسمة عن وجوههم، وحل الحزن محلها. جلست هدى تفكر في حالة والدتها. ورغمًا عنها انسابت دموعها بحزن، لتتكأ على الطاولة، تخفي وجهها بين يديها، وتبكي بحرقة، علها تخفف من الألم الذي يخنق صدرها.

أدخل إلى المحل، ليتمزق قلبه على حالتها. ود لو يستطيع أن يأخذها بين أحضانه، ويخفف عنها. اقترب منها بتوجس، ونطق اسمها بقلق. "هدى… هدى." انتشلها صوته من وسط دموعها، لترفع عينها ببطء. ليصعق من هيئتها، وجهها الشاحب، وعينها التي تحول بياضها إلى ألوان الأحمر، وانتفخت أجفانه. ليسألها بلهفة. "هدى مالك؟ حصل أي؟ رفعت يدها تمسح دموعها، وبصوت مختنق قالت. "ماما تعبانة أوي يا علي، أنا خايفة عليها." جلس أمامها وقال يلومها.

"اهدي ياهدى ومتعمليش في نفسك كده، انتِ بتعيطي بدل ما تدعيلها بالشفاء." تحرك رأسها وتقول بهستيريا تملكت منها. "مش قادرة ياعلي، أنا خايفة يجرالها حاجة. إحنا هنضيع من غيرها يا علي." "طب اهدي، الطب اتطور واكيد فيه حل." "مافيش حل غير الزراعة، والزراعة مكلفة، مش هنقدر على تمنها." قالتها هدى من بين دموعها وشهقاتها تعلو ما بين كلمة وأخرى. ليجد نفسه بلا وعي، يحمل المنديل الذي يمسكه، ويمد يده يمسح دموعها.

لتفزع من حركته، وتعود إلى الخلف، تبعد وجهها عن مرمى يده. لعن غباء تصرفه، ليتحمحم بحرج، ويقول. "ربنا يشفيها." ثم نهض بسرعة، واستدار محاولًا المغادرة، ليتسمر مكانه، عندما وجد شمس تقف أمامه تحدق به بغضب، ويبدو أنها قد شاهدت تصرفه. ليرتبك، ويقول بتلعثم. "أهلاً ياشمس، إزيك؟ أجابته بحدة. "أهلاً." "عن إذنك." ليتجاوزها ويرحل. فتقترب هي من شقيقتها بوجه متجهم، وهي تقول بامتعاض. "شكل علي باشا رجله خدت على المكان."

هربت هدى بعينيها بعيدًا، ولم تعقب على كلام شمس. ثم نهضت، مدعية انشغالها بترتيب باقة زهور. حتى سمعتها تقول. "أنا محتاجة حاجة، هروح أجيبها من السوبر ماركت، وارجع عشان نروح سوا." وقف يصف علب الدواء بذهن شارد، يشعر بالخزي من تصرفه المتهور. هل ستظن أنه استغل لحظة ضعفها ليتقرب منها؟ ليتنهد بيأس، ويحاور نفسه قائلًا. "نفسي أقولك إني بحبك أوي ياهدى، بس أنا خايف من المستقبل."

قطع حواره مع نفسه، تلك التي دخلت الصيدلية مندفعة نحوه. لتقول، وهي تقف أمامه بوجه ممتعض. "إيه اللي بينك وبين هدى ياعلي؟ احتدت ملامحه وهو يسمع كلامها. لترتب الكلمات على لسانه، يسألها بريبة. "انت بتقول إيه ياشمس؟ وبنبرة صوت حملت التحدي والإصرار، أعادت سؤالها. "إيه اللي بينك وبين هدى ياعلي؟ ارتسمت الدهشة على وجهه من سؤالها المباشر، لكنه أجابها باضطراب. "مافيش حاجة بين." احتدمت ملامحها، وامتزج الغضب بصوتها.

"بلاش تنكر، ياعلي. أنا شفت نظراتك ليها، شايفة تعلقها بيك، واسمك اللي بيتردد على لسانها طول اليوم. أنا مش غبية، أنا فاهمة كل حاجة، بس حابة أسمع منك." نظر نحوها، يزفر أنفاسه بضيق. هو لا يلوم خوفها على شقيقتها، لكن يخشى ردة فعلها إن أخبرها الحقيقة. لكنه لن يكتم مشاعره أكثر من ذلك. وبصوت اتسم بالثبات والقوة، أخبرها. "أنا بحب هدى." ابتسمت بسخرية، وسألته بتهكم. "وانت عارف نهاية الحب دا إيه؟ أشاح بنظره عنها، وأجابها بخفوت.

"أيوه." استفزتها إجابته المقتضبة، لتتصاعد وتيرة أنفاسها، وهي تقول. "ابعد عن اختي يا علي." لينتفض قلبه، ويثور عليها غاضبًا. "انت بتقول إيه يا شمس؟ للدرادي انت شايفاني مستهتر ومعنديش ضمير، عشان تخافي على أختك مني؟ يزفرت أنفاسها بشدة، وحاولت السيطرة على انفعالها، لتقول له. "علي أنا عمري ما شكيت في أخلاقك، أنا عارفاك كويس، لكن هدى حساسة أوي. ليه تعلقها بشيء مستحيل؟ ليه تخليها تتعلق بيك وانت مش هتقدر ترتبط بيها."

ثم صمتت تلتقط أنفاسها، لتكمل بصوت هادئ ومتعقل. "بلاش ياعلي تعيد الماضي، لأن انتو الاتنين هتتعبوا، عشان كده بقلك ابعد عنها ياعلي، قبل ما تتعلقوا ببعض أكتر." "ابعد ياعلي عشان متتوجعوش." "بس أنا بحبها بجد، وبحلم باليوم اللي تكون فيه من نصيبي، أنا لا بلعب ولا بضحك عليها." كانت تصغي له، وتحدق به، تتمعن في نظراته، وتتحرى صدق حديثه. لتتركه يكمل. "وليه نفترض إن الماضي ممكن يرجع؟ مش يمكن جدي يوافق؟

لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتيها، وهي تقول. "بلاش نضحك على بعض، إحنا بنات ورد. ياعلي تعرف يعني إيه بنات ورد؟ "بس جدي اتغير." قالها علي بأمل، كأنه يتوسلها، لكنها قضت على آماله، عندما قالت مستنكرة. "بدران الجوهري عمره ما يتغير." تنهد علي بيأس، فيبدو أن كلامه لن يقنعها. "شمس أنا هحاول أبعد، لكن موعدكيش إني أقدر أبعد." وبصوت ملئه الرجاء، تحدثت. "أرجوك ياعلي حاول، هدى قلبها مش هيستحمل صدمة بعدك لو اتعلقت بيك أكتر."

ورغم ثقل الكلمة على لسانه، لكنه أومأ لها موافقًا. "حاضر." ابتسمت ابتسامة باردة، وهمت بالرحيل. "عن إذنك." خطت خطواتها نحو باب الصيدلية، ليتزامن خروجها مع دخول شخص آخر. توقفت لحظتين، ليعود إلى الوراء، يفسح لها مجالًا للخروج. لتنظر إليه، ثم حادت بنظرها، قائلة وهي تتجاوزه. "متشكرة." دخل فارس، ثم التفت ينظر لإثرها، حتى اختفت. ليستدير. حتى وصل إلى علي، الذي كان مشتت الذهن. ليسأله فارس مستفسرًا.

"هو مين البطل اللي خرجت من شوية دي؟ ليتنهد علي بثقل، ويجيبه بفتور. "دي شمس." ردد فارس اسمها مبتسمًا. "شمس، طب والله اسمها حلو." "بس شخصية قوية ولسانها سابقها، ومتسكتش أبدا عن حقها." ثم صمت قليلًا، وقال ساخرًا. "دي لسه مديني موعظة معتبرة." قطب فارس حاجبيه، وسأله في حيرة. "وتديك موعظة بتاع إيه؟ "عاوزاني أبعد عن أختها ياسيدي." ارتسمت ملامح الدهشة على وجهه، وزادت حيرته، ليسأله مجددًا. "أختها مين؟

"هدى… مهي شمس بنت عمي حسين." لتتسع حدقتي فارس بتعجب، وهو يقول. "بنت ورد! *** عادت من جلسة الغسيل بجسد متعب، لتستلقي على السرير. ويلتف بناتها حولها، ينظرون لها بابتسامة مزيفة. تعلم أنهم يتصنعونها كي لا يخيفونها. نظرت إليهم وهم يحيطونها، وما أشبه اليوم بالأمس. هكذا كانوا يحيطونها يوم وفاة والدهم، وينظرون لها كأنها طوق نجاتهم في هذه الحياة. لكن اليوم الأدوار قلبت. هي اليوم تراهم طوق نجاتها في هذه الحياة.

هي لا تخشى الموت بقدر ما تخشى فراقهم. كانت تتمنى أن يمد الله في عمرها حتى تفرح بزفافهم، وتحمل أولادهم. لكن يبدو أن الفراق قريب. نظرت نحو ندى، رفيقة كفاحها. لم تكن ابنتها فقط، بل كانت شقيقتها وصديقتها، بئر أسرارها العميق. ابتسمت، تتذكر كيف أحضرت أول راتب لها، ووضعته بين يديها، تخبرها بامتنان أنها صاحبة الفضل، ومن تستحقه.

ثم حولت نظرها نحو هدى، تلك الرقيقة ذات الابتسامة البريئة، وصاحبة القلب الطيب، تلك المطيعة التي لم ترفض لها طلبًا، وتهديها بالزهور التي تحبها. لتحول نظرها نحو شمس، تلك التي تدعي القوة، لكنها تعلم أن قوتها ليس سوى قناع تخفي خلفه ضعفها. شخصيتها الهجومية اكتسبتها من مواقف أليمة، حفرت داخلها الخوف من المجهول، وعدم الثقة بالمقابل.

لتبتسم ابتسامة بسيطة، وهي تتذكر كيف رفضت استلام شهادة تخرجها، إلا إذا رافقها هي، فيمن يستحق تلك الشهادة. عادت تغمض عينيها، وهي تدعو لهم سرًا بالسعادة، والعوض، وراحة البال. *** صف سيارته أمام المستشفى، وترجل منها. ليتجه نحو صديقه، الذي ترجل من السيارة بصعوبة، مستندًا على بابها، نتيجة توعكه. ليمسك يده ويسنده هو نحو الداخل، حتى دخل إلى ردهة الطوارئ، وقابل الطبيب المختص، ليعلق له المحاليل.

ليتركه، ويتجه نحو الخارج، يحاول الاتصال بشقيقه. "الو." "أيوه يافارس، وصلت المستشفى؟ "أيوه يا طارق، إحنا في الطوارئ." "طب الدكاترة شافوه؟ "الدكتور بيقول ارتفاع في ضغط الدم." "ماشي، استناني أخلص الحالة الموجودة وأجيلك." "طب ياحبيبي هستناك." أغلق الاتصال، ودس الهاتف في جيب بنطاله، عائدًا إلى صديقه. وفي أثناء عودته، رأها تقف في إحدى الغرف. تقطب جرح أحد الأطفال، ساقه فضوله، ليتوقف، ويتأملها من بعيد.

ينظر لمهارتها في التعامل مع الطفل، واقترب أكثر. ليدهشه الحوار الذي دار بينها وبين والد الطفل، الذي يقف يصرخ بزوجته موبخًا، يتهمها بالإهمال والتقصير. "شايفة ياهانم، آدي آخر إهمالك، مهو لوكنت انتبهتي مكانش حصل اللي حصل." شعرت شمس بالإشفاق على الزوجة، وهي تجدها تقف مطأطأة الرأس، ودموعها تغرق وجهها، كأنها أخطأت وأجرمت في حق ولدها. ليمتقع وجه شمس، وهي تجد الزوج يكمل إهانتها، وسط صراخ الطفل.

"تلاقيكي كنت مشغولة بالتلفون، حاكم أنا عارفك طول عمرك مشغولة بيه عن ولادك. طبعًا أكيد كنت بتكلمي أمك، وتلاقي كنت بتشتكي مني، ما انت موراكيش غير الرغي والشكوى." "ياريت تكوني ارتحتي، وانت شايفة ابنك سايح بدمه." كل هذا والمرأة لا تزال صامتة، رغم استمرار زوجها بالكلام، الذي استفزّ شمس، التي قالت. "جرى إيه يا فندم؟ دا قضاء وقدر، هو فيه أم بتتعمد تأذي ولادها؟ ليحتقن وجه الرجل، ويقول لها مستنكرًا.

"وانت مالك بتدخلي في مالكيش فيه ليه؟ كاد فارس أن يخطو إلى الأمام، بعد خوفه من ردة فعل الرجل، لكنه توقف، عندما وجدها تجيبه. "يبقى حضرتك زي ما بتطلب مني ما ادخلش، انت كمان تحترم المكان اللي انت موجود فيه. انت في مستشفى مش في بيتكم، والكلام اللي قلته على مراتك، رغم إنه كله غلط في غلط، بس كمان ميصحش يتقال قدام الناس، ليكم بيت تتفاهموا فيه." ليهتف الرجل بغضب. "انت عاوزة تعلميني الأدب كمان؟ لتزفر شمس أنفاسها بضيق، وتقول.

"لا تعلمني ولا أعلمك. اتفضل، أنا خلصت، تقدر تأخذ الولد للدكتور يكتبلك مسكن." قالتها شمس، وهي تنهي ربط الجرح، وتبتعد عنه. ابتسم فارس رغمًا عنه، يتذكر كلام علي عنها، وقد صدق في وصفها، قوية ولا تخشى أحد. وصل طارق، ليجده يقف أمام إحدى الغرف، يبتسم ببلاهة. ليقترب منه، يسأله بتعجب. "فارس، إيه اللي موقفك هنا؟ وحازم عامل إيه؟ سؤال طارق أفاقه من مراقبتها، لينتبه له، ويجيبه بتلعثم. "حازم… حازم أحسن دلوقتي."

ليجدها تخرج من الغرفة، يرتسم العبوس على وجهها. لتتفاجأ بوجود شقيقه، فتقترب بغية إلقاء التحية. "أهلاً يادكتور طارق." طارق، الذي تفاجأ أيضًا بوجودها، أجابها مبتسمًا. "أهلاً ياشمس، إزيك وازي صحة والدتك؟ لتبتسم ابتسامة حزينة، وتقول بأسى. "هي منتظمة في جلسات الغسيل، بس الوضع بيسوء يوم بعد يوم." شعر طارق بالحزن لأجلها، وتأثر فارس بألمها. ونبرة صوتها المثقلة بالهموم. "طب دكتور معتصم رأيه إيه؟ تنهدت بيأس، وقالت بقلة حيلة.

"مفيش قدامنا إلا الزراعة، عشان كدا إحنا هنبدأ اختبار عينات من الأسبوع الجاي." "تقصدي انتِ وأخواتك؟ سألها طارق، لتهز رأسها مؤكدة. "أيوه أكيد، إحنا مستعدين نعمل أي حاجة، بس ماما تبقى بخير." كان يرمقها بنظرات إعجاب على ثقتها وتضحيتها. "شمس، أي حاجة تحتاجيها، أنا موجود." نظرت بامتنان، وقالت شاكرة. "متشكرة يادكتور." وقبل أن ترحل، قال لها طارق، وهو يشير نحو فارس. "فارس أخويا يا شمس." ل تنظر نحوه نظرة خاطفة، وتقول.

"أهلاً يافندم." "أهلاً يادكتورة." *** لم يستطع إخفاء شوقه إليها، ولم يشعر إلا وقدماه تأخذانه نحو محل الزهور. لينقض وعده لشمس، فعشرون يومًا من مراقبتها من بعيد، لم تستطع إطفاء نيران الاشتياق. يقترب منها، وقلبه يعتصره ألمًا من هيئتها. فقد انطفأت روحها، وتلاشت لمعة عيونها، ومحيت تلك البسمة البريئة. ليحل محلها شبح الحزن، وشحوب الوجه، وتلك النظرة المنكسرة، وأهداب علقت آثار الدموع على أطرافها. "مساء الخير."

رفعت عينها بوهن، وأجابت ببرود، رغم اشتياقها إليه. لكن ذلك الحزن الجاثم على قلبها، كبل أي مشاعر أخرى. ليسيطر على قلبها، يمنعها من فرحة لقائه بعد فراق لعدة أيام. "ازيك ياهدى، عاملة إيه؟ سؤال طرحه بلهفة قلب ملتاع، لكن سؤاله كان كمفتاح لسجن دموعها، التي تأسرها منذ الصباح. وكأن الدفء الذي غلف صوته، أعطاها الحنان الذي تحتاجه، منذ أن حجب المرض عنها حنان والدتها. لتخبره بصوت متعب، رافقته دموعها الموجعة. "تعبانة أوي ياعلي."

مزقت قلبه كلماتها، وكأنه تجرع مرارة ألمها معه. ليجد نفسه بلا وعي يقول. "ليه يا حبيبتي؟ ثم تلعثم بعد أن انتبه لكلامه، ليصحح كلماته. "ليه ياهدى؟ حصل إيه؟ تمنى لو كانت قد سمعت خطأ، لكنها للأسف كانت في عالم آخر، تائهة بين أحزانها ودموعها. حتى أنه ترجاها أن تتحدث. "هدى مالك، اتكلمي أرجوك؟ لتمسح دموعها وتقول.

"كنا ناوين نتبرع لماما، بس ندى وشمس أنسجتهم متطابقتش معاها، وأنا عندي فقر دم، ووزني أقل من المطلوب، ومش مسموح أتبرع." ثم صمتت، وأخذت نفسًا عميقًا، تبتلع مرارة الحقيقة. "كده لازمنا متبرع، ولازمنا عملية، بس التكلفة كبيرة أوي، وإحنا مش هنقدر نأمن المبلغ الكبير ده. وحالة ماما بتسوق يوم بعد يوم." أشفق على حالتهم، كأنهم مقيدين أمام قدر أرهق قلوبهم. عم السكوت لدقائق، حتى قطعه هو قائلًا برتباك. "أنا عندي الحل لمشكلتكم…"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...