الفصل 6 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل السادس 6 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
21
كلمة
3,750
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

امسك تلك الورقة التي اعتبرها كصك ملكية لهم. ربما هذا ما اعتقدنه وهو يرى نظرات الكره التي صدحت من عيونهن، وتلك الكسرة التي غلفت صوت ندى وهي تخبره أنها ستحاول جمع هذا المال في أقرب وقت. حتى همس هدى وهي تعاتب شقيقتها: "لماذا لم ترفضي؟ والله كفيل بهن، مثل ما كان عون لهن طيلة تلك الفترة." جلدته كلماتهن وصفعت كبرياءه نظرات الخذلان التي ارتسمت على وجوههن وهن يغادرن الغرفة. "عندهم حق يقولوا أكتر من كده يا بدران."

هكذا لام نفسه على تركهن كل تلك السنين، لكن عنده وكبرياؤه الذي صور له ورد كعدوة حرمته من ولده، وتركها بلا معين، ليس سوى عقاب لها. رغم أنه كان يعلم بكل أخبارهم، ودوماً يوصي نعيم جارهم بهن. ربما كان يرجو أن تلجأ إليه بعد وفاة ولده، لكنها كانت قوية واستطاعت أن تقاوم. تنهد بحزن وفتح درج المكتب يخرج صورته منها، يحدثها كما يفعل كل يوم منذ رحيله. "أنا عارف إنك زعلان مني، أنا ضيعت الأمانة يا حبيبي."

ليمرر أنامله على الصورة كأنه يستشعر روح صاحبها، ليقول بغصة: "كان نفسي أخدهم في حضني وأشم ريحتك فيهم يا غالي، شبهك يا حسين، قلبهم طيب حتى وهما عاوزين يبانوا، شداد عيونهم بريئة." "وأنا اللي كنت بقول حسين بقاله أسبوع بيزورني في المنام، ليه؟ أتاريك بتوصيني عليهم. متخافش ياحبيبي، مش هضيع الأمانة، المرة دي مش هضيعهم زي ما ضيعت."

ليرحل بذاكرته إلى ذلك اليوم المشئوم، ذلك اليوم الذي أتى به إلى المحل، يقف عند بابه ذليلًا يستعطفه كي يأذن له بالدخول، عله ينال رضاه، لكنه رفض. ساعتان ظل يقف على قدمه حتى أضناه التعب، وهو يستند إلى الجدار. ليجلس القرفصاء بعد أن أنهكه التعب. كان يعلم أن والده قاسي القلب، لكنه لم يتخيل أن تصل قسوته لهذه الدرجة.

لقد كان أقرب إخوته له، كان ليس والده فقط، كان صديقه المقرب، لم يكن له أصدقاء سواه، ربما لذلك كان غضبه من عصيانه كبير. لقد تعب من هذا الجفاء، شعر بالخجل ومن يعرفهم من العمال ينظرون إليه بشفقة، كأنه متسول. انسابت حبات العرق على وجهه وخالطت تلك الدمعة التي انسابت من عينيه بعد أن خنقته العبرات. فلم يعد يتحمل شعور الذل والهوان. أما في الداخل، وقف حسن أمام والده يستجدي عطفه كي يرحمه ويسمح له بالدخول.

"يا با، حرام عليك، دا بقاله ساعتين في الشمس، يابا دا مهما كان ابنك." "ابني اللي عصاني يا حسن." "يا حج، دي حكاية فات عليها سنين، مش هتنسى وتسامحه." وكانت كلمات حسن كفتيل أشعل نيران غضبه ليصرخ بوجهه. "أنسى إيه يا حسن؟ إنه فضل عليا بنت بياع الفول." "خلاص يا حج، دا بقى عنده بنات منها، يعني عيلة. انسى يابا، هو خصامك ليه السنين دي كلها؟ مشافش غليلك."

"ولا عمري هنسى يا حسن. ابني اللي كان أغلى عندي من روحي يعصاني عشان بنت متسواش. كنت فاكر لما أحرمه من الفلوس هيرجع عن قراره، بس هو خدها عند معايا، خليها تنفعه." تنهد حسن بيأس، لكنه أكمل متوسلًا. "يا حج، هو حبها ومحدش له سلطان على قلبه يا أبو حسين." لانت ملامحه قليلًا بعد ذكر حسن لكنيته المحببة لقلبه. ليستغل حسن ويستطرد قائلًا:

"طب تعالى شوفه إزاي بقاله ساعتين واقف عشان يشوفك، دا بيموت فيك، وانت كمان ياحج بتحبه، متنكرش. تعالى بس شوفه." ومن مكان بعيد نظر باتجاهه لينفطر قلبه من مظهره وهو يجلس ذليلًا يمسح حبات العرق عن جبينه. لكنه قال بعناد: "حتى لو سمحت له يدخل المرة دي، مش هاسامحه." هز حسن رأسه بالموافقة وهو يبتسم، يعلم أن والده رغم عناده وجبروته، لكنه ينتظر قدومه. رغم صده له، لكنه يشتاق له. "هروح أبلغه."

في الخارج، مل حسين من الانتظار ليحاور نفسه. "امتى تحن عليا يابا؟ مش كفاية كده ذلي وكرامتي اللي اتهانت قدام العمال كأني شحات مستني حسنة منك." "ليه يابا بتستكتر عليا السعادة؟ هو انت مش شايف فرحتي بيها وببناتي؟ دا مش كافي؟ ليبتسم وطيفهن يلوح أمامه وهن يستقبلنه بأحلى ابتسامة تنسيه ما قاساه طيلة اليوم. لينهض بعد أن يأس، ينفض التراب عن ملابسه ويسير مغادرًا، يجر أذيال الخيبة والكسرة.

شعر حسن بالحزن عندما خرج ولم يجده، ليعود لوالده يخبره بأسى. "مشي يابا، الظاهر فقد الأمل في مقابلتك." لا يعلم لماذا نغزه قلبه عندما علم بمغادرته، ود لو يركض خلفه ويعيده. حتى سمع بخبر وفاته في الصباح، ليتآكله الندم، ليحكم عليه أن يعيش بلوعته والحسرة عليه طيلة العمر. عاد من ذكرياته وهو يمسح دموعه ويقول بحرقة يلوم نفسه. "ياريتني كنت سمعت كلامك ياحسن، ياريتني خدته في حضني وسامحته."

صمت قليلًا ثم اتجه نحو خزانة أمواله ليفتحها ويخرج منها ورقة يبدو أنها تجعدت من أثر الدموع عليها. ل يمسكها ينظر إليها ودموعه تقطر عليها من جديد. "مجيتيش مع أخواتك ليه؟ أكيد بتكرهيني، عندك حق يا شمس، إذا كنت أنا كرهت نفسي." ثم قرب تلك الورقة التي لم تكن سوى نتيجتها التي تركها والدها في مكتبه. قربها يستنشقها وكأنه يستنشق رائحة يده التي كانت تمسكها للمرة الأخيرة. *** كانت ممددة تجاور والدتها على السرير تشاكسها ضاحكة.

"تعرفي يا ورد، أبويا كان عنده حق يسيب أهله ويحبك أنتِ، حلوة أوي." لتضربها على يدها بوهن وهي تقول: "يا بكاشة، ما انت صورة مني، وبعدين هو محبش الشكل بس، هو حب الشكل والروح." لتغمز لها شمس التي رفعت جسدها تجلس على السرير وتنظر لها. "أي ياعم حب حقيقي ده؟ لتضحك ورد وتجيبها: "أيوه يا ختي، حب حقيقي." "وبابا كمان ينحب، متنكريش يا ورد، أبويا وسيم وحنين ومفيش منه اتنين." تنهدت ورد بحسرة وشردت تصفه بهيام.

"حسين راجل بجد وزوج تحلم به أي ست، كان طيب وحنين، لاعمره زعلني ولا عمره سمعني كلمة وحشة." "كان بيحس بيا قبل ما أتكلم ويطبطب عليا قبل ما أطلب، كان أبويا واخويا وحبيبي وكل دنيتي." ثم فرت من عينها دمعة أزالتها شمس وهي تلومها. "طب بتعيطي ليه؟ "وحشني يا شمس، وحشني أوي." "بس كده، ثواني." لتضحك ورد وهي تجدها تزيح يدها وتنام على صدرها وتقول ضاحكة. "احضنيني أنا، أنا النائب بتاعه."

ضحكت ورد على فعلتها لتحتضنها وتمسح على شعرها بحنان. "ماما؟ "أيوه ياروح ماما." "تفتكري فيه رجالة زي بابا في الزمن دا؟ نفسي لما أحب أحب حد زي بابا." ابتسمت ورد تدعو لها. "أكيد فيه يا مشمش، يا رب يابنتي يرزقك بحد حنين زيه يحبك ويخاف عليك." "وحلو." "وحلو يا شمس." "ويحبني ويموت فيا، ومايشوفش ست غيري." "إن شاء الله ياحبيبتي، يحبك ويموت فيك." "وغنيلتلوي." ورد شفتها بسخط وتضربها على رأسها بخفة. "الفلوس مش كل حاجة يابنت ورد."

لتدعي شمس الإزعاج وتتذمر على حديثها. "ماتدعي يا ماما، هتيجي هنا وتقطعي. كملي يا ورد، كملي الدعوة." "وغني يا لمضة." "ماما؟ "أيوه ياحبيبتي." "حضنك حلو أوي، ربنا يحفظك ليا." "ويحفظك يا نور عيني." لتشعر شمس بضربات قلب والدتها تتسارع حتى أصبحت تسمعها تحت أذنها تقرع كقرع الطبول. فسمعتها تقول: "شمس." "أيوه يا وردتي؟ "أنا عارفه أن حالتي خطرة، متنكريش كده يادكتورة."

لتخرج شمس من أحضانها متكئة بكف يدها على السرير تنظر لها بدهشة. "ليه بتقولي كده يا ماما؟ أنتِ حالتك بتتحسن." "يا بنتي، أنا مش زعلانة، الموت علينا حق، وأبوكِ وحشني يا شمس." لتضع شمس يدها على فمها بسرعة تمنعها عن إكمال حديثها وتقول لها بعين دامعة. "أبوس أيدك، متقوليش الكلام دا، بلاش سيرة الموت. روحي فداكِ يا أمي." أزاحت ورد يدها وقالت لها. "شمس اسمعيني، قبل أخواتك ما يرجعوا، أنا مش خايفة من الموت قد ما خايفة عليكم."

"ماما، ارجوكِ، بلاش تكملي." "اسمعيني يابنتي وخليني أكمل كلامي، ندى وهدى الاثنين طيبين، أنتِ أقوى منهم يا بنتي، خلي بالك منهم، واوعي في يوم حد يفرقكم عن بعض." "ماما، أنتِ ليه محسساني أنك خايفة من حاجة؟ "خايفة عليكم من الناس وغدر الزمن يا شمس." عادت شمس إلى أحضانها تدفن نفسها فيها وتحتضنها بقوة، تأخذ نفسًا عميقًا تستنشق رائحتها. تخبرها وهي داخل أحضانها. "ماما، بلاش التفكير السلبي دا، انت هتخفي وهتفضلي سندنا."

ثم حاولت المزاح معها والتخفيف عنها. "بطلي يا ورد نكد، أنا عارفة حسين كان بيحبك إزاي وأنتِ نكدو كده؟ "اخرسي يابنت الجوهري." لتضحك شمس وتقول مشاكسة. "مدام قلتي بنت الجوهري، يبقى رضيتي عني يا ورد." لترفع يد والدتها وتضعها على رأسها وهي تطلب منها كي تنسيها. "العبي بشعري عشان أنام، زي زمان، عاوزة أنام في حضنك النهاردة قبل بناتك ما يرجعوا وينكدوا علينا."

امتثلت ورد لطلبها وبدأت تمسح على رأسها حتى غفت بالفعل بين أحضان والدتها. صوت إغلاق الباب جعلها تستيقظ وتسحب نفسها من بين أحضان والدتها الغافية لتتجه نحوهم. تستفسر عن سبب غيابهم. خرجت إلى الصالة ليتفاجئ بها الاثنان. لتقول لائمة: "كنتو فين وإزاي تسيبوا ماما لوحدها؟ نظرت إحداهما إلى الأخرى بارتباك وقالت ندى بتلعثم. "مفيش، كنا بنجيب طلبات للبيت." قالتها وهي ترفع أكياس الخضار أمامها لترد باستهجان. "انتو الاثنين؟

لتقول هدى بتردد وهي تتحاشى النظر إليها. "أيوه، اتقابلنا في الطريق، هو تحقيق يا شمس؟ "عن إذنكم، أنا عاوزة أنام." قالتها ندى متجهة لغرفتها لتتبعها هدى وهي تقول متحججة للابتعاد عن شمس. "أنا كمان عاوزة أنام." نظرت شمس لإثرهما باستغراب لترفع كتفها بلا مبالاة وتقول. "يووو، وأنا مالي." *** في اليوم التالي، عادت من المستشفى في وقت متأخر لتجد ندى تنتظرها وهي تضع أمامها كيسًا ورقيًا. "مساء الخير." "أهلا ياشمس، تعالي."

قالتها ندى وهي تشير لها بالاقتراب. اقتربت منها تجلس أمامها لتسألها. "خير ياندى؟ ابتلع ندى ريقها بتوتر وقالت. "أنا أخدت قرض من البنك واستلفت من عم نعيم، وقدرت ألم فلوس العملية." نظرت شمس إليها ثم حولت نظرها نحو النقود لتسألها بريبة. "أنتِ مش قلتي مينفعش تاخدي قرض؟ أمسكت ندى يدها تدعكها تخفي ارتباكها عن شقيقتها، لكنه ظهر بتبعثر الكلمات على لسانها.

"أصلي… أصلي… صاحبتي عمها بيشتغل في بنك، وقدرت أقنعه يتوسطلي آخد قرض وساعدني." ضيقت شمس عينها ونظرت لها بشك، تعلم أن هناك خطب ما. لكنها عاودت النظر نحو النقود لتطالعها للحظات، هي كارت نجاة والدتها. لتتنهد بفتور وتجيبها. "خلاص ياندى، من بكرة أدور على متبرع." لتنهض وتتركها متجهة نحو غرفتها، تاركة ندى غارقة في ضجيج أفكارها ومخاوفها التي تبتلعها نحو أسوء التخيلات وأسئلة تلتف حول رقبتها تخنقها كحبل مشنقة.

ترى ماذا يريد بدران الجوهري منهم. *** كانت تتوقع أن عثورها على متبرع بهذه السرعة سيجعلها سعيدة، فشهر من الانتظار لم تكن بالمدة الطويلة. لكنها كانت تحيطها هواجس الخوف والقلق، كانت تتعبها كثيرا. سحبتها نجوى خلفها نحو حديقة المستشفى لتجلس وتسألها بإنفعال. "ممكن أعرف مالك؟ بقالك أسبوع مش طبيعية." "خايفة." "طب ليه الأنسجة متتطابقش؟ والعملية مش جديدة؟

لترفع عينيها المثقلة بالهموم نحو نجوى، تطلق العنان لدموعها الحبيسة وهي تقول. "تعبانة يانجوى، تعبانة أوي، مش قادرة أبكي قدام أخواتي اللي بيبصولي كأني طوق النجاة بالنسبة لهم، ولا قادرة أواجه عين أمي وهي بتبصلي كأني المنقذة ليها. تعبت يانجوى، تعبت أمثل إني قوية وأنا بأنهار، قلبي موجوع ومش قادرة أشكي لحد، أول مرة أتمنى لو ما كنتش دكتورة." شعرت نجوى بالشفقة لتجلس بجانبها وتربت على يدها تواسيها.

"أهدى… يا شمس، أهدى ياحبيبتي… متعمليش في نفسك كده، خليكي قوية." "مش قادرة أتحمل، أنا من ساعة ما ماما تعبت وأنا بمثل إني قوية، بس أنا استنزفت طاقتي كلها، معدتش قادرة خلاص." لتحتضنها نجوى تحرك يدها على ظهرها علها تهدئ. *** تعجب علي من طلبه باقة من الزهور لحفل ميلاد زوجة صديقه، ليأخذه نحو محل هدى التي استقبلتهم بابتسامة باهتة وعقل مشوش.

وقف يطالعها بإعجاب، فرغم شحوبها وتلك الهالات التي ارتسم حول عينها، لكنها لا تزال جميلة، برائتها تكسبها مظهرًا جذابًا. "إزيك ياهدى؟ "أهلا ياعلي، ازيك؟ خفق قلبه لذكرها اسمه. هل اسمه جميل إلى هذه الدرجة أم صوتها زاده جمالًا؟ ظل يحدق بها حتى سمع حمحمة فارس. "احم… انتبه لتحديقه بها ليتحمحم هو الآخر بحرج قائلًا وهو يشير له. "احم… فارس ابن عمي ياهدى." نظرت هدى إليه وقالت مرحبة. "أهلا يا فارس." "أهلا ياهدى، إزيك."

"الحمد الله." "فارس محتاج بوكيه ورد ياهدى لعيد ميلاد." وأومأت له هدى وسألته. "عاوز ألوان محددة؟ رفع فارس كتفيه بحيرة وقال. "مش عارف، لو ممكن على ذوقك، صاحبة العيد ميلاد في سنك، أكيد هتفهمي ذوقها." هزت رأسها بتفهم وبدأت تصنع له الباقة. تتابعها عين علي بترقب حتى نكزه فارس ودنى يهمس في أذنه. "على فكرة، نظراتك مفضوحة." ليرد عليه علي بهمس أيضاً. "طب ياريت اتفضح وأعرف إني بحبه." ليربت فارس على كتفه ويقول ساخرًا.

"يا حبيبي يا برو، لا حول ولا قوة إلا بالله، حالتك متأخرة." نظر علي نحوه بانزعاج وقال. "ليك يوم يا فارس يا جوهري، تطب على بوزك وأضحك عليك." ليشير فارس بيده مرفرفًا ورافضًا كلامه. "بعد الشر عليا، سيبنا الحب ليك يا روميو." ثم دنى منه أكثر وهمس بخفوت. "بس تصدق، عندك حق، هادية مش شبه أخته." ليتنهد علي بعشق ويقول. "هادية وحلوة وطيبة وبحبه."

ليكتتم فارس ضحكاته وهو ينظر إلى هيئته وبالكاد استطاع السيطرة على ضحكاته وهو يجد هدى تمد يدها بباقة الورد له. *** عادوا إلى الصيدلية ولا زالوا يتحدثون ويضحكون حتى وجدوا تلك التي دخلت الصيدلية بخطوات بطيئة. وقالت بصوت متعب. "مساء الخير." تعجب الاثنان من وجودها ليقول علي بدهشة. "شمس، إزيك؟ "أهلا ياعلي." لكنه دهش أكثر عندما وجدها تدعك عينها وجبهتها وتطلب منه قائلة وهي تغمض عينها. "لو سمحت ياعلي، عاوزة مسكن." "مالك ياشمس؟

شكلك تعبان." "عندي صداع قوي." "ما يمكن ضغط؟ لتهز رأسها نافية وهي لا تزال مغمضة العينين، يدها تمسك مابين عينيها وتضغط عليها بقوة علها تخفف ألمها. استغل أنها مغمضة العينين وأطلق العنان لعينيه تجول على قسمات وجهها وتتفرس ملامحها. أجمل من شقيقته. لكن صوتها القوي حتى في وقت ألمها يخبرك أنك أمام فتاة مختلفة. أشاح بنظره عنها عندما وجدها تفتح عينها وتلتقط علبة الدواء من علي الذي قال. "مع إني أفضل تقيسي الضغط، شكلك تعبان."

لتهبره وهي تتفحص الدواء وتبتسم ابتسامة هادئة. "ماتخافش ياعلي، عمر الشقي بقى أنا بنت ورد ميتخافش عليا." كلمتها أكدت له أنها مختلفة. ليرمقها بنظرات إعجاب تزيد في كل مرة يقابلها فيه. لكنه حرك رأسه ينفض تلك الأفكار السخيفة، يطالعها كيف تستدير مغادرة المكان ليجد نفسه يقول. "أنا ممكن أوصلك لو تحبي." التفتت إليه بوجه محتقن تنظر إليه نظرة شاملة تستنكر عرضه. لينتبه علي الي امتعاض ملامحها فيقول بسرعة يتدارك الموقف مفسرًا لها.

"دا فارس ابن عمي ياشمس." حافظت على عبوس وجهها رغم أنها تذكرت الآن أنها رأته سابقًا مع طارق. لتقول باقتضاب. "أهلًا." سارت بضع خطوات لتتوقف عندما لمحت باقة الزهور. لتتنهد بيأس وتكمل طريقها نحو الخارج. رحلت تاركة فارس وعلي ينظر أحدهما للآخر بتعجب. *** وصل إلى ذلك الحفل الصاخب، فيلفت دخوله العديد من الحضور، فأناقته وحضوره يمنحانه جاذبية فريدة. ليتجه حازم نحوه ساحبًا يد زوجته خلفه ليستقبله. "اهلًا يا حازم."

أبتسم فارس عند رؤيته وقال وهو يناول زوجته باقة الزهور. "أهلا ياحازم، كل سنة وانت طيبة يامدام." "أهلًا فارس بيه، مرسي." ثم أشار حازم إلى أحد الاتجاهات ليجد أصدقاءه متجمعين هناك. "الشلة كلها هناك يافارس ومستنينك يابو س." تجه ينضم إلى أصدقائه في مكان جلوسهم. لم تكن أجواء الحفلة جديدة بالنسبة له، لكن ما أثار ريبته هو نظرات زوجة صديقه له، وكأن عينيها تترصده. كلما دارت عينه وجدها تطالعه بنظرات غريبة. ***

حملت الزهور التي أخذتها من هدى وقالب الحلوى المزينة ودخلت المنزل، لتركض نحوها ندى تسألها بقلق. "كنت فين؟ اتاخرتي ليه؟ لتجيبها شمس وهي تضع قالب على الطاولة. "كنت بجيب تورتة عيد ميلاد ماما." قطبت ندى حاجبيها وقالت. "بس عيد ميلاد ماما كمان عشر أيام! "في الوقت دا ماما هتكون عملت العملية وتعبانة، قلت نقدمه عشر أيام، مايجراش حاجة يا مس." "طب يلا يا اختي، خشي غيري هدومك عشان نتعشى." قالتها ندى مبتسمة وهي تدفعها نحو غرفتها.

كانت ممددة على سريرها كعادتها في الأونة الأخيرة، فقد أنهك جسدها المرض. لتجد الباب يفتح ويدخل الثلاثة يحملون قالب حلوى وعليه شموع مشتعلة وهم يغنون لها. ويصفقون ويقتربون منها لتضحك على فعلتهم. قربت ندى منها قالب الحلوى وقالت. "كل سنة وانت أحلى أم في الدنيا." لتتبعها هدى قائلة. "كل سنة وانت طيبة يا أحن أم في الدنيا." لتقترب شمس منها تقبل يدها وتقول. "كل سنة وانت سند لينا."

كانت توزع نظراتها بينهم بعيون دامعة ووجه تعلوه ابتسامة كبيرة فرحًا بصنيع فتياتها. "اطلبي أمنية يا ماما قبل ما تطفي الشمع." لتطفئ ورد الشموع وسط تصفيق فتياتها. "اتمنيتي إيه يا ماما؟ سؤال طرحته هدى. "اتمنيت أن ربنا يحفظكم ويسعدكم ويرزقكم بابن الحلال اللي يعوضكم عن حنان أبوكم." كملت لتفتح ورد ذراعيها وتقول. "تعالو يا بنات." لتقترب هدى وشمس ويرتمون في أحضانها، تتبعهم ندى بعد أن وضعت قالب الحلوى جانبًا.

"ربنا يحفظكم ويسعدكم ويرضى عنكم، أوعوا تتفرقوا، خليكوا إيد واحدة وافتكروا دايمًا أنكم بنات ورد اللي تعبت عشان تفضلوا إيد وحدة وتحبوا بعض." لم يستطع الفتيات السيطرة على دموعهن التي انسابت وهن يسمعن دعائها لهن، وخرجن من أحضانهن يقبلن يدها ورأسها بتناوب. ثم نظرت إحداهن للأخرى ليمسحن دموعهن ويبتسمن ويبدأن بالغناء والتصفيق، ثم قطعن قالب الحلوى وبدأن يتناولن الحلوى وسط مشاكسة هدى وشمس التي أضحكت والدتهن.

"ماما، انت بتحبي مين فينا أكتر؟ سؤال طرحته هدى عليها لتجيب شمس بالنيابة عنها. "أكيد أنا ياهدى." لتدعي الانزعاج وتضع يدها على خصرها وهي تهتف. "نعم، وليه مش أنا ياشمس هانم؟ لتضحك شمس بسخرية وتقول. "وهو فيه وسطاني بيتحب أكتر ياهبلة؟ أكيد الصغير هو اللي يتحب أكتر." ثم رفعت رأسها بشموخ مداعبة إياها. "وأنا الصغيرة." "وليه مش الكبيرة يامشمش؟ قالتها ندى وهي تجلس بجانب والدتها وترفع يدها تقبلها لتقول ورد.

"ربنا يرضى عنك ياحبيبتي." للتزم هدى وشمس شفتيهم مدعين الانزعاج لتقول شمس لهدى. "أنا منسحبة، أحنا قدام ندى ولا حاجة." لتهز هدى رأسها توافقها. "عندك حق يامشمش، ندى الغالية." لتقهقه ورد ضاحكة على تعابير وجهها وتقول. "يامجانين، في أم بتحب حد أكتر من حد؟ أنا بحبكم كلكم زي بعض." "وأحنا بنموت فيك يا ورد." قالتها هدى وشمس بصوت واحد قبل أن تحملا الأطباق وقالب الحلوى نحو الخارج. لتنهض ندى هي الأخرى مغادرة. "ندى؟ "نعم ياماما."

"أنت مخبية عني حاجة يابنتي؟ لترتبك ندى وتقول بتوتر. "لا أبداً يا ماما، هكون مخبية عليك أي يا ورد؟ "أمال عينك بتهرب مني ليه؟ كأنك مخبية حاجة، اتكلمي يابنتي…"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...