الفصل 13 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
18
كلمة
3,380
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

نفض يده عن ذراعها وعاد خطوة للوراء. ليعاود إمساك ذراعها وجذبها نحوه بعناد، وينظر لعينيها بتحدٍ وعبث. "وأن قلت لك أني موافق يكون غصب عنك." يميل عليها أكثر محاولاً أن يفعل ما يتوق لفعله، لكنه توقف قبل أن يصل لمبتغاه عندما ارتجف جسدها ولمح الدموع التي لمعت في عينها المنكسرة. وصورة من الماضي طرقت رأسه. أغمضت عينيها عندما شعرت بأنفاسه الساخنة تقترب من وجهها، لتنساب دموعها التي جاهدت على حبسها.

لتفتح عينيها فجأة والتقطت أنفاسها عندما ابتعد عنها. ثم نفض ذراعها وهتف بتحدٍ امتزج بالغضب: "أنا موافق أن جوازنا يكون صوري بس، مش عشان الفلوس والورث. لا، عشان مش أنا اللي ألمس ست غصب عنها." مسحت دموعها بيدها بقوة وعاودت ترسم الجمود، لتستدير محاولة المغادرة. لتسمع صوته يأمرها: "بس دا مش معناه أني أتنازل عن كوني جوزك وليا حق الطاعة والاحترام، وفيه واجبات عليك. سمعاني يا بنت الجوهري."

استمرت في تقدمها حتى وصلت إلى باب غرفتها دون أن تلتفت مرة أخرى أو تهتم لباقي حديثه. ليصرخ: "سمعتيني يا دكتورة؟ أومأت برأسها دون أي كلمة، ثم دخلت تغلق الباب خلفها. حل رباط عنقه بغضب ودخل الغرفة التي كانت من المفترض أن تجمعهما الليلة. خلع عنه سترته وألقاها على الأرض بعنف، ثم رمى بجسده على السرير ليزفر نفساً طويلاً. وصورة عينيها ترتسم أمامه. ليمُسك الوسادة ويرميها بقوة، ود لو يستطيع الصراخ حتى يخرج ثورة غضبه.

نهض بسرعة وأخذ مفتاح سيارته وخرج، صافعاً باب الشقة خلفه بقوة. صوت إغلاق الباب وصل إلى مسامعها، لتستلقي بفستانها على سريرها وتدفن رأسها في الوسادة. تصرخ صرخات مكتومة وتبكي منتحبة. هل هذه هي ليلة زفافها؟ جسدها لا يزال يرتعش من مواجهته وإحساسها بأنفاسه القريبة لا يزال يثير اشمئزازها. اعتدلت تكتم شهقاتها. هل هذا اليوم الذي كانت تحلم به؟ ما ذنبها لتتحطم أحلامها على عتبات الوفاء بالعهد، وتتجرع مرارة الذل والقسوة؟

ضمت قدميها إلى صدرها وتكوّرت على حالها، تغمض عينيها وتهرب من هذا الواقع بالنوم. *** وقفت هدى تطالع والدة علي وهي تملي عليه نصائحها وتعطيه توصيات كثيرة. ليصيبها التعجب من تعلقها الكبير به. ثم التفتت نحو عمها الذي كان يراقب تصرفات زوجته بانزعاج وتذمر. يناديها بين الحين والآخر لكن دون جدوى. وانتبهت إلى اندماج علي وطاعته لها كأنه طفل صغير، ينصت إلى ما تقوله باهتمام وهو يردد: "حاضر يا ماما." وقبل أن تغادر، وقفت

أمامها وقالت بنبرة أمر: "ابقي خلي بالك منه. أول مرة يبات بعيد عني." ليقول عمها ساخراً: "ابقي غطيه كويس يا هدى، واتأكدي أنه شرب اللبن قبل ما ينام." امتعض وجهها من كلامه، لكنه أكمل وهو يجذب يدها، يغمز لها مبتسماً. وسط ابتسامة علي وضحكة هدى الخجلة: "يلا يا صفاء، الواد مش هيبات في حضن حد غريب، هيبات في حضن مراته."

تورّدت وجنتها من كلمات عمها الأخيرة، وازدادت خجلاً وتوتراً عندما وجدته يغلق الباب ويقترب منها بنظرات يملؤها الحب والافتتان. وقف أمامها ليحيط وجهها بيديه ويطبع قبلة طويلة على جبهتها. "ألف مبروك يا حبيبتي." لتجيبه على استحياء: "الله يبارك فيك يا حبيبي." "هدى، حاسس أني بحلم. أنت بجد هنا؟ أنت بجد بقيتي نصيبي؟ ضحكت بخجل وهزت رأسها تؤكد له: "مش بتحلم يا حبيبي." "طب ممكن أتأكد؟ لم تفهم مقصده حتى وجدته يأخذها بين أحضانه،

يعانقها بقوة وهو يردد: "بحبك يا هدى." *** فتحت عينيها بكسل، لتجد نفسها في مكان مختلف. وقبل أن تفزع، استطاعت أن تستوعب أنها تزوجت البارحة. استدارت تتأمل وجه ذلك الغافي بجانبها، كم هو وسيم. لتخجل وهي تتذكر لحظاتهما معاً وتلك المشاعر الجميلة التي عاشتها بين يديه. وكيف كان حنوناً، أحاطها بالأمان الذي افتقدته منذ زمن بعيد. وتلك المشاعر التي خفق لها قلبها بسعادة، وكلامه الجميل الذي أشعرها بالطمأنينة.

جعلتها تبتسم وتمد يدها نحو خصلات شعره ترتبها وتتلمس ذقنه بأعجاب. حتى وجدته يتململ، لتغمض عينيها مدعية النوم. فتح عينيه وابتسم وهو يرى اهتزاز رموشها وحدقة عينيها التي تتحرك باضطراب أسفل جفونه. ليرفع جسده متكئًا بذراعه على وسادته. رفع يده يمسح على وجنتها بحنان، ثم مال نحوها يلثم جبينها ويقول: "صباح الخير يا ندى. فتحي عينك، أنا عارف أنك صاحية." غزت الدماء وجنتها خجلاً، وحافظت على عينيها مغلقة. ليقرص أنفها ويقهقه ضاحكاً:

"فتحي يا ندى، ما بتعرفيش تمثلي." لتفتح عينيها ببطء وتقول بخجل: "صباح الخير." ليميل مرة أخرى يقبل وجنتها ويقول: "صباح الخير يا عروسة." أسبلت عينيها باستحياء. ليرفع ذقنها فتواجه عيناه عينيها: "أيه يا ندى، أنت لسه مكسوفة مني؟ دا إحنا من النهارده بقينا واحد." أثلج قلبها وصفّق لتتسع ابتسامتها. لكنها لم تعلم بما تجيب، لتقول: "أعملك فطار تحب تفطر دلوقتي؟ لتتعالى ضحكاته، ثم غمز لها مشاكساً:

"حلوة طريقة الهروب دي. اعملي فطار يا ندى." *** أفاقت على يده وهي تعبث بشعرها. لتفتح عينيها وتنظر له، لتجده يحدق بها مبتسماً. هربت بعينيها خجلاً منه. ليقترب منها هامساً: "صباح العسل يا قمري." لتجيبه بخفوت: "صباح الخير يا حبيبي." داعب أنفها بأنامله قائلاً: "تعرفي أن ده أحلى صباح لي." لم تعقب على كلماته واكتفت بابتسامة. "أنت صاحي من بدري؟ داعب وجنتها بحب: "أنا مانمتش أصلاً، خفت أنام ويكون اللي عشته امبارح حلم."

ليسحبها نحو أحضانه، يضمها بقوة، يخبرها بهيام: "فضلت صاحي أتأمل جمالك وأحسد نفسي على السعادة اللي أنا فيها." *** استيقظ يدعك عينيه بقوة، يفتحها ثم يغلقها حتى اعتاد على الضوء. نظر إلى الساعة ليجد الوقت قد أصبح الثانية عشر ظهراً. تنهد بضيق، فبعد أن جاب الشوارع بلا هدف، عاد قرب الفجر لكي يستطيع النوم بعد ضجيج الأفكار المتعالي.

كاد أن يضرب موافقته عرض الحائط ويتجه نحو غرفتها يأخذها بين أحضانه وينام بسلام، أو يجبرها عنوة على ما يريده. هذا ما وسوس له الشيطان به، لكنه تراجع. فلقد أعطاها وعداً، وعليه تحمل قراره. نهض بضجر نحو الخارج، يخلل أصابعه في خصلات شعره ويعيد ترتيبها. ليجدها تقف في المطبخ تربط شعرها على هيئة كعكة غير منتظمة، لتتدلى منها بعض الخصلات المتمردة. أضافت لمظهرها عبثاً جميلاً. ثم ابتسم بعفوية وهو يجدها تدندن بعض الكلمات.

في بادئ الأمر، ظنها أغنية، لكن بعد قليل اكتشف أنها مصطلحات طبية تحاول حفظها. كانت تعد طعاماً ما، ومن رائحته علم أنه بيض مقلي. أقترب منها قائلاً: "مساء الخير." لتفزع وتلتف إليه بدهشة، ثم خطت بخطوات سريعة تبحث عن حجابها. لكنها توقفت فجأة عندما تذكرت أنه زوجها. كانت عينيه تتابعها بترقب. ليسحب أحد الكراسي ويجلس، ثم شعر بالغثيان عندما لمح ما يعرضه هاتفه. من فيديو مصور لإحدى عمليات القلب. عادت بخطوات بطيئة، التقطت هاتفها

ونظرت لانزعاجه بسخرية: "دي عملية كيوت على فكرة." ليردد كلماتها باستهجان: "كيوت؟! رمقته مستنكرة وعادت إلى ما كانت تصنعه. لتسمعه يقول: "أعملي حسابي معاكِ." "ليه؟ هو جدو الباشا مش هيبعت فطار لسمو الأمير يا جدع؟ دا أنا كنت عاملة حسابي أني هفطر فطار ملوكي." "ليه هو أنتِ عروسة وصباحيتك النهارده عشان تحتاجي فطار ملوكي؟ قالها وهو يغمز لها ويبتسم على احتقان وجهها. فيكمل هو: "وبعدين جدو يجيبلي فطار ليه؟

ما هو جوّزني خلاص، يبقى مراتي هي اللي مسؤولة عن فطاري." لتقترب منه، تسند كفيها على الطاولة وتميل باتجاهه: "بس مراتك مش خدامة يا فارس باشا." ليبتسم بسخرية ويقول وهو ينظر لعمق عينيها: "أكيد، دي مرات فارس الجوهري." ثم مال أكثر تجاهها وقال هامساً: "أعملي حسابي معاكِ يا مراتي." زفرت أنفاسها بضيق وهي تلتفت نحو الموقد تواصل عملها.

لتضع الأطباق أمامه بعنف، وتضع كوب الشاي أمامه وتسحب كرسي وتجلس تتناول طعامها دون أن تنظر إليه وكأنه غير موجود. "بس أنا بشرب قهوة مش شاي." تلتفت نحوه غاضبة وقالت بسخط: "مشيها شاي النهاردة، ومتطمحش بأكتر من البيض لأني معرفش أعمل غيره." قطب حاجبيه وهو يدس أول لقمة في فمه: "دا لو أنت فعلاً بتعرفي تعمليه." "نعم؟ قصدك إيه؟ قالتها بأنزعاج وهي ترمقه بنظرات غاضبة. "يعني استغفر الله، دا أي حاجة إلا بيض. لا ملح ولا فلفل." زفرت

أنفاسها بتأفف وقالت بملل: "مابحبش الملح كتير." ثم ارتشف قليلاً من الشاي ليخرج لسانه متذمراً بقرف: "والشاي ماسخ." "ما بحبش السكر كتير." "ما شاء الله، ذواقة." عادت تزفر أنفاسها متأففة وهي تغمغم: "اللهم طولك يا روح... أبقى أطلب دليفري مرة تانية، متدوشنيش معاك." ليحرك يده باستهزاء متذمراً: "شكلنا هنقضيها دليفري فعلاً." أشاحت نظرها عنه مستغفرة، لتتماسك نفسها وتسيطر على غضبها. ***

كان يتناول طعامه مستمتعاً، يشيد بطعمه اللذيذ. "تسلم أيدك يا ندى، طعمه يجنن." ابتسمت على إطرائه وقالت: "بالهنا والشفا إن شاء الله." "تسلمي يا قمري." دس لقمة أخرى في فمه وبدأ في مضغها عندما انتبه لشرودها. ليسألها مستفسراً: "مالك يا ندى؟ سرحانة في أي؟ تنهدت بحزن وقالت: "بفكر بشمس، أصلي قلقانة عليها." نظر لها نظرة جانبية وقال: "وتقلقي ليه؟ هي مع جوزها فارس، مش هياكلها يعني." كانت كلماته الأخيرة تحمل استنكاراً شعرت به،

لتقول موضحة: "أنا مش قصدي فارس." ليقطب حاجبيه بحيرة ويسألها: "أمال تقصدي أيه؟ "أنت متعرفش شمس يا طارق، شمس مش من النوع اللي بيرضخ بسهولة." "برضه مش فاهم؟ زفرت أنفاسها بقلق: "ولا أنا عارفة، كل اللي أعرفه شمس مش هتسكت، ولو سكتت يبقى هي في دماغها حاجة." "بس فارس كمان مش هينـ" تنظر له باضطراب: "ماهو دا اللي أنا خايفة منه، خايفة يحصل تصادم بينهم." دس شوكته في طبق البيض، يقطع قطعة ويقربها من فمها:

"كُلي يا ندى، أنتِ ومتشليش هم. كمان شوية هاخدك تطمني عليها." فتحت فمها تلتقط الطعام على استحياء، وهي تبتسم بامتنان: "متشكرة يا طارق، أنت متعرفش شمس بنسبالي إيه، دي بنتي مش بس أختي." *** كانت تجلس في غرفتها تدون بعض المعلومات في دفتر ملاحظاتها. لتسمعه ينادي عليها: "شمس... شمس." امتعض وجهها وقالت بانزعاج: "عاوز إيه من شمس يا رخـم؟ طبعاً ما هي الخدامة اللي جدو اشتراها." كلت.

لنهض مندفعة نحو الخارج بغضب، لتتسمر مكانها وهي تجد ندى تقف أمامها بعيون متوسلة. "وحشتيني يا مشمش." لا تعلم لماذا كانت تحتاج لحضن ندى في هذه اللحظة، كأنها تود أن تجد حضناً تبكي بداخله وتخرج تلك الهموم التي تجثو فوق صدرها. فتحت ندى لها ذراعها وهي تقول: "تعالي يا مشمش." ركضت نحوه، ترمي بين أحضانها وندى تردد: "سامحيني... سامحيني يا مشمش."

ظلت تبكي في أحضان ندى التي أخذت تمرر يدها على ظهرها تهدئها تحت أنظار فارس الذي شعر بالحزن، فهو يعلم أن زواجه منها هو سبب بكائها. "سامحيني يا روح أختك، وحشتيني يا مشمش، أنا كنت بموت وأنت بعيدة عني." "بعد الشر عليكِ يا دندن، روحي فداكِ." أخرجتها من أحضانها، تمسك وجهها بين يديها وتمسح دموعها بإبهامها، تسألها بقلق: "أنتِ كويسة يا مشمش؟ هزت رأسها. "أيوة الحمد لله." ثم انتبهت لشيء لتسألها: "هو دكتور طارق فين؟

"هو وصلني هنا وراح يجيب عشا، بيقول فارس بيحب المشاوي." التقطت عينيها بعين فارس الذي تمتم: "حبيبي يا أخويا، حاسس بأخوه." لتشيح عينيها عنه بحنق، تلتقط حجابها وترتديه. ليسمعوا جرس الباب يقرع. اتجه فارس ليفتحه ليجد علي وهدى. ليقترب علي منه يعانقه، ثم همس بأذنه: "سبع ولا ضبع؟ "بومة يا بومة." ليقهقه علي ضاحكاً. "كنت متوقع." لكزه فارس على كتفه ويقول: "اتلم يالا." "أهلاً يا هدى." قالها فارس مرحباً بها. "أهلاً يا فارس."

لتشهق بدهشة وهي ترى ندى وتركض مرتمية بأحضانها: "أنتِ هنا؟ وأنا عمالة أتصل عليكِ." ثم خرجت من أحضانها لترتمي في أحضان شمس التي بادلتها العناق بشوق، وكأنهم افترقوا منذ مدة طويلة. "هو أي جو الدراما اللي إحنا فيه؟ همس بها فارس لعلي الذي التفت له يكتم ضحكاته، وهو يقول مستهزئاً وهو يلاعب حاجبيه: "اسكت يا بومة." لينظر له محتقناً ويلكمه عدة لكمات، صاح منها علي متأوهاً مع ضحكاته المستمرة بشدة.

ليقطع وصلة ضحكهم حضور طارق، الذي اتجهت نحوه ندى بسرعة تحمل منه ما أحضر. ليقترب هو من شقيقه يحتضنه بحب، ثم اتجهت أنظاره نحو شمس: "إزيك يا شمس؟ "الحمد لله." "إزيك يا هدى؟ "الحمد لله." جلسوا حول المائدة يتناولون طعامهم. ليسألها طارق: "إزي الوضع في المستشفى؟ "الحمد لله، دكتور معتصم متعاون وبيحب يعلمنا، مش بيبخل علينا بمعلومة."

"أيوه صح، معتصم دكتور شاطر، بس خلي بالك أنتِ من الشهر اللي جاي معايا، وأنا مابحبش الواسطة. يعني أنا مش هتساهل معاكِ عشان أنتِ مرات أخويا." ابتلعت ما كانت تمضغه بصعوبة، والكلمة تتردد بذهنها لتبتسم ابتسامة شاحبة. أما هو، فرغم ادعائه انشغاله بالطعام، لكنه شعر بالضيق من تجاذبها الحديث مع طارق، ثم ضحكها مع علي الذي استهزء بدلعها (مشمش) "يعني أنت مشمش عشان هدى تفاح؟ "ماشي يا علي، يعني بتضحك عليا."

"معلش يا شمس، بس مشمش دلع لناس كيوت وصغيرة، لكن إنتِ... تدعي الانزعاج: "شايفة ياهدى؟ جوزك." "خلاص يا علي." "صحيح، أنا وعلي حجزنا كم يوم في شرم الشيخ، تيجوا معانا يا فارس؟ "معلش، أنا عندي بحث ومناقشة، مش هقدر أسافر الأيام دي." قالتها بسرعة قبل أن يسبقها هو في إعطاء رأيه، ليضغط على الملعقة التي يحملها بغضب. لقد ألغت شخصيته وحجبت رأيه، وكأن لا وجود له. "أنا كمان عندي رحلة لتركيا كمان كم يوم عشان أحجز بضاعة."

"خسارة، كنا رحنا سوى." قالتها هدى بحزن، لتجيبها شمس: "معلش، خيرها في غيرها إن شاء الله." دارت عيناها لتلتقط علي وهو يطعم هدى ويتبادلان الابتسامة بحب. ثم لمحت ندى وهي تدنو من طارق تهمس في أذنه بين الحين والآخر فيبتسم. ثم التفتت نحو فارس الذي كان منشغلًا بهاتفه. ليعصرها قلبها وشعور بالكسرة بات يستوطنه. *** رحلت شقيقاتها منذ يومين ولم يتصلا بها. يبدو أن سعادتهم أنستهم وجودها.

كما سافر هو اليوم بعد أن أرسل لها رسالة أنه راحل اليوم ولا يعلم متى يعود. أمسكت الهاتف تحاول الاتصال بشقيقاتها، لتجيبها هدى: "ألو؟ مشمش، إزيك؟ وحشتينا؟ "ياسلام يا ست هدى، دا على أساس إنكم افتكرتوني." "معلش يا مشمش، انشغلنا عنك." "ولا يهمك حبيبتي. أمال ندى فين؟ "راحت تتمشى مع طارق على الشط." "حلوة شرم يا هدى؟ "تجنن يا مشمش، أنا فرحانة فرحانة أوي، يا ريتك كنت معانا." ثم استرسلت:

"دا حتى ندى فرحانة، الظاهر أنها ابتدت تحب طارق." "ربنا يسعدكم يا حبيبتي." "عقبالك يا... ابتلعت هدى باقي كلماتها عندما شعرت بانزعاجها. "مع السلامة يا هدى، ابقي سلميلي على ندى." أغلقت الهاتف وشعور الحسرة يتملك منها، رغم أنها تتمنى السعادة لشقيقاتها، لكن هناك غصة مرة داخلها. *** جلس بجانبها يضمها إليه ويسألها بقلق بعد أن لاحظ شرودها: "مالك يا هدى؟

"زعلانة على شمس، كانت دايماً بتحلم بقصة الحب الكبيرة، دلوقتي بتتجوز غصب عنها." زاد من ضمها إليه وقال وهو يقبل رأسها مطمئناً: "فارس مش وحش يا هدى، وبكرة شمس تحبه وتقبله." نظرت إليه هدى، ثم تنهدت بأمل أن ما يخبره به يصبح حقيقة. *** عادت من المستشفى بجسد منهك، بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها. كانت الشقة تسبح بالظلام. إذن هو لم يعد حتى الآن. أسبوعين مرا على زواجهم، كانت تتجنب فيهم حتى لقاءه.

وإذا حدث والتقت معه، فحديثهم يشوبه التحدي، كأنهم في صراع من سوف ينتصر على الآخر. رغم أن الوقت كان متأخر، لكنها أحست بالجوع. فتعمدها البقاء في المستشفى. بات يتعبها، ربما كانت تلك الطريقة الوحيدة للهروب والنسيان من واقعها المرير. صنعت لنفسها كأساً من الشاي، وأحضرت قطع من البسكوت تغمسها فيه. لتبتسم وهي تتذكر هدى التي كانت تسخر منها دوماً كونها لا تزال تتناول البسكوت كالأطفال.

أخذت تقضم قطع البسكوت المبللة واحدة تلو الأخرى بنهم. لتندمج مع تصفحها لهاتفها ورسائل شقيقاتها. يخبرونها بعودتهم إلى القاهرة. انتبهت على انخفاض شحن الهاتف، لتذهب إلى غرفتها باحثة عن شاحنها. وضعت الهاتف على الشاحن، وعادت إلى المطبخ تندمج مع الشاي والبسكوت، سارحة بخيالها في ما سيحدث في الأيام القادمة. حتى انتبهت إلى نفاذ قطع البسكوت. لتحمل كأس الشاي تغسله وتعود إلى غرفتها.

وفي طريقها إلى الغرفة، تفاجأت بباب الشقة يفتح ويدخل هو. أصابها الذهول من مظهره، فقد كانت عيناه حمراء، يترنح في مشيته، والكلمات ثقيلة على لسانه. لمحها تقف أمامه ليقول بكلمات متقطعة: "إيه دا؟ هي الدكتورة هنا؟ اتسعت عيناها بفزع وهي تجده يتقدم نحوها يضحك بصوت غريب وعينه تنظر لها نظرات أرعبتها. لتركض نحو غرفته. تبعها هو بخطى متعثرة، وقبل أن يصل إليها، دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بسرعة، ثم أحكمت غلقه بالمفتاح.

لتجده يطرق الباب عليها طرقات متفرقة وعنيفة، وهو ينادي عليها: "افتحي يا شمس... افتحي يا مشمش." ارتعش جسدها بخوف وتسارعت أنفاسها. بهلعت. هرولت نحو هاتفها تلتقطه بيد مرتعشة، تبحث بارتباك حتى استطاعت أن تجد من تبحث عنه. ضغطت زر الاتصال، وهي تردد متوسلة: "رد... رد أرجوك رد." قطع الاتصال دون إجابة. زاد ارتعاش جسدها مع ازدياد عنف طرقات وصراخه باسمه. لتعاود الاتصال مرة أخرى حتى أتتها الإجابة. لتقول بسرعة: "ألحقني يا علي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...