الفصل 23 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
17
كلمة
4,184
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

لم تستطع عيونه النوم وقلبه يشتاق لها. عينه تطالع مكانها الفارغ بحزن، حتى وسادتها وعطرها لم يستطيعا مواساته. نهض من فراشه بعد أن لاح شعاع الشمس بخجل خلف زجاج النوافذ. استقام واقفاً ليتجه نحو الحمام، لكنه اصطدم بصورته المنعكسة خلف المرآة. وجهه الشاحب وعيونه ذابلة، تصطبغ بلون الأحمر من عدم النوم. أحس أنها لم تبعد ليلة بل دهر من الزمن. أقترب من المرآة يتلمس وجهه بعتاب ويحاور قلبه بحرقة:

"يوم واحد يا علي بعيدة عنك كبرتك مية سنة. ليلة وحدة حسيت فيها أنك ضايع." رأسه بندم وخرجت الكلمات منه بحسرة: "جايز عندها حق يا علي، أنت ما أنصفتهاش وخذلتها." ثم رفع عينه يواجه نفسه بالحقيقة: "بس دي أمي، مش هقدر أزعله." تنهد بألم وكأن جبال من الهموم قد أثقلت كاهله. اتجه نحو الحمام يأخذ حمام دافئ، عله تلك المياه المنسابة تزيل معها حزنه.

خرج من غرفته متجهاً نحو باب شقته، لكنه وقف ينظر إلى باب تلك الغرفة التي هربت منه إليها واتخذتها ملجأ لها، تخفي فيها حزنها وتخرج ألمها. كاد أن يتجاوزه ويخطو مغادراً، لكن قلبه كبله ومنعه من التقدم، ليسوقه نحوها. وقف أمام الباب وأدار المقبض بهدوء ودخل. مقترباً منها ليعتصره قلبه على هيئتها، عينها المتورمة من شدة البكاء ووجهها الباهت.

وقف يطالعها مده من الزمن يطفئ شوقه إليها، ثم انحنى يقبل عينها المنتفخة كأنه يعتذر منها. ليبتعد ويغادر، يغلق الباب خلفه بهدوء، لتنساب دموعها بقهر بعد أن تأكدت من مغادرته. *** فتح عينه بأنزعاج بعد أن تكرر رنين هاتفه عدة مرات. ليدعك عينه ويمد يده يلتقط هاتفه. تعجب عندما رأى اسم علي على الشاشة، ليجيب بسرعة: "ألو." "أيوة يا فارس، البس وأنزل أنا مستنيك تحت." ضم حاجبه بتعجب ليسأله: "تحت فين؟ هي الساعة كام؟

قالها وهو يدعك عينه ويرفع الهاتف أمام عينه ليقول متعجباً: "الساعة سبعة، علي أنت فيك حاجة؟ "يووو يافارس ألبس يا بني من غير كتر كلام، يلا أنا مستنيك." وقبل أن يعترض وجده يغلق الهاتف. نظر نحو شاشه الهاتف بحيرة: "مالو دا؟ كانت تقف في المطبخ تعد فطوراً لها، لتصيبها الدهشة عندما وجدته يخرج من غرفته ويرتدي سترته على عجالة. لمحها تقف عند باب المطبخ واقتربت منه تسأله: "صباح الخير." ليجيبها مبتسماً وهو يغلق أزرار أكمام قميصه:

"صباح الورد والفل والياسمين على عيون حبيبتي." أربكتها كلماته حتى أنستها سؤالها، لكنها استطاعت أن تلملم شتاتها وحركت عينها يمينًا ويسارًا تحاول أن تتذكر، حتى رأته يتأكد من وجود هاتفه في جيبه ويرتدي ساعته الالكترونية الملحقة به: "أنت رايح فين على الصبح كده؟ لم يشأ إخبارها بشيء حتى يفهم ما يحصل: "أبداً، علي عازمني على الفطار." رددت اسمه بدهشة: "علي." نغزها قلبها لتسأله بقلق: "ليه هي هدى فيها حاجة؟

أصل مش عوايدها تسيبه يفطر بره." "لا دي حاجة متعودين عليها أنا وعلي، تهفه نفسه يأكل حاجات غريبه، يقوم عازمني معاه. تلاقي عاجبه يأكل فول وطعمه من وسط البلد، حاكم علي يعشق الأماكن دي." رغم عدم اقتناعها بحديثه، لكنها أومأت رأسها توافقه، ليقرص وجنتها يشاكسها قائلاً: "سلام يا قمر، خلي بالك من نفسك يا شمسي."

تركها تنظر لآثره بعد أن ألقى كلماته وغادر بسرعة، وكلماته الغزل التي صار يغدقها بها تزلزل صمودها وتبعثر ثباتها المزعوم، لتجد نفسها تحرك رأسها بقله حيلة وتبتسم مرددة: "مجنون." *** في إحدى الكافيهات المطلة على النيل، جلس أمامه ينظر له بدهشة وهو يقص عليه ما حصل بأعين فاض منها الحزن وصوت غلفه الندم، رغم أنكاره واعتبار ما فعله هو مجرد دفاع عن والدته وحفاظ على رضاها.

"أنت غلطان يا علي، وردة فعلك فيها مبالغة، كان ممكن تلم الموضوع وترضي الاثنين." زفر أنفاسه بيأس ونظر نحو فارس بتيه: "مش عارف يافارس، أنا محستش بنفسي لما لقيتها علت صوتها عليا." طالعه بأسى: "متزعلش مني يا علي، طنط صفاء زودتها معاها وهي استحملت كتير، طبيعي تنفجر." حرك رأسه بقلة حيلة وقال بصوت متعب: "ما أنت عارف ماما يا فارس، وأنا ياما فهمت هدى طبعها وطلبت منها تستحملها عشاني."

"بس كل إنسان وله طاقة، وبعدين هي مش مجبرة تستحمل حتى لو كان عشانك." قلت كلماته بقهر تحمل معها ألمه: "بس هي عارفه أني بحبها." "الحب ساعات ميكونش كافي ياعلي، هدى فقدت الأمان، هي كانت محتاجة تحس أنك سند ليها." هز رأسه برفض: "مش هقدر يافارس، دي أمي، وأنت عارف أمي أي بألنسبة لي." ربت فارس على يده الموضوعة على الطاولة يواسيه: "طول بالك ياعلي، هتتحل إن شاء الله، أديها وقت تهدى وحاول أنك تتكلم معها وتشرح لها وجهه نظرك."

أومئ له بحسرة، ليحاول فارس التخفيف عنه مشاكساً إياه: "أي مش ناوي تفطريني، وألا هتقضيها كلام عشان تنسيني العزومة؟ رسم علي شبح ابتسامة اغتصبها من رحم حزنه وسط أهاته المكتومة. *** أغلقت الهاتف مع دعاء بعد أن طلبت منها الإذن لعدم حضورها اليوم إلى المدرسة لمرضها. لكن وسط إلحاح دعاء سردت لها هدى ما حصل، لتشجعها دعاء على ما فعلت وأن تستمر في خصامها مع علي كي يعرف خطأه.

أراحت ظهرها على ضهر السرير، أغمضت عينها بوهن، قلبها أنهكه الألم ورأسها ملأتها الأفكار المتصارعة. أثارت داخها عواصف الهموم التي أثقلت روحها. فتحت عينها بدهشة عندما سمعت الطرق على الباب. اتجهت نحو الباب وفتحتته متوجسة، لتقف مصدومة وهي تجد عمها يقف أمامها مبتسماً: "صباح الخير." "صباح الخير يا عمي." قالتها هدى بقلق وارتباك: "ممكن أتكلم معاكِ يابنتي." "أيوه يا عمي أكيد اتفضل."

قالتها وهي تزيح جسدها عن الباب وتشير له بالدخول. دخل حسن وجلس على الأريكة يشير لها بالجلوس: "تعالي ياهدى اقعدي." تقدمت بتردد وجلست بالقرب منه على استحياء: "ازيك ياهدى؟ "الحمد الله يا عمي." تتم حسن ساخراً: "مش باين يابنتي، شكلك بيقول أنك تعبانة." طأطأت رأسها بحرج ولم تعقب: "أنت اتخانقتي أنتِ و علي؟ رفعت هدى عينها نحوه ببطء لتخبره عينها بالإجابة دون أن تنطق كلمة. حرك حسن رأسه بحزن وقال:

"بصي يابنتي، أنت لما اتجوزتي قلتلك أنك من النهاردة بنتي وأن هدافع عنك وأكون سند ليكِ، وأنا لسة عند وعدي ياهدى. أنا عارف ان صفاء اذتك بالكلام صح، أنا مش عارف أي الي حصل بينكم، لكن أنا عارف مراتك. بس صدقيني يابنتي صفاء مش وحشة، بس صفاء عندها علي شيء مقدس في حياتها بتحبه وبتغير عليه أوي، ويمكن حب وغيرة جنونية. تصوري دي بتغير عليه مني، فما بالك بواحدة بتشاركها فيه. ومش بس كدة، هي متأكدة أنه بيحبها."

"بس أنا مش بلوم عليها، أنا ألي قاهرني علي خذلني ومأنصفنيش وداس على كرامتي كأني مليش اعتبار عنده." قالت كلماتها تقاطعه وتختنق حروفها قبل أن تخرج من جوفها بحرقة. لمسها حسن ليقول محاولاً الدفاع عن ولده: "يابنتي علي بيحبك، صدقيني، أنا عارف انه ضعيف قدام مامته، بس هو بيحبك بجد." نظرت له هدى بضياع وخرجت كلماتها بكسرة: "وأي فايدة الحب من غير أمان وكرامة؟ اخفض عينه وهو يعلم صدق حديثها، لكنه قرر أن يحاول أستمالتها من جديد:

"عندك حق يابنتي، بس مش عشان علي أبني، بس عشان أنتِ غاليه عندي، متسبيش المشاكل تهدم بيتك، ومتسمحش لحد يدخلك مملكتك ويستعمرها ويكون المتصرف فيها. أنا معاكِ أن علي يستاهل أنك تعاتبيه وتعاقبيه، لكن متخليش الجفاء يطول بينكم، ولاتسمحي أن أول مشكلة تهد الحب الي بينكم." ظلت تنظر له ولاتعلم بماذا تجيبه، لكنه نهض مقترباً منها وانحنى يقبل رأسها يخبرها مطمئناً:

"مهما حصل ومهما كان قرارك، هفضل جنبك وفي ضهرك، حتى لو أضطريت أني أقف في وش علي نفسه." نظرت له بأمتنان وانسابت دموعها تعبر عن مشاعر أعادتها للماضي، كان والدها عاد من جديد. جلس بجانبها وضمها إليه بحب: "متعيطيش يا غاليه... دموعك غاليه يابنت الغالي." وبعد فتره من الزمن تركها عمها وغادر وهو يدعو لها ولولده بصلاح الحال. لتسمع رنين هاتفها. التقطته لتجد شمس المتصلة. جلت حنجرتها وسعلت عدة مرات ثم تحمحمت تجيبها

تخفي آثار البكاء عن صوتها: "ألو." "ألو هدهد حبيبتي، أزيك عاملة أي؟ "أهلا يامشمش، أزيك ياحبيبتي." "الحمد الله، انت أزيك، أي الكسل دا، إزاي تخرجي جوزك من غير فطار يابتاعة الحب والروايات." ابتلعت ريقها بخوف وتلعثمت كلماتها: "اه... صح، أعمل أي، أصل ماسمعتش المنبه وعلي ما صحانيش." "أيوه ياعم، أهو الحب بهدلة، خليتي الرجل يفطر بره عشان خايف يصحيكي." ابتلعت غصة مرة وكلمات شمس تزيد جرحها نزيفاً، لتستطرد تسأله:

"وانتِ عرفتي ازاي؟ "أصله أتصل على فارس وعزموه على الفطار." "قصدك رحمو، لأنك أكيد مش بتعمليله فطار، عرفاكِ." قالتها هدى تمازحها. "بنت أحنا ماشيين بمبدأ أعتمد على نفسي." لتضحك هدى رغم حزنها وتستمر بوصلة مزاحها: "ربنا يعينك يا أبن عمي." "هدى اتلمي." قالتها شمس بأنزعاج مصطنع، قبل أن تفاجئها: "هدى حبيبتي، أنتِ كويسه؟ صوتك تعبان." أغمضت عينها وتنهدت بهمس قبل أن تجيبها: "لا ياحبيبتي، بس أنا لسة صاحية من النوم."

"طب الحمد الله ياحبيبتي، هسيبك أنا، خلي بالك من نفسك، مع السلامة." "مع السلامة يا مشمش." أغلقت الهاتف والأفكار تحاصرها بعنف، وضجيج تلك الأصوات تحيط بها مابين داعم وناصح، وقلبها يسحبها نحوه وعقلها يبعدها عنه في صراع أرهقها، حتى وجدت نفسها تهرب من كل هذا وهي تستلقي وتغط في نوم عميق. ***

تفاجئت به يتصل بها يخبرها أنه سوف يأتي لاخذها من المدرسة. وقفت أمام باب المدرسة تنتظره بترقب، حتى وجدت سيارته تقف أمام الباب ويشير لها مبتسماً. فتحت الباب وركبت بجانبه تنظر له بقلق: "طارق، فيه حاجة أخواتي جرالهم حاجة؟ ليضحك على هيئتها يلوم نفسه حتى أبسط الأشياء التي يفعلها صارت تصيبها بالدهشة: "مالك ياندى خايفة كده ليه؟ صمتت تطالعه، ليقول ضاحكاً:

"متخافيش ياسيتي، لقيت نفسي فاضي قلت آجي آخذك نتغدى بمطعم، اهو نغير جو ونخرج من ضغط الشغل." رسمت ابتسامة هادئه وعينها معلقة به تحاول استيعاب مايقوله: "تحبي تتغدي فين؟ عادت تطالع الطريق وتخبره: "الي يعجبك."

اختار المكان الذي اقترحه عليه أحد أصدقائه مادحاً جودة طعامهم. جلس أمامها، لكنها كانت تشعر بريبة من هذه الدعوة وتراقبه تنتظر ان يفصح عن سببها. ورغم ابتسامتها الزائفة التي كانت ترسمها، لكنه أحس بتوترها. أمسك يدها يضغط عليها محاولاً طمأنتها، لكنها نظرت لعينه وسألته: "فيه أي ياطارق؟ حاسه فيه حاجة." هرب بعينه عن مرمى عينها واخبرها بصوت مرتبك: "الرقم طلع مش مسجل."

بهتت ملامحها وارتسم الخوف على وجهها، ليشدد من ضغطه على يدها يحاول ان يمنحها ولو قليلاً من الأمان: "ندى ماتخافيش، إن شاء الله هنقدر نوصلة، أنا بقول نغير خطك." رمشت عينها تحاول أن تخرج من دوامة الأفكار السيئة التي ابتلعتها، لتخبره بصوت مرتجف: "مفيش داعي نغير الخط، مش هيغير أن فيه حد بيراقبني." رغم ارتجاف قلبه بقلق، لكنه ظل يحاول أن يخفف من خوفها ويطمئنها أنه بجانبها. ***

عاد إلى المنزل في وقت متأخر ودخل ليجده يغصون في الهدوء سوى من صوت دندنه قادمة من الغرفة التي اتخذتها سجن لها. اقترب يضع أذنه على الباب يحاول أن يسمع ماتفعله، لتتضح لديه الصورة عندما سمع ترتيلها للقرآن. أمسك مقبض الباب يحاول فتحه، لكنه توقف في اللحظات الأخيرة يترك لها المجال كي تهدأ. اتجه نحو المطبخ ليجدها أعدت له العشاء ووضعته على المائدة. لياخذ الطعام ويسخنه، ثم يعود به نحو الطاولة.

"أمسك الشوكة يدسها في الطعام ثم وضعها في فمه وبدأ في مضغها ليجد طعمها مراً كالعلقم. بالكاد استطاع ابتلاعها، وكأن كل شيء بدونها أصبح بلا طعم. نظر نحو مكانها الخالي بحزن، ليترك الطعام وينهض هارباً نحو غرفته عله يجد في النوم ملجأ له." *** ثلاثة أيام منذ سفره، فقد أخبرها أن عليه استلام بضاعته المقرر وصولها إلى بور سعيد منذ يومين.

عادت إلى الشقة في وقت متأخر، جسدها متعب. جلست على أول مقعد يواجهها ترمي بثقل جسدها عليه. تنهدت بوهن وأخرجت هاتفها من الحقيبة. ابتسمت بعفوية عندما وجدت خمسة رسائل منه، كانه ساعة منه يرسل لها في كل ساعة رسالة. فتحت الرسائل لتضحك على محتواها الذي كان مابين الغزل والمزاح. تارة يشاكسها وتارة يغازلها، يخبرها أنه يعيش فترة الخطوبة التي حرم منها قبل زفافهم. "مجنون."

رددتها مبتسمة قبل أن تنهض تأخذ حماماً دافئ تنعش جسدها لتتناول طعاماً فقد أنهكها الجوع. اتجهت نحو المطبخ بعد أن أنهت حمامها ومشطت شعرها تربطه بهيئة ذيل حصان، لتمر بطريقها من أمام باب غرفته. نظرت نحو الباب نظرة مطولة وشيء ما داخلها يخبرها أنه يشتاق إليه. ربما تعودت على وجودها معه، واعتادت على الحديث والنقاش معه الذي أطفى على حياتها شيء مميز.

عادت تستكمل خطواتها نحو المطبخ تعد كوباً من الشاي وتقلي البيض، لتنظر إلى عبوة الملح ضاحكة وهي تتذكر تذمره من قلة استخدامها للملح. ضحكت وهي تزيد نسبة الملح التي تضعها عليه، تذر حباته فوق البيض، وهي تمتم مستنكرة: "طب والله يجنن، بس هو الي معندوش ذوق."

أطفأت الموقد ووضعت الأطباق على الطاولة وكادت أن تجلس، لكنها سمعت صوت المفتاح يدور في باب المنزل، لتتجه نحوه بقلق زال واستبدلت مكانه ابتسامة واسعة عندما وجدته يدخل من الباب يحمل كيساً كبيراً وتزين وجهه ابتسامته المعتادة. ظلت واقفة في مكانها من دون حراك حتى وجدته يصرخ عندما رآها: "شمسي، وحشتيني." ولم يكتف بذلك بل ركض نحوها يعانقها، تجمد جسدها عندما باغتها بضمها يشدد من عناقها: "وحشتيني... وحشتيني أوي ياحبيبتي."

أربكتها فعلته لتتلعثم وهي تقول مبتعدة عنه: "الحمد الله على السلامة." اتسعت ابتسامته يجيبها: "الله يسلمك." عاتبته بضيق: "خضتني، مقولتش أنك هترجع النهاردة." غمز لها وهو يحمل الكيس الكبير ويقترب منها يضعه أمامها: "كنت عاوزة أعملك مفاجأة... اتفضلي." قالها وهو يمد يده لها بالكيس الكبير وهو يشير نحوه. ضمت حاجبيها بحيرة وهي تسأله: "أي دا؟ "هديتك ياقمر."

التقطت من الكيس تفتحه بفضول، لتجد دمية دب كبيراً من الفرو يحمل اللون الأبيض يتوسطه قلب أحمر كتب عليه "أحبك". ابتسمت بفرح تحتضن الدب كأنها طفلة صغيرة وتميل بجسدها يمينًا ويسارًا تغمض عينها وهي تستنشق رائحة الفراولة التي يحملها: "الله يجنن يا فارس، متشكرة أوي." خفق قلبه لهيئتها وسعادتها، ليقترب منها أكثر حتى لم يعد يفصل بينهم سوى تلك الدمية، ليقول لها وهو يمسك يد الدمية: "مش همه المخطوبين بيجيبوا دبابين."

ثم عاد يغمز لها: "بس هو حلاوته مش بشكله بس، لكن بكلامه كمان." لم تفهم مقصده حتى وجدته يضغط على زر في يد الدمية ليصدح صوته المسجل عليها وهو يقول: "بحبك ياشمس، بحبك أوي ياشمس." عادت خطوة إلى الوراء بعد ما صدمها ما سمعت، لتتوتر بخجل وتغزو وجنتها الدماء، وكادت أن تبتعد هاربة، لكنه استطاع أن يتفهم حرجها ويرحمها منه عندما قال مغيراً مجرى حديثهم: "شامم ريحة بيض وشاي، أنا جعان أوي."

قالها وهو يرفع أنفه ويتركها متجهاً نحو المطبخ، لتنظر لآثره ثم نظرت إلى الدمية القابعة بين يديها، ومشاعر خفية بدأت تداعب ذلك الساكن بين أضلعها. *** مر أربعة أيام منذ أن عاد. انشغل هو في استلام البضاعة وتنظيمها. لم تكن تراه في هذه الأيام سوى لحظات قليلة. أفاقت بفزع على طرقات على باب غرفتها. لتنهض بقلق وهي تسمع ندائه من خلف الباب: "شمش اصحي... شمس." وقفت خلف الباب متوترة بعد ان نظرت إلى الساعة لتجدها الثالثة فجراً،

لتسأله بخوف: "فارس مالك؟ فيه أي؟ لتتفاجئ عندما سمعته يطلب منها: "شمس غيري هدومك، البسي حاجة مريحة، وياريت لو تلبسي شوز رياضي." رفعت حاجتها بدهشة: "ليه أغير هدومي؟ "هاخدك مشوار." زاد قلقها وتراكمت الأفكار السلبية في رأسها لتسأله بسرعة: "أخواتي جرالهم حاجة؟ "لا متخافيش، الكل بخير، اسمعي الكلام أنتِ بس ويلا بسرعة، هتفهمي كل حاجة."

جاءها صوته بحزم مع كلماته الأخيرة، لتمتثل لكلامه وتغير ملابسها. جاورته في السيارة وعلى وجهها علامات استفهام كثيرة. التفت نحوها ليضحك واخبرها من بين ضحكاته: "هتفهمي كل حاجة، متستعجليش." ربعت يديها على صدرها بضيق وتنهدت حانقة تراقب الطريق التي يسلكها بترقب، حتى وجدته يقف في طريق خالية تمامًا من المارة ويصف سيارته جانباً مشيراً لها نحو الباب: "انزل." نظرت إليه بتعجب ليكرر كلامه: "انزلي."

لتترجل من السيارة تملأها الحيرة التي ازدادت عندما وقف بجانبها في وضعية الاستعداد يرفع أكمامه بصورة ساخرة ويقول: "هاااا مستعدة؟ لتهتف بأنزعاج: "مستعدة لأي، مش تفهمني؟ "مستعدة تسابقيني؟ مش دا حلمك يادكتورة إنك تجري؟ اهو أنا بحققلك حلمك، هنعمل سباق أنا وأنت لحد عامود النور الي هناك." قالها مشيراً إلى أحد أعمدة الإنارة البعيدة. ظلت تحدق به بصمت تحاول استيعاب ما يحدث، حتى حرك يده أمام وجهها: "أي، روحتي فين؟ وألا هتنسحبي؟

نظرت له بتحدي بعد أن راقت لها الفكرة وأجابته: "أنسحب أي... أنا مستعدة." اتسعت ابتسامته وبدأ بالعد: "واحد... اتنين... تلاتة." لينطلق الاثنان يتسابقان بكل جدية، لتتفاجئه سرعتها في العدو حتى صعب عليه مجاراتها. وصلوا العامود النور، ثم كان عليهم العودة. لكن في طريق العودة خطرت له فكرة خبيثة، ليقف في منتصف الطريق ويحني جذعه العلوي ويدخل في نوبة سعال مصطنعة.

كانت تعدو بسرعة حين التفتت لتجده بهذه الوضعية، أصلبها القلق وعادت إليه. لتحرك يدها على ضهره وتسأله بأنفاس لاهثة: "فارس مالك، جرالك حاجة؟ لكنها تفاجأت عندما باغتها وانطلق يعدو يسبقها وسط موجة ضحك منه، لتصرخ بغضب وهي تدب قدما على الأرض: "اه... ياغشاش." ركضت خلفه حتى وصل إلى السيارة يلفظ أنفاسه المتسارعة، لتصل هي خلفه تلكم ذراعه بقوة وهي تقول حانقة: "اه ياغشاش."

ليدخل في نوبة ضحك شاركته هي أيضاً بها حتى أدمعت عينه وبدأ يسعل واضعاً يده على فمه: "اه يامجنونة، هتخنقيني." لتتجه نحو سيارته ويجلس في مكان السائق يضع يده على صدره ويستمر بالسعال. ركبت بجانبه وهي تردد ساخرة: "تستاهل عشان غشاش." لكنه ظل يلهث أنفاسه بسرعة وأستمر يسعل، لتلتفت نحوه وتمد يدها نحو صدره: "وريني كده."

ثم بدأت في تدليك موقع قلبه، ليعيد رأسه إلى الوراء ويغلق عينه تاركاً يدها تتحرك بعملية على قلبه، كأنها تداويه. زفر أنفاسه ببطء وتنهد بهيام يستشعر هذا القرب: "كدة احسن؟

سؤال طرحته عليه وهي تلتفت نحوه والازالت يدها تتحرك على صدره. رفع رأسه ليصبح وجهه يقابل وجهها وعينه تقابل عينها، ونظراته تتوقد عشقاً. تجمدت عيونها وتباطئت حركة يدها على صدره، ولحظة من التواصل البصري استمرت بينهم، لتتوقف الكلمات وتتحدث النظرات حديثها الساحر، تغيب احدهما في عالم الآخر. لتستفيق هي وتبتعد معتدلة بحرج. التفت نحوها وابتسم عندما رأى توترها، لينفخ أنفاسه يخفف من اضطرابه هو الآخر قائلاً:

"الفجر قرب يأذن، أي رأيك نفطر قبل ما نرجع البيت؟ التفتت نحوه ببطء دون أن تنظر لعينه أخبرته بصوت خافت أثر ارتباكها: "نفسي نصلي الفجر في الجامع قبل ما نفطر." ثم اتّبعت طلبها بنظرة متوسلة واكملت اقتراحها: "ياريت لو نصلي في الحسين وأنا نفسي أكل فطير لو ينفع." تجهم وجهه وصمت يفكر في اقتراحها، حتى أومئ يجيبها: "ماشى."

أتجه نحو منطقة الحسين، وما أن نزل من السيارة حتى أمسك يدها حتى وصلوا الجامع. ليبتعدوا عن بعض ويفلت يدها وهو لايزال يأسرها بنظراته حتى اختفت من أمامه.

أكملوا الصلاة وخرجوا يبحثون عن محل لصنع الفطائر، وبعد السؤال أشاروا له إلى محل يقع في مكان قريب. سار بجانبها ولزحام المكان أصبح يسير أمامها. أضطربت قبل أن تتسع ابتسامتها وهي تجد يمد يده نحو الخلف ويحركها مشيراً لها أن تتمسك بها، لتتشبث بيده. ورغم انها كانت حركة بسيطة، لكنها أنعشت قلبها. ظلت متمسكة به حتى وصلوا إلى المكان المطلوب.

كان محل قديم ومعروف بأثاثه وأركانه يحمل عبق التاريخ وعراقة المكان. أثاثه يشير إلى دفء ذلك المكان، صور أصحابه التي زينت الجدران وتلك الطاولات الصغيرة. دارت عينها حول المكان قبل ان يسحبها نحو إحدى الطاولات التي اختارها. جلست وجلس هو أمامها: "ها عجبك المكان؟ هزت رأسها: "أيوة جميل." نهض يطلب الطعام قبل ان يعود اليها ليجلس و يسألها: "اتنين سادة وعسل أسود وعسل أبيض تمام كدة؟ "أيوة تمام." أخرج هاتفه ورفعه مشيراً لها:

"خلينا ناخد سيلفي وشوية صور." أخذ يلتقط لهم الصور ويريها إياها، وأخذ يلتقط لها صوراً منفردة حتى وصل الطعام. ليتناولوا الطعام بسعادة وسط نقاشاتهم المعتادة مابين شد وجذب، ابتسامة وعبوس، ضحكات خافتة، وأجواء ألفة جميلة. عادوا إلى المنزل وحمدت الله أنها اليوم في إجازة من العمل، فسوف تعود إلى النوم بعد هذه الرحلة القصيرة. وقفت أمام باب غرفتها وقبل أن تدخل التفتت نحوه وابتسمت: "متشكرة يافارس." بادلها الإبتسامة:

"أنت تؤمر ياجميل." دخلت إلى غرفتها وأبدلت ملابسها تستلقي على السرير بغية النوم، لتسمع هاتفها الذي أعلن عن وصول رسالة، لتفتحه وابتسمت وهي تجده قد أرسل لها الصور التي التقطوها. مع تقلب الصور تشاهدها الواحدة تلو الأخرى، لتجد أناملها وبلا وعي تكبر صورته كأنها تتأمل ملامحه عن قرب.

سار أصبعها على قسمات وجهه وكأنها تراه للمرة الأولى. شعور بدأ يسحبها نحوه. باتت تحب اهتمامه بها، كلماته التي تدغدغ فؤادها تطرق حصونه بسلاسة كلماء المنساب بين الصخور القاسية. أمسكت الهاتف وظلت تحدق به حتى غفت وهي تطالع صورته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...