لم يكن يوماً عادياً، فلقد دنت ساعة الفصل. كانت تدور هنا وهناك، ما بين غرزات الإبر وأوراق التحاليل واختبارات العينات. قدمها تخطو الطريق الصحيح، وعقلها مشرد بين المخاوف والأفكار، تائهه في طرقات بعيدة عن الواقع.
وقفت بعين دامعة أمام ذلك الشاب الذي سوف يضحي بقطعة من جسده من أجل النقود. حياة بائسة يعيشها، لم تترك له حلاً سوى أن يخوض هذه التجربة كي يحيى بكرامته. طالعته من بعيد، تحيطه بنظرات ملأتها الشفقة. يا إلهي رحماك، شاب في مقتبل العمر، تفتح الحياة لها ذراعيها بجرح غائر يفقده جزءاً من جسده. تباً للفقر كم أذل صاحبه، وعوزه لم يرحمه. أحاطه الأطباء يعدونه للعملية، كان يطيع الأوامر بسلاسة. لتقترب منه. التفت نحوها الدكتور معتصم.
–دكتورة شمس، هشام المتبرع سيكون جاهزاً. الحمد لله الأمور تمام. ومئت لاستاذها، ثم دنت منه حتى التقت عينه بعينها لتقول بنبرة امتنان: –متشكّرة يا أستاذ هشام، أنت هتنقذ والدتي. أنت مش عارف هي إيه بالنسبالي، متشكّرة لحضرتك أوي. صمت لحظات، ربما لا يعرف ماذا يجيبها، لكنه ابتسم ابتسامة بسيطة وأجابها: –الحمد لله أن حصل تطابق. ثم أكمل ساخراً: –وبعدين متشكرنيش يا دكتورة، أنتِ دفعت لي حق كليتي، يعني أنا مش متفضّل عليكِ.
ابتلعت غصة مرة بعد أن استشعرت الكسرة في كلامه، لتقرر الانسحاب بعد أن شعرت بالاختناق. وقبل أن تخطو خارج الغرفة، سمعته يقول: –ربنا يحفظها لكِ يا دكتورة. أنا فقدت أمي من سنتين وحاسس بشعورك. يارب تتم العملية على خير وترجع لكِ بسلامة. التفتت له وقالت كلمة واحدة لم تستطع أن تزيد عليها: –متشكّرة. *** وصلت إلى الغرفة التي تمكث فيها والدتها، وقبل أن تدخل، رسمت تلك الابتسامة المزيفة، تخفي خلف ستارتها خوفها وقلقها.
–وردتي الجميلة. هتفت بها عندما فتحت الباب مبتسمة، لتتوقف عندما وجدت طارق يقف أمام والدتها، لتلقي عليه التحية: –أهلاً يا دكتور. بادلها طارق الابتسامة: –أهلاً يا دكتورة، كويس إنكِ جيتي. كنت لسه بقول للحاجة متخافش، أنتِ قايمة بالواجب وبتطمنّي على كل الإجراءات. –أمال هو أنا عندي أغلى من وردتي. قالتها شمس وهي تقترب تقبّل رأس والدتها. التي قالت: –ربنا يرضى عنكِ يا بنتي. –أدي الدعوة دي تتوزن بالذهب، خلي بالك.
قالها طارق وهو يراقب المشهد بتأثر. –على فكرة يا ورد، أنتِ بتدلّعي علينا. التحاليل تطمّن، إن شاء الله، يبقى خايفه ليه؟ ثم أكملت تشاكسها: –دي حتى النيرس بتقول أختك الصغيرة هتعمل العملية. –يا بكّاشة. قالتها ورد وهي تضرب ذراعه بخفة. –أنا بكّاشة يا ورد؟ طب أهو دكتور طارق ونحكّمه، أي رأيك يا دكتور؟ اللي يشوفها مش يقول أختهم مش أمهم. –الصراحة آه، أنا افتكرت كده أول ما شفتك يا حاجة. لتضحك ورد على تعقيبه وتدعو له:
–ربنا يجبر بخاطرك يا ابني. ليشير طارق لشمس نحو الباب: –لو سمحتي يا شمس، ممكن ثواني؟ –حاضر. خرجت تتبعه، ليقف بالقرب من الباب يسألها عن المتبرع والعملية، حتى وجدوا ندى تخرج وتقترب منهم تسأل شقيقتها بقلق: –فيه حاجة يا شمس؟ لتمسح شمس على ذراعها تطمئنها: –ما تخافيش يا ناندوش، دكتور طارق بس بيطمن على الإجراءات. ليؤكد لها طارق: –ما تخافيش يا ندى، كل حاجة بخير. لتضحك شمس مازحة وهي توزع نظراتها بين طارق وشقيقتها:
–أهي هي كده، ندى ديما قلقانة على الكل. ندى أمنا الصغيرة. ثم أسبلت شمس عينها وقالت بامتنان: –ده لولا هي والقرض اللي أخذته من البنك، ما كناش نقدر نعمل العملية لماما. ليتعجب طارق من حديثها، فلقد أخبره جده أنه قد أعطى لندى ثمن عملية والدتها. انتبهت ندى لتعجب طارق، فعلمت أنه يعلم الحقيقة، لتواجه عينها عينه تتوسله أن لا يتحدث. ليقول طارق بارتباك: –ربنا يحفظها لكم. ثم تنهد بحيرة وقال:
–طب يا شمس، حاولي دلوقت تتابعي بقية التحاليل، أكيد دلوقتي خلصوا عشان تتأكدي. هزت له شمس رأسها بالموافقة وقالت وهي تغادر: –عن إذنكم. نظر طارق لندى بتسأل: –ممكن نتكلم يا ندى؟ تبعته حتى وصلت لمكتبه، دخل وأزاح جسده يشير لها بالدخول، بخطى مترددة دخلت، ليدخل خلفها ويغلق الباب مشيراً لها بالجلوس: –اتفضلي يا ندى. وبجسد أنهكته الهموم، جلست كأنها تحمل جبلاً فوق أكتافها أثقل كاهلها. جلس أمامها وكأنه ينتظر تفسيرها،
ليسألها مما هو متأكد منه: –هي شمس متعرفش إن جدو هو اللي اداكم فلوس العملية؟ تكراره لما حصل أعاد لها تلك الذكرى الأليمة التي يحاول عقلها تناسيها، لتتنهد بفتور وتجيبه: –أيوه، شمس رفضت الفكرة دي. لتغمض عينها، تعتصرها، تسكت صوت كرامتها المهدورة، لتقول بصوت مختنق: –ولا أنا كنت هوافق آخد حاجة من بدران. لتصمت، تلتقط أنفاسها، وعينها معلقة على وجهه، تبرر له فعلتها مسترسلة بحرقة:
–بس أعمل إيه، مكنش قدامي غير الحل دا عشان أنقذ أمي. لتنساب دموعها الحبيسة على وجنتها وهي تخبره: –عمري ما تخيلت في يوم إني أطلب حاجة من بدران. عمري ما فكرت إن هيجي اليوم اللي أمد له فيه إيدي وأقوله ساعدني. ده إحنا ما عملناهاش وإحنا صغيرين وفي عز حاجتنا. –بس جدو مش وحش أوي كده. قالها مقاطعاً لها مدافعاً عن جده. نظرت إليه بسخط وقالت ساخرة:
–ده بنسبالك يا دكتور، أنت عشت حياة مرفّهة وسط أهلك وناسك. بدران بنسبالك مصدر قوة وأمان. لكن أنا... بدران كان بنسبالي مصدر لخوف وظلم. لترفع يدها تفتح أصابعها الواحد تلو الآخر وهي تحسب له ما قاسته في حياتها: –عمرك حسيت بالجوع؟ عمرك حسيت بالنقص؟ عمرك رحت مدرسة بجزمة مقطوعة أو شنطة مترقعة؟ عمرك، عمرك اشتغلت ودرست؟ إحنا يا دكتور عشنا على صوت المكنة وحسنّة الناس. ثم ارتعتشت شفتيها كما ارتعتش جسدها لتقول كلماتها بحرج وكسرة:
–كل دا يهون قصاد نظرة مخيفة من راجل غريب لما يعرف إنك من غير سند تتحامي بيه. تعرف كان بيحصلي إيه؟ كنت بترعب وأخاف أشكي لأمي عشان مزودش همومه. لتنهار وهي تردد كلماتها: –عرفت دلوقتي إحنا عشنا إزاي؟ أغمض عينيه يشعر بالخزي أمامها، صادقة في كلماتها التي جرحت رجولته، فكم قاسوا وهم منعمين. نهض وأحضر لها كأساً من الماء يمد يده لها به: –اشربي يا ندى.
رفعت عينها الحمراء نحوه، تزيد شعور الذنب لديه، والتقطت كأس الماء بيد مرتعشة حتى تساقطت منه بعض القطرات، لترتشف منه القليل. جففت دموعها بالمنديل الذي تحمله ومسحت عبراتها، لتنهض بعد أن ارتدت قناع الثبات: –عند إذنك يا دكتور. وصلت أمام الباب لتفتحه، أمسكت المقبض، ثم التفتت إليه قائلة: –ياريت شمس متعرفش حاجة. ثم أردفت بسخرية: –على فكرة، جدك ضايني على وصل أمانة قصاد الفلوس.
لتغادر، تاركة إياه تتملكه الدهشة من فعله جده، ليفكر بمشاعر الخذلان التي شعرت بها. ثم انتبه إلى ذلك المنديل الذي سقط منها، لينحني يلتقطه وقد بللته دموعها: –باين إنك شايلة كتير يا ندى؟ *** لم يستطع أن لا يكون بقربها في هذه اللحظات العصيبة. بحث عنها في المكان الذي وصفه طارق ليجدها تقف تسند رأسها على الجدار بعين باكية وشفاه تردد الأدعية. –إزيك يا هدى؟ لتجيبه بصوت بح من شدة البكاء: –أهلاً يا علي. ليسألها مستفسراً
وعينه تترقب إجابتها: –دخلت العملية؟ –أيوه. –إن شاء الله خير. –يارب. ظل يحدق بها، ليته يستطيع احتضانها والتخفيف عنها، ليته يحمل عنها حزنها، ليته يستطيع مسح تلك العيون الجميلة. قلبه يتألم لألمها. اقتربت ندى عندما رأته يقف أمامها، فلم يسبق لها أن رأيته، لتقف بجانبها. فهمت هدى قصدها لتعرفها به: –علي ابن عمي حسن يا ندى. –أهلاً. –ندى أختي الكبيرة يا علي. –أهلاً يا ندى، ألف سلامة للوالدة. –شكراً.
ابتعد يقف في مكان بعيد يراقبها، فقلبه قد منعه من المغادرة وتركها. *** أما في الداخل، وقفت شمس أمام والدتها قبل أن تأخذ جرعة المخدر، لتقبل رأسها وتقول: –أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. أمسكت ورد يدها، سألتها بترجّي: –شمس؟ –أيوه يا روح شمس. –مش هوصيكي على خواتك، خلي بالك منهم. قبلت يدها وقالت تلومها: –ليه الكلام دا دلوقتي يا ورد؟ وبعدين فيه حد يوصي الصغير. ابتسمت ورد ابتسامة باهتة وضغطت على يدها:
–كل شيء جايز. أنا داخلة لعملية وجايز ما أخرجش. –إششش، بلاش الكلام دا. هتخرجي وأنا هستناكي أنا وإخواتي. –يا بنتي. –ورد، مش عاوزة أسمع. أنتِ هتخرجي وتسمعينا الوصايا. لتشاكسها مازحة: –رغم إني حافظاهم، تحبي أسمع لكِ؟ لتضحك ورد على حديثها: –خلي بالك من نفسك يا مشمش. انحنت شمس تقبّل يدها: –ربنا يحفظك يا أمي. –دكتورة، لازم المريضة تأخذ جرعة البنج. خرجت، ليركض نحوها شقيقاتها يسألانها بلهفة: –طمّنينا يا شمس؟
نظرت إليهم نظرات ضائعة، تود أن تخبرهم أنها تحتاج من يطمئنها، تود لو تصرخ أنها لم تعد تتحمل. قد أتعبتها نظراتهم المتوسلة، لكنها عاودت تتصنع تلك الابتسامة التي باتت تتعبها وتجبر لسانها على الكذب: –الحمد لله، العملية بدأت والوضع تمام.
ابتعدوا عنها، يزفرون أنفاسهم بارتياح، وإن كان مؤقتاً، ويرمون أجسادهم على المقاعد القريبة بعد أن أتعب أقدامهم الانتظار. أما هي، فلم تستطع الجلوس، لتتكأ بجسدها على الجدار، ترمي بثقل جسدها مستندة عليه، ولسانها يردد الأدعية. رفعت نظرها لتلمحه يقف بعيداً، ليمتعض وجهها، يبدو أنه لم يفِ بوعده لها. أشاح ببصره بعيداً عنها عندما التقت عينها بعينه، التي كانت مصوبة نحو شقيقتها قبل قليل، لتتنهد بيأس، فيبدو أن محاولتها في إبعاده عن شقيقتها قد باءت بالفشل.
كانت الدقائق وحركة عقارب الساعة البطيئة تمر عليهم كالسنين. قلوبهم التي كانت تخفق بقلق، وألسنتهم التي لم تتوقف عن الدعاء، عيونهم التي لم تقاوم دموعها التي رسمت طريقها على وجوههم، أنهكت قواهم، لتجد شمس نفسها تقترب من ندى وتجلس بجانبها، تلقي برأسها على كتفها، ربما استطاعت أن ترمي بحملها عليها. شعرت ندى بشقيقتها، لترفع يدها وتضم جسدها. كانت تشعر أنها طفلة تائهة تبحث عن حضن والدتها. ورغم أن ندى كانت تحتاج من يواسيها، لكنها ظلت تمسح على رأسها ووجهها، تزيل تلك الدموع التي علقت بين أهدابها، كما كانت تفعل لها عندما كانت صغيرة.
لتخرج من أحضان ندى بفزع عندما وجدت باب الغرفة يفتح ويخرج الطبيب، لتركض نحوه: –طمّني يا دكتور؟ ليجيبها الطبيب بعملية: –العملية نجحت. ليشرق وجه هدى وندى بابتسامة كبيرة، مرددين الحمد لله. لكنها حافظت على جمدها، تترقب باقي كلامه: –لكن أنتِ عارفة يادكتورة، إحنا لازم نراقب تقبل الجسم للكلية الجديدة واستقبال الجهاز المناعي ليها، وإن شاء الله خير. عن إذنك.
ثم رحل، تاركاً إياها تفكر في امتحانها الجديد. تلاشت تلك الابتسامة التي رسمت على وجه شقيقاتها، واتجهت أنظارهم نحوها، ينتظرون أن توضح لهن. لتمسك ندى ذراعها تسألها بخوف: –يعني إيه يا شمس؟ معناه الكلام اللي قاله الدكتور؟ هو مش قال العملية نجحت؟ زفرت نفساً طويلاً حمل معه الحيرة والقلق:
–العملية نجحت كزراعة يا ندى، لكن فاضل جسم ماما يتقبل الكلية الجديدة ويتعايش معاها بسلام. المرحلة دي بيخافوا إن الجهاز المناعي يرفض الكلية ويعتبرها جسم غريب، وده ممكن يأذي الكلية. زاغت أبصارهم بخوف من القادم، حتى قطعتها شمس بابتسامة: –ما تخافوش يا بنات، دي حاجة طبيعية أوي بتتقال لكل مريض عادي، يعني خوف دكاترة. منحتهم الأمل، لتبتهج ملامحهم ويسألونها: –جد يا شمس؟ –أيوه يا ندى. –وده؟
لتتعالى ضحكاتهم وهم يضربونها بخفة، تحت أنظار ذلك العاشق الذي أسعدته ضحكاتها. *** جلس أمام جده يجيبه عن أسئلته: –يعني هي كويسة؟ –هي العملية نجحت، لكن فاضل استقبال الجسم، وده محتاج وقت عشان نفهمه، يعني هي لسه قدامها فترة نقاهة. –وبنات عمكِ إزيهم؟ طالعته بعدم استيعاب، منذ متى وهو يهتم لأمرهن؟ لماذا الآن بعد كل تلك السنين؟ هل ندم أم بماذا يفكر؟
استجمع شجاعته وكاد أن يسأله السؤال الذي يحيره منذ أن انهارت أمامه تشكو له ما قاسته، فصورتها المكسورة تأبى مفارقة عقله، وهم بالحديث لولا دخول شقيقه المفاجئ الذي هتف فور دخوله: –جدي الباشا… الجوهري الكبير… وحشتني. ليقترب من جده يقبّل يده، مع سعادة الجد بحفيده المقرب وضحكاته التي انطلقت لرؤيته وسماع كلماته، ليربت على كتفه ويقول: –حمد الله على السلامة، رجعت إمتى يا غالي؟ –من المطار على هنا. ثم التفت نحو
شقيقه يلقي عليه التحية: –إزيك يا دكتور؟ –أهلاً يا فارس، الحمد لله على السلامة. السفرية طولت المرة دي. ليجلس فارس يصف له تلك الرحلة: –بس كانت رحلة أتجنن، ما بين إيطاليا وفرنسا وتركيا. في كل بلد أخوك خد له كام يوم. –وعلى كده سبع وإلا ضبع؟ سألها بدران مشاكساً له، ليضيق فارس نظره ويقول مفتخراً: –أنت تعرف إيه عن فارس الجوهري؟ أكيد سبع. قهقه بدران ضاحكاً ويقول: –طول عمرك مش بتخيب ظني فيك. –تربيتك يا كبير.
–بس أكيد أخذت راحتك هناك، سهر وشرب؟ توترت نظراته وتلجلجت الكلمات على لسانه ليجيبه بارتباك: –أنا يا جدي، أبداً. أنا وعدتك. ليقول بدران بتهكم وبنبرة صوت امتزجت بالحدة: –هعمل نفسي صدقتك، بس مش هفضل مصدقك على طول يا ابن محسنة. هز طارق رأسه بقله حيلة وزفر أنفاسه بيأس بعد أن لاحظ الارتباك على شقيقه، ليكمل بدران مستطرداً: –كويس إنك جيت عشان تروح بكرة أنت وأخوك المستشفى تزور مرات عمك، وخذوا علي معاكم يا طارق.
اتسعت أعينهم بدهشة ونظر أحدهم للآخر بتعجب، ازداد عندما أكمل الجد حديثه: –وبلاش أبوك وعمك يعرفوا حاجة عن الحكاية دي يا طارق. –حاضر. خرج الاثنان والدهشة تتملك منهم، ليمسك فارس يد طارق قبل أن يتجاوزه مغادراً: –هو من إمتى وجدك بيعترف بورده أو يهتم بيها؟ هز طارق رأسه بحيرة ليمط شفتيه بتعجب قائلاً: –مش عارف، جدي الأيام دي تصرفاته غريبة. رفع فارس كتفه بلا مبالاة: –يا خبر، النهارده بفلوس، بكرة يبقى ببلاش. سلام.
ثم هم بالمغادرة، ليوقفه طارق: –تعالى، رايح فين؟ أنت مش لسه راجع من السفر؟ –رايح المحلات. ليتجهم وجه طارقه فيصرخ به قائلاً: –المحلات وإلا شلة الصيع اللي أنت مصاحبهم؟ ليلتف فارس بتذمر: –وحياتي يا دكتور، بلاش حكاية ولي أمري دي واسطوانة صحابك والصيع. بلاش أبوك يسمع، مش ناقص وجع دماغ. أنا راجع من السفر مبسوط، مش عاوز مزاجي يتعكر بكلمتين ملهمش معنى. ازداد غضب طارق ليمسك ذراعه بقوة: –أنت إيه؟ ما فيش فايدة فيك؟
–أيوه، ما فيش فايدة. أنا عاجباني حياتي كده. لو مش عاجباك، اتبره مني. –بكرة تندم يا فارس. ليزيح فارس ذراعه بقوة وهو يقول مغادراً: –وأنا عاوز أندم يا دكتور. *** غمرتهن السعادة بعد نجاح العملية، ووعوده الأمل لهن. رغم مكوث والدتهن في العناية المركزة، كانت تجلس بجانب هدى تحرك رأسها يميناً ويساراً وتدلك رقبتها بإرهاق: –ما تروحي البيت يا شمس تريحي شوية، شكلك تعبان. لتدعك عينيها وتقول بتعب:
–مش هقدر أروح البيت، أحسن ماما تحتاج حاجة. هريح لي ساعة في غرفة النبطشية. نهضت محاولة المغادرة. سارت بضعة خطوات لتلتقط عينها هذا المشهد، وهي ترى أبناء عمومتها يتحدثون مع ندى في ممر المستشفى، لتعود بسرعة إلى هدى تخبرها بعجب: –ولاد الجوهري هنا! قطبت هدى حاجبيها وقالت: –تقصدين مين؟ –علي وطارق وأخو… –فارس! ارتفع حاجبها بدهشة لتجلس بجانبها وتسألها مستنكرة: –الله الله، وكمان عارفة اسمه؟
–يا بنتي، طلب مني أعمله بوكيه ورد من فترة. نظرت لها باستهجان وقالت ساخرة: –الظاهر محل الورد خلاكي تتعرفي على العيلة كلها. علمت هدى ما ترمي إليه، لتقول باستياء: –يعني أطردهم يا شمس؟ بعدين المحل مش ملكي عشان أقول مين اللي يدخلوا ومين لا. –خلاص يا هدى، مش وقت نتناقش في الحكاية. لكنها نظرت لها نظرة تحدي وقالت: –بس أكيد هنتناقش بعدين. تنهدت هدى، ثم نظرت لها لتقول بتعجب: –بس فارس جاي معاهم، غريبة! –وغريبة ليه؟
–أصل فارس ده مشغول ومسافر ديمًا. لتقول شمس ساخرة: –ليه؟ هو بيشتغل إيه؟ طيار؟ لتمط هدى شفتيها بانزعاج وتقول: –طيار إيه، ده معندوش شهادة. قطبت حاجبيها وقالت مستهزئة: –أمال مشغول بأي؟ –يا بنتي، دا عنده محلات للملابس المستوردة، بس ناجح أوي، فبيسافر عشان الماركات اللي بيشتريها ويبيعها، فهمتي. قالتها هدى وهي تضرب بسبابتها على جبهة شقيقتها، التي التفتت لها بحنق تسألها: –وأنتِ عرفتي المعلومات دي منين؟
علمت هدى بخطئها، فمصدر معلوماتها لم يكن سوى علي، لتتحمحم بحرج، وقبل أن تجيبها، رحمها دخول الثلاثة، تتبعهم ندى: –مساء الخير. قالها علي، الذي كانت نظراته مسلطة نحو هدفها: –إزيك يا هدى؟ إزيك يا شمس؟ –أهلاً. قالتها شمس باقتضاب: –أهلاً يا علي. قالتها هدى بارتباك وهي تتحاشى نظراته المحدقة بها: –الحمد لله على سلامة الوالدة.
كان صوته الذي أثار فضولها، لترمقه بنظرات خاطفة ترضي فضولها عن المعلومات التي علمتها عن لتلتقط عينها ملابسه الأنيقة وهيئته المنمقة ونظراته الغربيه، لتتجنب الرد الذي كان من نصيب هدى مجاملة له: –أهلاً يا فارس، الله يسلمك، شكراً.
بضع دقائق كانت مدة هذا اللقاء، كانت هي تحاشى الحديث فيها مع الجميع، واكتفت بالإجابة عن أسئلة طارق فقط. تلك الأسئلة التي أتاحت لفارس الفرصة للتمعن فيها، رغم حنقه من جفاف استقبالها، لكن شيئاً ما يجذبه نحوها، مع أنه يحاول تجاهله. انتهى اللقاء وغادر الثلاثة، لتنظر لشقيقتها وتسألها باستغراب: –هما من إمتى ولاد الجوهري كان عندهم الاهتمام ده؟ وإلا بيعرفوا الأصول؟ لتنظر هدى نحو ندى، التي بدأ الخوف يتسلل إليها من ماهو قادم.
*** هاقد مر شهر الآن، منذ أن عادت ورد إلى منزلها. تحيطها عناية صغيراتها، فهي تحتاج إلى رعاية خاصة، وتولت شمس فيها الاهتمام بدوائها وعزلها عزل تام بعيداً عن أي مصدر للتلوث. ارتدت الكمامة والقفازات ودخلت تلك الغرفة المعقمة المخصصة لها تعطيها الدواء: –يلا يا ماما عشان علاجك. التقطت الدواء بتعب تدعو لها: –ربنا يرضى عنكِ يا بنتي. –حبيبتي يا ورد، بالهنا والشفاء.
لتغمض عينها بوهن، فتدثرها وتخرج، تخلع عنها كمامتها وقفازاتها، واتجهت نحو المطبخ لتجد ندى تغسل الصحون. جلست على أحد المقاعد ونادت عليها: –ندى؟ –أيوه يا مشمش، ثواني. جففت يدها بالمنشفة وجلست أمامها لتمد شمس لها يدها بالنقود: –أنا استلمت مرتبي النهارده. أخذت اللي أحتاجه واتفضلي، خذي أنتِ الباقي. هو صح قليل، بس أهو يساعد عشان تسددي القرض. متنسيش المدة اللي فاضلة مش طويلة.
التقطت منها النقود لتغادر شمس، تاركة ندى تتوه في أفكارها، وقصرة المدة المتبقية أرعبها، لتشرد بين تزاحم أفكارها، حتى أنها غفلت عن احتراق أصابع البطاطا، التي جذبت رائحتها هدى، لتأتي مسرعة وهي تقول: –فيه ريحة حرق! لتتجه نحو الموقد وتطفئ النار، ثم قالت لندى تلومها: –مش تخلي بالك ياندى، كنا هنتحرق. تعجبت من عدم انتباهها، لتجلس أمامها وتحرك يدها أمام وجهها: –ندى… ندى، أنتِ سامعاني! رمشت بعينها كأنها عادت من عالم آخر،
لتقول: –مالك يا هدى؟ –كنا هنتحرق، مش تخلي بالك. وبعدين إيه الفلوس اللي في إيدك دي؟ نظرت لها، ثم نظرت إلى النقود القابعة بين يديها، لتقول بخفوت: –ده مرتب شمس ادتهولي عشان أكمل تسديد القرض. ثم رفعت عينها لتواجه عينها هدى، التي تصرخ خوفاً، لتقول ساخرة: –ياترى شمس هتعمل إيه لماتعرف إن الفلوس فلوس بدران؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!