تحميل رواية «بنات ورد» PDF
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى ليالي الربيع ومع نسمات الهواء الباردة، كانت ضحكات تلك الصغيرة ذات الاثنى عشر عامًا تعلو، تكسر صمت الشارع الذي تمر به مع والدها. تمشي معه متشابكين الأيدي، تقص عليه بفخر تفوقها الدراسي وعلاماتها العالية، ويثني هو عليها بكلماته الجميلة التي تنبع من قلب أب حنون. "برافو يا مشمش، عاوزك تكوني دايمًا كده شاطرة ومتفوقة عشان لما تكبري تكوني أحلى دكتورة بابا يرفع راسه بيه." هزت له رأسها مؤكدة على كلامه. "أيوه يا بابا، هكون دكتورة وأساعد الفقراء زي ما علمتني." قرص وجنتها وقال يشجعها. "حبيبتي الشطورة...
رواية بنات ورد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رشا عبد العزيز
انتهت تلك الرحلة وعاد الاثنان، كل يحمل معه مشاعر مختلفة. هو عاد يحمل حبها بين خفقات قلبه، وهي عادت تحمل خوفها من مشاعره التي باتت تقرأها بوضوح. حمل عنها حقيبتها بعد جدال مابين رفضها وإصراره.
"خلاص أنا شنطتي خفيفة وأنت ماشاء الله جايه بشنطة ورجعتي بتنين."
قالها ليشاكها، فهذه أصبحت طريقته ليجعلها تندمج معه بالكلام. نظرت له نظرة جانبية وقالت بسخط وهي تجر إحدى حقائبها:
"مش أشتريت هداية لأخواتي وناسي حضرتك البدل الي اشتريتها وقولتلي لوسمحتي ياشمس حطيها في شنطتك."
قالتها وهي تلوي فمها متهكمة، تقلد صوته. لينفجر ضاحكاً حتى أدمعت عينه.
"هو أنا صوتي حلو كدة؟"
نفخت بضيق وتسارعت خطاها نحو مدخل بنايتهم ليمسك ذراعها يمنعها من التقدم.
"استنيني هنا هطلع دول وارجعلك، مطلعهاش أنت تقيلة عليكِ."
كادت أن تخالف أمره مكابرة، لكنها لم تستطع. حملتها لتقف تنتظره مربعة يديها على صدرها بتذمر. غاب قليلاً وعاد إليها يحمل الحقيبة، لتتبعه حتى وصلوا إلى الشقة. دخل ودخلت خلفه تجر حقيبتها بعد أن أخذتها منه نحو غرفتها. وقبل أن تدخل، سمعت صوته الذي كان يخرج لاهثاً يلتقط أنفاسه من صعود السلم.
"مش هنتغدى؟"
ألتفتت نحوه تسأله بتعجب:
"أنا مش جعانة، هو أنت مش أكلت وجبة على الطيارة؟"
جلس على المقعد القريب بتعب وقال ساخراً:
"وهي الوجبة دي تسد جوع دي، يادوب تصبيرة."
تنهدت مستاءة وقالت بأمتعاض:
"تحب أعملك غدا؟"
ابتسم بزهو، فلم يكن يحتاج سوى الجلوس معها. كان يخشى عودتها إلى الإنعزال داخل جدران غرفتها. ليقول بأمتنان:
"ياريت ياشمس، لوسمحتي."
"أغير هدومي واعملك غداك."
كادت أن تغلق الباب خلفها قبل أن تسمعه يقول وكأنها تذكر شيئاً:
"متنسيش الملح."
زفرت أنفاسها متأففة، وقالت بحدة قبل أن تغلق الباب بعنف:
"حاضر."
ابتسم بأنتصار ورحل يغير ملابسه هو أيضاً. خرجت تخطو نحو المطبخ بضيق وهي تتمتم بسخط وعينها تبحث عنه في أرجاء الشقة.
"هو راح فين؟ طبعاً تلاقيه نام، وألا خد شاور، مهو الخدامة الي جابها جدو موجودة."
دخلت المطبخ وفتحت الثلاجة، وجدت بعض حبات البيض. أشعلت الموقد تعد الشاي ولسانها لازل يتمتم بكلماتها المحتجة.
"هو معقولة يكون مشبعش."
لامها عقلها عندما شعرت بحاجتها لكوب من الشاي هي أيضاً.
"يلا ياشمس انت كمان محتاجة كوباية شاي تعدل دماغك، مفهاش حاجة الراجل مقصرش معاكِ في إيطاليا."
كانت مندمجة في صنع الشاي والبيض عندما سمعت باب الشقة يغلق. دهشت لتتقدم نحو باب المطبخ لتجده يدخل يحمل أكياساً. ينظر إليها ويقول مفسراً:
"جبت عيش وشويت حاجات من السوبر ماركت القريب."
همست لنفسها تؤنبها:
"ظلمتي الراجل ياشمس."
لتكتم ضحكتها وتهرب نحو المطبخ قبل أن تخونها وتصدح رغماً عنها. جلس على المائدة لتضع أمامه البيض وكوب الشاي، ثم وضعت علبة وقالت بحده:
"الملح."
ثم اتّبعتها بأخرى بحنق:
"السكر."
نظر نحو العلب التي وضعتهم، ثم رفع نظره نحوها لتقول بسخط:
"عشان لو فيه نقص متلومنيش."
رسم ابتسامة مستفزة وقال يحاول إثارة حنقها:
"أحسن، أكيد مفيش ملح ولا سكر."
تجهم وجهها وكادت أن تغادر وهي تحمل كوب الشاي، لكنها وقبل أن تتجاوزه أمسك رسغها وقال:
"انت مش هتاكلي معايا؟"
"مش جعانة."
"طب أشربي الشاي هنا، عاوز أتكلم معاكي."
قالها بعين متوسلة. لتتوتر، أرادت أن تغادر مبتعدة عن عينيه التي تحدق بها، لكن وجدت نفسها تسحب الكرسي وتضع كوب الشاي على الطاولة وتجلس تستمع له. تحمحمت بارتباك:
"احم.. اتفضل، أنا بسمعك."
أمسك قصعة الخبز وقطع قطعه ودسها في طبق البيض. وقبل أن تصل اللقمة إلى فمه أخبرها:
"علي بيقول طارق فتح العيادة بتاعته، كنت بفكر نزورهم بكره ونباركلهم. علي وهدى هيزورهم بكرة، واهي فرصة نتجمع، أي رأيك؟"
دس لقمته في فمه يمضغها وعينه تتطلع لها يترقب إجابتها ليرى العبوس يرتسم على محياها. تنهد بحزن:
"يعني مش هشوفهم النهاردة؟ أصلهم واحشني أوي."
"أنتِ أكيد تعبانة من السفر، خليها بكرة نكون استريحنا."
أومأت برأسها متفهمة ورفعت كوب الشاي ترتشف منه القليل. وما أن أخفضته وجدته يقرب من فمها قطعه خبز ممزوجة بالبيض. لتتمتم رافضة:
"متشكرة، مش جعانة."
ليحرك رأسه يحثها وهو يقول محاولاً إقناعها:
"محبش أكل قدام حد من غير ما يشاركني."
فتحت فمها تلتقط الطعام بشفتيها ليبتسم وهو يرى وجهها يحمر خجلاً. فرغم شدتها لكنها تخفي خلف ستارها فتاة خجولة تربكها بعض الكلمات وتخجل من حركات بسيطة. ليمزحها قائلاً:
"شمس، هو أنتِ مبتعرفيش تعملي غير بيض وشاي؟"
تحول خجلها لغضب لتهتف بأنزعاج:
"آه ياسيدي، مع الأسف مبعرفش أعمل غير بيض، عندك اعتراض؟"
زاد انزعاجها عندما وجدته يغمغم وهو يحرك شفتيه بأرقام لم تفهمها، حتى استشاطت غضباً وحدقت به بشراسة عندما سمعته يقول:
"كده محتاجين ميزانية كاملة عشان الدليفري."
لتلهب واقفة بأنفعال، أمسكت علبة الملح ترشها على البيض بغيض وهي تقول مستنكرة:
"شكل البيض ناقص ملح، أطلب دليفري أحسن."
ثم تركته وغادرت بسرعة وسط دهشته وهو ينظر لتصرفها بعين متسعة. ليحاول استيعاب ما فعلت، ثم انفجر ضاحكاً وهو يوزع نظره بين الطعام وبين أثرها.
"يامجنونة."
***
تفاجئت بدعاء تسحبها بوجه عابس نحو إحدى الغرف الفارغة وتجلسها، تنظر لها بعين دامعة.
"ممكن أتكلم معاكِ ياهدى؟"
ربتت هدى على يدها بقلق وأخبرتها تطمئنها:
"أكيد، أنا سمعاكي ياحبيبتي، اتكلمي يادعاء، مالك؟"
أصطنعت التوتر ومثلت البكاء:
"أنا بحب يا هدى، اتعرفت على شاب على النت وحبينا بعض، بس خايفة لماما تعرف."
أمسكت هدى يديها تضمها بحنان وقالت ناصحة:
"معلش يادعاء، أنا عارفة إن كلامي ممكن ميعجبكيش، بس العلاقات دي حرام وغلط. العلاقات اللي في الظلمة عمرها متعمر. لو الشاب دا بيحبك بجد، خلي يتقدملك."
زادت من وتيرة بكائها المزيف وقالت:
"خايفة ماما ترفضه."
شددت هدى على يديها وقالت تشجعها:
"خليه يتقدم، يحاول مرة مرتين، وأكيد والدتك لما تشوفو متمسك بيك وانت متمسكة بيه، أكيد هتوافق."
ثم ابتسمت محاولة التخفيف عنها:
"وبعدين انت ليه متوقعة إنها ترفض؟ مش جواز؟ توافق؟"
أزالت دموعها الكاذبة وقالت تمثل الألم:
"أصله أقل من مستوانا، هو عنده شهادة بس حياته بسيطة على قدو يعني."
"مسحت تلك المسكينة دموعها بطيب خاطر. "الفقر مش عيب مادام عنده شهادة وبيشتغل، الفلوس مش كل حاجة يادعاء، والسعادة مش بالمادة، بالحب."
كلماتها التي كانت تقصد فيها التخفيف عنها نبعت من قلبها الصافي لتصب في قلب دعاء، تزيدها مقتاً وحقداً عليها. فهي تملك كل شيء، المال والحب والراحة. سرقت ما كان سيكون لها يوماً من الأيام. لتترسم ابتسامة خفيفة ونظرت لها بخبث تكمل قصتها الكاذبة:
"انتِ رأيك كدة ياهدى؟"
بادلتها الإبتسامة وقالت:
"أيوه ياحبيبتي، حاولو، وأكيد خير إن شاء الله."
احتضنتها دعاء تحكم أركان خطتها وترمي شباك مكرها عليها، تمثل عليها الحب كالعنكبوت تغري فريستها، تحيطها بشباكها الواهمة.
"متشكرة ياهدى."
"حبيبتي، أحنا أخوات."
خرجت من أحضانها ترمي أول أسهمها عليها وتضع أول ضربة فأس لتهشيم حياتها.
"يابخت علي بيكي، ويابخت خالتي بأمراة ابن زيك."
تلونت عين هدى بلحزن وابتسمت ابتسامة باهتة. لتسألها دعاء بخبث:
"مالك ياهدى؟ هو علي زعلك؟"
نفت هدى برأسها:
"علي زي النسمة الباردة اللي محلية حياتي."
"خالتي مزعلاكي؟"
صمتت هدى رغم أن عينها تتحدث بالكثير، لكنها أبت أن تذكر والدة زوجها بسوء احتراماً له، ولدعاء كونها خالتها. لكن دعاء رصدت ذلك وأخفت ابتسامة انتصارها لتزيد من وتيرة تمثيلها وتدعي الإزعاج محاولة بذر الثقة في قلب هدى، فقالت:
"خالتي طول عمرها أنانية، بتحب تأخذ كل حاجة ليها لوحدها وتكره الخير لغيرها."
اتسعت عين هدى بندهاش من ذمها لها وواصلت ثباتها قائلة تنفي ما تخشى أنه قد وصل لعقل دعاء:
"لا... لا، ماما كويسة، هي بس بتحب علي أوي، حقها مهو ابنه."
تداركت كلامها تجمله وتدس السم في العسل:
"أنتِ طيبة أوي ياهدى، بس أنا عارفه خالتي بتحب علي بجنون وبتغير عليه."
حاولت هدى إنهاء هذا الحديث لتقول تنهي استرسال دعاء:
"ربنا يهديه."
نظرت لها دعاء وأحست بظفر أول خطواتها لتتنهد بارتياح، عازمة على استكمال خطتها.
***
أخرجت قالب البيتزا من الفرن وعادت تنظف المطبخ وتغسل الأطباق المتسخة. تنظر إلى لمعان خاتم زواجها بعد أن غمرته المياه وغطته فقاعات الصابون، تشوه هذا اللمعان ليعود لمعانه مرة أخرى بعد أن أزاحت الصابون عنه، وكأنه يصف حالها معه. فتارة تشعر أنه يبادلها المشاعر، بل وترى صورتها في انعكاس نظراته، وتارة تشعر أنه بعيد عنها. حياتها معه مابين ربيع مزهر وشتاء قارص يجلد روحها صقيعه. لكن كل ما هي متأكدة منه الآن أنها تحبه. نعم، وربما تعشقه قلبها الذي يخفق لرؤيته، وعينها التي باتت لا ترى غيره، وروحها التي أصبح يؤنسها قربه. رنين جرس الباب أخرجها من شرودها لتتجه نحو الباب مندهشة من سيزورهم الآن. نظرت إلى الكاميرا الموضوعة عند الباب لتبتسم بشوق خالطته اللهفة وهي تجد شقيقاتها يقفن عند الباب. اتجهت نحوه تفتحه بسرعة.
فتحت الباب بابتسامة عريضة تزين محياها لتسمع هدى وشمس يهتفون بصوت واحد:
"مفاجأة."
"ياااااحلى مفاجأة."
ارتمت شمس بين ذراعيها لتحتضنها ندى بقوة:
"وحشتيني يامشمش."
لم تستطع شمس كتم دموعها بين أحضان ندى كطفلة عادت لأحضان والدتها. لتبعدها هدى عن حضن شقيقتها تلومها بتذمر:
"بتعيطي ليه ياهبلة؟ دول هما عشر أيام اللي غيبتيهم مش سنة."
ابتسمت من بين دموعها ولتشاكسها أمسكت ذراع هدى تمسح دموعها بأكمام ثوبها، لتشهق بنزعاج وهي تضربها بخفة على رأسها:
"بتعملي إيه يامجنونة؟ أما أوريكي."
لتختبئ شمس خلف ندى تدعي الخوف، وندى تقهقه ضاحكة وهي تقف حائلا بينهم. لحظات عادوا بها إلى الماضي ومزاحهم المحبب. عادوا بنات ورد الصغار. انشرح صدر ندى وهي تحتضن الاثنان بعد وصلة الضحك والمزاح التي كانت تحت نظرات علي وفارس الذي شعر بالحزن لأجلها. كل يوم يكتشف أنها طفلة في جسد امرأة، لا تزال تنشد الحنان والحب. بكائها بين أحضان ندى مزق قلبه، ود لو يجذبها إلى أحضانه ويمسح دموعها بيده، لكن تنهد بيأس، فطريقه لا يزال بعيد.
رحب ندى بعلي وفارس:
"هو الدكتور العظيم فين؟ جينا نباركله على العيادة."
قالها فارس لندى التي ارتبكت ولم تعلم ماذا تخبرهم. أنها لا تراه حتى لا تعلم أين هو.
"طارق بيتاخر، مبيرجعش في الوقت دا."
"يعني هو مش في العيادة دلوقتي؟ دا أنا قلت نطب عليه ونعمله مفاجأة."
قالها علي وهو يوزع نظره بين فارس الذي أيده وندى. لطمت شمس جبهتها في لحظة إدراك وقالت:
"النهاردة الإثنين، دكتور طارق عنده عمليات. النهاردة أنا إزاي فاتتني الحكاية دي؟"
نكزتها هدى وقالت بسخرية:
"طبعاً إيطاليا نستك كل حاجة."
امتعض وجهها وهي تنظر لهدى مستنكرة حديثها. وضع علي وفارس أكياس الطعام المائدة ليقول فارس بأسف:
"كان نفسنا نتعشى معاه."
لترد ندى معاتبة:
"طب ليه مكلفين على نفسكم كدة؟"
"ولا تكلفة ولا حاجة، أحنا مفيش فرق بينا."
قالها علي لتشير ندى لشقيقاتها:
"تعالو يابنات خلينا نرص الأكل ونتعشى."
"وطارق؟ مش هنستناه؟"
قالها فارس متسائلاً.
"يبقى يتعشى لما يرجع، هيتاخر والأكل هيبرد."
وضعت الشقيقات الأكل على المائدة. جلسوا يتناولون العشاء لتنظر شمس نحو البيتزا التي أعدتها ندى وتقول وهي تلتقط قطعة وتتناولها بتلذذ:
"الله ياندى، تعرفي إني أكلت بيتزا تجنن في إيطاليا، لكن زي البيتزا بتاعتك ماذقتش. فيها دفء وحب."
"بالهنا والشفا ياحبيبتي."
كانت الأجواء جميلة، لكن ينقصها شيء. نظرت إلى الكرسي الخالي بجانبها وأسدلت عينها بحسرة. كم كانت تتمنى لو كان معها لكانت اكتملت سعادتها بوجوده ووجود شقيقاتها. ابتسمت وهي تطالع دلال علي لهدى ونظرات الحب المتبادلة بينهم. لكن ما جعلها تبتسم أكثر دلال من نوع آخر ونظرات تراها للمرة الأولى. ورغم عنها ظلت تطالع ذلك المشهد وفارس يضع الطعام بصحن شمس ويهمس لها بكلمات كتمت ضحكتها وهي ترى ارتباك شمس وإحراجها وهي تعترض على ذلك. توترت بخجل وهي تراه يضع الطعام أمامها دون طلب منه. اهتمامه الذي أصبح يحيطها به بات يثبت لها يوماً بعد يوم شكوكها.
"أحطلك حاجة تانية؟"
"متشكرة."
"دا الأكل اللي يرم العضم ويعدل المزاج، أكل مصري أصيل مش الأكل اللي بقالنا عشر أيام بناكله."
قالها فارس وهو يضع قطع من اللحم (الكباب) في صحنها ويلتقط قطعة أخرى في فمه. ظلت عينها منخفضة نحو طبقها بتشتت. لا تنكر أن تجد شخص يهتم بك شيء جميل. لكن لماذا هي خائفة؟ ولا تريد لذلك الشعور الذي بات يدغدغ قلبها أن ينتصر. هي تعلم أنه ليس حب، ربما رضى أو تقبل لوجوده في حياتها. قبضت على قطعة الخبز وهمت بإمساك قطع اللحم. أحست بعيون شقيقاتها تحدق بها. رفعت عينها بحذر لتصدم عينها بعيونهم التي تطالعها بابتسامة. حتى وجدت هدى تغمز لها وتكتم ضحكاتها، ثم تلتفت نحو ندى التي كانت تنظر لها مبتسمة. حتى التفتت نحو هدى التي أشارت لها بعينها نحوها لتكتم ضحكاتها هي الأخرى. عادت تخفض عينها وهي تهمس مستاءة:
"دلوقتي يقعدوا يغلسوا ويضحكوا عليا، كل منك يافارس."
قالت كلماتها الأخيرة بعين دامعة من شدة الحرج. وما توقعته حصل بالفعل لتنفرد بها شقيقاتها بعد أن وضعوا الأغراض في المطبخ ووقفوا يعدون الشاي والقهوة. لتتابع هدى ذراعها وتهمس لها بطريقة أزعجتها:
"أي شكل السنارة غمزت، والود بدأ يحب."
لتتحدث ندى بلهفة تؤكد كلامها وهي تقرص وجنة شمس ضاحكة على عبوس وجهها:
"أيوه ياهدى، أنا كمان خذت بالي، حتى نظراته مختلفة والحب باين في عينيه."
لتسند هدى رأسها على كتفها وتزفر أنفاسها بهيام:
"آه، عيني على الحب وسنينه."
ثم رفعت رأسها تخبرها:
"شكل رحلة إيطاليا جات بفايدة."
ثم سألتها بفضول تمازحها:
"هو أنتِ عملتي إيه خليتي الواد حالو اتشقلب كده؟"
وزادت ندى عليها تقبض على يدها مسرورة:
"طب والله صحيح يامشمش، شكل الواد بيحبك."
زفرت أنفاسها بضيق ونفضت يديها منهم بأنزعاج مبتعدة:
"طب والله أنتو فايقين ورايقين، حب إيه وكلام فارغ إيه؟ أنتو بس بيتهيألكو."
ونظرت هدى نحو ندى ورددت كلمتها الأخيرة بسخرية:
"بيتهيألكو!"
ثم تعالت ضحكتهما وهما يقفان إحداهما بجانب الأخرى يمثلان الرقص وهدى تدندن:
"اهو هو.... دا….الحب دا."
ضايقتها فعلتهما لتنظر نحوهما وتهتف بغضب:
"بس كفاية، بطلو غلاسة."
أما في الخارج فلم يكن الوضع مختلف، وعلي يجلس أمام فارس يستجوبه:
"أي يامعلم، شكل رحلة إيطاليا كانت جميلة."
ضيق فارس عينه وحدجه بنظرات ثاقبة بعد أن لمس مقصده، ليقرر مسايرته:
"آه، إيطاليا جميلة."
ضربه علي على قدمه وغمز له مبتسماً:
"وشكل الحب جميل كمان."
هز رأسه مؤكداً.
"أكيد، هو فيه أحلى من الحب."
ليصفق علي بيده ويقول بصوت منخفض:
"وشكل ابن محسن طب يولاد."
عبس وجهه وقال بأمتعاض:
"أتلم ياعلي."
لكن علي اقترب منه يلكم ذراعه ويقول مازحاً:
"أعترف ياجبان."
نهره بضيق يدفعه عنه بيده:
"بطل ياعلي."
لكن علي أبى الابتعاد وأمسك كتفه يهزه بإصرار:
"ياابني أتكلم، عينيك فضحاك."
ثم أمسك ذراعيه بيديه يجبره على النظر إليه:
"طب عيني بعينك كده."
نفخ فارس بنفاذ صبر ونفض يد علي وهو يهتف:
"أيوه، طب، ارتحت كده؟"
فرح علي لصديق عمره واتسعت ابتسامته قبل أن يتوقف فجأة وتضاءلت ابتسامته ويهمس له سائلاً:
"وهي أخبارها إيه؟"
تنهد بيأس ونظر له بخيبة أمل:
"لسة زي ماهي، مش متقبلاني. ساعات بتلين وبقول فرجت وترجع تاني لصدها وبرودها."
طالعت علي باشفاق وربت على كتفه مواسياً:
"معلش يا فارس، هي معذورة، انت عارف ظروف الجوازة كانت عاملة إزاي."
أومأ براسه وهم بإكمال شكواه، لكنه توقف عندما لمحها تقبل عليهم وهي تحمل أكواب الشاي والقهوة. بوجه مضطرب تتبعها هدى وندى يتهامسن ويضحكن، وكأن اضطرابها تسلسل لقلبه هو. تعجب من تعلقه بها لهذا الدرجة حتى أصبح يشاركها مشاعرها، يبتسم إذا ابتسمت وتدمع عينه إذا رآها تبكي. أصبح لا يعلم من يكون. أشاح عينه عن عين علي التي تتنقل بينه وبينها. ووضعت ما تحمل على الطاولة والتقطت كوب الشاي الخاص بها وكادت أن تجلس، لكنها تذكرت فنجان القهوة الذي أعدته له بكمية سكر أعلى من الفناجين الأخرى، لتلتقطه هو الآخر خشية اختلاطه مع الفناجين الأخرى. ثم مدت يدها تعطيه إياه:
"قهوتك يافارس."
اتسعت ابتسامته ورقص قلبه بأمل وهو ينظر ليدها الممدودة بفنجان القهوة الذي التقطه منها بفرح وقال:
"متشكر، تسلم إيدك."
ضغط علي بقدمه على قدم فارس الذي التفت نحوه ليغمز له علي وحاول مشاكستهما بعد أن رأى شمس تجلس على الأريكة:
"وأنا يا دكتورة مليش قهوة؟"
"خلي مراتك تخدمك، ملكش دعوة بمرات."
قالها فارس مفتخراً وهو ينظر نحو شمس التي اشتعل وجهها خجلاً من كلماته. لتقدم هدى تحمل فنجان القهوة نحو علي وهي تقول:
"أتفضل ياروحي."
"تسلم أيدك ياحبيبتي."
قالها علي وهو يلتقط منها الفنجان ويمسك يدها يقبلها بعد أن جلست بجانبه. ثم نظر نحو فارس يلاعب حاجبيه في محاولة لإغاضته. ليضحك فارس وهو يغمغم:
"مجنون."
مضت ساعتان من الضحك والنقاشات في مواضيع مختلفة في انتظار طارق الذي تأخر حتى شعروا بالملل.
"هو طارق عنده نبطشية؟ شكلو أتأخر أوي؟"
سؤال طرحه علي على ندى التي شعرت بالإحراج وتحيرت بماذا تجيبهم.
"لا ما أعتقدش، دكتور طارق نبطشيته مش الأيام دي، بس ربنا يعينه أكيد عمليات ودي وقتها مش محدد حسب الحالة يعني."
منحها كلام شمس بعض الراحة لتتنهد بارتياح عندما سمعت صوت مفتاحه في باب الشقة ليدخل بطلته البهية وابتسامته المحببة لقلبها، ليخفق قلبها فرحاً كطفل عاد والده بعد غياب. يبدو أنه أصبح أهلها وعائلتها الصغيرة. ورغم تعبه، لكن رؤيته لضيوفه جعلته يبتسم مرحباً بهم.
"اهلا... اهلا الحبايب كلهم هنا."
اقترب يشاكسهم ويلاطفهم وعينه تخطف نظرات نحوها بين الحين والآخر، يبصر سعادتها بوجود شقيقاتها بقربها. انقضت السهرة بين الحب والألفة والضحكات، جو تمنوا أن يدوم بينهم.
***
اليوم سوف تبيت في المستشفى وسيظل هو وحيداً. كانت الشقة مظلمة، دخل غرفته وتسطح على فراشه بضجر. أدرك اليوم أنها باتت جزء مهم من حياته. صوتها، ضحكتها، مشاكسته لها. اشتاق لوجودها رغم غيابها البسيط. أخرج هاتفه وأرسل إليها رسالة:
"ازيك عاملة إيه؟"
وضع الهاتف على صدره وأغمض عينه وابتسم وهو يسمع صوت رسالتها ليرفع الهاتف يقرأها بلهفة:
"الحمد لله."
ليحاول المزاح معها فيكتب:
"جعان."
قهقه ضاحكاً عندما وجدها ترسل له:
"تستاهل عشان تقدر قيمة البيض."
واتبعت ذلك بتعبير مضحك وكتبت:
"اطلب دليفري."
تنهد بهيام وهو يحتضن الهاتف مردداً:
"بحبك يامجنونة."
اتسعت ابتسامته عندما سمع رنين الهاتف ظناً منه أنها هي، لكن تلك الإبتسامة تبخرت عندما وجد اسم حازم. كان يعلم ما يريده منه، فهو أكيد يريد منه أن يسهر معهم. أوشك أن يضغط على زر الإجابة لكنه تراجع في للحظات الأخيرة. هناك شيء صار يبعده عنهم ويشعره بضيق من تلك السهرات. انقطع الاتصال وعاد الهاتف لرنينه مرة أخرى، لكنه هذه المرة وضعه على وضعية الصامت وقرر الخلود إلى النوم.
***
أزالت سماعتها الطبية عن عنقها بإرهاق بعد ليلة متعبة قضتها في المستشفى. ثم خلعت عنها معطفها الأبيض وبدأت تلملم أغراضها بعد انتهاء فترة العمل وتعيد كل شيء مكانه حتى تغادر.
"صباح الخير."
رفعت نظرها عما كانت تفعله لتجد ليلى زميلتها المناوبة. خطفت نظرة نحوها وعادت لما تفعل مرددة:
"صباح الخير يا ليلى، جيتي في وقتك بالظبط كويس إني لحقتك. دكتور مجدي موصي على حالة عشان أتابعها، ياريت تستلمي مني وتبلغيه آخر تطوراتها. مش عارفة هو كان المفروض يكون هنا من نص ساعة، مش عارفة أتأخر ليه؟"
حملت بعض الأوراق تسلمها لها:
"امسكي ياليلى، دي كل التقارير اللي طلبها."
أخذت ليلى منها الأوراق تنظر لها متفحصة لتهز رأسها بعملية:
"ماشي يادكتورة، هبلغه."
هربت شمس على كتفها مبتسمة لتتجاوزها:
"متشكرة، مع السلامة."
بادلتها ليلى الابتسامة:
"مع السلامة."
خطت تخرج من الغرفة تتنفس بإجهاد، تخطو خطوات مثقلة. وبعد بضعة خطوات داخل الممر لمحته من بعيد يتقدم نحوها بابتسامته المعهودة ونظراته المتوقدة. في بادئ الأمر ظنت أنه ربما يكون شخص يشبهه، لكن كلما اقترب وضحت الرؤية. لكن لماذا هو هنا الآن؟ سؤال جعلها تقف أمامه مندهشة وتسأله باستغراب.
"فارس، أنت هنا ليه؟ بتعمل إيه؟"
ازدادت ابتسامته يخبرها:
"أبداً، انت مش قولتي نبطشيتك هتخلص الساعة تسعة، قولت أوصلك البيت بعد مانفطر في أي مكان. أنا عازمك على الفطار ياستي. وهو أرحمك من البيض اللي من غير ملح."
قال الكلمات الأخيرة مازحاً ليقابله امتعاض وجهها. وقبل أن تفتح فمها وترد عليه وجدت من يصرخ باسمها:
"دكتورة شمس."
أستدارت لتجد مرافقين أحد المرضى يتقدمون نحوها بقلق يسألوها بخوف:
"دكتورة، إيه أخبار والدتي؟"
قطبت حاجبيها محاولة تذكره. حتى رفعت سبابتها على فمها عندما أدركت هويته لتقول:
"آه، انت ابن الحاجة رضوى."
هز رأسه مؤكداً:
"أيوه يادكتورة، طمنيني."
"الحالة لحد دلوقتي مستقرة، دكتور مجدي زمانه جاي وتقدر تستفسر منه أكتر. هو الدكتور المسؤول عن الحالة، عن إذنك."
وكادت أن تلتفت مغادرة ليصرخ بغضب مستنكراً:
"انت هتمشي وتسيبيها؟"
قطبت حاجبيها وقالت باستهجان وسط تنبه فارس الذي اقترب وقف بجانبها:
"حضرتك أنا نبطشيتي خلصت وسلمت الحالة خلاص للدكتورة المناوبة."
صاح معترضاً بتهكم وهو يحرك يده:
"طبعاً، وأنتو يهمكم حياة مريض، أهم حاجة راحتكم. المريض يموت يتفلق في ستين داهية ولا كأنها أرواح ناس."
بهتت ملامحها بتعجب وكادت أن تجيبه تدافع عن نفسها:
"يافندم....."
لكنها شعرت بيد فارس يسحبها واضعاً إياها خلفه. كأنها كنزه الذي يحاول حمايته. بعد أن أثارت كلمات الرجل جنون غضبه. وقفت خلفه بهلع تتشبث بسترته وهي تسمع هجومه على الرجل:
"انت اتجننت؟ انت بتكلمها كده إزاي؟ الدكتورة بتقولك نبطشيتها خلصت يعني خلاص المهمة اتنقلت لشخص تاني، مش ملزمة هي تبات مع والدتك."
تراجع الرجل إلى الخلف بعد أن رأى تقدم فارس نحوه، لكنه مثل الثبات وقال بانفعال:
"وأمي يسيبوها كده وهي بحالتها الحرجة؟"
وبذات الانفعال تقدم نحوه:
"انت مابتفهمش؟ هي يعني مفيش غيرها في المستشفى؟ بتقولك سلمت الحالة."
أمسكت بذراعه تمنعه من التقدم خشية الاصطدام مع الرجل، بعد أن وجدت عينيه تشعان غضباً وعروقه تكاد تنفر من مكانها. قالت متوسلة تحاول إيقافه:
"خلاص يافارس... خلاص أرجوك..."
تجمهر عدد من الممرضين والأطباء بعد أن جذبهم الصوت العالي يسألونها بقلق:
"خير يادكتورة؟"
كانت لا تزال متشبثة بذراعه تجيبهم موضحة موقفها، حتى تقدم أحد الأطباء نحو الرجل وسحبه خلفه يتفقد والدته. ظل متسمراً مكانه بأنفاس متسارعة من شدة الغضب. ابتلعت ريقها الذي جف من شدة الخوف وحركت يدها على ظهره محاولة تهدئته:
"خلاص يافارس، خلينا نمشي."
زفر أنفاسه المشتعلة ومسح على وجهه بضيق. تلتفت نحوها يطالعها باضطراب ليمسك يدها بقوة ويجرها خلفه. رغم خوفها من تطور الموقف، لكنها ابتسمت وهي تتذكر وقوفها خلفه. شعور بالأمان لامس قلبها وهي تحتمي به. نظرت نحو يده التي تمسكها ليتسلل شعور غريب يسكن قلبها ويعكر صفو جليده، يضرب على أوتار عنادها ويعزف أنشودة بلحن مختلف، لحن الأمان.
رواية بنات ورد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رشا عبد العزيز
استيقظت في الصباح.
فتحت عينها ببطء ولم تجد أحداً بجانبها.
نظرت للسقف مبتسمة بخفة.
حضنت البطانية بخجل، وهي تتذكر ما حدث البارحة.
كانت مبسوطة بغيرته عليها، ولمساته، واحترامه لرغباتها ولكلامها.
أخذت نفساً مريحاً وقامت.
كانت ترتدي بيجامة بكم وبنطلون لونها بيبي بلو.
وقفت قدام المراية ناظرة لنفسها وابتسامتها.
"بقالي كتير ما ابتسمتش براحة كده."
كانت هادية، لكن مشاعرها متلخبطة.
"مش عارفة دا قبول ولا إعجاب... ولا حب."
اتفتح الباب، ودخل وهو يرتدي فانلة رجالي لونها أسود، وبنطال رياضي لونه رمادي.
نظرت له، وبعدين نزلت نظرها للأسفل ببعض الخجل.
كان ممسكاً منشفة يمسح بها جبهته من العرق. كان يتمرن.
نظر لها وهو يمسح شعره قائلاً:
"فيه إيه؟! واقفة كده ليه؟!"
نظرت له بارتباك قائلة:
"هـ... ها... لـ... لأ مفيش."
أبعد نظره وتحرك متجهاً للحمام.
"مسكت تليفونها واتصلت بنعمة."
قامت وتحركت لغرفة الملابس.
ردت نعمة:
"ألو!"
قالت أسيل:
"إزيك يا ماما؟!"
ردت نعمة بسرعة:
"أسيل!!! عاملة إيه يا حبيبتي."
ابتسمت قائلة:
"كويسة يا ماما... إنتي إل عاملة إيه؟! وحشتيني، وبابا وعلي عاملين إيه؟!"
ردت نعمة:
"أنا كويسة يا ضنايا... ومحمد وعلي كويسين."
أخذت أسيل نفساً، وفضلت تتكلم معاها فترة.
وقفت بجانب الدولاب تحاول تجيب حاجة ليها من أعلى رف.
خرج هو من الحمام عارياً الصدر يرتدي بنطال قطني أسود.
شاورها وهي تضع الهاتف على أذنها وترفع ذراعها للأعلى، وواقفة على أطراف أصابعها.
البيجامة ارتفعت لأعلى، مما جعل خصرها ومعدتها يظهرون.
اقترب منها ناظراً لها بخبث.
وقف وراها، وفجأة...
وضع أنامله على خصرها، يحركه ببطء.
اتخضت، لدرجة إنها شهقت بقوة ولفت بسرعة.
قالت نعمة:
"فيه إيه يا بنتي؟!"
ارتبكت أسيل وهي تنظر له، وردت قائلة:
"هـ... هبقى أكلمك بعدين يا ماما... سلام."
وأغلقت فوراً بسرعة، بدون أي كلام.
قال بهدوء:
"بتكلمي مين؟!"
ردت قائلة بتوتر:
"ماما."
لم يحب أن يزعجها بكلامه وتذكيره لها إنهم ليسوا أهلها، وسكت.
نظرت له بغيظ قائلة:
"كده عيب على فكرة."
رفع حاجبه بسخرية متحدثاً بصوته الرجولي الهادئ:
"عيب في إيه لمؤاخذة؟!"
ردت قائلة وهي تضع يديها على خصرها:
"عيب تقرب مني بالطريقة دي."
وضع يده بجانبها على الدولاب قائلاً بسخرية:
"طب علّميني."
ارتبكت مبتلعة ريقها، ونظرت للأسفل بعفوية.
مسك إيدها مقترباً منها قائلاً:
"المفروض نعمل زي المتجوزين."
ووضع يدها على صدره وهو ينظر لها.
ردت قائلة بتوتر:
"مـ... ما إحنا متجوزين أهو... و... وعايشين زي المتجوزين كمان."
ابتسم ابتسامة خفيفة وباردة مقترباً من أذنها، هامساً بصوت أجش:
"بس مش بنعمل إل هما بيعملوه."
انقبض قلبها.
وبعدت عنه بتوتر قائلة:
"طـ... طب كنت عايزة أسألك حاجة."
نظر لها بهدوء.
وبعدها فتح دولابه وهو يخرج تيشرت.
نظرت له وقالت وهي تشبك يديها بارتباك:
"يـ... يعني خلينا نتعرف على بعض، بما إن النهاردة إجازة."
ارتدى التيشرت قائلاً:
"عندي شغل، مش فاضي."
عقدت حاجبيها قائلة:
"هو كل يوم شغل ولا إيه؟! خلي يكون فيه وقت فاضي لينا كده."
نظر لها، وهي اتصدمت مما قالته.
وضعت يديها على فمها بسرعة وتوتر.
ونظرت له وقالت وهي تلف بسرعة:
"إنسى إل قولته."
وجرت للخارج فوراً.
ابتسم بخفة، وتحرك خلفها.
لقاها واقفة قدام البلكون بتأنيب غبائها وتسرعها في الحديث.
قعد على الكنبة بهدوء قائلاً:
"بس لسه معايا شوية وقت."
لفت ونظرت له.
وبعدها ناظرة للأسفل.
ربت على قدمه قائلاً:
"تعالي."
نظرت له بشدة مما يقصده، لكنها قربت وقعدت جنبه.
نظر لساقه، وبعدها لها.
اتوترت ناظرة بعيداً عنه.
لكنه مسك دراعها وقومها وقعدها على رجله.
نظرت له بشدة قائلة:
"بـ... بس أنا...."
حاوط خدها بيده مهمساً:
"ششش."
سكتت بخجل وارتباك.
وهو أخرج شيئاً من جيبه.
اتصدمت لما لقيته زر الصاعق.
كادت أن تتحدث، لكنه ضغط الزر.
أغمضت عينها بسرعة وخوف.
لكن لم تشعر بشيء.
فتحت عينها، ولقيته ضغط زر أصغر من الزر الأحمر.
نظرت للصاعق ولقيته اتفك.
أندهشت ومسكت الصاعق قائلة:
"ربنا يكرمك يا أخي."
ابتسم بخفة.
لكن فجأة مسكت إيده قائلة:
"جرب إنت بقى."
رفع حاجبه بهدوء وسخرية.
ولفت الصاعق حوالين معصمه قائلة:
"إنتوا بتجيبوا الحاجات دي منين... مش مهم، المهم تجرب إل أنا جربته."
وقفلته، ومسكت الزر منه ناظرة له بخبث طفولي:
"هعذبك من هنا ورايح."
ابتسم بجانبية معيداً ظهره للخلف قائلاً:
"وريني."
أندهشت من جرأته وعدم خوفه، أو توتره.
وضعت يدها على الزر لكن لم تضغط.
نظرت له بتردد.
وهو قال بهدوء:
"دوسي يا أسيل."
نظرت له وقالت بضيق:
"بس أنا مش زيك... ومش هعمل كده."
وكادت أن تقوم.
لكنه قعدها تاني ومسك إيدها الممسكة بالزر وضغط عليه.
اتصدمت.
وهو سار يرتجف قليلاً عندما شعر بالكهرباء تسري في جسده.
نظرت له بشدة ورفعت حاجبها قائلة:
"إنت مش بتحس ولا إيه؟!"
تركت الزر قائلة:
"خلاص كده، بقينا متعادلين... أقلع البتاع ده بقى."
نظر لها.
وهي ضغطت على الزر الصغير ونزعته.
نظرت له قائلة:
"هو أنت كنت عايش في إيطاليا بجد؟!"
همهم قائلاً:
"إممم."
قالت:
"يعني عيلتك عايشة هناك؟!"
سكت قليلاً ونظر للأسفل قائلاً:
"أيوا."
قالت:
"إيه هوايتك؟!"
تنهد قائلاً:
"السباحة."
أندهشت قائلة:
"عشان كده قدرت تحبس أنفاسك كل الفترة دي؟!"
أومأ مبتسماً بخفة.
وقالت هي بابتسامة:
"يبقى لازم تعلمني!"
تنهد ناظراً لها بهدوء ناعم:
"حاضر."
نظرت للأسفل بخجل، وبعدها نظرت له مجدداً وقالت بتردد وارتباك:
"هـ... هو أنت والدك صعيدي بجد؟!"
نظر للأسفل، قابضاً يده لكن ليس من الغضب، من شيء آخر وقال بنبرة جافة:
"لا."
أندهشت.
واستغربت، الكل يقول إن والده صعيدي.
فجأة رن هاتفه، وهي قامت بسرعة.
تنهد وقام وقف وجاب هاتفه من على الكمود.
نظر له قليلاً، ولم يرد.
لف وجهه ناظراً عليها.
رآها تنظر للأسفل ببعض الحزن.
أخذ نفساً، وترك الهاتف قائلاً:
"مش كنتي عايزة تتعلمي السباحة؟!"
نظرت له بسرعة وابتسمت، وأومأت له فوراً.
تحرك للباب قائلاً:
"غيري هدومك وتعالي ورايا."
جريت بسرعة لغرفة الملابس، وهو خرج.
***
عند حمام السباحة.
كانت واقفة تنظر لحمام السباحة بشدة وخوف.
ابتلعت ريقها وهي ترتدي بنطلون إسترتش مطاطي، وبلوزة سباحة لونها أسود مطاطية بأكمام.
قرب منها وهو عاري الصدر قائلاً:
"واقفة ليه كده!!! انزلي يلا."
نظرت له بتوتر قائلة:
"ا... إيه؟! أنا غيرت رأيي، مش عايزة أنزل."
ولفت عشان تمشي.
لكنه مسك ذراعها قائلاً بنبرة باردة:
"لازم تجازفي عشان تعيشي."
استغربت أحاديثه.
وفجأة لقيته شالها.
اتصدمت وهو نزل لحمام السباحة ببطء.
اتشعلقت في رقبته بخوف وقلق.
وقد أصبحوا في الماء.
نظرت له، وهو ترك ساقها تتحرك داخل الماء.
وضعت يدها على كتفه ناظرة للماء بتوتر لكن بإستمتاع.
رفعت رأسها ونظرت له بابتسامتها قائلة:
"من إمتى بتعرف تسبح؟!"
سكت قليلاً كأنه بيفكر فيما سيقوله، نظر لها وقال:
"من وأنا صغير."
قالت:
"كام سنة؟!"
تنهد قائلاً:
"8."
ابتسمت وهي تمسك خده قائلة:
"تلاقيك كنت كيوت أوي."
ابتسم بخفة على حديثها.
فجأة...
هاجمته ذكرى.
لطفل يتناثر الدماء على وجهه، ولكن مبتسم ببرود.
انتفض لدرجة إنها اتخضت ووقعت داخل المياه.
استوعب ومسك إيدها بسرعة وخضة وكأنها بتموت منه.
أخذت أنفاسها بسرعة وهي تسعل.
نظرت له، وهو تحرك لحافة المسبح، ورفعها من وسطها فوراً وقعدها على حافة المسبح.
نظرت له، وهو طلع من المسبح فوراً وهو يتحرك للخارج وعلى ملامح وجهه الجمود والضيق.
نظرت له واستغربت.
قامت وقفت، لدرجة إنها كانت هتتزحلق بس سندت نفسها وجريت وراه قائلة:
"استنى يا إلياس."
طلع لجناحه فوراً، ودخل غرفة الملابس وهو بيطلع بدلة رسمية له.
دخلت وراه قائلة:
"إنت رايح فين؟!"
مردش عليها وكمل وهو بيطلع حاجته ويضعهم على الكنبة.
قربت منه قائلة بحزن:
"مش هتعلمني؟!"
وقف ناظراً للأسفل.
تنهد قائلاً بصوت مبحوح:
"بعدين يا أسيل."
استغربت نبرته الرجولية ذات البحة الظاهرة، ووضعت يدها على كتفه قائلة:
"إنت كويس؟!"
أومأ دون النظر لها.
وطلع أشياءه وتحرك للحمام.
تنهدت وقعدت على الكرسي وهي تضع يديها على وجنتيها ناظرة للأسفل.
خرج بعد وقت وهو يرتدي ملابسه، قميص رجالي أبيض وبنطال أسود.
وقف أمام المرآة وهو يرتدي الجرافتة السوداء.
قامت وقفت وقربت منه قائلة:
"هتتأخر؟!"
رد بهدوء قائلاً:
"لا... مش كتير."
نظرت للأسفل وسندت خصرها على التسريحة خلفها.
وهو نظر لها وهو يرتدي ساعته قائلاً:
"لو عايز تخرجي ا ‘خرجي."
قالت وهي تمد شفتيها السفلية للخارج:
"هخرج مع مين يعني؟!"
وضع يده على الطاولة بجانبها قائلاً:
"مش ضروري تخرجي مع حد... ا ‘خرجي لوحدك واشتري إل يعجبك."
نظرت له بابتسامة خفيفة ساخرة وقالت:
"أنا لو اشتريت إل نفسي فيه، مرتبى هيخلص."
نظر لها قائلاً:
"وانتي هتحتاجي إيه من مرتبك... طول ما جوزك عايش ا ‘تمتعي من خيره."
نظرت له.
اتكسفت وبعدها نظرت للأسفل، لم تبتسم.
ولكنها خجلت.
مسك محفظته وطلع كروت بنكي قائلاً:
"خليه معاكي."
وضعت يدها عند أذنها بإحراج.
وهو مسك يدها ووضع بها الكارت قائلاً بهدوء:
"هاتي كل إل نفسك فيه."
أومأت بابتسامة خجولة وهي تنظر للأسفل.
وهو حاوط خدها رافعاً للأعلى قائلاً:
"بس متبعديش... هبقى أتصل عليكي."
أومأت قائلة:
"حاضر."
لف وأخد هاتفه ومحفظته ومفاتيحه.
وخرج.
نظرت للكارت وابتسمت بخجل.
قامت وقفت وغيرت ملابسها فوراً لـ...
دريس طويل واسع، لونه أخضر وأكمامه بيضاء.
ارتدت كوتش أبيض ومسكت شنطتها بعد ما سابت شعرها وارتدت قبعة فرنسية.
***
في إيطاليا
روما
قصر الألفي
واقفة جوليا والعصبية على وجهها، وفي شنطة سفر جمبها.
قالت سيلين بعصبية:
"Non ti lascerò andare in Egitto."
"لن أسمح لكِ... لن تذهبي لمصر."
قالت جوليا بعصبية:
"همشي ومش هتقدري تمنعيني."
سكتت سيلين بحدة.
فا هي لا تريد التحدث بالمصري.
نزل صادق وريناد على الصوت.
قالت ريناد:
"فيه إيه يا سيلين؟!"
قالت جوليا وهي بتقرب من عمتها بحزن:
"عايزة أسافر مصر وهي مش موافقة."
قال صادق بتعجب:
"وإنتي عايزة تسافري مصر ليه؟!"
قالت جوليا بضيق:
"هسافر مع توماس... و..."
قاطعتها سيلين بعصبية قائلة:
"قولت لا، يعني لا."
الكل نظر لها بدهشة.
فا قد تحدثت بلغتهم الآن.
وضعت سيلين يدها على فمها بدهشة وضيق، ونظرت لصادق.
تنهد صادق ونظر لجوليا قائلاً:
"خلاص يا جوليا... اسمعي كلام مامتك."
نظرت له جوليا بدهشة.
ونظرت ل سيلين بعدها قائلة بعصبية:
"بس أنا كبيرة... وقراراتي آخدها لوحدي."
رد صادق بحده:
"بس يا جوليا..."
قالت ريناد:
"أنا مش شايفة مشكلة إنها تسافر مصر، كانت هتقعد مع إلياس... بس بما إن أهلك مش موافقين يبقى خلاص إنسي."
نظرت لها جوليا بدهشة قائلة:
"حتى إنتي يا عمتو!!!"
قالت سيلين بحده:
"Sali nella tua stanza."
"اصعدي غرفتك."
قربت منها جوليا ناظرة في عينها بحده قائلة:
"إنتي مزيفة، وكلامك مزيف... وكل حياتك مزيفة."
اتصدمت سيلين ناظرة لها بشدة.
رد صادق بغضب:
"جولياااا."
مبصتش ليه حتى، عينها على سيلين.
ولفت وطلعت للأعلى ناحية غرفتها.
تنهدت سيلين بضيق، واتحركت هي أيضاً لغرفتها.
نظرت ريناد لصادق وبعدها لفت ودخلت غرفة والدها الذي اشتدت التعب عليه.
تنهد صادق وطلع خارج القصر.
قصر ليس به سوى الفراغ، سواءً في المشاعر أو العدم.
***
في مصر
وتحديداً في بيت محمد.
كان واقف بيصرخ على "علي" إل بيحاول يسرقه.
قال محمد بغضب:
"هي حصلت إنك تسرقني؟!"
قال علي بجنون:
"هات الفلوس، محتاجها."
عَيَّطَت نعمة قائلة:
"فيك إيه يا علي؟! مالك يا ابني! بقيت عامل ليه كده؟!"
كانت عيونه حمراء وأسفلها أسود، يمسح أنفه كل دقيقة وجسده أصبح ضعيف.
ورد قائلاً بعصبية:
"محدش ليه دعوة بياااا... أنا عايز الفلوس وبس... عايزها عشان أعيش."
رد محمد بغضب:
"إنت اتجننت!!! هو إيه إل محدش ليه دعوة بيك... كل يوم بتبوظ أكتر من الأول وأنا ساكتلك."
رد علي بحده:
"هات الفلوس."
قالت نعمة:
"حرام عليك... بس بقى، كفاية إل بتعمله في نفسك ده."
نظر له محمد بحدة وشك قائلاً:
"إنت بتشرب يالاا؟! بتتعاطىىىى."
نظر له علي، وبعدها نظر ليده وسحب الفلوس بسرعة وجري للخارج.
اتصدم محمد ونعمة في ابنهم الوحيد، ومحمد جري وراه وحاول يلحقه.
لكنه هرب.
قعدت نعمة على الأرض باكية، على حال ابنها.
نظر لها محمد بضيق، فماذا يقول.
شافتهم جارتهم علا وهي تنظر لهم بشماتة.
دخلت ومسكت هاتفها تتحدث مع ابنها، هامسة بصوت خبيث:
"إديله أكتر."
***
في المول
في إحدى الأتيليهات الفخمة.
كانت واقفة أسيل تحاسب على بعض الملابس إل أخدتها.
خرجت وهي تنظر في الهاتف، وأرسلت صورة لها أمام المحل لإلياس وكاتبة أسفلها:
"مش هسيب قرش في الحساب."
رد عليها بعد ثانيتين:
"فداكي... خلصيه وابعثلك غيره."
ابتسمت ونظرت أمامها وأتحركت بهدوء.
فجأة...
لقت مازن واقف قدامها قائلاً بابتسامة:
"أسيل... عاملة إيه؟! وحشتيني."
اتوترت، لكنها ابتسمت بخفة قائلة:
"كويسة يا مازن... عامل إيه؟!"
رد قائلاً:
"كويس... أومال بتعملي إيه هنا؟!"
قالت وهي ترفع حقائب الشراء:
"عادي، بشتري شوية حاجات."
نظر لها قائلاً بابتسامة هادية:
"طب إيه رأيك، أعزمك على حاجة نشربها."
نظرت حولها بارتباك قائلة:
"مـ... ما هو... ا... أصل..."
قاطعها لما مسك إيدها قائلاً:
"هما خمس دقايق يا شيخة."
نظرت ليده التي تمسكها بشدة، شدت إيدها قائلة:
"متتمسكش إيدي لو سمحت."
رفع إيده قائلاً:
"تمام أسف... بس ممكن تيجي معايا؟! عايز أقولك حاجة."
تنهدت ووافقت، وأخدها كافيه في المول.
قعدوا.
ونظر لها مازن قائلاً:
"قوليلي بقى... إيه أخبارك."
نظرت للأسفل بعشوائية قائلة:
"كـ... كويسة."
رد قائلاً:
"مالك متوترة ليه كده؟!"
نظرت له قائلة:
"ها!!! لـ... لأ مـ... مفيش."
شاور للنادل، ونظر لأسيل وقال:
"تشربي إيه؟!"
قامت وقفت وهي تمسك في حقيبتها قائلة:
"أنا لازم أمشي."
وقف وقال:
"طب والله ما هتمشي غير لما تشربي حاجة."
نظرت له وكادت أن تتحدث، لكنه قال:
"فيك إيه يا أسيل اتغيرتي أوي."
تنهدت وقالت:
"متغيرتش ولا حاجة... بـ... بس مش مرتاحة."
قال:
"طب اقعدي بس، اقعدي."
ومسك مرفقها وقعدها تاني قائلاً:
"خمس دقايق بس."
قعدت بضيق، وهو قعد وطلب عصير فريش.
نظر لها وقال:
"بقالنا كتير متكلمناش."
قالت وهي تنظر للأسفل:
"عشان مش فاضية."
ضحك بسخرية قائلاً:
"مش فاضية إزاي... ما من الشغل للبيت، ومن البيت للشغل."
سكتت.
وهو قال:
"عم محمد عامل إيه؟!"
قلبها انكمش ضيقاً، ونظرت لمازن قائلة:
"كويس."
أومأ وبعدها قال:
"فاكرة لما كنا في الجامعة وجه ولد يضايقك، وإنتي مسحتي بكرامة أهله الأرض."
ابتسمت بسخرية وقالت:
"وأنت قاعد زي صفيحة البسلة."
ضحك وقال:
"مكنتش أعرف إني كان لازم أدافع عنك."
قالت:
"وإنت هتلاحظ إزاي من البنات إل حواليك."
ضحك وبعدها مسح على كتفه بفخر قائلاً:
"أعمل إيه بقى، كاريزمتي ووسامتي هي اللي غلبتهم."
ضحكت بسخرية.
و....
وجلسوا يتحدثون على أيام الجامعة والذكريات القديمة.
لدرجة أنهم لم يستوعبوا مرور الوقت.
***
في وقت ما قبل حلول المساء بقليل.
ضحكت أسيل قائلة:
"إنتوا أساساً شبه حبات البطاطس."
قال مازن ضاحكاً:
"يابنتي أنا كنت جزرة... حباية بطاطس إيه بس!!!"
ضحكت.
وعينها جت على الساعة الكبيرة التي على الحائط.
قامت وقفت بخضة قائلة:
"ينهار أبيض... اتأخرت."
قام وقف قائلاً بسخرية:
"وفيها إيه يعني؟!"
أنفاسها زادت، ومسكت شنطتها وأشياءها بسرعة قائلة:
"لـ... لازم أمشي... مـ... مينفعش أقعد أكتر من كده."
دفع الحساب على الطاولة وقام وقف قائلاً:
"طب استنى هوصلك."
افتكرت السائق التي تركته بالخارج منتظرها وقالت:
"لـ... لأ شكراً يا مازن... ا... أنا هركب تاكسي."
وفتحت هاتفها لقت كمية اتصالات ورسائل من إلياس وهي كانت فاصلة التليفون خالص.
الرعب دب في قلبها.
وكادت أن تلف لكن مازن مسك إيدها ناظراً في عينيها بطريقة غريبة قائلاً:
"كنت عايز أقولك حاجة."
قالت وهي تحاول تبعد إيدها عنه بتوتر وضيق:
"مش وقته يامازن، أنا لازم أمشي.... أنت من الصبح أصلاً عمال تقولي هقولك حاجة، ومقولتش."
لكنه وقفها قائلاً:
"عايز أقولك حاجة مهمة، وقبل ما تمشي... عارف إنها متأخرة... بس أنا إل كنت أعمى مش بشوف قدامي، كنت غبي وأنا بلف ورا البنات وأنا معايا إل أحلى منهم."
نظرت له بشدة، وهو نظر لها بنظرة غريبة.
وكادت على التحدث لكن....
فجأة شدها لحضنه قائلاً بسرعة:
"بحبك."
اتصدمت ونبضات قلبها توقفت.
انعقدت حواجبها وسط صدمتها من تغييره معها، وما يفعله.
لكنه قال فوراً:
"تتجوزيني؟!"
اتصدمت، ولسة هتزقه بعيد عنها بعصبية، لكن....
فجأة لفته بعيد لوحده.
لكن بعد جداً لدرجة إنه وقع على الأرض.
نظرت له بشدة، وكل من بالمكان قام وقف ناظراً لما حدث بصدمة.
لقتهم ينظرون عليها.
لكن بزاوية وراها بقليل.
حركت وجهها ونظرت للخلف.
صدمة احتلت وجهها عندما رأته ورأت عيونه الحمراء الحادة كالجمر، وعروق رقبته البارزة بحدة.
ارتجفت أنفاسها وجسدها تلقائياً.
غير قادرة حتى على ابتلاع ريقها من ذاك الحلق الجاف.
أتحرك وهو بيقرب من مازن الواقع على الأرض يتألم مما تلقاه.
وقفت أسيل قدامه بخوف قائلة:
"لا يا إلياس... متعملش كده، كفاية."
حرك أعينه الحادة عليها.
نار مشتعلة تتطاير من عينه.
مسك معصمها بقوة لدرجة الكسر.
حتى هي اتخضت من قبضته.
أخذها ولف وتحرك خارج المكان.
ومازن مرمي على الأرض يصرخ من الألم ومغمض عينه، من قوة وسرعة الضربة ملحقش يشوف حتى مين الشخص إل عمل فيه كده.
الأمن شالوه بسرعة وأخدوه للخارج عشان يلحقوه ويروحوا المستشفى.
والناس عمالة تنظر، منهم المندهش، والمصدوم، والمبهور بقوة ذاك القاسي، والمستغرب.
***
في الخارج.
بتحاول تبعد إيده المتحكمة فيها ومش عارفة، صارخة به وقالت:
"أوعىىىي إلياس... ان...."
سكتت بخضة وخوف لما صرخ بها قائلاً:
"إخرسيييي."
انكمشت في نفسها ودموعها اتجمعت في عينها غصب عنها.
نبرة صوته كانت عالية ومفزعة، نبرة صوت رجالي خليظ وخشن.
شدها وكمل لسيارته، زقها على الكرسي، وقفل الباب بقوة جعلتها تنتفض.
لف وركب العربية وقفل الباب ناظراً أمامه وهو يتنفس بثقل وحده.
ضغط على الفرامل بقوة.
وأنطلق، تحت نظرات الخوف والتوتر منه.
حاولت تتكلم قائلة:
"ا إلياس... ا أنا.."
نظر لها بحده ضاغطاً على أسنانه:
"ششش... كلامنا في البيت."
ونظر للأمام مجدداً.
خافت من نظراته وحدته الواضحة.
مش دا نفس الشخص الهادي إل تعرفه.
كان شايفة احمرار عينه وملاحظة عروق يده البارزة من الغضب المكبوت، والضغط على الدركسيون.
***
في قصر الألفي.
وقف بالعربية بقوة، ونزل منها.
لف وفتح الباب عندها، إل كانت بتحاول تفتحه عشان تهرب منه.
لكنه سبقها.
مسك معصمها بقوة وشدها لعنده، ناظراً لها بحدة.
ارتعشت منه، ناظرة له بأعينها الخائفة.
لكن المرة دي متهزش قدامها غضبه عماه.
أتحرك وشدها وراه بشدة.
حاولت تستعطفه بصوتها الباكي قائلة:
"إلياس... ا أنت فاهم غلط، ا أرجوك استنى."
مردش عليها وأخدها لفوق.
طلع على جناحه.
وزقها بشدة، ولف وقفل الباب.
ات‘رعبت، خصوصاً لما شافته بيلف وبي‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛؛‘؛‘؛‘؛؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛‘؛
رواية بنات ورد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رشا عبد العزيز
لم تستطع عيونه النوم وقلبه يشتاق لها. عينه تطالع مكانها الفارغ بحزن، حتى وسادتها وعطرها لم يستطيعا مواساته. نهض من فراشه بعد أن لاح شعاع الشمس بخجل خلف زجاج النوافذ. استقام واقفاً ليتجه نحو الحمام، لكنه اصطدم بصورته المنعكسة خلف المرآة. وجهه الشاحب وعيونه ذابلة، تصطبغ بلون الأحمر من عدم النوم. أحس أنها لم تبعد ليلة بل دهر من الزمن.
أقترب من المرآة يتلمس وجهه بعتاب ويحاور قلبه بحرقة:
"يوم واحد يا علي بعيدة عنك كبرتك مية سنة. ليلة وحدة حسيت فيها أنك ضايع."
رأسه بندم وخرجت الكلمات منه بحسرة:
"جايز عندها حق يا علي، أنت ما أنصفتهاش وخذلتها."
ثم رفع عينه يواجه نفسه بالحقيقة:
"بس دي أمي، مش هقدر أزعله."
تنهد بألم وكأن جبال من الهموم قد أثقلت كاهله. اتجه نحو الحمام يأخذ حمام دافئ، عله تلك المياه المنسابة تزيل معها حزنه.
خرج من غرفته متجهاً نحو باب شقته، لكنه وقف ينظر إلى باب تلك الغرفة التي هربت منه إليها واتخذتها ملجأ لها، تخفي فيها حزنها وتخرج ألمها. كاد أن يتجاوزه ويخطو مغادراً، لكن قلبه كبله ومنعه من التقدم، ليسوقه نحوها. وقف أمام الباب وأدار المقبض بهدوء ودخل. مقترباً منها ليعتصره قلبه على هيئتها، عينها المتورمة من شدة البكاء ووجهها الباهت.
وقف يطالعها مده من الزمن يطفئ شوقه إليها، ثم انحنى يقبل عينها المنتفخة كأنه يعتذر منها. ليبتعد ويغادر، يغلق الباب خلفه بهدوء، لتنساب دموعها بقهر بعد أن تأكدت من مغادرته.
***
فتح عينه بأنزعاج بعد أن تكرر رنين هاتفه عدة مرات. ليدعك عينه ويمد يده يلتقط هاتفه. تعجب عندما رأى اسم علي على الشاشة، ليجيب بسرعة:
"ألو."
"أيوة يا فارس، البس وأنزل أنا مستنيك تحت."
ضم حاجبه بتعجب ليسأله:
"تحت فين؟ هي الساعة كام؟"
قالها وهو يدعك عينه ويرفع الهاتف أمام عينه ليقول متعجباً:
"الساعة سبعة، علي أنت فيك حاجة؟"
"يووو يافارس ألبس يا بني من غير كتر كلام، يلا أنا مستنيك."
وقبل أن يعترض وجده يغلق الهاتف. نظر نحو شاشه الهاتف بحيرة:
"مالو دا؟"
كانت تقف في المطبخ تعد فطوراً لها، لتصيبها الدهشة عندما وجدته يخرج من غرفته ويرتدي سترته على عجالة. لمحها تقف عند باب المطبخ واقتربت منه تسأله:
"صباح الخير."
ليجيبها مبتسماً وهو يغلق أزرار أكمام قميصه:
"صباح الورد والفل والياسمين على عيون حبيبتي."
أربكتها كلماته حتى أنستها سؤالها، لكنها استطاعت أن تلملم شتاتها وحركت عينها يمينًا ويسارًا تحاول أن تتذكر، حتى رأته يتأكد من وجود هاتفه في جيبه ويرتدي ساعته الالكترونية الملحقة به:
"أنت رايح فين على الصبح كده؟"
لم يشأ إخبارها بشيء حتى يفهم ما يحصل:
"أبداً، علي عازمني على الفطار."
رددت اسمه بدهشة:
"علي."
ثم نغزها قلبها لتسأله بقلق:
"ليه هي هدى فيها حاجة؟ أصل مش عوايدها تسيبه يفطر بره."
"لا دي حاجة متعودين عليها أنا وعلي، تهفه نفسه يأكل حاجات غريبه، يقوم عازمني معاه. تلاقي عاجبه يأكل فول وطعمه من وسط البلد، حاكم علي يعشق الأماكن دي."
رغم عدم اقتناعها بحديثه، لكنها أومأت رأسها توافقه، ليقرص وجنتها يشاكسها قائلاً:
"سلام يا قمر، خلي بالك من نفسك يا شمسي."
تركها تنظر لآثره بعد أن ألقى كلماته وغادر بسرعة، وكلماته الغزل التي صار يغدقها بها تزلزل صمودها وتبعثر ثباتها المزعوم، لتجد نفسها تحرك رأسها بقله حيلة وتبتسم مرددة:
"مجنون."
***
في إحدى الكافيهات المطلة على النيل، جلس أمامه ينظر له بدهشة وهو يقص عليه ما حصل بأعين فاض منها الحزن وصوت غلفه الندم، رغم أنكاره واعتبار ما فعله هو مجرد دفاع عن والدته وحفاظ على رضاها.
"أنت غلطان يا علي، وردة فعلك فيها مبالغة، كان ممكن تلم الموضوع وترضي الاثنين."
زفر أنفاسه بيأس ونظر نحو فارس بتيه:
"مش عارف يافارس، أنا محستش بنفسي لما لقيتها علت صوتها عليا."
طالعه بأسى:
"متزعلش مني يا علي، طنط صفاء زودتها معاها وهي استحملت كتير، طبيعي تنفجر."
حرك رأسه بقلة حيلة وقال بصوت متعب:
"ما أنت عارف ماما يا فارس، وأنا ياما فهمت هدى طبعها وطلبت منها تستحملها عشاني."
"بس كل إنسان وله طاقة، وبعدين هي مش مجبرة تستحمل حتى لو كان عشانك."
قلت كلماته بقهر تحمل معها ألمه:
"بس هي عارفه أني بحبها."
"الحب ساعات ميكونش كافي ياعلي، هدى فقدت الأمان، هي كانت محتاجة تحس أنك سند ليها."
هز رأسه برفض:
"مش هقدر يافارس، دي أمي، وأنت عارف أمي أي بألنسبة لي."
ربت فارس على يده الموضوعة على الطاولة يواسيه:
"طول بالك ياعلي، هتتحل إن شاء الله، أديها وقت تهدى وحاول أنك تتكلم معها وتشرح لها وجهه نظرك."
أومئ له بحسرة، ليحاول فارس التخفيف عنه مشاكساً إياه:
"أي مش ناوي تفطريني، وألا هتقضيها كلام عشان تنسيني العزومة؟"
رسم علي شبح ابتسامة اغتصبها من رحم حزنه وسط أهاته المكتومة.
***
أغلقت الهاتف مع دعاء بعد أن طلبت منها الإذن لعدم حضورها اليوم إلى المدرسة لمرضها. لكن وسط إلحاح دعاء سردت لها هدى ما حصل، لتشجعها دعاء على ما فعلت وأن تستمر في خصامها مع علي كي يعرف خطأه.
أراحت ظهرها على ضهر السرير، أغمضت عينها بوهن، قلبها أنهكه الألم ورأسها ملأتها الأفكار المتصارعة. أثارت داخها عواصف الهموم التي أثقلت روحها. فتحت عينها بدهشة عندما سمعت الطرق على الباب. اتجهت نحو الباب وفتحتته متوجسة، لتقف مصدومة وهي تجد عمها يقف أمامها مبتسماً:
"صباح الخير."
"صباح الخير يا عمي."
قالتها هدى بقلق وارتباك:
"ممكن أتكلم معاكِ يابنتي."
"أيوه يا عمي أكيد اتفضل."
قالتها وهي تزيح جسدها عن الباب وتشير له بالدخول.
دخل حسن وجلس على الأريكة يشير لها بالجلوس:
"تعالي ياهدى اقعدي."
تقدمت بتردد وجلست بالقرب منه على استحياء:
"ازيك ياهدى؟"
"الحمد الله يا عمي."
تتم حسن ساخراً:
"مش باين يابنتي، شكلك بيقول أنك تعبانة."
طأطأت رأسها بحرج ولم تعقب:
"أنت اتخانقتي أنتِ و علي؟"
رفعت هدى عينها نحوه ببطء لتخبره عينها بالإجابة دون أن تنطق كلمة.
حرك حسن رأسه بحزن وقال:
"بصي يابنتي، أنت لما اتجوزتي قلتلك أنك من النهاردة بنتي وأن هدافع عنك وأكون سند ليكِ، وأنا لسة عند وعدي ياهدى. أنا عارف ان صفاء اذتك بالكلام صح، أنا مش عارف أي الي حصل بينكم، لكن أنا عارف مراتك. بس صدقيني يابنتي صفاء مش وحشة، بس صفاء عندها علي شيء مقدس في حياتها بتحبه وبتغير عليه أوي، ويمكن حب وغيرة جنونية. تصوري دي بتغير عليه مني، فما بالك بواحدة بتشاركها فيه. ومش بس كدة، هي متأكدة أنه بيحبها."
"بس أنا مش بلوم عليها، أنا ألي قاهرني علي خذلني ومأنصفنيش وداس على كرامتي كأني مليش اعتبار عنده."
قالت كلماتها تقاطعه وتختنق حروفها قبل أن تخرج من جوفها بحرقة. لمسها حسن ليقول محاولاً الدفاع عن ولده:
"يابنتي علي بيحبك، صدقيني، أنا عارف انه ضعيف قدام مامته، بس هو بيحبك بجد."
نظرت له هدى بضياع وخرجت كلماتها بكسرة:
"وأي فايدة الحب من غير أمان وكرامة؟"
اخفض عينه وهو يعلم صدق حديثها، لكنه قرر أن يحاول أستمالتها من جديد:
"عندك حق يابنتي، بس مش عشان علي أبني، بس عشان أنتِ غاليه عندي، متسبيش المشاكل تهدم بيتك، ومتسمحش لحد يدخلك مملكتك ويستعمرها ويكون المتصرف فيها. أنا معاكِ أن علي يستاهل أنك تعاتبيه وتعاقبيه، لكن متخليش الجفاء يطول بينكم، ولاتسمحي أن أول مشكلة تهد الحب الي بينكم."
ظلت تنظر له ولاتعلم بماذا تجيبه، لكنه نهض مقترباً منها وانحنى يقبل رأسها يخبرها مطمئناً:
"مهما حصل ومهما كان قرارك، هفضل جنبك وفي ضهرك، حتى لو أضطريت أني أقف في وش علي نفسه."
نظرت له بأمتنان وانسابت دموعها تعبر عن مشاعر أعادتها للماضي، كان والدها عاد من جديد. جلس بجانبها وضمها إليه بحب:
"متعيطيش يا غاليه... دموعك غاليه يابنت الغالي."
وبعد فتره من الزمن تركها عمها وغادر وهو يدعو لها ولولده بصلاح الحال.
لتسمع رنين هاتفها. التقطته لتجد شمس المتصلة. جلت حنجرتها وسعلت عدة مرات ثم تحمحمت تجيبها تخفي آثار البكاء عن صوتها:
"ألو."
"ألو هدهد حبيبتي، أزيك عاملة أي؟"
"أهلا يامشمش، أزيك ياحبيبتي."
"الحمد الله، انت أزيك، أي الكسل دا، إزاي تخرجي جوزك من غير فطار يابتاعة الحب والروايات."
ابتلعت ريقها بخوف وتلعثمت كلماتها:
"اه... صح، أعمل أي، أصل ماسمعتش المنبه وعلي ما صحانيش."
"أيوه ياعم، أهو الحب بهدلة، خليتي الرجل يفطر بره عشان خايف يصحيكي."
ابتلعت غصة مرة وكلمات شمس تزيد جرحها نزيفاً، لتستطرد تسأله:
"وانتِ عرفتي ازاي؟"
"أصله أتصل على فارس وعزموه على الفطار."
"قصدك رحمو، لأنك أكيد مش بتعمليله فطار، عرفاكِ."
قالتها هدى تمازحها.
"بنت أحنا ماشيين بمبدأ أعتمد على نفسي."
لتضحك هدى رغم حزنها وتستمر بوصلة مزاحها:
"ربنا يعينك يا أبن عمي."
"هدى اتلمي."
قالتها شمس بأنزعاج مصطنع، قبل أن تفاجئها:
"هدى حبيبتي، أنتِ كويسه؟ صوتك تعبان."
أغمضت عينها وتنهدت بهمس قبل أن تجيبها:
"لا ياحبيبتي، بس أنا لسة صاحية من النوم."
"طب الحمد الله ياحبيبتي، هسيبك أنا، خلي بالك من نفسك، مع السلامة."
"مع السلامة يا مشمش."
أغلقت الهاتف والأفكار تحاصرها بعنف، وضجيج تلك الأصوات تحيط بها مابين داعم وناصح، وقلبها يسحبها نحوه وعقلها يبعدها عنه في صراع أرهقها، حتى وجدت نفسها تهرب من كل هذا وهي تستلقي وتغط في نوم عميق.
***
تفاجئت به يتصل بها يخبرها أنه سوف يأتي لاخذها من المدرسة. وقفت أمام باب المدرسة تنتظره بترقب، حتى وجدت سيارته تقف أمام الباب ويشير لها مبتسماً. فتحت الباب وركبت بجانبه تنظر له بقلق:
"طارق، فيه حاجة أخواتي جرالهم حاجة؟"
ليضحك على هيئتها يلوم نفسه حتى أبسط الأشياء التي يفعلها صارت تصيبها بالدهشة:
"مالك ياندى خايفة كده ليه؟"
صمتت تطالعه، ليقول ضاحكاً:
"متخافيش ياسيتي، لقيت نفسي فاضي قلت آجي آخذك نتغدى بمطعم، اهو نغير جو ونخرج من ضغط الشغل."
رسمت ابتسامة هادئه وعينها معلقة به تحاول استيعاب مايقوله:
"تحبي تتغدي فين؟"
عادت تطالع الطريق وتخبره:
"الي يعجبك."
اختار المكان الذي اقترحه عليه أحد أصدقائه مادحاً جودة طعامهم. جلس أمامها، لكنها كانت تشعر بريبة من هذه الدعوة وتراقبه تنتظر ان يفصح عن سببها. ورغم ابتسامتها الزائفة التي كانت ترسمها، لكنه أحس بتوترها. أمسك يدها يضغط عليها محاولاً طمأنتها، لكنها نظرت لعينه وسألته:
"فيه أي ياطارق؟ حاسه فيه حاجة."
هرب بعينه عن مرمى عينها واخبرها بصوت مرتبك:
"الرقم طلع مش مسجل."
بهتت ملامحها وارتسم الخوف على وجهها، ليشدد من ضغطه على يدها يحاول ان يمنحها ولو قليلاً من الأمان:
"ندى ماتخافيش، إن شاء الله هنقدر نوصلة، أنا بقول نغير خطك."
رمشت عينها تحاول أن تخرج من دوامة الأفكار السيئة التي ابتلعتها، لتخبره بصوت مرتجف:
"مفيش داعي نغير الخط، مش هيغير أن فيه حد بيراقبني."
رغم ارتجاف قلبه بقلق، لكنه ظل يحاول أن يخفف من خوفها ويطمئنها أنه بجانبها.
***
عاد إلى المنزل في وقت متأخر ودخل ليجده يغصون في الهدوء سوى من صوت دندنه قادمة من الغرفة التي اتخذتها سجن لها. اقترب يضع أذنه على الباب يحاول أن يسمع ماتفعله، لتتضح لديه الصورة عندما سمع ترتيلها للقرآن. أمسك مقبض الباب يحاول فتحه، لكنه توقف في اللحظات الأخيرة يترك لها المجال كي تهدأ. اتجه نحو المطبخ ليجدها أعدت له العشاء ووضعته على المائدة. لياخذ الطعام ويسخنه، ثم يعود به نحو الطاولة.
"أمسك الشوكة يدسها في الطعام ثم وضعها في فمه وبدأ في مضغها ليجد طعمها مراً كالعلقم. بالكاد استطاع ابتلاعها، وكأن كل شيء بدونها أصبح بلا طعم. نظر نحو مكانها الخالي بحزن، ليترك الطعام وينهض هارباً نحو غرفته عله يجد في النوم ملجأ له."
***
ثلاثة أيام منذ سفره، فقد أخبرها أن عليه استلام بضاعته المقرر وصولها إلى بور سعيد منذ يومين.
عادت إلى الشقة في وقت متأخر، جسدها متعب. جلست على أول مقعد يواجهها ترمي بثقل جسدها عليه. تنهدت بوهن وأخرجت هاتفها من الحقيبة. ابتسمت بعفوية عندما وجدت خمسة رسائل منه، كانه ساعة منه يرسل لها في كل ساعة رسالة. فتحت الرسائل لتضحك على محتواها الذي كان مابين الغزل والمزاح. تارة يشاكسها وتارة يغازلها، يخبرها أنه يعيش فترة الخطوبة التي حرم منها قبل زفافهم.
"مجنون."
رددتها مبتسمة قبل أن تنهض تأخذ حماماً دافئ تنعش جسدها لتتناول طعاماً فقد أنهكها الجوع. اتجهت نحو المطبخ بعد أن أنهت حمامها ومشطت شعرها تربطه بهيئة ذيل حصان، لتمر بطريقها من أمام باب غرفته. نظرت نحو الباب نظرة مطولة وشيء ما داخلها يخبرها أنه يشتاق إليه. ربما تعودت على وجودها معه، واعتادت على الحديث والنقاش معه الذي أطفى على حياتها شيء مميز.
عادت تستكمل خطواتها نحو المطبخ تعد كوباً من الشاي وتقلي البيض، لتنظر إلى عبوة الملح ضاحكة وهي تتذكر تذمره من قلة استخدامها للملح. ضحكت وهي تزيد نسبة الملح التي تضعها عليه، تذر حباته فوق البيض، وهي تمتم مستنكرة:
"طب والله يجنن، بس هو الي معندوش ذوق."
أطفأت الموقد ووضعت الأطباق على الطاولة وكادت أن تجلس، لكنها سمعت صوت المفتاح يدور في باب المنزل، لتتجه نحوه بقلق زال واستبدلت مكانه ابتسامة واسعة عندما وجدته يدخل من الباب يحمل كيساً كبيراً وتزين وجهه ابتسامته المعتادة. ظلت واقفة في مكانها من دون حراك حتى وجدته يصرخ عندما رآها:
"شمسي، وحشتيني."
ولم يكتف بذلك بل ركض نحوها يعانقها، تجمد جسدها عندما باغتها بضمها يشدد من عناقها:
"وحشتيني... وحشتيني أوي ياحبيبتي."
أربكتها فعلته لتتلعثم وهي تقول مبتعدة عنه:
"الحمد الله على السلامة."
اتسعت ابتسامته يجيبها:
"الله يسلمك."
عاتبته بضيق:
"خضتني، مقولتش أنك هترجع النهاردة."
غمز لها وهو يحمل الكيس الكبير ويقترب منها يضعه أمامها:
"كنت عاوزة أعملك مفاجأة... اتفضلي."
قالها وهو يمد يده لها بالكيس الكبير وهو يشير نحوه. ضمت حاجبيها بحيرة وهي تسأله:
"أي دا؟"
"هديتك ياقمر."
التقطت من الكيس تفتحه بفضول، لتجد دمية دب كبيراً من الفرو يحمل اللون الأبيض يتوسطه قلب أحمر كتب عليه "أحبك". ابتسمت بفرح تحتضن الدب كأنها طفلة صغيرة وتميل بجسدها يمينًا ويسارًا تغمض عينها وهي تستنشق رائحة الفراولة التي يحملها:
"الله يجنن يا فارس، متشكرة أوي."
خفق قلبه لهيئتها وسعادتها، ليقترب منها أكثر حتى لم يعد يفصل بينهم سوى تلك الدمية، ليقول لها وهو يمسك يد الدمية:
"مش همه المخطوبين بيجيبوا دبابين."
ثم عاد يغمز لها:
"بس هو حلاوته مش بشكله بس، لكن بكلامه كمان."
لم تفهم مقصده حتى وجدته يضغط على زر في يد الدمية ليصدح صوته المسجل عليها وهو يقول:
"بحبك ياشمس، بحبك أوي ياشمس."
عادت خطوة إلى الوراء بعد ما صدمها ما سمعت، لتتوتر بخجل وتغزو وجنتها الدماء، وكادت أن تبتعد هاربة، لكنه استطاع أن يتفهم حرجها ويرحمها منه عندما قال مغيراً مجرى حديثهم:
"شامم ريحة بيض وشاي، أنا جعان أوي."
قالها وهو يرفع أنفه ويتركها متجهاً نحو المطبخ، لتنظر لآثره ثم نظرت إلى الدمية القابعة بين يديها، ومشاعر خفية بدأت تداعب ذلك الساكن بين أضلعها.
***
مر أربعة أيام منذ أن عاد. انشغل هو في استلام البضاعة وتنظيمها. لم تكن تراه في هذه الأيام سوى لحظات قليلة.
أفاقت بفزع على طرقات على باب غرفتها. لتنهض بقلق وهي تسمع ندائه من خلف الباب:
"شمش اصحي... شمس."
وقفت خلف الباب متوترة بعد ان نظرت إلى الساعة لتجدها الثالثة فجراً، لتسأله بخوف:
"فارس مالك؟ فيه أي؟"
لتتفاجئ عندما سمعته يطلب منها:
"شمس غيري هدومك، البسي حاجة مريحة، وياريت لو تلبسي شوز رياضي."
رفعت حاجتها بدهشة:
"ليه أغير هدومي؟"
"هاخدك مشوار."
زاد قلقها وتراكمت الأفكار السلبية في رأسها لتسأله بسرعة:
"أخواتي جرالهم حاجة؟"
"لا متخافيش، الكل بخير، اسمعي الكلام أنتِ بس ويلا بسرعة، هتفهمي كل حاجة."
جاءها صوته بحزم مع كلماته الأخيرة، لتمتثل لكلامه وتغير ملابسها. جاورته في السيارة وعلى وجهها علامات استفهام كثيرة. التفت نحوها ليضحك واخبرها من بين ضحكاته:
"هتفهمي كل حاجة، متستعجليش."
ربعت يديها على صدرها بضيق وتنهدت حانقة تراقب الطريق التي يسلكها بترقب، حتى وجدته يقف في طريق خالية تمامًا من المارة ويصف سيارته جانباً مشيراً لها نحو الباب:
"انزل."
نظرت إليه بتعجب ليكرر كلامه:
"انزلي."
لتترجل من السيارة تملأها الحيرة التي ازدادت عندما وقف بجانبها في وضعية الاستعداد يرفع أكمامه بصورة ساخرة ويقول:
"هاااا مستعدة؟"
لتهتف بأنزعاج:
"مستعدة لأي، مش تفهمني؟"
"مستعدة تسابقيني؟ مش دا حلمك يادكتورة إنك تجري؟ اهو أنا بحققلك حلمك، هنعمل سباق أنا وأنت لحد عامود النور الي هناك."
قالها مشيراً إلى أحد أعمدة الإنارة البعيدة.
ظلت تحدق به بصمت تحاول استيعاب ما يحدث، حتى حرك يده أمام وجهها:
"أي، روحتي فين؟ وألا هتنسحبي؟"
نظرت له بتحدي بعد أن راقت لها الفكرة وأجابته:
"أنسحب أي... أنا مستعدة."
اتسعت ابتسامته وبدأ بالعد:
"واحد... اتنين... تلاتة."
لينطلق الاثنان يتسابقان بكل جدية، لتتفاجئه سرعتها في العدو حتى صعب عليه مجاراتها. وصلوا العامود النور، ثم كان عليهم العودة. لكن في طريق العودة خطرت له فكرة خبيثة، ليقف في منتصف الطريق ويحني جذعه العلوي ويدخل في نوبة سعال مصطنعة.
كانت تعدو بسرعة حين التفتت لتجده بهذه الوضعية، أصلبها القلق وعادت إليه. لتحرك يدها على ضهره وتسأله بأنفاس لاهثة:
"فارس مالك، جرالك حاجة؟"
لكنها تفاجأت عندما باغتها وانطلق يعدو يسبقها وسط موجة ضحك منه، لتصرخ بغضب وهي تدب قدما على الأرض:
"اه... ياغشاش."
ركضت خلفه حتى وصل إلى السيارة يلفظ أنفاسه المتسارعة، لتصل هي خلفه تلكم ذراعه بقوة وهي تقول حانقة:
"اه ياغشاش."
ليدخل في نوبة ضحك شاركته هي أيضاً بها حتى أدمعت عينه وبدأ يسعل واضعاً يده على فمه:
"اه يامجنونة، هتخنقيني."
لتتجه نحو سيارته ويجلس في مكان السائق يضع يده على صدره ويستمر بالسعال. ركبت بجانبه وهي تردد ساخرة:
"تستاهل عشان غشاش."
لكنه ظل يلهث أنفاسه بسرعة وأستمر يسعل، لتلتفت نحوه وتمد يدها نحو صدره:
"وريني كده."
ثم بدأت في تدليك موقع قلبه، ليعيد رأسه إلى الوراء ويغلق عينه تاركاً يدها تتحرك بعملية على قلبه، كأنها تداويه. زفر أنفاسه ببطء وتنهد بهيام يستشعر هذا القرب:
"كدة احسن؟"
سؤال طرحته عليه وهي تلتفت نحوه والازالت يدها تتحرك على صدره. رفع رأسه ليصبح وجهه يقابل وجهها وعينه تقابل عينها، ونظراته تتوقد عشقاً. تجمدت عيونها وتباطئت حركة يدها على صدره، ولحظة من التواصل البصري استمرت بينهم، لتتوقف الكلمات وتتحدث النظرات حديثها الساحر، تغيب احدهما في عالم الآخر.
لتستفيق هي وتبتعد معتدلة بحرج. التفت نحوها وابتسم عندما رأى توترها، لينفخ أنفاسه يخفف من اضطرابه هو الآخر قائلاً:
"الفجر قرب يأذن، أي رأيك نفطر قبل ما نرجع البيت؟"
التفتت نحوه ببطء دون أن تنظر لعينه أخبرته بصوت خافت أثر ارتباكها:
"نفسي نصلي الفجر في الجامع قبل ما نفطر."
ثم اتّبعت طلبها بنظرة متوسلة واكملت اقتراحها:
"ياريت لو نصلي في الحسين وأنا نفسي أكل فطير لو ينفع."
تجهم وجهه وصمت يفكر في اقتراحها، حتى أومئ يجيبها:
"ماشى."
أتجه نحو منطقة الحسين، وما أن نزل من السيارة حتى أمسك يدها حتى وصلوا الجامع. ليبتعدوا عن بعض ويفلت يدها وهو لايزال يأسرها بنظراته حتى اختفت من أمامه.
أكملوا الصلاة وخرجوا يبحثون عن محل لصنع الفطائر، وبعد السؤال أشاروا له إلى محل يقع في مكان قريب. سار بجانبها ولزحام المكان أصبح يسير أمامها. أضطربت قبل أن تتسع ابتسامتها وهي تجد يمد يده نحو الخلف ويحركها مشيراً لها أن تتمسك بها، لتتشبث بيده. ورغم انها كانت حركة بسيطة، لكنها أنعشت قلبها. ظلت متمسكة به حتى وصلوا إلى المكان المطلوب.
كان محل قديم ومعروف بأثاثه وأركانه يحمل عبق التاريخ وعراقة المكان. أثاثه يشير إلى دفء ذلك المكان، صور أصحابه التي زينت الجدران وتلك الطاولات الصغيرة. دارت عينها حول المكان قبل ان يسحبها نحو إحدى الطاولات التي اختارها. جلست وجلس هو أمامها:
"ها عجبك المكان؟"
هزت رأسها:
"أيوة جميل."
نهض يطلب الطعام قبل ان يعود اليها ليجلس و يسألها:
"اتنين سادة وعسل أسود وعسل أبيض تمام كدة؟"
"أيوة تمام."
أخرج هاتفه ورفعه مشيراً لها:
"خلينا ناخد سيلفي وشوية صور."
أخذ يلتقط لهم الصور ويريها إياها، وأخذ يلتقط لها صوراً منفردة حتى وصل الطعام. ليتناولوا الطعام بسعادة وسط نقاشاتهم المعتادة مابين شد وجذب، ابتسامة وعبوس، ضحكات خافتة، وأجواء ألفة جميلة.
عادوا إلى المنزل وحمدت الله أنها اليوم في إجازة من العمل، فسوف تعود إلى النوم بعد هذه الرحلة القصيرة.
وقفت أمام باب غرفتها وقبل أن تدخل التفتت نحوه وابتسمت:
"متشكرة يافارس."
بادلها الإبتسامة:
"أنت تؤمر ياجميل."
دخلت إلى غرفتها وأبدلت ملابسها تستلقي على السرير بغية النوم، لتسمع هاتفها الذي أعلن عن وصول رسالة، لتفتحه وابتسمت وهي تجده قد أرسل لها الصور التي التقطوها. مع تقلب الصور تشاهدها الواحدة تلو الأخرى، لتجد أناملها وبلا وعي تكبر صورته كأنها تتأمل ملامحه عن قرب.
سار أصبعها على قسمات وجهه وكأنها تراه للمرة الأولى. شعور بدأ يسحبها نحوه. باتت تحب اهتمامه بها، كلماته التي تدغدغ فؤادها تطرق حصونه بسلاسة كلماء المنساب بين الصخور القاسية. أمسكت الهاتف وظلت تحدق به حتى غفت وهي تطالع صورته.
رواية بنات ورد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رشا عبد العزيز
لم يعد يشعر بالوقت ولا وجود للحياة بدونها. أصبحت أنفاسه ثقيلة، يشعر أنه يختنق. لقد اكتفى من هذا الجفاء ونفذ صبره، فقد تملكه الاشتياق. خمسة عشر يومًا بعيدًا عنها كأنها كانت خمسة عشر سنة.
تهرب من مواجهته، كلما لاح طيفه أمامها هربت نحو غرفتها وأوصدت الباب. اعتصره قلبه عندما رآها منذ يومين، وجهها شاحب والهالات السوداء تحيط عينيها الجميلة التي ذبلت من شدة البكاء. كان يود أن يركض نحوها ويأخذها بين أحضانه، لكنها سبقته ودخلت الغرفة قبل أن يصل إليها. لقد أخطأ عندما ظن أنها طيبة وتسامحه بسرعة، لكن يبدو أن الطيبين خصامهم عنيد وإرضائهم متعب.
لكنه اليوم يملك حجة ليحادثها. وقف أمام غرفتها كما يفعل كل يوم، يناديها:
– هدى… هدى… أنتِ سمعاني؟ أريد أن أتكلم معكِ.
لكنها لم ترد عليه. زفر أنفاسه بيأس، فقد تعود منها على عدم الرد.
– هدى… هدى أرجوك، أنا عارف أنكِ سمعاني. افتحي، الموضوع يخص شمس، لازم تسمعيني.
سمعت اسم شقيقتها فتملكها الخوف وترددت في فتح الباب. حتى سمعته يقول:
– يا هدى، الموضوع ضروري. فارس كلمني خمس مرات لحد دلوقتي.
اقتربت من الباب بخطى مضطربة. لا تعلم لماذا، علي الذي كانت تتمنى رؤيته وتعشق نظرة عينيه، اليوم تشعر أن هناك جدار سميك بينه وبينها. لا تريد أن تواجه تلك العيون التي خذلتها. وقفت خلف الباب وأخرجت أنفاسها المضطربة دفعة واحدة:
– نعم، ماذا تريد؟ أنا أسمعك.
أغمض عينيه يكتم غضبه منها ليقول بنبرة حادة:
– افتحي الباب لأتكلم معكِ.
لكنها لم تفتح الباب رغم طرقه عليها بعنف. لتخرج شياطين غضبه وصرخ بصوت أجفلها:
– افتحي الباب وإلا أقسم بالله أكسره.
قالها متزامنًا مع طرقه العنيف على الباب. ابتلعت ريقها بخوف واقتربت من مقبض الباب تفتحه ببطء. توقف عن طرق الباب عندما سمع صوت المفتاح. لتفتح الباب وتقف أمامه بوجه جامد. صمت، يحدق بها. يا إلهي، كم أشتاق لها! ليتحول غضبه للهفة. كاد أن يتقدم نحوها ويحطم هذا الجفاء ويأخذها بين أحضانه يطفئ شوقه لها، لكن جمودها جعله يتسمر مكانه ويكابر.
– فارس عازمنا بكرة على العشاء، يريد أن يعمل مفاجأة لشمس في عيد ميلادها وعايز دا يكون سر بينا.
انتظر أن تجيبه، لكنها هزت رأسها بالموافقة فقط:
– سنذهب بكرة سوياً الساعة سبعة.
يسألها كأنه يريدها أن تتحدث ولو بضعة كلمات تؤكد له ذهابها معه على أقل تقدير، لكنها أومأت مرة أخرى دون أن تنطق كلمة. استدار بقلة حيلة بعد أن يأس من إجابتها وتحرك بضعة خطوات ليسمعها تقول:
– أنا ما أخبرت إخواتي أي حاجة، يا ريت نتعامل قدامهم طبيعي عشان ما يحسوا بحاجة.
ابتسم، فهذا مبتغاه. واستدار ليخبرها أنه موافق، لكنها دخلت وأغلقت الباب قبل أن تسمع جوابه. لينظر للباب المغلق مبتسمًا، فربما تكون فرصة له لإذابة الجليد بينهم.
***
تفاجأت من تلك الدعوة، فلم تجد لها سبب. رغم أنه أخبرها أن علي أصر عليه لحضور العشاء مع ندى التي سبق ووجه لها الدعوة. جلست بسعادة تتجاذب الحديث مع شقيقاتها، ورغم أنها أحست بوجود خطب ما، لكنها لم تفهم ما يحدث.
كان علي يختلس النظرات نحو هدى التي غطت وجهها بطبقة سميكة من المكياج تخفي شحوب وجهها وآثار تلك الهالات التي شوهت وجهها.
– إيه، لسه متخاصمين؟ عينك هتاكلها يا ابني، خف شوية وخليك طبيعي.
قالها فارس وكتم ضحكاته وهو يرى حنق علي الذي التفت نحوه ينظر له بضيق.
– طلع زعلها صعب، أويرددها بضيق وحسرة. ليهمس له فارس بما جعله يضحك بصوت واضح:
– يخرب بيتك خوفتني! إذا كان هدى الهادية زعلها صعب، أمّا شمس لو زعلت هتعمل إيه؟
ربت علي على قدمه واصطنع الحزن مازحًا:
– يبقى الله يرحمك يا ابن الجوهري.
– ربنا يطمنك يا ابن عمي، قالها فارس قبل أن ينفجر الاثنان بالضحك الذي جذب أعين الفتيات نحوهم باستفهام.
– ما تضحكونا معاكم، قالتها شمس بامتعاض. ليجيبها فارس:
– لا، ده علي بيقولي نكتة.
لتلوي شفتها وهي تردد الكلمة باستهزاء:
– نكتة!
ازدادت حيرتها عندما رأت النادل يدنو منه ويهمس بأذنه، ليومئ له فارس. فهمت ندى ما يحدث لتنهض من مكانها بجانب شمس وهي تقول:
– فارس، ممكن تقعد مكاني؟ أنا مش مرتاحة في الكرسي ده.
غير فارس مكانه وهو ينظر لندى بامتنان. لتبتسم خلسة. استغل علي جلوسه جانبها، يرفع يده يحيط كتفيها بيده ويضمها إليه. لتنظر له بحنق، محاولة الابتعاد، لكنه همس لها:
– أي، مش لازم نمثل إننا مبسوطين.
لتنظر له نظرة مستنكرة تستهجن حديثه وتصرفه. انحنى فارس نحوها هامسًا وعينيه تدور في المكان:
– المكان جميل، صح؟
التفتت نحوه تهز رأسها بموافقة:
– أيوه جميل وهادي، حتى الموسيقى كلاسيكية وهادية. لكن عينيها اتسعت بدهشة عندما تغيرت الموسيقى إلى إحدى أغاني عيد الميلاد الصاخبة. وجدت النادل يحمل كعكة عيد ميلاد ويتبعه مجموعة من زملائه. ليضع الكعكة أمامها ويشعل الشموع. اتجهت عينيها نحو هدى وندى بحيرة واستفهام. لتجدهما تبتسمان وتصفقان، ترددان أغنية عيد الميلاد، يشاركون طاقم العمال الذين وقفوا ملتفين حول الطاولة يرددون الأغنية. التفتت نحوه لتجده يفعل كما يفعلون. حتى انتهت الأغنية، ليشير الجميع لها أن تطفئ الشموع. لا تعلم ما هي المشاعر التي أحست بها. فهي لم تشعر سوى بالدموع تتراكم في عينها. لتمسحها وتبتسم، تنفخ على الشموع لتنطفئ ويصفق الجميع لها بحرارة.
رفعت رأسها لتجد الموظفين يرحلون بعد شكر فارس لهم. التفتت نحوه ولازالت الدهشة مرتسمة على وجهها. لكن دهشتها تحولت عندما وجدته ينحني نحوها، يمسك رأسها بين يديه ويقبل جبينها:
– كل سنة وأنتِ الشمس اللي منورة دنيتي.
ليبتعد ويخرج علبة، يخرج منها سلسلة تدلى منها قلب. ليمد يده يحيط رقبتها به ويلبسها إياها:
– كل سنة وأنتِ طيبة يا شمسي.
يخفق قلبها بقوة واضطربت بفرح. فكل شيء يفعله يجذبها نحوه ويجعله يكسر أسوار ذلك القلب العاصي رويدًا رويدًا. مد يده يمسح دموعها بإبهامه ويلومها:
– بتعيطي ليه يا حبيبتي؟
رغم أن كلامه كان همسًا، إلا أنه جعل ندى وهدى تنظران إحداهما للأخرى بتعجب امتزج بالفرح. وهم يرون اهتمام فارس بشقيقتهما التي ظلت تحدق به وهو يمسح دموعها ويهمس لها بكلمات تجعلها تبتسم بحرج وتسبل أهدابها بخجل. اقتربت منها ندى تعانقها بقوة:
– كل سنة وأنتِ طيبة يا مشمش.
اشبعتها هدى تعانقها وتهمس في أذنها تشاكسها:
– شكل الحب ولع في الدرة.
دفعتها شمس عنها بضيق. لتقمز لها هدى وتبتسم وتكتم ضحكتها وهي تبتعد عنها. عادت تجلس بجانب علي الذي قال يمازح شمس:
– ما تقطعي التورتة يا دكتورة، خلينا ناكل.
ضحت شمس وهي تمسك السكين وتبدأ بتقطيع الكعكة وتضع القطع في أطباق خاصة. ليستغل هو هذه الفرصة ويقول:
– دكتورة، نصيبي أنا وهدى عايزهم في طبق واحد.
لتفعل شمس مثل ما طلب منها وأعطته الطبق. ليلتقطه منها ويأخذ الشوكة يقطع قطعة صغيرة ويقربها من فمها يحاول إطعامها. كادت أن تعترض، لكنها لمحت عيون شقيقاتها المحدقة بها. لتفتح فمها بحنق وتلتقط القطعة بفمها تمضغها بانزعاج. ليقطع قطعة له ويدسها في فمه متلذذًا. وضعت شمس القطعة الخاصة به وأعطته إياها:
– اتفضل يا فارس.
تعمقت عيناه بعينيها كما تعلقت يدها بالفضاء وأربكتها عينيه التي تخبرها بحبه لها. ثقل الطبق بين يديها وتلك الكعكة التي كادت أن تنزلق جعلتها تنتبه وتقول متلعثمة:
– اتفضل يا فارس.
أخذ منها الطبق مبتسمًا:
– تسلمي يا شمس.
ووجنتها التي تورّدت وقلبها الذي ارتعد جعلها تشيح بنظرها عنه وتدعي انشغالها بطبقها. كانت ندى تراقب المشهد من بعيد تدعو لشقيقتها بالسعادة. لتتنهد بحسرة وهي تجد نفسها وحيدة معهم. فكل واحدة منهم برفقة زوجها، وهي زوجها اعتذر لانشغاله. كم كانت تود أن يشاركها تلك المناسبات وتفتخر بوجوده بجانبها، لكنه بعيد. مضغت قطعة الحلوى التي رغم حلاوتها، لكن مذاقها كان كالعلقم بالنسبة لها.
***
كان يجلس في مكتبه في الجامعة يراجع بعض الأوراق عندما سمع الطرقات على الباب تطلب الإذن بالدخول. ليقول:
– اتفضل.
دخلت روان ترتدي فستانًا جميلًا وتضع مساحيق التجميل التي تعطيها عمرًا أكبر من عمرها. كان مندمجًا في الكتابة عندما سمع صوتها:
– صباح الخير يا دكتور.
رفع رأسه وخلع نظارته الطبية ينظر لها:
– أهلًا يا روان.
ابتسمت ابتسامة عريضة وسألته مدعية اهتمامها:
– أنا جيت أسأل عن البحث بتاعي وأي رأي حضرتك فيه؟
عقد حاجبيه يحاول أن يتذكر:
– آه، افتكرت. ثواني.
ليفتح أحد الأدراج ويخرج ذلك البحث:
– اتفضلي، أنا عملت لكِ إشارة وكتبت لكِ التصحيح فوق كل معلومة غلط. اتفضلي.
دعت الفرح وهي تلتقطه منه تهتف بسرور:
– متشكرة أوي يا دكتور.
– أنا ما عملتش حاجة، بس أتمنى إنك تتأكدي من المعلومة قبل طرحها. أنتِ دكتورة وعارفة أن الغلط ممكن يخسرنا روح إنسان.
اتسعت ابتسامتها وهي تومئ له موافقة:
– حاضر.
ثم عاد يخفض عينه يقول لها وكأنه يلومها بحدة:
– أتمنى تهتمي بدروسك عشان لما تدي نصيحة تكوني قدها.
رغم غضبها من كلماته ومعرفتها بمكنونها، إلا أنه كلما كان باردًا وحادًا معها زاد لديها التحدي لاقتحام حصونه. وربما تكون هذه الخطوة جيدة، فقد سمح لها بدخول مكتبه… المنطقة المحرمة كما يسميها زملاؤها. ظلت تحدق له فترة من الزمن قبل أن تحمحم بحرج:
– احم… حاضر.
لتخرج عازمة على إكمال خطتها. نظر لإثرها بانزعاج، لكن رغم هذا لا ينكر أنها طالبة مجتهدة، تذكره بنفسه عندما كان في سنها.
***
كان يجلس أمامها يتناولون العشاء. رغم أنها عادت تحدثه، لكن حديثها بارد، لا يتجاوز بضعة كلمات. شهر من الجفاء رغم قربها منه، لكنها بعيدة عنه. كم أشتاق لحبيبته، أشتاق لحديثهم معاً، أشتاق لضحكتها، غزلها، رقتها، وصوتها العذب. أصبحت له الفاكهة المحرمة التي يعشقها ولا يستطيع تذوقها. عينيها تهرب من عينيه. طال الصمت بينهم، لا يكسره سوى أصوات الملاعق التي تحتك بالأطباق، كأنها تتحدث بدلًا عنهم.
أصابه هذا الوضع بالجزع، ليلقي الملعقة داخل الطبق بانفعال جعلها تصدر صوتًا أجفلها. لترفع نظرها نحوه، فتجد احتقان وجهه يخبرها بضيق:
– وبعدين يا هدى؟ هنفضل كده لحد إمتى؟ أنا تعبت، مش قادر أستحمل. عايشين مع بعض كأننا أغراب، لا بتكلميني ولا بتبصيلي.
استمرارها بالصمت ضاعف من غضبه، ليضرب على الطاولة بعنف جعلها تغمض عينها بفزع:
– ردي عليا، ما تسبينيش أكلم نفسي كأني مجنون.
حدقت به مطولًا قبل أن تجيبه بهدوء:
– عايزني أقول إيه؟
نظر لها بدهشة يحاول استيعاب مقصدها وقال:
– تقولي إيه يا هدى؟ يعني إيه؟ تكلميني وأكلمك زي زمان؟ زمان كنتي بتحكيلي، تشكيلي، وتتغزلي فيا. راح فين كل دا؟
ضحكت بصورة هستيرية أخافته واستمرت دون توقف. حتى استفزته ليصرخ بها:
– هدى!
توقفت تنظر إليه وتلتقط أنفاسها:
– إيه؟ مش أضحك على النكتة اللي بتقولها يا علي؟
لتف به بأنفعال بعد أن أثار حديثها غضبه:
– أنا قلت نكتة يا هدى؟!
ليكون الصراخ من نصيبها هذه المرة وهي تجيبه:
– أيوه نكتة، لما عايزني أرجع زي ما كنت زمان يبقى نكتة. لما تخذلني وتكسرني وعايزني أرجع زي زمان تبقى نكتة. لما كسرت بأيدك أماني وثقتي فيك تبقى نكتة.
بهتت ملامحه وارتجف قلبه بخوف يسألها بصوت خافت:
– وحبنا يا هدى راح فين؟
اتسعت عينيه عندما سمع أجابتها:
– أنت يا علي لفيت حواليه حبل المشنقة لحد ما خنقته.
أشار نحو نفسه بتعجب:
– أنا يا هدى؟!
صاحت تخرج آهاتها وألمها المكتوم بقهر. دموعها المنهمرة تحكي حرقتها وهي تضرب على قلبها كأنها تعاقبه:
– أيوه أنت، يا اللي بحبك أكتر من روحي، أنت يا اللي كنت بنسبالي نفسي اللي أنا عايشة بيها. تحملت الكلام والذل عشان بحبك وكنت بصبر نفسي إنك بتحبني. لكن أنت عملت إيه بدل ما تقدره وتكون سند ليا؟ خذلتني يا علي، دفعتني من فوق جبل حبك العالي اللي كنت بحس فيه بالأمان عشان أقع وتنكسر رقبتي، وألاقيك بتبص عليا من فوق ولا همك دموعي وكسرتي.
صمتت تطالع عينيه المتسعة بدهشة، لتلتقط أنفاسها وتقول بصوت بح من شدة البكاء:
– وعايز بعد كده أرجع زي ما كنت زمان؟ هدى الهبلة اللي تسمع وتسكت وتستحملك.
كاد أن يتكلم ويدافع عن نفسه، لكن أصابه الفزع عندما رآها تمسك جبهتها ويترنح جسده. لتسقط أمامه مغشيًا عليها وسط صراخه باسمها:
– هدى!
هرع إليها بفزع وجثا على ركبته يرفعها بيده ويضرب على وجنتها بخوف:
– هدى… هدى… ردي علي.
لكنها لم تستفق. حملها بسرعة نحو غرفتهم ووضعها على السرير وأعاد الكَرَّة كالمجنون يضربها على وجنتها:
– هدى حبيبتي، أنتِ سمعاني؟
اتجه نحو طاولة الزينة والتقط عطرًا يرشه على أصابعه ويقربها من أنفها مع استمراره في مناداتها:
– هدى يا روحي، ردي علي.
بدأت تستفيق، تحرك رأسها يمينًا ويسارًا ثم تفتح عينيها ببطء وتغلقها عدة مرات بوهن وقالت بصوت متعب:
– حصل إيه؟
ضمها إليه يزفر أنفاسه بارتياح وهو يردد:
– الحمد لله يا رب.
كررت سؤالها بصوت مرهق وكلمات مثقلة متعجبة من فعلته:
– حصل إيه؟
أخرجها من أحضانه يمسح على وجنتها:
– أغمي عليكِ يا روحي. حاسة بأيه دلوقت؟
رفعت يدها تدلك جبهتها وتجيبه:
– حاسة إني دايخة.
– ارتاحي يا روحي.
أراح جسدها بصورة صحيحة ودثرها ثم تركها ورحل نحو المطبخ وعاد بعد قليل يحمل عصير الليمون. جلس بجانبها ورفع رأسها يسقيها العصير:
– اشربي يا حبيبتي.
ارتشفت العصير بتمهل حتى توقفت تخبره:
– خلاص يا علي، مش قادرة.
وضع العصير جانبًا وأراحها على وسادتها مرة أخرى. ثم التقط هاتفه الموضوع على طاولة الزينة يتصل بطارق:
– الو، أيوه يا طارق، أنت فين؟
– في المستشفى، خير يا علي، ماله صوتك؟
– هدى تعبانة.
– طب هاتها وتعالى للمستشفى.
– تمام، أنا جايلك حالاً.
ليسمعها تناديه بصوتها المتعب:
– علي، ملوش داعي، هبقى كويسة، دول شوية تعب.
التفت نحوها ينظر لها ويخبر طارق بإصرار مؤكدًا:
– نص ساعة وأكون عندك يا طارق.
اتجه نحو الخزانة واحضر لها فستانًا. جلس بجانبها وساعدها في تغيير ملابسها رغم اعتراضها. وصل يسندها إلى المستشفى رغم رفضها كونها تستطيع السير وحدها، لكنه أصر أن يسندها. استقبلهم طارق وأخذهم نحو غرفة الكشف. لتراها الطبيبة. وقف متألماً وهو يراها تتأوه وهم يسحبون منها عينات الدم ويغرسون إبرة المحاليل التي عُلقت لها. ليمسك يدها الأخرى يضمها بين كفيه كأنه يؤازرها. التفتت نحوه ليبتسم لها بحب. غادر الممرضون ورافق طارق الطبيبة المختصة نحو الخارج. وظل هو لجوارها في انتظار نتيجة التحاليل.
كانت عينها تتابعه وهو يدلك يدها بحنان أو يدثرها، ثم يرتب حجابها ويراقب المحاليل ويعود يمسك يدها يدلكها. حتى التقت عيناها بعينيه ليسألها مبتسمًا:
– أحسن دلوقتي يا روحي؟
أشاحت وجهها عنه وهي تتمتم بضيق:
– الحمد لله.
مد يده لتمس أصابعه ذقنها يعيدها ويجبرها لتواجه عيناه عينيها بعتاب:
– هدى، مش عايزة تبصي في عينيا؟ خايفة تضعفي وعنيكي تقولي بحبك زي ما كانت بتقولها زمان.
ضحكت بحزن مستهزئة، تبعد يده عن ذقنها وتشيح وجهها بعيدًا عنه مرة أخرى. ليعاود إمساك ذقنها يديرها نحوه ويقول بحدة:
– ما تهربيش، بصيلي، خلي عيونك تكلمني.
ثم تنهد بضيق:
– هدى، أنتِ متأكدة إني بحبك؟ عارف إني غلطت بس غصب عني، دي أمي يا هدى، ارجوك بلاش تقسي عليا. أنا بموت وأنتِ بعيدة عني، أنا ميت من غيرك.
رفعت أناملها تضعها على شفتيه تمنع استرساله بالحديث:
– بعد الشر عنك، بلاش سيرة الموت.
قبل أصابعها وأزاحها عن شفته يخبـرها بعين متوسلة وصوت ملأه الرجاء:
– والله بحبك، أنتِ روحي يا هدى، بلاش تقسي عليا أكتر من كده.
تجمعت الدموع بعينيها، تود أن تخبره أنها تشتاق له كما يشتاق لها. ضغطت على شفتها تمنع عبرتها التي انسابت رغماً عنها. ليمد يده يمسح دموعها بأصابعه ويضمها إليه بقوة:
– آش… آش، ما تعيطيش، وحياتي عندك، ما تعيطيش.
تشبثت بأحضانه التي اشتاقت لها، تخرج داخلها أحزانها التي كتمتها في بعده. تركها هو حتى هدأت. ليتبعد يزيل آثار الدموع عنها ويمسح تلك التي هربت من عينيه بعد أن شعر بضعفها بين يديه:
– بحبك يا دودي.
ابتسمت بخجل. وقبل أن يتفوه بكلمة أخرى، سمعا طرقات على الباب وطارق يدخل مبتهجًا وهو يحمل التقارير. يحركها بيده ويقول:
– مبروك يا علي، هتبقى أب. هدى حامل، مبروك يا هدى.
شلت الكلمة تفكيرهما لحظات قبل أن يستوعبا ما يقوله. ينظر أحدهما نحو الآخر بدهشة. لتمد هدى يدها بتلقائية نحو بطنها تتلمسها وهي تنظر نحو علي وتقول:
– أنا حامل يا حبيبي.
علي الذي اتسعت ابتسامته وتعالت ضحكاته وهو يضمها إليه:
– ألف مبروك يا روح حبيبي.
وكان ذلك الجنين جاء ليعيد لهم رباط الحب المقدس ويضيف لتلك العلاقة رابطة من نوع آخر.
***
عاد إلى المنزل ليستنشق رائحة غريبة قادمة من المطبخ. تقدم بخطوات هادئة لتتسع ابتسامته وهو يتأملها من بعيد. وقد صنعت ضفيرتين من شعرها أعطتها مظهر فتاة في المرحلة الثانوية. ترتدي بجامة وردية جميلة. عينها تركز على الفيديو الذي يعرض على شاشة هاتفها، يبدو أنه فيديو طهي. توقفه لتظل تردد كلام وتبحث عن أشياء تقيسها بدقة. ظل يحدق بها فترة من الزمن حتى وجدها تضع المقلاة على النار. يبدو أنها وصلت للمرحلة الأخيرة. لتزفر أنفاسها بارتياح وترفع يدها تمسح على جبينها وتبعد تلك الخصل الصغيرة التي تمردت من ضفيرتها.
خفق قلبه وهو يدقق النظر في ملامحها التي صارت تفتنه. تحمحم وسعل يصدر صوتًا كي تنتبه لوجوده. توقفت عن جمع الأطباق المتسخة ورفعت عينها تنظر له:
– مساء الجمال.
– أهلًا يا فارس، وصلت إمتى؟
اقترب نحوها يخبرها:
– من شوية.
ثم قطب حاجبيه ينظر نحو الموقد ويعاود النظر إلى الأطباق التي تحاول جمعها:
– بتعملي إيه؟
– مكرونة سباجيتي.
يرفع حاجبيه بدهشة وعينيه تدور حول المطبخ الذي تبدو عليه الفوضى كأنه حربًا نشبت به. ليردد ساخرًا:
– كل الفوضى دي ومكرونة سباجيتي؟
قالها محركًا إصبعه نحو أرجاء المطبخ. ارتسم الانزعاج على وجهها تهتف بحنق:
– مش أول مرة أعملها، طبيعي يحصل كده.
كتم ضحكته وقال بجدية مصطنعة:
– آه… خلاص، مدام أول مرة حقك أنتِ صح.
اقترب منها أكثر يهمس لها:
– وتسلم إيدك مقدمًا.
أربكته قربه لتبتعد تدعي اندماجها في تقليب الطعام:
– خلاص، غير هدومك وتعالى قيّم الأكلة.
وبعد قليل جلس على المائدة ينتظر طبقه بلهفة. سكبت له وقبل أن تضع الطبق رفعت ملعقة الطعام في وجهه وقالت:
– أوعى تضحك عليّ.
لقهقه ضاحكًا يخبرها:
– شكلك مطينة الدنيا، اطمني يا ستي، أنا هنتقد بشفافية.
جلست أمامه تترقب ردة فعله. كان يبتسم وهو يرى تحديقها به. وهو يدس الشوكة في الطبق ويلفها عدة مرات ويرفعها نحو فمه يمضغها ليدعي الانزعاج. عبس وجهها وهي ترى تغير قسمات وجهه، لكنه ابتسم يخبرها:
– ما تخافيش، جميلة. برافو عليكِ.
استرخت ملامحها وهي تتناول هي أيضًا لقمة وتمضغها متلذذة. حتى عاد وجهها لامتعاض عندما قال:
– كده نشكر صاحبة الفيديو اللي علمتك الطريقة.
ليتجهم وجهها وتنظر إليه بحنق:
– فارس!
– عيون فارس.
– كل وانت ساكت.
ليضحك على حديثها ويعود لطعامه. حتى تذكر شيء لينظر لها ويقول:
– شمس صاحبي عازمنا على فرحه. ممكن تحضري معايا الحفلة؟
ارتبكت تنظر له بحيرة، لا تعلم بما تجيبه وهل ترافقه أم لا:
– هشوف لو عندي وقت.
ابتسم بأمل عله يتحقق وترافقه.
***
تعجب من طلب والدته عندما أخبرها أن زوجته حامل. لتصر عليه أن لا يخبر أحدًا، رغم أنه يرى الفرحة مرسومة على وجهها ووجه والده:
– ليه يا ماما؟ مش عاوزاني أقول لحد؟ ده أنا نفسي أقول للدنيا كلها إني هكون أب.
قالها علي وهو يوزع نظره بينها وبين والده.
– يعني أنت مش عارف أمك يا علي؟ بتخاف من الحسد والعين، وكل حاجة عندها أسرار.
قالها والده وهو يربت على كتفه. لترد هي بضيق مفسرة:
– أيوه بخاف من الحسد، بخاف يجراله زي…
لتبتلع باقي حديثها بخوف وهي تتذكر حملها الأول الذي فقدته بعد أشهر قليلة من الحمل، ليكتب عليها بعده معاناة كبيرة. ابتسم علي بسرور عندما سمعها تقول:
– خليها ترتاح، ماتسيبهاش تشتغل، وأنا هبعت (جينا) تنضفلكم الجناح كل يوم.
ليعقب والده أيضًا:
– أيوه عندك حق يا صفاء، وحتى الأكل يطلعلهم فوق، بلاش ينزلوا أو تعمل هي وتتعب.
اتسعت ابتسامة علي وهو يرى فرحة والديه بحفيدهما ولهفتهما لرؤيته. لتقترب منه والدته تمسك ذراعه قائلة:
– وبلاش حكاية الشغل. كلم خالتك وقولها إنك حكمت عليها تسيب الشغل لأنها انشغلت عنك.
ورفعت سبابته تخبره بتحذير:
– أوعى تجيب لها سيرة الحمل.
اضطرب وهو يفكر ماذا ستكون ردة فعل هدى لو طلب منها أن تترك العمل، حتى لو كان طلبه خوفًا على طفلهم.
***
كم شعر بالفخر والسعادة وهي تتأبط يده وترافقه في حفل زفاف رفيقه الذي استقبلهم بترحاب. يختار مكانًا ويجلس معها يشير لها نحو أصدقائه ويعرفها بهم، حتى وجدهم يشيرون له بالقدوم إليهم. استأذن منها ورحل نحوهم.
كانت تراقب الحضور في القاعة، واتجهت أنظارها نحو العريس والعروس التي يظهر عليها نظرات الحب لعريسها واندماجهم معًا في الحديث والرقص. لتتذكر حفل زفافها الذي كان بالنسبة لها حكم بالإعدام. تساق إليه رغمًا عنها. ابتسم بتلقائية عندما التقت عيناها بعينيه، لتجد يغمز لها ويرسل لها قبلة في الهواء. لتضحك وهي تردد:
– مجنون.
لتنتبه إلى أصحابه الذين كان يبدو عليهم الانفلات وعدم الاتزان. تحركت عينيها بين الحضور ليجذب انتباهها تلك الفتاة التي تقف محدقة بزوجها وعينها تتبعه أينما تحرك. شيء ما داخلها انزعج. ودت لو تذهب إليها وتصفعها تمنعها من التحديق به. ثم توقفت تسأل نفسها لماذا انفعلت؟ هل تغار؟ هزت رأسها تنفض عنها تلك الأفكار الغبية كما أسمتها. حتى أحست به يجلس بجانبها:
– حبيبتي، اتأخرت عليك؟
حركت رأسها نافية:
– لا، أبدًا.
لكنه اقترب منها يهمس لها ويده تتسلل تمسك يدها:
– بس أنتِ وحشتيني أوي.
ارتبكت بحرج واشاحت وجهها إلى الناحية الأخرى مدعية أنها تنظر إلى العريس والعروس. حتى التقت عينها بعين الفتاة التي كانت تحدق بهم، لتثير فضولها وتلتفت نحو فارس تسألها عنها:
– فارس، هي مين البنت اللي بتبصلنا دي؟
ثم أشارت له بعينها نحو الجهة التي تقف بها الفتاة. لينظر إلى الاتجاه الذي أشارت إليه:
– دي مدام غادة مرات حازم صاحبي.
قطب حاجبه يسألها:
– بتسألي ليه؟
رفعت كتفها تخبره بعدم معرفة:
– أصلها مركزة معاك من أول ما جينا.
ابتسم ونظر لها بخبث وهو يقرب وجهه من وجهها:
– بتغيري عليا؟
لوت شفتيها باستهزاء وقالت ساخطة تشير نحو نفسها:
– أنا أغير؟
ضيق عينيه وقال باستياء مزيف:
– وما تغيريش ليه؟ مش جوزك؟ ولازم تغيري عليا؟
– لا، مش غيرانة، متخافش.
ليقرص وجنتها ويقول مازحًا محاولًا مشاكساتها:
– بكرة تحبيني وتموتي فيا وتغيري عليا ويكون نفسك تخبيني من عيون البنات.
نظرت له ساخرة وقالت مستنكرة تكرر حديثه:
– أحبك وأموت فيك؟ وكمان أغير عليك وأخبيك؟ أي الثقة والغرور اللي أنت فيه ده!
لاعب حاجبيه يحاول إغاظتها:
– بكرة تشوف يا جميل.
وقبل أن تجيب سمعوا منظمة الحفل تعلن على الرقصة الثنائية وتدعوهم لمشاركة العروسين. مد يده لها يطلب منها الرقص. ظلت تنظر ليده الممدودة تحاول أن تتخذ القرار. لتمد يده تمسك بيده وترافقه إلى ساحة الرقص. أحاط خصرها وقربها من صدره بحرج، لكنها هذه المرة كانت عيناها تقابل عينيه وقلبها يخفق بشدة. وشيء ما داخلها يخبرها أنه لم يعد شخصًا عاديًا بالنسبة لها. فتلك المشاعر التي تشعر بها بقربه ليست مشاعر عادية. يبدو أنه استطاع أن يقتحم ذلك القلب المتبلد ولو بجزء بسيط. يدها التي كانت موضوعة على قلبه تشعر بضرباته القوية التي تشبه قرع الطبول. وعيناه التي تواجهها تشي لها بعشقه لها. يبدو أنه صار يحاصرها بحبه من جميع الاتجاهات، يرغمها على تذوق الحب معه.
رواية بنات ورد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رشا عبد العزيز
جلس أمامها يفكر بتردد كيف يخبرها بما طلبته منه والدته، لكنه تعلم الدرس، لن يخطئ الآن.
جلس بجانبها على السرير وضمها إليه، يقبل جبهتها.
أراحت رأسها على صدره وقالت:
- أنا فرحانة أوي ياعلي، مش مصدقة أني هكون أم.
حرك يده على ذراعها، يشدد من ضمها:
- أحلى أم في الدنيا.
صمت قليلاً، يرتب كلماته ويزينها كي يستطيع إقناعها، ليتحمحم قائلاً:
- هدى.
- ممم، أيوة ياحبيبي.
- كنت بفكر منقولش لحد حكاية الحمل.
رفعت رأسها نحوه تسأله بدهشة:
- ليه ياعلي؟
أخفض رأسه نحوها لتتقابل عينه بعينها وقال بأضطراب:
- أصلي بخاف من الحسد.
ثم أبتسم ابتسامه مهزوزه يداري فيها أضطرابه:
- هما مش بيقولو داري على شمعتك تقيد.
دارت عينها في حيرة كأنها تقلب تلك الفكرة في رأسها، لتومئ له بالموافقة:
- بس أنا ما أقدرش أخبي على خواتي.
حرك يده على وجنتها بحنان:
- حبيبي، أنا مقصدتش شمس وندى، دول أخواتك وأكيد هيفرحولك، أنا قصدت أي حد تاني غيرهم.
- حاضر.
تسارعت دقات قلبه وهو يخشى ردة فعلها إذا طلب منها ترك العمل.
جلى صوته يستكمل حديثه:
- فيه حاجة تانية عاوزة أطلبها منك، بس ياريت متفهمينش غلط.
قطبت حاجبها بتعجب:
- حاجة أي؟
- شغلك ياهدى، كنت بفكر أنك تسيبي الشغل دلوقت، خايف يأثر على الحمل.
شحب وجهها لتسأله وهي تمسح على بطنها كأنها تخشى حدوث ما يؤذي صغيرها:
- تفتكر ممكن يأثر؟
- اكيد، أي مجهود هيأثر.
- طب أنا ممكن ما أضغطش على نفسي.
- هدى.
عادت ترفع عينها لتواجه عينه:
- أنتِ عارفة شغل المدرسة كان بيتعبك إزاي، أنتِ نفسك كنتي بتشتكي من الضغط.
صمتت تفكر في حديثه ويدها لاتزال تتحرك على بطنها بحمايه كأنها تطمئن صغيرها أنه بأمان.
ولن تعرضه للخطر، ثم توقفت كأنها تتذكر شيء:
- طب وخالتك ودعاء؟
ضرب أنفها بأصبعه يشاكسها:
- ملكيش دعوة، أنا هعرف أقنعهم، هقلهم: حبيبتي بتوحشني وأنتو شغلتوها عني.
ابتسمت لحديثه، ليعاود ضمها بقوة كأنه يريد أن يقرّبها منه ويحفظها داخل أضلعه، ثم تنهد برتياح يهمس:
- الحمد الله.
دخل إلى الشقة فوجد أثاثها مبعثر وهناك أدوات تنظيف وضعت جانباً.
بحث عنها بعينه فلم يجدها، ثم نادى عليها:
- شمس، أنتِ فين؟ أي الي بيحصل هنا؟
لتأتي من المطبخ بعد ندائه، ترفع أكمام بجامتها وتحيط شعرها بقطعه قماش، ربطتها على قمة رأسها.
واضعه على كتفها قطعه قماش خاصة بتنضيف وتمسك يدها بممسحه، مرتديه خف وترفع أطراف بجامتها حتى ركبتها:
- أنا هنا، عاوز حاجة؟
ظل يحدق بها حتى أنفجر ضاحكاً، ليعبس وجهها بأنزعاج وتهتف بغضب:
- ممكن أعرف بتضحك ليه؟
ليحاول التوقف يخبرها من بين ضحكاته:
- انت عامله بنفسك أي؟
ردت بأقتضاب وهي تربع يدها على صدرها:
- حملة تنظيف.
- حملة تنظيف في البرد؟ طب ليه كنا طلبنا شركه تنظيف بدل البهدلة الي أنتِ فيها.
- ملهاش داعي، أنا أعرف أنظف بيتي، وبعدين أنا عندي إجازة يومين قلت استغل الوقت.
اقترب منها وأمسك ذقنا ليقول لها وهو يحركه يميناً ويساراً ضاغطا على أسنانه يخرج الكلمات من بينها:
- حبيبي النشيط ياخواتي.
أبعدت يدهه بضيق وقالت بأنزعاج:
- غير هدومك وتعالى ساعدني.
اتسعت عينه وقال معترضاً:
- أي؟ أنا أساعدك؟
لوت شفتها وقالت بتهكم:
- ومالك تفاجأت كدة، مش أحنا شركة في المكان.
ضيق عينه بتفكير، ثم أقترب منها يضع كفي يده على كتفيها ويقول مازحاً:
- ماشي ياشريك، أنت تؤمر.
تركها متجها نحو غرفته وعاد يرتدي بجامة بيتيه، أعطته الممسحة وأشارت له نحو المكان المطلوب منه تنظيفه.
واتجهت هي نحو الجهه المقابلة تزيل الغبار وتمسح الأثاث.
كان يمسح المكان حينما خطرت في باله فكرة، لينظر نحوها بمكر ويصطنع السقوط وينادي عليها متأوهاً:
- شمس الحقيني.
أرتجف قلبها بخوف وركضت نحوه لتجده يمد لها يده يمثل الألم:
- ساعديني ياشمس.
كادت أن تمد يدها نحوه تساعده، لكنها لمحت ابتسامته الخفية لتقول له بحدة:
- قوم يافارس بلاش دلع.
أغلق أحدى عينيه يكمل أدعائه وهو يمد لها يده ويقول:
- اه… طب ساعديني.
- ساعد نفسك.
قالتها والتفتت عائده إلى ما كانت تفعله.
نظر لها بحنق ونهض متجه نحوها يقول لائماً:
- أي دا، مش دا السيناريو الي أنا تخيلته.
نظرت اليه مبتسمه وقالت بسخرية:
- وأي بقى السيناريو الي أنت تخيلتة.
تنهد بضيق وقال متذمراً يحرك يده ويمثل لها ماكان يرسمه خياله:
- تخيلت أني أمدلك إيدي وتمسكيها، أقوم أنا سأحبك وتقعي عليا، وبعدين اقرب منك وأبو…
- فارس.
قالتها بسرعة تمنع استرساله بحديثه الذي علمت نهايته ومبتغاه.
لتربت على ذراعه بقوة وتقول بأنزعاج ساخرة:
- بطل أحلام يقظة وكمل شغلك يلا يابني خلينا نخلص.
نظر لها بضيق وهتف مستنكراً:
- أحلام يقظة.
- ماشي ياشمس، بكرة تكون حقيقه وأفكرك.
كتمت ضحكتها بصعوبه وهي تطالع غضبه وأدعت الثبات قائلة:
- فارس أنجز ورانا شغل كتير.
لتشهق عندما باغتها وهو يجذبها نحوه حتى لم يعد يفصلهم شيء ونظر لها بعمق هامساً:
- بكرة الحلم يكون حقيقة وهتحبيني زي مابحبك.
نفضت يده متمته بغضب مصطنع بعد أن أربكتها فعلته وشتتها كلماته:
- غرور وثقة زايدة.
قرص وجنتها وقال محاولاً اغاضتها:
- بكرة نشوف ياشمسي.
أزاحت يده عن وجنتها ودعكت وجنتها متأوه:
- اه… أيدك تقيلة يارخم.
لتتفاجأ به يقبل وجنتها بسرعة ويبتعد قبل أن تهتف بأي كلمة، ثم جدته يعمل باندماج متجاشياً غضبها وهو يكتم ضحكته بصعوبه خاطفاً بعض النظرات نحوها.
مسحت آثار قبلته بعنف متأففة واستدارت، لكنها عندما استدارت عادت تلمس وجنتها مبتسمة.
رتمو على الأريكة بجسد متعب بعد أن أنهو حملة التنظيف، لينظر لها يزفر أنفاسه لاهثاً:
- أنا تكسرت، مش قادر أتحرك.
رمقته بنظرات متهكمه وقالت:
- يابني أمال فين الجم والعضلات، وألا فورما على الفاضي.
ردد كلامها مستنكراً:
- لا ياستي مش فورما على الفاضي، لكن حضرتك خليتي اتشعلق على المراوح والشبابيك وخليتيني أشيل الكنب، أيمش محتاج مجهود ياهانم.
نهضت بثقل دون أن تجيبه، لكنها تمتمت:
- أنا عاوزه آخذ شور عشان أصحصح.
- أنا جعان.
تمتم بها حانقاً وهو يطالع تحركها نحو غرفتها، لتخبره بتذمر دون أن تستدير:
- أخلص شاور واعملك عشا.
- هطلب دليفري.
- يكون أحسن.
أنعشت جسدها بحمام دافئ ووقفت تمشط شعرها عندما سمعته ينادي عليها:
- شمس… شمس يلا العشا وصل.
لخرج بسرعة فقد كانت تتضور جوعاً:
- انت طلبت أي؟
كان يفتح الأكياس ويخرج الطعام عندما سمع صوتها، ليرفع نظره نحوها فتأسره هيئتها، رغم أنها بسيطة لكن جعلت قلبه يخفق بقوة.
رائحة الياسمين التي سبقتها داعبت أنفاسه وسحرت حواسه، قبل أن يفيقه سؤالها وهي تتفقد الطعام:
- أنت طلبت شاورما؟
أجابها من دون تركيز:
- هااا… اه.
- لحمه والا فراخ؟
- واحدة كده و وحدة كده.
- طب ليه كده، أنا بحب اللحمه وأنت كمان بتحب اللحمه، كنت خلتها لحمه وبس.
- مش عارف، قلت تغير.
ثم أشار لها بسبابته:
- أستنى ثواني.
ذهب إلى المطبخ وعاد بسكين ليقطع الشطائر إلى نصفين، أعطاها نصف من اللحم والآخر من الدجاج وأخذ لنفسه مثلها.
ظلت تحدق به وبما فعل برهة من الزمن، حتى انتبه لها وهو يحمل شطيرته ويقضمها ليسألها:
- مالك بتبصيلي كده ليه؟
لمعت الدموع في عينها وتحشرجت الكلمات لتخرج بصعوبه على لسانها:
- بابا وماما كانو بيقسمو أي حاجة بينهم، عمري ماشفت أبويه آكل تفاحة كاملة، كان دايما بيقسم التفاحة بينيه وبينها، ولاعمري شفتها أكلت حاجة من غير ماتقسمها وتقول دي حصه أبوكو، ولما كنا بنلوم عليهم ونعترض على تصرفهم كان بيزعقلنا ويقول دي حبيبتي الي شاركتني حياتي وهتشاركني كل حاجة فيه.
مسحت تلك الدمعه التي تسللت هاربه من عينها وهمت بتناول الطعام، تحبس دموعها قبل أن تنهمر، حتى سمعته يقول:
- أنتِ محظوظه ياشمس أنك عشتي وسط قصة حب بلجمال دا.
الأنسان ملوش حق أنه يختار البيئة الي يعيش ويكبر بيها، لكن فيه ناس ربنا بيكرمهم إنهم بيعيشو وسط عيله ودفى وحب.
ورغم أن والدك ووالدتك ماتو، لكن أنتِ لسه عايشه على ذكريات جميله.
بهمطالعته متفاجئه من حديثه، فتلك الحرقه التي يتحدث بها تؤكد لها أنه لم يعش حياة سوية.
وقبل أن تسأله عن والديه وجدته، يستطر قائلاً:
- بكرة نعيش قصة حب زيها، يفضل ولادنا يحكو بيها.
قطبت حاجبها ومطت شفتها مستنكره قوله، ليقهقه ضاحكاً على هيئتها:
- كلي ياحبيبتي الشاورما هتبرد.
بدأت تأكل وتتحدث معه على مواضيع عده، وأستمر النقاش بينهم لفتره طويله، حتى وجدها تحدق به من جديد بعد أن لمست ذكائه وتعقل رأيه في بعض المواضيع، لتسأله مستفسرة:
- فارس، هو أنت مكملتش تعليمك ليه مع أنك ذكي ومثقف.
اتسعت ابتسامته وأطربه وصفها، ليخبرها:
- مابحبش الدراسه، وكمان لما اشتغلت في محلات جدي ونجحت، حسيت أني ممكن أنجح من غير شهادة، فكسلت بصراحه.
- بس الشهادة مهمه، ممكن تضيف ليك.
- عندك حق، بس حاسس أنه فات أوانها خلاص.
حركت رأسها نافيه:
- العلم ملوش سن محدد، أنت ممكن تدرس في أي وقت.
رفع كتفه بعدم أقتناع ليعقب:
- معنديش لا الوقت ولا الشغف ليه.
نظرت اليه بقلة حيله بعد أن ظنت أنها تستطيع إقناعه.
أغلقت الهاتف بغضب تستشيط غيضاً بعد أن سمعت منها عدم رغبتها في العودة للعمل.
وأنها تتفق مع زوجها في ذلك، ورغم انها حاولت إقناعها بالعدول عن قرارها والتمرد عليه، لكنها رفضت بشكل غريب.
تباً لها، كانت خطتها تسير بشكل جيد حتى شعرت أنها دنت من خلق شرخ في علاقتهم، لتأتي الآن وتنهي كل شيء:
- ماشي ياهدى، وحياتك ما هتفلت مني.
شهر مر على تلك الأحداث.
ظلت تطالع تلك الشموع التي ذابت وقاربت شعلتها أن تخمد، وكأنها تبكي على مرور الوقت.
وأنطفاء ضيائها لينتصر عليها الظلام.
لقد ذابت تلك الشموع كما ذابت روحها وتعبت من الأنتظار.
انطفئ بريق الفرحة في عينها بعد أن تأخر عن موعد رجوعه ثلاث ساعات.
طالعت الساعة بممل وتأففت بعد أن تملكها الضجر.
لتقبض على فستانها القصير، تنظر له بحسرة فقد تزينت.
واعدت له العشاء كي تحتفل معه.
اخفضت عينها تنظر لذلك الصندوق القابع في أحضانها، لتبتسم ابتسامة حزينه، تفتحه وتخرج هذا الأختبار الذي أجرته في الصباح، لتتأكد شكوكها.
مسحت على بطنها برفقه، تحمل قطعة منه في أحشائها، غامت عينها بدموع.
فكم تخيلت تلك اللحظة التي تخبره بهذا الخبر، وباتت تتصور ردة فعله، وتسأل نفسها هل سيفرح بوجود هذا الصغير.
لكن فرحتها انصهرت شيئا فشيئا كما انصهرت الشموع بمرور وقت الأنتظار.
وضعت ذلك الصندوق على الطاوله أمامها.
ثم تمددت على الاريكة تمسك بطنها وتتكور على حالها كأنها تحتضن ذاك الصغير، علها تستمد القوة منه.
شردت بذاكرتها نحو مشاهد جمعت والدها ووالدتها، وذلك الدفئ والتفاهم في علاقتهم، كان يشعر الجميع بالأمان والدفئ في منزلهم.
انسابت دموعها رغما عنها، وهي تقارن حياتها مع طارق بحياة والدها ووالدتها.
كم تمنت أن تعيش تلك الحياه التي رغم أنها كانت بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والسعادة.
ثقلت اجفانها لتغلقها، علها تجد الراحة في النوم بعد هذا التشتت والضياع.
وبعد مرور ساعة أخرى عاد إلى المنزل بجسده المنهك.
دخل إلى المنزل وخطى بخطوات المثقلة نحو الداخل، ليقف متسمراً وهو يجدها متكورة على حالها.
تنام على الاريكة، تقدم بخطوات نحوها ليلفت أنتابهة ذلك العشاء الرومانسي الذي اعدته.
أعتصره قلبه ألماً عندما رأىتلك الشموع الذائبة، يبدو أنها أنتظرته كثيراً.
جثى على ركبته أمامها يتأملها ويتأمل زينتها، كانت فاتنه رغم ذلك الكحل الذي خالطته الدموع فنساب يشوه زينتها.
ازاح خصلات شعرها عن وجهها ومد أصبعه يلمس تلك الدموع التي علقت بين أهدابه.
مسح عليها برفق حتى علقت حبات دموعها على أصابعه.
ليقرب يده ناظراً اليها بحيرة وندم، لايدري كيف يخبرها أنه كان يقف على قدمه منذ ست ساعات يجري عمليه خطرة، رغم أنها تكللت بالنجاح، لكن فرحته بنجاحها ضاعت عندما رأى تقصيره معها.
حتى رسالتها التي أرسلتها قبل ساعات تخبره أنها تنتظره ليتناولو العشاء معاً، وأن هناك مفاجئة في إنتظاره.
لم يقرأها إلا منذ قليل، زفر أنفاسه بضيق يلوم نفسه، ليعتدل محاولًا إيقاضها، لكن لفت انتباهه ذلك الصندوق الموضوع على الطاوله ليحمله ويفتحهه بفضول.
فأتسعة عينيه وهو يوزع نظره بينها وبين الصندوق ويردد بدهشه:
- ندى حامل.
لايعلم المشاعر التي اجتاحته في هذه اللحظة، سيصبح أب.
تسارعت أنفاسه ينظر له.
لقد زاد ترابطهم بهذا الصغير، حلم العائله الذي ظن يوماً انه سيؤجله أصبح اليوم واقعاً ملموساً.
ابتسم يقترب منها، فقد كانت هذه المفاجئه البلسم الذي أذاب تعبه حتى تلاشى.
جلس بجانبها يمسح على شعرها، ومابين فرحته وتألمه لأجلها اختلطت مشاعره.
ليميل يقبل وجنتها يردد أسمها:
- ندى… ندى.
تململت وفتحت عينها ببطئ، مسحت على عينها والتفتت نحوه لتراه ينظر لها مبتسماً.
اعتدلت في رقودها ونظرت له بضيق وقالت بصوت غلفته الحدة:
- غصب عني نمت هنا.
مد يده يمسح على وجنتها بحنان:
- بس كدة هتمرضيلي.
يغمز لها بعبث:
- فستانك قماشه خفيف.
لتنظر نحو فستانها القصير وتتورد وجنتها بخجل، فتمد يدها بحرج تسحبه نحو الأسفل قبل أن تزداد ارتباك، وهو يدنو منها هامساً:
- بس يجنن.
ثم أخفض عينه ورفعها يخبرها بأسف:
- أسف ياندى، عارف أني اتأخرت عليكِ، لكن غصب عني كان عندي عملية جراحية.
حركت رأسها وقالت مستهزئة:
- عادي، تعودت أنك تتأخر عليا.
علم أنه عتاب متأخر، ربما نفذ صبرها، كادت أن تنهض ليمسك يدها يمنعها وينظر نحوها برجاء:
- ندى، عارف أني مقصر معاكِ، بس انت عارفة ظروفي.
لتتنهد بألم وتخرج كلماتها مختنقه بحزن:
- بس تعبت.
تفاجئ من من ردها، لكنه أفسح لها المجال لتكمل رغم حزنه عندما وجد دموعها تسيل على وجنتها:
- تعبت ياطارق من الحياه الباردة الي عايشنها.
أنت عايش معايا كأنك ضيف، بشوفك ساعة وألا ساعتين.
تعبت من الوحدة، بقيت بكلم نفسي وكل يوم أواسيها وأقنعها وأقول يابنت دا عندو شغل، دا مستقبله، أنتِ لازم تستحملي، الزوجه الصح لازم تقف جنب جوزها وتستحملو.
بس تعبت ياطارق وأنا شايفه نفسي آخر اهتماماتك، أنا كمان محتاجه الي يطبطب عليا، أنا تعبانة ياطارق، تعبانه أوي.
يجذبها نحوه يضمها بقوة رغم تمنعها، لتنهار داخل أحضانه، فيحرك يده على ظهرها يهدئها:
- أسف ياندى، والله أسف وحاسس بيكِ، بس غصب عني صدقيني، أنا تعبان زيك ياندى ومحتاجك زي ما أنتِ محتاجاني، بس دا مستقبلي ياندى واتحكم عليا أمشي الطريق دا عشان أوصل لحلمي.
لكن أوعدك أني هحاول… هحاول ياندى أكون الزوج الي بتحملي بيه.
كانت تود أن تخبره أنها ليست بحاجه لزوج فقط، هي بحاجه لحبيب أكثر.
أخرجها من أحضانه يمسح دموعها، ثم طبع قبلة على جبينها ليبتسم ابتسامه كبيرة:
- ألف مبروك ياندى.
نظرت له بدهشه، لتلتفت مباشره نحو الصندوق الذي وجدته مفتوح، لتعلم انه قد عرف بخبر حملها.
عادت تنظر له بأرتباك.
لـيعاود ضمها مرة أخرى:
- ألف مبروك يا أحلى ام في الدنيا.
أثلج قلبها وصفه، لترد عليه:
- الله يبارك فيكِ ياحبيبي.
تلك الكلمة التي يسمعها اليوم منها بنبرة مختلفه، نبره احتياج وطلب للأمان.
جاورته في سيارته وعلامات الدهشه ترتسم على محياها، لتهتف بحنق:
- طب أفهم، رايحين على فين؟
- يابنتي ماتبقيش زنانة دلوقت، نوصل وتعرفي.
ربعت يدها على صدرها بتأفف تتمتم بحنق:
- ادينا صابرين، أما نشوف أخرتها.
وبعد مرو القليل من الوقت، اعتدلت تنظر للافتات على الطريق بتعجب، لتلتفت نحوه:
- دا طريق إسكندرية؟!
ليجيبها دون النظر إليها:
- أيوه.
- هو أحنا مسافرين إسكندرية؟
- أيوه.
استدارت نحو لتهتف بغضب:
- هو أي الي…. أيوه. .... أيوه. طب كنت على الأقل خلتني أجيب هدوم ليا، هو أحنا هنرجع امتى؟
- بكرة أو بعده.
استفزتها برودة إجاباته، لتتقول بأنفعال:
- فارس، عاوزه افهم أي الي بيحصل؟
- نوصل وتفهمي، متستعجليش.
نفخت بضيق معتدله تنظر نحو الطريق بملل.
ابتسم وهو يخطف نظره نحوها، ثم يعود ليركز في طريقه، ليحاول مشاكستها:
- مشمش.
- نعم.
قالتها بأقتضاب، ليكرر فعلته:
- مشمش.
لترد بأنزعاج:
- ماقلنا نعم، عاوز أي؟
- بحبك.
نبض قلبها بعنف بين أضلعها، وارتبكت بخجل، ليضحك على أرتباكها.
وصلو إلى الإسكندرية، لتراقب الطريق بتمعن، تجذبتها تلك الشوارع الجميلة التي طالما حلمت بزيارتها.
تمزج بين الحاضر والماضي، أنها حقاً عروس البحار.
اتسعت ابتسامتها وهي تجده يقف بالقرب من احد الفنادق المطله على البحر.
وازدادت بهجتها عندما وجدت نفسها تقف على أحد الشواطئ أمام البحر، كما حلمت دائماً.
لتنظر نحوه بأمتنان وهو يخبرها:
- حلمك ياشمسي.
- متشكرة يافارس.
ابتسم لها لها بحب، فقد أصبحت هي له الحياة، وابتسامتها سر لسعادته.
وقفت أمام البحر تفتح ذراعيها، سامحتا لنسمات الهواء الباردة أن تمر بجانبها، كأنها تعانقها، لتأخذ شهيقاً عميقاً تكتمه، ثم تزفره بقوة، كأنها تحاول أن تخرج مخاوفها وتفسح المجال لتلك المشاعر التي بدأت تطوق قلبها أن تمتلكه.
أغمضت عينها ليشرد عقلها في مواقفه معها في الشهور الماضيه، كم كان حنونا ومحبا، ليخفق قلبها ينادي بأسمه.
فتحت عينها فجأه عندما وصلت لنقطة إلا رجوع.
فما تشعر به معه، واشتياقها له، لهفتها للحديث معه، حبه، اهتمامه بها، أشياء دفعتها لتقف امامة حقيقه لم تعد تستطيع إنكارها، أنها تحبه.
أغلقت عينها وفتحتها من جديد، تحاول أن تستوعب مايخبرها به قلبها، لتردد الكلمه همس لايسمعه سوها:
- بحبو.
ايوه بحبو.
أمواج البحر التي تلاطمت أمامها كانت تشابه نبضات قلبها، ومابين المد والجزر حدثها البحربما تحاول أخفائه، لتبتسم وتحيط جسدها بيديها.
جلست على الشاطئ تراقب اختفاء الشمس، كأنها تغرق بين الأمواج، في مشهد غروب سحر عينيها.
كانت تتأمله منبهره، ولاتسمح لعينها أن ترمش، كانت تريد أن تعيش حلمها بكل تفاصيله.
ما هو فقد كان يتأمل شمسه التي زادها انعكاس ضوء الغروب على أمواج البحر التي هدئت تسيارهدوء الغروب، ليمنحها جمالاً من نوع آخر.
هو يرى شمسه الحالمه وعينها تتلألأ بسعادة.
ويعترف لنفسه أنه أصبح يعشقها، ليتنهد بيأس ويرجو أن يأتي ذلك اليوم الذي تبادله فيه نفس المشاعر.
رحلت الشمس وحل الظلام، ولم يتبقى سوى بصيص من أنوار خافته، لكنها كانت لازالت تجلس في ذات المكان، تطوي قدمها وتضمها إلى صدرها، تحيطها بذراعيها، وتنظر للبحر.
شعرت به وهو يجلس بجانبها:
- بقالك ساعاتين قاعدة نفس القعدة، أنتِ إزاي مستحمله؟ أنا اتجمت.
التفتت نحو تبتسم ابتسامه هادئه، ذلك الهواء البارد زاد احمرار وجنتها وأنفها، ليحاول مشاكستها:
- أي دا، أنت كمان متجمدة، مناخيرك شبه البلياتشو.
ونظرت له نظرة جانيه وقالت بامتعاض:
- ما أنت كمان مناخيرك شبه البلياتشو يامتنمر.
- طب أي، مش ترحمينا ونمشي خلاص.
نظرت له بعين متوسلة وقالت برجاء:
- معلش يافارس، وحياتي خمس دقايق كمان.
غمز لها بعبث وقال:
- لا مدام وحياتك، يبقى أتجمد للصبح ولا يهمك ياجميل.
ابتسمت بخجل وامتنعت عن التعقيب، لتجده يقترب منها يحيط جسدها بذراعه ويمسك خصرها، يقرّبها منه حتى ارتطم رأسها بكتف، وهو يقول:
- ان شاء الله المرة الجايه نجي ومعانا سيف.
قطبت حاجبها وسالته بصوت خافت بعد أن أربكها قربه:
- سيف مين؟
اخفض عينه ينظر لعنيها ويقول بثقة:
- ابننا سيف فارس الجوهري.
لوت شفتها بسخط وقالت بأنزعاج مصطنع وصوت أمتزج بالحدة:
- شيل إيدك يافارس وابعد عني.
لت قهقه ضاحكه عندما وجدته يبتعد عنها.
لكن ضحكاتها توقف عندما وجدته ينهض واقفاً ويضع يديه على جانبي فمه ويصرخ بصوت عالي:
- أشهد يا بحر أني بحبك.
لتلتفت نحوها مبتسما وهو يجد صدمتها من صراخه، ليلتفت مرة أخرى إلى البحر ويصرخ:
- أشهد يا بحر أنها الشمس الي نورت حياتي.
ثم صمت وأكمل:
- أشهد يا بحر أني محبتش قبلها ولا هحب بعدها.
ثم صمت وقال مازحاً بصوت منخفض:
- أشهد يا بحر أني بحبها … بس أوعى تكون فتان وتقولها.
ابتلعت ريقها بحرج والتمعت عينها بالدموع، لينتفض قلبها يخفق بجنون، يود ان يصرخ كما يصرخ هو ويخبره انه يحبه.
لكن هناك شيء منعها من الأعتراف، لتجده يلتفت نحوها ويحدق بها، كانه يريد أن يرى ردة فعلها على اعترافه، لتهز رأسها وتقول ضاحكه:
- البحر ما بيفتنش.
لتطلق ضحكة عاليه وهي تجده يتجه نحوها، لتقف بسرعه وتركض هرباً منه.
تبعه راكضاً يتوعد لها بغضب مزيف، وهو يهتف:
- لا أنت عاوزه تجنيني، أي مفيش قلب، مفيش مشاعر.
قالها صارخاً وهو يجري خلفها، حتى تعبت من الجري لتبطئ سرعتها، فيمسكها هو.
ظلت تضحك وتزفر أنفاسها لاهثه، وهو أيضا امسك ذراعها وتوقف يلتقط أنفاسه المتسارعة:
- يامجنوها.
اقترب محاولاً احتضانها، لكنها رفعت يدها توقفه ورأسها يتحرك يمناً ويساراً:
- يامجنوون الناس.
توقف بعد أن أدرك صدق حديثها، لينظر لها بلوم وهو يمسك يدها ويسحبها خلف وهو يتمت:
- طب يلا بينا خلاص، كفاية لحد كدة.
سارت خلفه، لكنها الآن شخص مختلف، قلبها لم يعد ملكها، بل تمرد يشهر رأيه الاستلام لحبه.
بعد مرور أسبوع من هذه الأحداث.
كان يجلس في مكتبه يكتم ذلك الألم التي يخفيها عن الجميع ويمثل الصمود، رغم أنه لم يعد قادر على تحملها.
سمع طرقات على الباب، ليغمض عينه ويفتحها، يتحلى بأقصى درجات التحمل ويرسم الصمود على وجهه:
- أتفضل.
ليسمع من يهتف:
- الجوهري الكبير، سيد الناس، وحبيب الكلال.
تلتفت مبتسماً، فلقد علم هويه الطارق حفيده المدلل، ليقترب فارس منه يقبل رأسه ويده.
فيضرب بدران على كتفه بعتاب:
- يابكاش، دا أنا بقالي أسبوعين ماشوفتك.
دعك فارس كتفه يدعي الألم ويمازح جده:
- اه… ياجدي أنا مش قدك يا حج.
ثم عاد يقبل رأسه معتذراً:
- حقك عليا ياغالي.
- أقعد يلا بلاش تأخذني بدوكة.
سحب فارس أحد الكراسي وجلس مقابله، ليربت بدران على قدمه بحنان وهو يسأله:
- عامل أي وشغلك ماشي إزاي؟
- لا الحمد الله، كلو تمام، أنت عارف أنا فارس الجوهري، تربيتك ياباشا.
ابتسم بدران بفخر وهو يطالعه:
- عفارم عليك ياولد.
ثم ضيق عينه بخبث وسأله:
- والـجواز عامل أي مع بنت عملك؟
قبل فارس أصابعه وفتحها على هيئه ورده، وهو يتمتم بسعادة:
- فل الفل ياباشا.
انحنى بدران مقترب منه يسأله بخفوت:
- يعني هسمع البشارة قريب؟
قطب حاجبه بعدم فهم وسأله:
- بشارة أي ياباشا؟
ضرب بدران رأسه بخفة وقال بضيق:
- بشاره الحفيد ياولد، مفيش حاجه في السكة، فرحني زي ما طارق فرحني.
رفع حاجبه بعد أن أدرك مقصد جده وقال بستهزاء:
- اه قصدك حمل، مش لما حفدتك ترضى علينا.
مط بدران شفته بأنزعاج وقال ساخراً:
- ياخيبتك، هو أنت لسه ماميلتش دماغها ياخايبه.
هز فارس رأسه بقله حيله وقال يدعي الحزن:
- لسه، ادعيلي ياباشا، بس أهو قربت، بس أنت قول ياربحك.
بدران يده بعدم رضى وقال موبخاً:
- دا أنت حالتك صعابه يابني.
- أوي ياجدي… وبعدين أعملك أي، حفيدتك دماغها ناشفة.
ردد بدران قوله بستهزاء وقال مستنكراً:
- دماغها ناشفة. أنت بتحبها للدرجة دي؟
نظر له فارس يخبره بهيام:
- بحبها، بس قول بعشقها، بموت فيها.
ابتسم بدران بسعادة بعد اعتراف حفيده، ليربت على كتفه:
- ربنا يهديها وتحبك زي مابتحبه.
رفع فارس يديه ينظر نحو جده برجاء:
- أيوه ياجدي، وحياتك كترلي من الدعوات دي.
لينفجر الاثنان ضاحكين على مزاحهم وحديثهم.
ثم توقف بدران يحدق به وقال متوسلاً:
- خلي بالك منها يافارس، شمس أمانه عندك، أنا عارف أنها مش بتحبني، عندها حق، أنا ظلمتهم كتير.
ثم اختنقت كلماته لتخرج بحرقة:
- وظلمت أبوهم قبلهم.
ربت فارس على يد جده يواسيه ويطمئنه:
- متخافش ياجدي، شمس في قلبي قبل عنيا.
خرج من مكتب جده مبتهجاً وسار بضعة خطوات حتى سمع صوتناً ساخراً جعل ابتسامتة تتلاشى:
- الحمد الله افتكرت أن عندك أهل وجيت، بس مش كان الواجب تسلم على أبوك، وألا بنت ورد نستك أبوك كمان.
قبض على يده يعتصرها محاولاً التحلي بالصبر وعدم الانفعال، ليستدير ويقول بصوت بارد:
- أهلاً يابابا، إزي حضرتك، معلش أصلي مشغول في المحلات الأيام دي.
وبنظرة سخرية طالعه وعقب متهكماً:
- الشغل، وألا بنت ورد.
احتقن وجه وقال مستهجاً حديثة:
- شمس ملهاش دخل.
لينهره بقسوة:
- مالهاش دخل، أوعى تفكر أن دكتورة ممكن ترضى تعيش مع واحد أقل منها، واحد معندوش شهادة.
بنت ورد هتسيبك بعد ما تقبض الفلوس، أنت بنسبالها مجرد صفقة مربحة هتحققلا أحلامها، ومتحلمش أنها ممكن تكمل معاك.
ضل يعتصر يده عله يهدئ من أعصابه ويخمد تلك النار التي أشعلها والده.
ظل يرمقه بغضب ولم يجيب بأيه كلمة، واستدار مغادراً المكان بسرعة وصافقاً الباب خلفه بقوة أزعجت والده الذي تمتم:
- مغفل.
عادت إلى المنزل لتدخل متاففة من شدة التعب.
أغلقت الباب واستدارت متجه نحو الداخل، لتقف متسمرة بدهشة وهي تطالع هيئته لتقول بفزع:
- فارس.
رواية بنات ورد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رشا عبد العزيز
قالتها بفزع وانتفض قلبها وهي تراه يجلس واضع رأسه بين راحتي يديه.
اقتربت منه بخطوات سريعة، جلست بجانبه لتضع يدها على كتفه تسأله بهلع.
- فارس مالك فيه إيه؟
رفع رأسه ببطء بعد أن سمع ندائها عليه ليلتفت نحوها بعينيه التي شوهت بياضها تلك التعرقات الحمراء.
عيناه الدامعة أرعبتها لتكرر سؤالها.
- مالك يا فارس؟
ليسألها بعين راجية وصوت مهزوز.
- انت مش هتسبيني زيها مش كدة ياشمس؟
اتسعت عينها تسأله بأضطراب.
- هي مين دي يا فارس؟
لتنساب دموعه وهويجيبها بحرقة.
- أمي.
وبيد مرتعشة امسك يدها يتوسلها بصوت مجروح.
- أرجوك يا شمس متسبنيش أنا والله العظيم بحبك ، بعشقك مقدرش أعيش من غيرك.
ثم صمت يكتم آهاته يمسح عينه وأنفه ويقول بكسرة وهو يخفض وجهه.
- أنا عارف أني أناني وأنك أحسن مني بكتير أنتي دكتورة وأنا معنديش شهادة.
ليستدير نحوها بسرعة يتمسك بيدها ويقول بلهفة مكسوة.
- بس…بس والله ناجح يا شمس …مش انت.
ثم صمت يلتقط أنفاسه التي بدأت تختنق حتى اصبح يخرج كلماته متقطعة.
- مش انت قولتي الشهادة مش أهم حاجة أهم حاجة…
ثم ابتلع الكلمة بغصه وأخرجها بحرج.
- أهم حاجة الأخلاق.
ليبتسم مستهزءاً بحزن.
- وأنا معنديش أخلاق.
رفع عينيه الباكية تواجه عينها بأمل يغمضها ويعض على شفته يكتم عبراته ويعاود فتح عينه ويقول مبرراً.
- بس والله يا شمس أنا مش وحش ومش زي ما انت شفتيني أنا كنت بعمل كل دا بسببه هو السبب يا شمس هو السبب.
ارتجف قلبها وهي تراه ينهار أمامها لتمد يدها تمسح دموعه بعد ان انسابت دموعها هي أيضاً.
- أهدى يا فارس.
يدها التي لامست وجنته جعلت أنفاسه تتسارع وهو يخبرها بأنفعال.
- هو عاوز يحرمني منك زي ما حرمني منها.
ثم هز رأسه يسألها متوسلاً.
- بس أنت مش هتسيبني صح …يا شمس.
استمرّت في مسح دموعه وهي تومئ له بالموافقة مرددة.
- مش هسيبك يا فارس.
ابتسم من بين دموعه وقال.
- هو ليه عاوز ياخد مني كل حاجة بحبها.
حدقت به تسأله مستفسرة.
- أنت تقصدك باباك؟
- أيوه أنا بكرهه …وقلتهاله قلتله انا بكرهك.
وعاود مسك يدها وينظر لعينها يخبرها مؤكداً.
- شمس أنا مكنتش كده لكن الي شوفته خلاني أبقى كدة.
مسحت على وجنته بحنان تسأله.
- شفت أي يافارس؟
لينهار باكياً وهو يجيبها.
- شفت أمي منت*حرة قدام عينيا.
شهقت شمس بصدمة تضع يدها على فمها وتنظر له بأشفاق لكنه باغتها ورمى نفسه بين أحضانها يسند جبهته على كتفها يبكي وجسده يرتعش بالكامل كما ارتعش صوته من شدة البكاء تمزق قلبها وانهمرت دموعها تشاركه وجعه لترفع يدها تحيط جسده وتحرك يدها على ظهره علها تستطيع التخفيف عنه تركته يخرج مافي قلبه رغم ان شهقاته كانت سكاكين تطعن قلبها بألم امتزج بالقلق.
ابتعد عنها بعد أن أتعبه البكاء يمسح دموعه لتخبره بحنان.
- أحكي يافارس ما تكتمش في نفسك أحكي.
ليلتبعد نحو نهاية الاريكة وتشير له نحو أحضانها نظر حيث تشير ثم رفع وجهه ينظر نحو عينها لتومئ له موكدة.
ليتمدد واضعاً رأسه على حجرها بدأت تحرك أصابعها على شعره تحثه على الحديث ويدها الأخرى على كتفه كأنها تؤازره ، اغمض عينه يسرد لها حديث الماضي الذي حفر في ذهنه كنقش بالنار على الخشب.
- كانت حنينة ورقيقة اسمها أحلام وهي كانت زي الحلم الجميل كنت بحبها أوي ومتعلق بيها ، كنت عايش معاها احلى حياة بس هو كان بشع كان بيضربها ويخونها كان بيسكر ويفضل يضرب فيها كان طارق بيسد وداني عشان مسمعش صريخها وهو بيضربها وأعيط وكنت بشوفه وهو بيحاول يدافع عنها بس بابا كان بيضربه جامد لحد مابقت تخاف عليه وتطلب منه انه ميدخلش في خناقاتها هي وبابا.
ويوم بعد يوم بقت بتدبل و جسمها بقى ضعيف ودايماً بتعيط ولما تشوفني تحضني جامد وتبوس راسي وكنت بسمع همسها لنفسها وهي بتقول هستحمل عشانكم ، بس هو مرحمهاش لحد بعد ما سكتت خالص مبقتش تتكلم ، قليل اما نسمع صوتها لما كبرت عرفت أنه اكتئاب وفي يوم كان فيه خناقة كبيرة بينهم طارق كان في المدرسة وانا كنت عيان ومروحتش المدرسة كان عندي وقتها سبع سنين وصحيت على صوت صريخهم فضلت في أوضتي برتعش وأعيط لحد ما الصوت وقف.
وكنت خايف اروح لها لحسن يكون هو لسة موجود ويضربني زي ما بيضربها لكن بعد شوية خرجت بشويش ورحتلها كان الباب مفتوح وهي نايمة على السرير وشها عليه أثار ضرب وجنبها علب دوا كتير فاضية قربت وندهتلها.
- ماما …ماما.
بس مردتش عليا هزتها كتير بس مردتش عليا لمست وشها وأيديها بس كان جسمها بارد أفتكرتها نايمة.
ليختنق صوته بالبكاء حتى اختفى ليأخذ شهيقاً كبيراً حتى أستطاع أن يخرج كلماته المؤلمة.
- افتكرتها نايمة ونمت جمبها حضنتها ولفيت أيدها حوالين جسمي اكنها بتحضني لحد ما رجع طارق من المدرسة وشافها واتصل على خوالي وعرفت بعدين انها ماتت شالوني من حضنها بالعافية كنت ماسك فيها ومش راضي يأخذوها مني.
صمتت قليلاً ليكمل بحسرة.
- بس أخدوها مني مشوفتهاش تاني عارفة إحساس طفل عندة سبع سنين نام آخر مرة في حضن أمه الميتة.
ليتنهد بحرقة ويتمتم بكسرة وندم.
- يارتني عرفت أن دا انت*حار وعرفت اتصل بحد جايز كانو انقذوها بس أنا غبي كنت فاكرها نايمة.
مسحت على شعره برفق وقالت تهدئه.
- دا قدر يافارس وأنت طفل كنت هتعرف إزاي.
ثم تسارعت أنفاسه وقال بغضب.
- بس هو السبب أنا بكرهه وعمري ماهسامحه هو الي حرمني منها تعرفي ياشمس انا بقيت كده ليه كنت عاوزه يشوفني نسخة منه عشان يفضل يتحسر أنا كنت شاطر في المدرسة لكن شفته بيضايق لما باخد درجات وحشة بقيت أتعمد اني اسقط عشان اقهره وهو بيشوف طارق وعلي ناجحين وانا لا ماكنتش بتضايق لمابيقول فاشل في المدرسة لانى عارف ان كون معنديش شهادة حاجة بتحرق دمه كان دايمًا بيقارني بعلي وكان بيرجع مقهور لما يعرف أن وحدة فيكم دخلت كلية.
كنت عاوزه يشوفني سكير ومنحرف عشان يفضل يشوف نفسه فيا يشوف الحاجة الي دايما يهرب منها قدامه.
أنا مش وحش يا شمس أنا واحد عاش ماضي مش عارف يخرج منه أنا واحد أتأذيت من أقرب الناس ليه.
جدو هو الشخص الوحيد الي احتضنني بعدها وخدني معاه علمني التجارة وإزاي أكون ابن سوق بس معرفش يبعدني عن الحرام كان دايمًا بيقول انت عدو نفسك انت بتنتقم من نفسك.
ثم تنهد وابتسم وهو يمسح دموعه.
- بس جدو ساعدني من غير مايعرف جدو خلاني أعيش أحلى أيام حياتي من ساعة ما اختارنا لبعض.
أنت ياشمس السعادة الي هفضل أشكر جدو عليها طول العمر.
تورّدت وجنتاها بخجل ثم التفت اليها يسألها بقلق.
- أنت مش هتسبيني صح؟
ثم هز رأسه متوسلاً إياها أن تجيبه وتوئد مخاوفه.
- مش هتسبيني ياشمس زي هو ما قال؟
عادت تحرك يدها على شعره وتخلل أصابعها بين خصلاته وتسأله.
- طب هو قال أي؟
وبصوت مضطرب اخبرها بما قاله كأنه يتخيل حدوث ما يخشاه.
- قال انك هتسبيني بمجرد ما المدة بتاعة جدو ما تخلص وأني بالنسبالك مجرد صفقة ووجودك معايا عشان الفلوس.
حركت يدها على ذراعه ببطء تقنعه بصدق حديثها.
- طب أنت يافارس تتوقع أن تفكيري مادي للدرجة دي؟
أجابها بسرعة.
- لا طبعاً.
- يبقى خايف ليه وبتتكلم كأنك واثق اني ممكن أعمل كدة.
ليسألها بصوت مهزوز.
- يعني أنت مش هتسبيني لأني معنديش شهادة وأنت دكتورة؟
أغمضت عينيها تشتم عمها القاسي يبدو أنه حطمه وطعنه في مواضع ضعفه كسر داخله ودعس على كرامته.
يا إلهي لو كانت تكرهه مرة أصبحت اليوم تكرهه ألف مرة كانت تظن أن بدران قاسي يبدو أن محسن أبشع بكثير.
- شمس...
كان ندائه الذي أعادها من دوامة افكارها.
- نعم.
- أوعي تسبيني أنا بحبك أوي أنت دلوقت أغلى حاجة في حياتي.
ابتسمت وكلماته تغزو قلبها كغيث يروي صحراء قلبها وينبت حبه داخل ثنياه حتى يزهر ربيعه الباسم.
تراقص قلبها بفرح وهو يغدق عليها بسحر كلماته التي تجعلها أسيرة له بعد أن أنعش أنوثتها وروى ظمأ مشاعرها.
شعرت بثقل رأسه على قدمها فعلمت انه قد غفى أخذت تمسح على رأسه وتزيل آثار الدموع من على عينيه ووجنته برفق وهي اليوم تراه بشكل مختلف بعد أن عرى حقيقة الماضي أمامها وباح بآلامه أمامه.
نظرت له بأشفاق وهي تهمس بكلماتها والدموع تلسع عينيها.
- اتحملت كتير يافارس طلعنا متشابهين أحنا الإتنين خسرنا طفولتنا لما خسرنا حبايبنا بين إيدينا.
ولكن الفرق الي بينا أني كان عندي الي يخفف عني ويطبطب ويهون عليا لكن انت شلت كل حاجة لوحدك وكتمت جرحك سنين لحد ما اتلوث ولوث حياتك كلها.
اخترت طريقة علاج غلط يا فارس وزدت جروح فوق جروحك تصدق أنا حبيتك أكتر.
ثم ابتسمت ساخرة وهي تطالعه بحب.
- يخرب عقلك خلتني أحبك غصب عني دخلت قلبي ازاي مش عارفة.
ثم تنهدت وقالت وهي لاتزال تمسح على رأسه.
- كل الي أعرفه أني بحبك.
تململ في نومه ليفتح عينه وتعجب بأنه لا يزال ينام على قدميها رفع رأسه ليجدها غافية تسند رأسها على ظهر الأريكة وقد حررت شعرها لتنساب خصلاته تغطي وجهها.
أعتدل في رقوده ليزيح تلك الخصلات وينظر لها مبتسماً وينحني يقبل وجنتها و يحاول ايقاظها.
- شمس حبيبتي …أصحي يا روحي.
مرر يده على وجنتها بحنان يكرر ندائه.
- شمسي.
فتحت عينيها لتجده أمامها دعكت عينيها بيديها وقالت مبتسمة.
- الظاهر اني نمت.
ليطالعها بأسف ويقول معتذراً.
- آسف يا حبيبتي اكيد رجليكي واجعاكي بسببي.
وأكمل يلومها.
- مصحتنيش ليه؟
- مافيش مشكلة.
قالتها مبتسمة.
- ليحاول أن يمد يده نحو أفخاذها لكنها أمسكت يده توقفه ليقول مبرراً بسرعة.
- أنا كنت بس عاوز ادلكها اكيد دلوقت نملت.
تهز رأسها نافية وهي تحرك يدها على أفخاذها تدلكها.
- مفيش داعي أنا اعرف اعملها هي شوية وهتفك متشلش هم.
لتشهق عندما باغتها يحملها لتقول بدهشة.
- بتعمل أيه؟
- هاخدك على سريرك عشان تنامي.
ابتسمت بأستحياء وتوردت وجنتيها خجلاً من هذا القرب لتقول بتلعثم.
- أنا كنت أقدر أمشي.
- بس يا زنانة ، أحنا وصلنالي.
ليضعها على السرير برفق كانها كنزه الثمين ثم داعب وجنتها باصابعه ويقول مشاكساً.
- عشان تعرفي أن عضلاتي مش فورما على الفاضي.
لتضحك على حديثه وتوترت مرتبكة عندما وجدته يجلس على السرير بجانبها ويمسك يدها يقبلها ويقول بأمتنان.
- متشكر يا شمس أنك سمعتينى.
نظرت اليه مبتسمة وقالت بصدق.
- أنا الي متشكرة يافارس أنك حكتلي وفتحتلي قلبك.
ربت على يدها بحب وقال بلسان عاشق.
- قلبي ملكك ياشمس.
ثم تحدث وهو ينظر داخل عينيها بتمني.
- وأنا النهاردة قدامك كتاب مفتوح ياريت يا شمس يكون أول سطر فيه حكاية حب.
تحنحمت بخجل وادعت التثاؤب هرباً من عينيها ان تفضحها وتشي له بحبها لتقول تمثل النعاس.
- معلش يا فارس تصبح على خير أنا النوم كابس عليا.
حرك رأسه بيأس ونظر اليها يعلم انها تهرب منه ليستقيم واقفاً ثم انحنى يقبل جبينها.
أغلقت عينيها تستشعر قربه.
ثم ابتعد قائلاً.
- تصبحي على خير يا قمر.
يرحل مغادرًا يتركها بين أمواج مشاعرها التي اهتاجت كأمواج البحر في ليلة عاصفة تمددت تضع يدها على قلبها علها تخفف من عنف ضرباته وتسأله بخجل.
- ليه بتنبض كدة وهو قريب منك أنت حبيته للدرجة دي.
ابتسمت والتمعت عينيها بالحب لترفع يدها التي قبلها تقبلها وتحتضنها ثم تغفو بسلام.
أستيقظت صباحاً بكسل بعد ان غازل شعاع الشمس عينها وأزعجها لتفتح عينها بأنزعاج رمشت عينيها عدة مرات قبل أن تستفيق وجدت الوقت قد تأخر وارتكزت الشمس في كبد السماء.
نهضت بثقل واتجهت خارج الغرفة ثم ذهبت إلى المطبخ لتشرب كأس من الماء فتحت الثلاجة واخرجت زجاجة الماء والتقطت قدحًا ثم اتجهت نحو الطاولة لتلمح تلك الزهرة الموضوعة على الطاولة لتحمّلها.
واتسعت ابتسامتها وهي تقرأ ما دون على الورقه المعلقة بها.
- شمسي صباح الخير ياجميلة اسف كان عندي شغل مقدرتش استناكي لحد ما تصحي …بحبك.
خفق قلبها برضى وابتهجت بحب تقرب الزهرة من انفها وتستنشق رائحتها مبتسمة تبعدها وتنظر لها ثم تعود وتقربها من انفها تعبئ رئتيها برائحتها التي أنعشت قلبها العاشق.
عاد ليلاً ليجدها تجلس امام التلفاز تشاهد احد الأفلام الأجنبية ومندمجة في المشاهدة ابتسم على اندماجها وتغير قسمات وجهها مع أحداث الفيلم.
- مساء الخير.
انتبهت له لتنظر اليه وتقول وهي تعود بنظرها نحو التلفاز.
- مساء النور اهلًا يافارس.
جلس بجانبها يشاهد ماتشاهد لتتسع بصدمة عيناه وهو يجدها تتابع برنامج تحريات لجرائم مستعصية ليسألها بدهشة.
- يخرب عقلك بتتفرجي على أيه؟
التفتت نحو تخبره.
- برنامج تحريات بحب أتابع طريقة البحث والسسبنس.
ليرفع شفته ويكرر كلامها مستنكراً.
- السسبنس.
- افتكرتك بتابعي فيلم رومانسي.
رفعت احد حاجبيها ونظرت له بطرف عينها.
- لا الرومانسي مش اختصاصي.
تبعت كلامها بضحكة استفزته ليحرك رأسه بقلة حيلة ثم نهض يتركها مغادراً نحو غرفته.
ليعود بعد قليل يرتدي بجامة بيتية وجلس يلتقط جهاز التحكم لتهتف بغضب.
- هتعمل أي هات.
لتحاول خطفه منه رفع يده عاليًا لترفع يدها تحاول انتشاله وسط ضحكاته التي زادت تحديها لأخذه منه.
وهو ينقله ما بين يده اليمنى واليسرى وهي تتنقل معه ليخفض يده ويضع الجهاز خلف ظهره وهي لاتزال تحاول ان تخطفه منه تمد يدها حول جسده علها تلتقطه من احدى الجهات وهو يحرك جسده ليتفاداها حتى توقفت وهي تدرك القرب منه لتجد وجهها أصبح أمام وجهه تمام يدها تحيطه كأنها تحتضنه لتسحب يدها وتعود مكانها بحرج تدعي الاستسلام وهي تتمتم بأنفاس لاهثة متوعدة.
- ماشي يا فارس مردودالك.
قهقه ضاحكاً وهو يلتقط أنفاسه ويعتدل يغير البرنامج الذي تشاهده إلى احد أفلام الاكشن وهو يقول بأنتصار.
- أهو الواحد يتابع أكشن أحسن.
متعض وجهها ومثلت الإزعاج وهي تشيح وجهها بعيداً وتربع يدها امام صدرها بغضب حتى اصابتها الدهشة وهي تراه يتمدد ويضع رأسه على قدمها لتقول بحنق.
- أي دا بتعمل أي شكلك استحليتها يا أبن الجوهري.
ليمازحها قائلاً.
- بصراحة أيوه.
ثم سحب يدها يضعها على شعره ويشاكسها.
- كملي جميلك.
زفرت أنفاسها بضيق تستهجن طلبه.
- ياسلام دا أنت أخدت على الدلع كمان.
- يلا يا مشمش وحياتي.
تنهدت بيأس وهي تمتثل له وتبدأ بتحريك يدها على شعره وتخلل اصابعها بين خصلاته.
كان قلبه يخفق بسعادة يتمنى ان لا تنتهي هذا اللحظة ويتوقف الزمن عندها ولم يكن بحالها أفضل من حاله وقلبها يخفق بجنون ويدها تتحرك على شعره بحنان تروي له قصة حبها له التي تخفيها عنها.
غمض عينه يتلذذ قربها حتى فتحها على سؤالها.
- فارس.
- أممممم.
همهم بها باسترخاء.
- أنا عمري ما سألتك على أحلامك الي نفسك تحققها.
- ولو قولت لك هتصدقيني؟
- أكيد.
اعتدل في جلوسه لتواجه عيناه عينيها يخبرها بصدق.
- يعني لوقولتلك أنك حلمي هتصدقيني.
أسبلت أهدابها بخجل واخفضت عينها تود لوتستطيع إيقافه عن الكلام قبل ان تتهور وتعترف بحبه فلم يعد قلبها يتحمل سحر كلماته.
وضع إصبعه تحت ذقنها ورفعه لتلتقي عيناه بعينيها من جديد ويقول لها بصوت منخفض وبنبرة صوت بطيئة.
- أنت حلمي يا شمس كل الي بتمناه بيت دافى وأنا وأنت نبنيه سوا وأولاد ألاعبهم واربيهم واديهم حب الأب الي اتحرمت منه.
بحلم باليوم الي أقعد أنا وأنت نسهر وحوالينا ولادنا.
ثم دنا من أذنها يمثل لها.
- واهمس في ودانك واقولك بحبك وبموت فيك وانت تحركي شفايفك وتقولي بحبك ونضحك سوى وولادنا يبصوا علينا وانت تتكسفي وخدودك تحمر.
ليبتعد عنها يشير لها نحو وجنتها وهو يقرصها ضاحكاً.
- أهو زي كده بضبط.
ارتبكت بشدة وكادت ان تنهض هاربة لكنه امسك يدها يثبتها.
- خلينا نكمل الفلم سوا شكله حلو.
جلست بأرتباك ويعود يضع رأسه على قدمها ويسحب يدها على شعره لتزفر أنفاسها بيأس وتحاول ان تنسى حرجها بأندماجها مع الفيلم حتى اندمجوا سوياً وبدأو يتناقشون في احداثه مستمتعين بتلك اللحظات معاً.
حتى انتهى الفيلم لتستجمع شجاعتها التي كانت تسكنها طيلة فترة الفيلم وتقول وهي تحرك يدها على شعره.
- فارس هو ممكن أطلب منك طلب.
- أنت تؤمري يا قلب فارس.
ترددت الكلمات على فمها قبل ان تقول.
- ممكن تسيب صحابك الي انت ماشي معهم أقصد الشلة بتاعة السهر والشرب.
بكلماتها أعطت له الأمل ليهب معتدلاً ويقول بأمل.
- يعني هو أنا لو سبتهم أنت ممكن تفكري بعلاقتنا سوا وحياتنا بجد.
اخفضت عينها بتفكير وعادت ترفعها تنظر اليه مؤكدة.
- لو وعدتني أنك تسيبهم هوعدك أني هفكر.
ليقول بسرعة متلهفاً.
- أوعدك ياحبيبة روحي.
*******************
"****" *******
أسبوعان مرا وهي تسقط بعشقه يوماً بعد آخر وتعترف لنفسها أنها أصبحت تحبه كثيرا وهو لم يبخل عليها بحبه وغزله المستمر الذي كان يأسرها يضعها داخل حصون حبه يذيقها حلاوة الدنيا التي لم تسقيها سوى مرها.
جلست امام شقيقتيها كالطالب المذنب أمام أستاذه وهم يستجوبونها بعد ان شعرتا بتغير مشاعرها التي اصبحت واضحه من ملامح وجهها الذي اشرق بسعادة وعينيها التي تتوهج بالحب.
- اتكلمي واعترفي احسنلك عنيكى فاضحاكي يا مشمش.
قالتها هدى وهي تنظر نحو ندى تحثها كي تساعدها حتى يضيق الخناق عليها وتعترف.
- أيوة يا مشمش باين اوي وواضح ان فيه حاجة اتكلمي.
لتسألها هدى.
- هو بيحبك صح؟
هزت رأسها بالموافقه دون أن تتحدث.
لتسألها ندى.
- يعني اعترفلك وألا مجرد تخمين.
- اعترف.
قالتها وهي تنظر نحو يدها المتشابكة على حجرها تطرقع اصابعها بتوتر.
سحبتها هدى نحوها.
- يعني قالك بحبك.
- أيوه.
أفلتتها هدى لتسحبها ندى نحوها.
- وانت؟
حركت رأسها يمناً ويساراً نافيه فلقد ثقلت الكلمات على لسانها من فرط الخجل.
- لا.
أفلتتها ندى لتسحبها هدى نحوها.
- لا أيه ياهبلة انت مش بتحبيه؟ بنت أوعي تكدبي عليا انت بتحبيه صح؟
- أيوه.
ابتسمت هدى وندى وهم ينظرون لبعض بسعادة من اجلها.
- واعترفتيله؟
- لا.
- ليه يانكدية مستنية أيه؟
هكذا لامتها هدى لكن ندى نحت المزاح جانباً وأحاطت كتفها بيد ويدها الأخرى تمسح على وجنتها وهي تسألها بحنان فهي تعتبر شمس ابنتها الصغيرة التي ربتها.
- ليه ياحبيبتي مش بتقولي أنك بتحبيه ليه ما اعترفتيش بحبك وابتديتي معاه حياة جديدة مدام هو كمان بيحبك.
أخذت نفساً عميقاً وزفرته بقوة تفسر لهم مخاوفها.
- خايفة.
- خايفة من أي يانكدو ما الراجل بيحبك وانت بتحبيه عاوزة أي تان.
نظرت ندى نحو هدى بعتاب لحديثها المتعجل فهي ارادتها ان تدلو بمخاوفها أمامهما.
لتومئ لها هدى بأعتذار.
- طب خايفة من أي اتكلمي احنا أخواتك وهنسمع منك.
تنهدت بحيره.
- مش عارفة …كل الي اعرفه اني خايفة …كل ما احاول اعترف فيه حاجه بتقيدني ومقدرش أقول حاجة.
مسحت ندى على يدها كأنها تطمئنها تحثها.
- شمس حبيبتي أنت متاكدة من مشاعرك.
أومأت بخجل.
- أيوه فارس طيب وحنين وبيحبني.
لتسألها ندى.
- أنت خايفة عشان أنت دكتورة هو معندوش شهادة؟
- لا يا ندى أنا متهمنيش الحكاية دي فارس تاجر ناجح حتى لو معندوش شهادة.
امسكت ندى يديها تشدد من ضمها بين كفيها.
- مشمش ياروحي سبي قلبي وحرريه سيبيه يحب ويتحب متسبيش الأوهام تلعب في دماغك أدي لحياتك معاه فرصة جايز يكون هو العوض الجميل.
صمتت شمس تنظر اليها لتجد هدى تمسك عضدها وتهتف بها توبخها.
- ندى دي عندية مش هينفع معها أسلوب التربية الحديثة.
لتهز شمس وتقول.
- بنت أنت أنا فهماكي انت بتحبيه وفرحانة وعمالة تماطلي على الفاضي مش كده انطقي.
دعت شمس خوفها منها وتقول وهي تمثل رعبها تضع اصابعها كأنها تقرض أظافرها وهي تقول بصوت مهتز.
- أيوه بحبه وفرحانه بيه عندك حقل.
لتضربها هدى على رأسها وتنظر نحو ندى بأنتصار.
- شفتي يا ندى ناس ما تجيش إلا بالعين الحمرة.
ثم لوت شفتها بسخط وقالت بسخرية.
- يتمنعن وهن راغبات.
لتنطلق ضحكاتهن بصوت واحد.
****************. ****************
تعجب من أصرار حازم عليه اليوم بالحضور إلى شقة الأنس كما يسميها المكان الذي كان يمارس فيه كل المحرمات رغم تهربه منه لعدة أيام لكنه حاصره اليوم وهو يترك سيارته ويركب معه طالب منه ان يذهب معه فالجميع ينتظره هنا.
كسوف ينهي علاقته معهم ويخبرهم انه لن يعود إلى هذا المكان فقد اعلن توبته وان هذا آخر لقاء بينهم هذا ما هداه له عقله وهو يقود سيارته نحو تلك الشقة.
دخل الشقة ليجد انه كان صادقاً الجميع في انتظاره ليرحبوا به بحفاوة ظل يطالع ابتساماتهم وكلماتهم المعبرة عن اشتياقهم لوجوده معهم ليخبرهم بثقة.
- معلش ياجماعة أعفوني أنا مش هاقدر أكمل في السكة دي.
متعض وجه الجميع وقالو بعبوس يلومونه.
- ليه يا ابني دا انت اتجوزت يعني اكيد المدام منكدة عليك خلينا نفك عنك.
ليقول آخر بسخرية.
- مش جايز هي السبب وهي الي عاوزاه يبعد عننا.
ليرد فارس بحنق.
- لا هي ولا غيرها أنا الي معدتش عاوز امشي في السكة دي.
استمرّت محاولات إقناعهم له العدول عن قراره وهو يزفر أنفاسه ، ليدخل حازم إلى المطبخ ويسكب كأس من المشروب الكحولي ثم اخرج من جيبه مجموعة من الحبوب المخدرة ودس يدهه في الجيب الآخر وأخرج حبوب منشطة ثم وضعهم في كأس المشروب الكحولي واخذ يحركه حتى ذابت تماماً ليغمغم بخبث.
- عشان تفكر تبعد عننا.
ثم أكمل بحقد وغيرة.
- طول عمرك أحسن مني في كل حاجة.
ثم زاغ بصره يتذكر مدح زوجته له دائما ومقارنته معه حتى إعجابها المخفي به كان يغلف صوتها عند الحديث عنه.
- حتى هي معجبه بيك لازم ادمرك يا فارس ياجوهري.
ثم ضحك بمكر واخذ الكأس نحو الخارج واقترب منه يرفع الكأس امامه ويهتف.
- مدام دي آخر مرة زي ما بتقول نشرب كاس الوداع.
ليلوح ويقول رافضاً.
- أنا قولتلك اني بطلت.
- يابني دي شامبانيا مش هتأثر اعتبره ماتش اعتزال.
نظر حازم إلى أصحابه يحثهم على الضغط عليه.
ليبدأوا بالتصفيق والهتاف وعيونهم المسلطة عليه ليمسك حازم يده يضع الكأس فيها عنوة نظر فارس نحو الكأس ثم نظر نحو أصدقائه الذين لازالوا يهتفون ويضغطون عليه علم انه إنهم لن يتركوه وليتخلص منهم.
ارتشف الكأس دفعة واحدة لينظر له حازم بأنتصار.
******"**************************
وقفت في غرفته تفكر في كلام شقيقتيها ونصيحتهم لها أن تعطي لحياتهم فرصة وأنها يجبأن تعترف بحبها له.
دارت عينها في غرفته التي لم تدخلها الا مرات معدودة للتنظيف فقط.
أقتربت من طاولة الزينة وحملت زجاجة العطر الخاصه به ترشها في الهواء وتستنشق رذاذها بهيام.
ثم أتجهت نحو سريره لتجلس عليه أمسكت وسادته وأحتضنتها بقوة ثم استنشقت عطر جسده العالق بها وهي تهمس بحب.
_بحبك يافارس بحبك أوي.
ل تلمعت عينها بعشق تتخيل لحظة اعترافها له وخيالها يرسم لها سيناريوهات مختلفه ليخفق قلبها وتبتسم.
حتى تحولت تلك الابتسامة عندما وجدته يقتحم الغرفة.
ضارباً الباب بعنف.
أصابتها الصدمة وارتعبت جسدها لتهب فزعة من مظهره بعينيه الحمراء المتسعة وجسده الغير متزن يخطو نحوها خطوات مترنحة يناديها بلسان ثقلت عليه الكلمات.
_شمس حبيبتي.
علمت أنه غير واعي لتركض نحو الباب بسرعة لكنه أمسك بها يمنعها.
حاولت التملص منه لتقول له بصوت مرتحف من الخرق وعيناها تتوسله برجاء.
_فارس سيبني وحياتك سيبني يافارس بلاش ارجوك بلاش.
لتلفح وجهها أنفاسه الساخنه وهو يخبرها.
_أنا بحبك.
لتعود رجاءه علها تستعطفه.
_وأنا كمان بحبك بس بلاش يافارس تجرحني بشكل دا انت مش في وعيك سيبني امشي ارجوك هتندم يا فارس وحياتي.
استجمعت قوتها ودفعته بقوة ليفلتها ويترنح جسده حتى كاد ان يسقط ركضت نحو الباب حتى وصلت إليه وكادت ان تفتحه لكنه وصل اليها وجذبها نحوه بقوة ثم ألقاها على السرير بعنف وسط صراخ.
_لا يا فارس.
عادت تزحف بجسدها نحو الوراء برعب ليمسك قدمها ويسحبها نحوه وسط صراخها.
- بلاش يا فارس مش هسامحك.
لتبدأ معركة مقاومتها له وكلما زادت مقاومتها زاد عنفه معها ظلت تضربه وتدفعه وهو يردها بضربات اعنف.
حتى دفعها ليرتطم رأسها بحافة السرير محدثاً جرحاً كبيراً في جبهتها افقدها تركيزها لتبدأ مقاومتها تضعف.
كانت تصرخ تتوسله عله يصحو لكنه كان مغيباً لايعي شيئاً توالت صرخاتها حتى خرجت صرخة عالية.
أعلنت خسارتها ليمزق قلبها من احببته وتزهق روحها على أعتاب حبها وتسحق كرامتها على يد من ظنته سنداً لها وتفقد عذريتها على يد من ظنته أمانها.
•
رواية بنات ورد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رشا عبد العزيز
فتح عينيه بثقل ليدعكهما عدة مرات مع شعوره بصداع يضرب رأسه.
دلك جبهته وعاد يفتح عينيه ويغلقها ليشعر ببرودة جسده.
تلمس صدره مع استمرار اغلاقه لعينيه ليتفاجأ بأنه عاري الصدر.
هب بفزع بعد ان استشعر عري جسده، لتصيبه الصدمة وهو ينظر بهلع لتلك الممددة بجانبه.
شهقة شقت صدره وهو يبصر مظهرها، ملابسها الممزقة، الكدمات والجروح تملأ جسدها، وذلك الجرح الغائر في رأسها الذي يبدو انه نزف حتى تجلطت دمه.
تضاعفت صدمته وأغمض عينيه بمرارة عندما رأى دماء عذريتها التي تناثرت ببشاعة على ملاءة سريره.
تسارعت أنفاسه بخوف والتقط ملابسه يرتديها بسرعة ليتجه نحوها كالمجنون، يمسح دماءها التي كست وجهها وهو ينادي عليها بحرقة:
"شمس… شمس حبيبتي ردي علي."
بدأ يتلمس وجهها بيده المرتعشة وينهار باكيًا ويصرخ موبخًا نفسه:
"عملت فيك أيه ياحبيبتي، اذيتك ازاي؟"
تعالت شهقاته وقلبه يكاد يحترق حزنًا عليها ويبرر لها متوسلاً:
"والله مش فاكر حاجة يا روحي."
ثم بدأ يلطم وجهه بهستيريا وهو يدعو:
"ياريتني كنت مت ولا اذيت يا حبيبة قلبي، ياريتني كنت مت."
اقترب منها ورفع جزئها العلوي يحتضنها بقوة متأسفًا وجسده يرتعش:
"سامحيني ياروحي، سامحيني يا قلبي، سامحيني يا أغلى حاجة عندي."
ظل يحتضنها ويشم رائحتها بألم وهو يتخيل ماذا فعل بها وكيف أصبحت هكذا:
"أذيتك ازاي ياعنيا، اذيتك ازاي؟"
أعادها وبدأ يلطم جبهته وهو يبصر حقيقة ما سيحدث:
"غبي… غبي… مش هتسامحك."
ثم تنبه لشئ، تحسس نبضها ليجده ضعيفًا، ليركض نحو غرفتها يحضر لها ملابس جديدة.
أزال عنها ملابسها الممزقة وكلما أزال جزء زادت شهقاتها وتهاوت دموعه كما تهاوى قلبه خوفًا عليها وهو يرى بشاعة فعلته.
ليحملها ويقبل وجنتها وجبهتها يردد بألم:
"سامحيني… سامحيني يا روحي."
ركض بها نحو المستشفى واتصل بطارق يخبره بما حدث.
طارق الذي صعقه ما أخبره به شقيقه اتصل بدوره بعلي.
وصل الجميع إلى المستشفى بسرعة ليصيبهم الفزع وهم يرونه يجلس على مقعد الانتظار يضع رأسه بين يديه ويبكي.
تسمرت هدى وندى لحظات ينظرن له بخوف، لتقترب منه ندى تسأله بقلق:
"مالها شمس يافارس، مالها اختي؟"
قالت كلمتها الأخيرة بصراخ، ليرفع رأسه ببطء فيصدمهم منظر عينيه التي أصبحت حمراء من شدة البكاء وهو يقول بصوت مختنق وبلا وعي:
"دبحتها."
شهقت ندى بفزع وتراخى جسد هدى التي أسندها علي يمنعها من السقوط.
لتقترب ندى منه تهز كتفه:
"فارس ارجوك قولي اختي عايشة؟ دبحتها ليه أنا مش فاهمة."
تركت فارس بعد ان سمعت هرولة طارق الذي كان يأتي مرافقًا للطبيبة المعالجة.
وما أن حضرت الطبيبة حتى اقتربت منها ندى تسألها بخوف:
"طمنيننا يادكتورة اختي مالها؟"
نظرت الطبيبة لهم بحزن وقالت:
"مع الأسف عملية اغتصاب عنيف أدت لأضرار كبيرة. احنا اضطرينا نديها مهدئات لأنها مش هتستحمل تصحى دلوقتي."
شلت الصدمة الجميع.
علي الذي كان يسند هدى بخوف لا يعلم أيسند هدى أم يسند فارس الذي أشفق عليه وهو يجده يضرب رأسه بيديه بعد كلام الطبيبة الذي أشعره بالخزي.
ندى التي استندت بيدها على الجدار بجانبها تشعر ان جبلاً قد سقط عليها.
ليقترب منها طارق بأضطراب ويضمها محاولًا تهدئتها فتقول له بصوت خافت:
"عاوزة أشوفها."
نظر طارق نحو الطبيبة لتومئ له بالموافقة.
أمسك يد ندى التي رمت بثقل جسدها عليه ودخلا الغرفة.
دخلت إلى الغرفة لتجد نجوى تقف بجانبها تبكي على حالها.
اقتربت منها أكثر وكلما اقتربت رأت وجهها الذي شوهته الكدمات لتنساب دموعها بقهر دون توقف.
كانت تنظر لصغيرتها بقلب مكلوم وشعور واحد سيطر عليها، الندم.
نعم انه الندم، هي وحدها من تتحمل ما حل بشقيقتها، هي من زجت بها في هذه الزيجة اللعينة.
اقتربت تمسح على شعرها وتحدث نفسها:
"ما ذنب هذه الصغيرة أن تدفع ثمن أحلامهم البالية وأنانتهم."
ازدادت شهقاتها وصوت شقيقتها تخبرها أنها ضحية هذه الصفقة وكبش الفداء فيها يطرق مسامعها يزيد من شعور الندم الذي يخنقها:
"سامحيني يا مشمش أنا السبب."
طارق الذي وقف يشاهد منظرها بقلق ويطالع تلك الممددة على سرير المستشفى بحزن وعينه تبصر فداحة ما فعله شقيقه بها.
"دكتور طارق دي عملية اغتصاب احنا لازم نكلم البوليس."
قالتها نجوى بحزن امتزج بالغضب على صديقتها ليجيبها طارق بهدوء:
"أنا شايف أننا مبنبلغش البوليس عشان…"
لتقاطعه ندى وهي تصرخ بوجع:
"ليه؟ عشان عاوز تحمي أخوك المجرم؟"
اتهامها أشعل فتيل غضبه الذي ألغى هدوئه وتعقله ليهتف بحدة:
"ندى انتي بتقولي إيه؟ حاسبي على كلامك أنا أتستر؟ إذا كان هو أخويا فشمس كمان أختي… أنا بفكر في مظهرها قدام زميلها هنا في المستشفى لما يعرفوا. ما فكرتش في أخويا زي ما حضرتِك تتهميني؟ وبعدين هنقول للبوليس إيه؟ جوزها عمل فيها كده، يعني مفيش جريمة أصلاً."
ثم رمقه بحنق وقال بانفعال:
"أنا مش هحاسبك على اتهامك عشان عارف الظروف."
نظرت له بلا مبالاة واشاحت بنظرها عنه لتعود تطالع شقيقتها بألم ولاتدري أتعانده وتطالب بحق شقيقتها أم تنتظر، وكأنها الآن تقف على طريق ضيق بين جبلين من نار.
أما في الخارج فأمسك علي يد هدى يمنعها من التقدم نحو فارس بعدما ثارت تصرخ عليه بألم:
"عملت فيها كده ليه؟ عملتلك إيه يا ظالم عشان تعمل فيها كده؟"
سحبها علي لتنهار جالسة على الكرسي وهي تهمس بما لا يسمعه سواها:
"دي كانت فرحانة بحبك ليها."
فارس الذي واجه ثورتها وهو يصرخ بوجع من بين شهقاته:
"والله مش عارف عملت كدا إزاي، والله ما فاكر حاجة."
اتجه نحوه علي وجلس بجانبه يحيط كتفه بأشفاق يحاول تهدئته:
"أهدى يا فارس… أهدى. إيه اللي حصل؟ فهمني."
ينظر له فارس بقلة حيلة:
"مش فاكر ياعلي، أنا هتجنن."
"طب آخر حاجة فاكرها احكيلي يا فارس."
ليقص عليه ما حدث، ليمتعض وجهه علي ويقول له يلومه:
"ليه يا فارس، ليه رجعت للشلة دي؟ ما أنا ياما حذرتك. أكيد هما حطولك حاجة في الكاس. ليه يا فارس؟ ده أنا فرحت لما قلتلي انك بطل."
فارس الذي جحظت عيناه بعد أن أدرك الحقيقة التي غيبتها عنه صدمته لتخرج كلماته ساخرة بحرقة وندم، ترافقه دموعه التي انسابت بألم:
"كان كاس الوداع."
يكرر جملته وهو يلوم غبائه:
"كان كاس الوداع يا علي."
تخرج آهاته المنهكة وهو يضرب على فخذيه:
"ضيعتها وضيعت نفسي معاها."
اندفع طارق خارج الغرفة بأنفعال ليتجه نحوه يقبض على كتفيه بغضب:
"قوم معاي."
يرفع نظره إليه:
"على فين؟ أنا مش همشي إلا لما أطمن عليها."
اتسعت عين طارق بغضب ليصرخ عليه بحدة:
"قوم معايا يا غبي خلينا نشوف عملت المصيبة دي ليه."
ثم أكمل بتهكم جارح:
"دلوقتي عاوز تطمن عليها بعد عملتك السودا."
علي الذي وزع نظره بين الاثنين بحزن ويزداد اشفاقاً على صديقه ليعاتب طارق:
"على مهلك يا طارق."
ثم ربت على كتفه بمواساة يحاول إقناعه:
"قوم يا فارس معاه، قوم يا صاحبي خلينا نعرف يمكن نلاقي دليل يقنعها إن اللي حصل كان غصب عنك."
نهض يتبع طارق بجسد منهك يسنده علي.
وصلوا إلى معمل المستشفى وطلب طارق منهم اخذ عينات من دمه للكشف عليه.
***
هدى التي بالكاد استطاعت قدماها ان تحملها، دخلت تلك الغرفة تسمع أنين بكاء شقيقتها التي جلست تنظر للأخرى بحسرة.
وكأن دخول هدى كانت القشة التي قسمت ظهر البعير لتسمح ندى لنفسها أن تنهار أمام شقيقتها وتعري أفكارها التي امتزجت بالندم لتقول وهي تمسك يد شمس تمسح عليها برفق:
"أنا السبب ياهدى، أنا السبب. أنا اللي كنت أنانية وسبتها تتجوز واحد مدمن عشان أنا أعيش مرتاحة. أنا اللي قلتلها اديله فرصة كأني برضي ضميري إنه خلاص بيحبها. أنا اللي خليتها تكون ضحية."
ثم رفعت رأسها لتواجه عيناها عيني هدى وتقول بقهر:
"يا ريتني كنت سمعت كلامها وبعدت عن بدران وفلوسها."
اقتربت منها هدى تزفر أنفاسها بوجع وهي تطالع أختها التي شوهت وجهها الكدمات ودموعها تسبق كلماتها:
"مش انت لوحدك. كلنا أنانين وفكرنا في نفسنا وسعادتنا بس."
تضمها إليها يندبن وجعهما المشترك وشقيقة دفعت ثمن سعادتهما.
***
عاد مع علي ليجلس على الكرسي بجسد أثقله الألم يزفر أنفاسه المحترقة.
أعاد رأسه إلى الوراء وأغمض عينيه، يعتصرهما على ما مر به، مجرد كابوس سينتهي عندما يفتح عينيه بعد قليل.
عاد علي يجلس بجانبه ينظر له بقلة حيلة ويعتصر قلبه، يربت على فخذه فيفتح عينه:
"فارس اشرب العصير ده، انت كده هتتعب بعد ما عملت التحليل."
عاد يغمض عينيه ويتمتم:
"مش عاوز يا علي."
"فارس انت وشك بقى أصفر، اشرب بلاش عند."
تنهد بحسرة وهو يقول بتمني صادق:
"ياريتني أموت وأخلص."
نهرته علي بحنق:
"ماتقولش كده يا فارس، طب اشرب مية عشان خاطري."
"سيبني ياعلي مش عاوز."
تنهد علي بيأس حتى شعروا بمن يقف أمامهم ليصرخ بصوت أجفلهم لينتفضوا:
"فارس!"
هب واقفًا عندما وجد جده يقف أمامه، وبمجرد وقوفه وجد صفعة قوية تهوي على خده وهو يصيح به معاتبًا:
"هي دي الأمانة اللي أنا أمنتلك؟ عملت إيه في بنت عمك؟"
أطأطأ رأسه يخبره بخزي:
"غصب عني يا جدي، ماكنتش في وعيي."
ليصرخ به موبخًا:
"عذر اقبح من ذنب يا ابن محسن."
"مش كده يا بابا، خلينا نفهم."
قالها حسن الذي يرافق والده وهو يسحبه بعيداً عن فارس ليبتعد وهو يهتف:
"يا خسارة يا ألف خسارة، خيبت ظني فيك."
"اهدى يا بابا مش كده."
"اهدى إيه ياحسن؟ انت مش سمعت طارق بيقول إيه؟ الباشا راجع مسطول واعتدى على بنت عمه."
اتجه نحوه علي يقول بترجي وهو ينظر نحو فارس بأسى يشعر بمصابه:
"خف عليه يا جدي، فارس كمان تعبان وندمان. وحياتي ما تزيد ناره."
لكن بدران جلس على الكرسي يضرب أفخاذه مردداً بهستيريا:
"ضيعت الأمانة تاني يا حسين، سامحني يابني، ضيعت الأمانة تاني."
نظر حسن نحو والده ونحو ابن أخيه بأشفاق لتلتقي عينيه بعلي الذي أصبح لا يعلم من يواسي، جده أم صديقه أم زوجته أم أبنة عمه التي لا يعلمون كيف ستكون ردة فعلها عندما تصحو.
صفاء التي وقفت تشاهد المنظر من بعيد كانت عيناها تبحث عليها بقلق أن يصيبها مكروه.
اقتربت من علي تتمسك ذراعه وتسحبه جانبًا وتقول بتحذير:
"علي مراتك فين؟ خلي بالك منها، متنساش إنها حامل وحاجة زي دي ممكن تأثر عليها."
أومأ علي لها وأشار بعينه نحو الغرفة:
"هي مع أخته."
لتسأله بتوجس:
"أقدر أدخلها؟"
امتقع وجهه بأضطراب لا يعلم ماذا يجيبها حتى سمع ما زاد أضطرابه وهو يسمع جده يقول:
"عاوز أشوفها ياحسن."
التقت عيني علي بعيني والده بخوف، فهم حسن نظرات علي وخوفه من ردة فعل بنات شقيقه.
لكنه قرر الدخول أولاً ومعرفة رأيهن.
نهض من جانب والده واتجه نحو الغرفة.
فتح بابها ببطء ودخل ليجدهما شاردتين في عالم آخر، وجهيهما يبدو عليها الشحوب وعيونهما متورمة.
اقترب أكثر ينادي عليهن:
"هدى… ندى."
انتبهت هدى لوجوده ليفتح لها ذراعه بدعوة لاحتضانها.
نظرت إليه قليلاً لكنها سرعان ما ركضت نحوه وارتمت بين أحضانه، ربما تحاول أن تشم رائحة والدها في أحضانها.
احتضنها بقوة وقال يواسيها بعد أن هدرت دموعها التي ظنت أنها جفت:
"أهدى… يا هدى، أهدي يا بنتي."
رفعت ندى عينيها نحوهم بوهن لينظر لها حسن بتوسل ويناشدها قائلاً وهو لا يزال يحتضن هدى التي تشنج جسدها من سؤاله:
"ندى يابنتي جدك برا وحالته صعبة، عاوز يدخل يشوف شمس، ممكن تسمحيلي؟"
طالعته بضيق للحظات وتقبض يدها المرتعشة على يد شقيقتها تود أن ترفض، فهو سبب ما جرى لها، لتسأله:
"ولو رفضت؟"
خرجت هدى من أحضانه بنفور تستهجن طلبه، أحس هو بذلك من نظراتها المحتدة نحوه، لكنه عاود استعطافها:
"ارجوكم يابنات دا راجل كبير، عشان خاطري، طب عشان خاطر أبوكم."
قال كلماته الأخيرة بعد أن استشعر رفضهن القاطع.
ذكره لوالدهن جعل إحداهما تنظر لأخرى بتفكير.
أنهته ندى عندما اقتربت من هدى وقالت:
"إحنا نخرج وهو يدخل."
لن تتحمل المكوث معه في مكان واحد، خرجت ندى لتجد فارس يجلس واضعاً رأسه بين راحتي يديه بندم.
ودت أن تذهب إليه وتمزقه تنتقم لصغيرتها.
اقترب بدران منهما، لكن هدى وندى ابتعدن نحو زاوية بعيد تسند إحداهما الأخرى دون كلمة واحدة، كأن الكلمات أصبحت ثقيلة، فهي بلا فائدة الآن.
اتجهت صفاء نحو هدى بقلق وقالت:
"إزيك ياهدى؟"
أجابتها بأقتضاب:
"أهلاً."
"خلي بالك من نفسك يا بنتي."
جملة قالتها صفاء جعلت هدى تنظر نحو شقيقتها بدهشة زادت عندما وجدت صفاء تمسك يدها وتسحبها لتجلس:
"بلاش تقفي كتير مش كويس على صحتك."
صورة واحدة كانت تراها صفاء وتخشاها، أن يتكرر الماضي وتعيش هدى ما عاشته هي.
علي الذي كان يشاهد المشهد من بعيد بترقب خوفًا من ردة فعل هدى، أطمأن عندما وجد هدى تمتثل لكلام والدته التي جلست بجانبها تؤازرها.
وفي هذه الأثناء وصل طارق يحمل أوراق التحاليل واقترب من فارس وعينه تختلس النظرات نحو تلك الواقفة بوجه أنهكه الحزن.
تردد بلا اقتراب منها والاحتكاك بها رغم أنه يتملكه الخوف عليها.
هرول علي نحوه:
"هااا يا طارق، ظهر إيه معاك؟"
هز رأسه بأسف:
"زي ما توقعت. مواد مخدرة ومنشطة."
جز علي على أسنانه بغضب:
"الكلب أكيد حطهاله في الكاس."
اخفض طارق نظره نحوه يسأله:
"انت متأكد إنك مشربتش غير الكمية الصغيرة؟"
أومأ رأسه بالموافقة دون ان ينطق بكلمة.
"ما شاء الله. وهتتوقع إيه من واحد مدمن؟ منك لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيك. دمرتها، ربنا ينتقم منك."
تفتت به ندى بحرقة حزنًا وقهرًا على شقيقتها ليصرخ طارق بضيق منها:
"ندى فارس مظلوم، صحابه هم اللي عملوا فيه الموقف ده."
رددت كلامه بتهكم:
"صحابه؟ قصدك رفقة السوء اللي مصاحبها. واهي أختي اللي دفعت تمن استهتاره."
"ندى فارس عمره ما يؤذيها، لكن اللي حصل غصب عنه."
"واهو آذاها، غصب عنه أو بإرادته آذاها ودمرها."
"ندى…"
"خلاص الي حصل حصل."
"اه خلاص وإي يعني هو عملها إيه؟ اغتصبها بس."
"ندى…"
"صلوا على النبي يا جماعة اهدوا."
قالها علي وهو يوزع نظره بين طارق وندى بعد ان احتد التوتر بينهم، ليقول فارس بصوت مهزوز:
"ندى عندها حق يا طارق في كل اللي قالته."
ظل طارق يحدق بها بضيق لتبادله نفس النظرات قبل ان تشيح نظرها إلى الناحية الأخرى.
***
أما في الداخل دخل رضوان ينظر اليها بحسرة وندم، اقترب منها يتلمس شعرها ووجهها برفق.
تساقطت دموعه بأسف وهو يقول:
"سامحيني يابنت الغالي، أنا أذيتك كتير بس مكنتش عارف إنها هتوصل لكده. كنت فاكرة هيتصلح على إيدكو، وكنت شايفة عوض ليكي عشان هو شبهه. أيوه يا شمس هو حسين بحنانه وطيبته. لما جاني وقال إنه بيعشقك افتكرت إن تفكيري كان صح وإنه هيعوضك مكان أبوكي. مكنتش عارف إنه هي*دبحك. مكنتش عارف والله يابنتي سامحيني ياشمس."
حسن الذي كان يراقب والده من بعيد شعر بالآسى فلم يراه بهذا الضعف من ذي قبل.
***
حل المساء وغابت الشمس كما غابت شمسها التي لم تعد كما كانت ساطعة وقوية، فقد غلفتها غيوم الخذلان وجرح الوجع.
كانت ندى وهدى بجانبها عندما بدأت تستفيق لتبتسم بقهر وهم يرونها.
بدأت تفتح عينيهما متأهبين لردة فعلها.
حركت رأسها يمينًا ويسارًا وبدأت تفتح عينيها وتغلقها حتى اعتادت على الضوء.
أخرجت لسانها تبلل شفاهها وتسأل بصوت ضعيف:
"أنا فين؟"
دارت عيناها في المكان وهي تبصر شقيقاتها بجانبها لتعاود السؤال:
"أنا فين؟"
لتمسح ندى على وجهها بحنان وتقول بصوت متلعثم:
"حبيبتي حمد على السلامة."
كانت الرؤيا لا تزال مشوشة.
"مشمش حبيبتي انت كويسة؟"
سألتها هدى وهي تمسح على ذراعها.
مهلاً هذا المكان تعرفه رائحة الأدوية المنتشرة والسقف الأبيض.
حركت يدها لتجدها موصولة بمحاليل لتدرك مكان تواجدها تسألهم بصوت مرتعش:
"أنا في المستشفى؟"
"أيوه."
أجابتها هدى باضطراب.
وهنا أدركت الحقيقة وصور الليلة الماضية تخترق ذاكرتها كعاصفة اقتلعت جذور تعقلها لتصرخ بقوة تخرج آهاتها المحترقة بعد أن أشعلت تلك الذكرى النار بجسدها لتضرب وجهها بهستيريا تردد:
"اغتصبني… اه… اه."
بدأت ندى تضمها في محاولة لتهدئتها لكن دون جدوى.
صراخها وصل إليه ليركض نحو غرفتها بلهفة تبعه علي.
وما أن رآه حتى ارتجف جسدها وانكمشت على حالها تزحف نحوالخلف تتشبث بندى وتشير نحوه بخوف تصرخ بصوت مرتعش:
"خليه يخرج يا ندى مش عاوزة أشوفه."
تمزق قلبه لرؤيتها تخاف منه وترتعش عند رؤيته لتلمع عينيه بالدموع وهو يشير لها متوسلًا:
"آسف يا روحي، شمس والله أنا مظلوم اسمعيني بس."
لكنها استمرت بالارتعاش والصراخ:
"سيبيني أشرحلك بس."
"فارس لوسمحت اخرج برا انت مش شايف حالتها."
هتفت بها ندى وهي تحتضن جسدها المرتعش وشفاهها التي لم تكف عن ترديد:
"خلوه يطلع برا."
سحبه علي نحو الخارج عنوة:
"تعالى يا فارس سيبها تهدى."
خرج مع علي وعينه معلقة بها ينظر لها بلوعة ووجع لتهزمه دموعه وتنساب بقهر وندى تحتضنها تهدئها:
"اهدي ياروحي اهدي."
ثلاثة أيام قضتها في المستشفى حتى استقرت حالتها، لم يغادر هو مكانه طيلة تلك الفترة، رغم توسلات علي وطارق أن يغادر لكنه كان يستغل فترة نومها ليدخل ويطمأن عليها رغم انزعاج شقيقتيها.
عادت إلى المنزل بعد رفضها دعوة شقيقتيها أن تمكث لدي إحداهما، لكنها عادت شخص مختلف روحها محطمة وقلبها محترق.
دخلت إلى غرفتها بخطوات مثقلة تجر أذيال الخيبة والخذلان.
وقفت أمام مرآتها تتلمس بيد مرتعشة تلك الكدمات التي ملأت وجهها وعينها المتورمة من شدة البكاء لتنساب دموعها بلا إرادة ترثي حبًا أضاع كرامتها لتصرخ وهي تلقي كل أغراضها على الأرض وتصرخ:
"مفيش حب في كسرة قلب فيه خذلان."
ثم رفعت قبضة يدها تضرب قلبها كأنها تعاقبه:
"كلو منك قلتلك ما تصدقيش الحب كذبة الحب بيجرح صاحبه جريت وراه وحبيته لحد ما جرحك."
هرولت نحوها هدى تمنعها من تحطيم الأشياء لتسحبها نحو سريرها:
"أهدي ياحبيبتي تعالي نامي وارتاحي."
لتنام واضعة رأسها على حجر هدى وهي تبكي بهستيريا اعتصرت قلبها وهي تخبرها بعين باكية وصوت بح من شدة البكاء:
"قولتيلي الحب حلو بس طلع بيوجع."
أو تمسحت هدى على رأسها بعيون باكيه حزنا عليها وبدأت تقرأ الآيات القرأنية عليها حتى هدأت واستكانت ثم غفت.
لتضع رأسها على الوسادة ودثرتها بالغطاء وتركتها وخرجت من الغرفة.
يومان مرا على وجودها في المنزل تناوبت هدى وندى على البقاء معها حتى تتحسن صحتها.
كان دور هدى عندما وجدت علي ينتظرها في صالة الشقة:
"يلا عشان نجيب الحاجات اللي محتاجينها."
وزعت نظرها بين غرفة شقيقتها وعلي لتقول:
"واسيبها لوحدها؟"
"مش هنتأخر ياهدى."
حركت رأسها بالموافقة وغادرت المكان.
وقف أمام باب غرفتها وقلبه يخفق بخوف وقلق.. يخشى من تلك المواجهة التي يؤجلها منذ يومين لا يعلم ماذا ستكون ردة فعلها.. لكن شوقه إليها وأد صبره وتنحى خوفه جانبًا يتوق لرؤيتها.
والاطمئنان عليها.. أرتجفت يده كما أرتجف قلبه وهو يمسك مقبض الباب ويفتحه ببطء.
دخل ليجد غرفتها تغوص في الظلام والهدوء.
يسمع فقط صوت أنينها وأنفاسها المضطربة.
أقترب من السرير وجثى على ركبتيه يتأمل آثار تلك الكدمات التي رسمت على بشرتها البيضاء وشوهت وجهها.
أعتصره قلبه ألمًا وهو يرى فداحة فعله.
لسعت الدموع عينيه وهو يغمغم:
"سامحيني ياحبيبتي."
ظل يحدق بها ليجد نفسه بلا وعي يقترب منها ويقبل جراحه.
أما أن لامست شفته وجهها حتى هبت فزعًا أنكمشت على حالها بهلع وأصبحت تزحف بجسدها المرتجف إلى الوراء حتى ارتطمت بحافة السرير تلملم الغطاء حولها وكأنها تصنع سداً بينها وبينه.
تمزق قلبه وهو يرى خوفها منه ونظرات عينها المرتعبة كانت سكاكين طعنت قلبه.
وبشفاه مرتعشة وأنفاس متسارعة قالت:
"انت ايه اللي جابك هنا؟ أطلع بره."
رفع يديه وبدأ يحاول تهدأتها.
أقترب منها وهو يردد:
"أهدي.. أهدي.. ياحبيبتي."
كلمة حبيبتي كانت كفتيل أشعل نار غضبها لتنهار وهي ترفع يديها تضرب على أذنها كأنها تصم أذنيها من سماع تلك الكلمة وهي تصرخ بهستيريا:
"متقولش حبيبتي. متقولش حبيبتي."
دب الرعب بقلبه من مظهرها والحالة التي أصبحت عليها.
أقترب محاولًا أن يمنعها من ضرب نفسها أمسك يدها وهو يترجاها:
"أرجوكِ متعمليش في نفسك كده والله غصب عني. أرجوك ياحبيبتي طب أضربيني.. أعملى اللي أنتِ عايزاه فيا، أنا أستاهل، بس متعمليش في نفسك كده."
وكأن كلماته أعطتها فرصة للانتقام. لتنهال عليه بالضرب تضرب صدره قبضة يديها تلكمه بكل قوتها وهي تصرخ به لائمة بكلمات شقت صدرها تخرج نار قلبها المكلوم:
"عملت فيا كده ليه؟ أنا عملتلك إيه؟"
ظلت تضربه وتدفعه خارج الغرفة وهو مستسلم لها يتركها تخرج غضبها رغم تألمه من ضربات يدها لكن ألم قلبه كان أكبر.
دموعه التي أنهمرت من عينه كالمطر تمنى لو استطاعت غسل جراحها.
ظلت تضربه حتى أنهكها صراخها وبكائها لتتوقف وتصعقه وهي تقول معاتبة:
"خليتني أحبك ليه؟"
تجمد مكانه و أتسعت عينيه ينظر إليها بدهشة رغم عدم وضوح صورتها بسبب الدموع التي حالت بينه وبين صورته.
رفع يده يمسح دموعه ليرى الكسرة في عينيها القوية.
أعتصره قلبه وأغمض عينيه.
يا الهي الكلمة التي لطالما تمنى سماعها منها تقولها الآن وفي هذا الوقت.
ماذا تريد؟ ألا يكفيه ما يحمله من ندم لتزيده باعترافها بحبها الذي سحق قلبه بوجع الخذلان.
أستأمنته على حالها فخذلها.
لتعود هي تلكمه لكن بضعف وهي تقول بصوت مهزوز:
"خليتني احبك ليه؟"
سقطت يدها على جسدها بوهن.
ثم بخطوات مثقلة أستدارت متجهة نحو غرفتها وأغلقت الباب سامحة لجسدها بالانهيار خلف الباب لتسقط و تفترش الأرض واضعة وجهها بين يديها تنتحب وهي وتردد:
"خليتني احبك ليه؟ كسرتني ليه؟"
رواية بنات ورد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رشا عبد العزيز
قلبها الذي أحبه كان يشتعل ويتناثر بعد عاصفة لقائه كرماد يتطاير في الهواء.
كان جسدها لايزال يرتعش.
شهقاتها تعلو لتزحف نحو دولابها وتمد يدها تمسك مقبضه.
تستند عليه لتنهض تحمل جسدها المنهك لتقف تبحث عن ملاذها الآمن.
ذلك الثوب الملطخ بدماء والدها فهو رمز أمانها الحقيقي.
اتجت بخطوات مثقلة نحو سريرها لتتمدد محتضنة ذلك الثوب بعد أن استنشقت رائحة والدها فيه.
وكل يوم تتأكد أن لا وجود للأمان خارج أحضان والدها.
مسحت دموعها بثوبها لترطب تلك الدموع بقع الدماء اليابسة كأنها ترويها.
تعيد الحياة لوالدها وإن كان وهماً في خيالها فقط.
لكنه منحها شعور ولو بسيط بالأمان.
لتغمض عينها هاربة تتمنى أن تراه في حلمها لترتمي في أحضانه تشكو له ما فعله الناس بها من بعده.
في الخارج لم يكن حال فارس بالأهون منها.
فقد ظل متسمرًا أمام باب غرفتها.
أعترافها بحبه مزق قلبه بدل أن ينعشه.
ليقترب من الباب وينهار أمامه.
جلس يسند ظهره على باب الغرفة ليبدأ بأعادة رأسه إلى الوراء.
يضرب الباب برأسه عدة مرات كأنه يعاقب نفسه وهو يتمتم.
- سامحيني يا شمس غصب عني ما كنت في وعيي.
- أنا كمان بحبك وبموت فيك.
- أنا بعشقك.
ليضحك باستهزاء يعاتب نفسه.
- وأنت اللي ضيعتها يا غبي.
أزدادت ضحكاته بهستريا وكأنه يدرك شيئاً.
- طلعت بتحبني.
دموعه التي أبت التوقف أتعبت جفونه.
ليغلق عينه ويعيد رأسه إلى الوراء يسنده على باب غرفتها.
عل قلبه الملتاع يرتاح وهو يستشعر قربها.
بعد مضي وقت وصل علي وهدى ليتفاجئا بوجود فارس وهيئته.
ليهرول نحوه علي بقلق.
جثى على ركبتيه وأمسك عضده يسأله بخوف.
- فارس مالك يا صاحبي أنت قاعد كدة ليه؟
- فارس أنت سامعني؟
فتح عينه الحمراء بوهم والتفت نحو علي يخبره بحرقة.
- طلعت بتحبني زي ما بحبها يا علي.
ليقول ساخراً بحزن.
- الكلمة اللي كنت بتمنى أسمعها سمعتها النهاردة.
وأكمل من بين ابتسامته المقهورة.
- شفت حظي يا علي بتقولي بحبك بعد ما جرحتها.
ليستدير نحو علي يمسك يده برجاء ويقول متوسلاً.
- خليها تسامحني يا علي.
- نفسي آخدها في حضني وأداوي جروحها.
- وحياتي عندك يا علي كلمها خليها تسامحني.
علي الذي أحزنه ما يحدث له ربت على كتفه محاولاً تهدئته.
- أهدى يا فارس أهدى واديها وقت.
يهز رأسه بندم وهو يردد.
- بتحبني يا علي بتحبني.
ترك علي ونهض عندما لمح هدى التي تنظر له بأشفاق رغم غضبها منه.
ليتقدم نحوها بخطوات سريعة ويقول متوسلاً.
- هدى هي بتسمع كلامك كلميها خليها تسامحني.
- وحياتك يا هدى.
ليهز لها رأسه مؤكداً.
- أنا عارف أني غلطت بس والله أنا توبت يا هدى.
- حتى اسألي علي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو علي كأنه يستنجد به.
على التي وزعت نظرها بينه وبين علي بحيرة.
أشارت لعلي بعينها كي ينقذها من هذا الموقف.
- هدى أنا بحبها والله العظيم بعشقها خليها تسامحني.
- أنا روحي فيها ما أقدرش أعيش من غيرها.
تساقطت دموع هدى رغم محاولتها الصمود.
لكن حزنها على الاثنين تفاقم حتى لم تعد تتحمل رؤيته ينهار هكذا.
اقترب علي منه وشعور الآسى يتملكه على صديق عمره الذي يراه.
كأنه أصابه مس من الجنون.
هل هذا فارس القوي المغرور الذي لايهمه أحد يقف ذليل أمام هدى يتوسلها.
لقد أذله الحب.
أمسك يده وأحاط بيده الأخرى كتفه يسحبه نحو الخارج.
- تعالى يا فارس تعالى يا حبيبي سيبها تهدى وهي هتسامحك لما تعرف الحقيقة.
كلمات علي أعطته الأمل لينظر له مبتسم بلهفة.
- يعني هتسامحني يا علي مش كده؟
وكطفل صار يخبره بما يرضيه ليجعله ينصاع لأوامره.
- أيوه هتسامحك بس تعالى خلينا نروح الفيلا عشان ترتاح.
ردد كلمات علي كالمجنون بلا وعي.
- أيوه… أيوه هتسامحني لما تعرف الحقيقة وأن اللي حصل غصب عني.
أخذ يردد تلك الكلمات وكأنه يواسي قلبه ويقنعه حتى غادر مع علي.
ظلت هدى تنظر لأثره ولا تدري أتشفق عليه أم على شقيقتها أم على الاثنين معاً.
ثلاثة أيام مرت على تلك المواجهة حاولت فيهن هدى وندى إخراجها من حالة الحزن والشرود بشتى الطرق.
أعدن كعكة الشاي التي تحبها وكوب الشاي الذي تعشقه ودخلتا غرفتها لتجداها تجلس شاردة الذهن كالعادة.
نظرت هدى نحو ندى التي حركت رأسها بقلة حيلة.
لترسم ندى ابتسامة حزينة تداري خلفها قلقها على حال شقيقتها.
واقتربت من سريرها محاولة مداعبتها.
- بنت يا مشمش عملت لك الكيكة اللي بتحبيها.
لتجلس بجانبها وتنظر لندى مع استمرار شرود شمس التي يبدو أنها تغيب عنهم في عالم آخر.
اقتربت ندى لتجلس على الجهة الأخرى تحمل أكواب الشاي.
- وأنا يا مشمش عملت لك الشاي اللي بتحبيه.
ربتت هدى على ذراعها لتجعلها تنتبه.
- مشمش… يلا عشان تاكلي.
أخيراً انتبهت لوجودهم لتلتفت نحو هدى ببطء لتجدها تبتسم وهي ترفع قطعة من الكعكة أمامها.
- دوقي يا بنتي عمايل أختك.
تمتمت بخفوت.
- ماليش نفس.
دعت هدى الانزعاج وقالت تمثل الغضب.
- نعم مالكيش نفس بقالي ساعة في المطبخ بعملها عشانك وبعدين تقولي ماليش نفس.
دي حتى ورد تعبت معايا كده تزعل مني.
لتصيح ندى تمثل الانفعال وتقول بسخط مفتعل.
- أي دا يا ست هدى شايفة الأسامي بتتسرق عيني عينك اسم ورد عاوزاه لبنتي شوفيلك اسم تاني.
فهمت شمس أنهم يقصدون صغارهم ليبدأن في تمثيل مشاجرة يجذبن فيها شقيقتين.
- لا يا حبيبتي بنتي أكبر وأحق بالاسم من بنتك.
قالتها هدى بثقة استفزت ندى لترد.
- لا أنا الأم الأكبر والاسم من حق بنتي سميها على اسم حماتك.
- لا أنا عاجبني اسم ماما ماتسميها أنت يا أختي على اسم حماتك.
- لا أنت.
- أنت.
ليظهر شبح ابتسامة على وجه شمس وهي تحاول الفصل بينهم.
ثم هتفت بصوت مبحوح.
- بس أنت وهي كفاية هو أنتو لسه عرفتوا هو بنت ولا ولد.
أشارت ندى نحو هدى وقالت.
- أنا حساها بنت أنت شكله ولد انسحبي يا هدى.
لتنظر لها هدى بتحدي وتقول.
- حتى لو كان ولد الاسم هيفضل محفوظ لبنتي.
لتنظر ندى نحو شمس تشتكي لها.
- شايفة يا شمس بت يا هدى هو عند والسلام.
لتقول بصوت متعب.
- بس يا بنات خلاص أنا لقيت لكم الحل واحدة تسمي ورد وواحدة تسمي ورد الشام وادلعها ورد أي رأيكم؟
نظرت هدى نحو ندى كأن الفكرة نالت استحسانهن.
- ورد الشام حلو كمان خلاص أنا موافقة.
لتستغل هدى الفرصة وتقرب قطعة كعكة من فمها وتقول.
- طب وحياة ورد الشام لتاكلي يا خالتي.
وصف هدى جعلها تبتسم لتمسك قطعة الكعكة بيد مرتعشة وتقضم جزء صغير.
جعل ندى تتشجع وتقرب كوب الشاي وتقول.
- لا كده ورد بنتي هتزعل لو مشربتيش الشاي يا خالتي.
ابتسمت بحزن وأخذت منها كوب الشاي ترتشف منه القليل.
لتبتسم ندى وهي تنظر لهدى بأمل.
حتى تصاعد رنين هاتفها لتترك شقيقتها وتتجه نحو الصالة.
التقطت الهاتف.
ونظرت لاسم المتصل خفق قلبها مع ظهور اسمه واستمرار اهتزاز الهاتف بين يديها لتجيب.
- الو.
- الو أزيك يا ندى.
- الحمد الله.
- إزي شمس النهاردة؟
- الحمد الله أحسن.
صمت يهدر أنفاسه ويسألها.
- وأنت أزيك عاملة إيه النهاردة لسة معدتك تعباكي.
- أحسن الحمد الله الدوا اللي بعتتهولك الدكتورة زميلتك كويس أوي وارتحت عليه.
ابتسم بخوف يخبره.
- طب كويس دكتورة رحمة ممتازة هاخد لك معاها ميعاد عشان نطمن على البيبي.
ابتسمت داخلها لاهتمامه فعلاقتهم متوترة منذ حادثة شمس وفارس.
- اتعشيتي امبارح ولا كسلت تسخني زي كل مرة.
ضحك على كلامها فهي أصبحت تحفظه.
- عاوزة الحق ولا ابن عمه؟
- لا ابن خالته.
وأتبعت جوابها بضحكة شاركها معها.
- كل ما تباتي عند شمس بكسل أعمل أي حاجة.
لتقول له معاتبة.
- طب ليه كده أنا عملت لك أكل في التلاجة ليه تبات من غير عشا.
تنهد بضيق من هم يجثم فوق صدره وهو يرى شقيقه ينهار أمام عينيه يحبس نفسه داخل غرفته ويمتنع عن الطعام والشراب كأنه يعاقب نفسه.
لكنه أجابها.
- مليش نفس الصراحة.
وبتنهيدة مماثلة أجابته بحسرة.
- عندك حق هو مين له نفس يأكل.
نهرها بحدة وبصوت لمست فيه خوفه عليها وعلى صغيرها.
- أوعي يا ندى تكوني مش بتاكلي كويس أنت حامل والتغذية مهمة في الشهور الأولى.
تهكمت ساخرة.
- خايفة على ابنك ما تخافش هدى وعلي بيزغطوني زي البطة أصله بيجي هنا كل وجبة يجبرها على الأكل ويجبرني آكل معاها عشان أفتح نفسها على الأكل.
فهم عتابها المبطن خلف ما تخبره به من اهتمام علي بشقيقتها.
- ندى أنا خايف عليكم أنتو الاتنين كوني مش بسأل لآني متأكد أنك عاقلة وهتحافظي على صحتك وصحته.
ابتسمت ساخرة تردد حديثه باستهزاء.
- أيوه أنا عاقلة عندك حق.
هز رأسه بندم وهو يردد.
- بتحبني يا علي بتحبني.
ترك علي ونهض عندما لمح هدى التي تنظر له بأشفاق رغم غضبها منه.
ليتقدم نحوها بخطوات سريعة ويقول متوسلاً.
- هدى هي بتسمع كلامك كلميها خليها تسامحني.
- وحياتك يا هدى.
ليهز لها رأسه مؤكداً.
- أنا عارف أني غلطت بس والله أنا توبت يا هدى.
- حتى اسألي علي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو علي كأنه يستنجد به.
على التي وزعت نظرها بينه وبين علي بحيرة.
أشارت لعلي بعينها كي ينقذها من هذا الموقف.
- هدى أنا بحبها والله العظيم بعشقها خليها تسامحني.
- أنا روحي فيها ما أقدرش أعيش من غيرها.
تساقطت دموع هدى رغم محاولتها الصمود.
لكن حزنها على الاثنين تفاقم حتى لم تعد تتحمل رؤيته ينهار هكذا.
اقترب علي منه وشعور الآسى يتملكه على صديق عمره الذي يراه.
كأنه أصابه مس من الجنون.
هل هذا فارس القوي المغرور الذي لايهمه أحد يقف ذليل أمام هدى يتوسلها.
لقد أذله الحب.
أمسك يده وأحاط بيده الأخرى كتفه يسحبه نحو الخارج.
- تعالى يا فارس تعالى يا حبيبي سيبها تهدى وهي هتسامحك لما تعرف الحقيقة.
كلمات علي أعطته الأمل لينظر له مبتسم بلهفة.
- يعني هتسامحني يا علي مش كده؟
وكطفل صار يخبره بما يرضيه ليجعله ينصاع لأوامره.
- أيوه هتسامحك بس تعالى خلينا نروح الفيلا عشان ترتاح.
ردد كلمات علي كالمجنون بلا وعي.
- أيوه… أيوه هتسامحني لما تعرف الحقيقة وأن اللي حصل غصب عني.
أخذ يردد تلك الكلمات وكأنه يواسي قلبه ويقنعه حتى غادر مع علي.
ظلت هدى تنظر لأثره ولا تدري أتشفق عليه أم على شقيقتها أم على الاثنين معاً.
ثلاثة أيام مرت على تلك المواجهة حاولت فيهن هدى وندى إخراجها من حالة الحزن والشرود بشتى الطرق.
أعدن كعكة الشاي التي تحبها وكوب الشاي الذي تعشقه ودخلتا غرفتها لتجداها تجلس شاردة الذهن كالعادة.
نظرت هدى نحو ندى التي حركت رأسها بقلة حيلة.
لترسم ندى ابتسامة حزينة تداري خلفها قلقها على حال شقيقتها.
واقتربت من سريرها محاولة مداعبتها.
- بنت يا مشمش عملت لك الكيكة اللي بتحبيها.
لتجلس بجانبها وتنظر لندى مع استمرار شرود شمس التي يبدو أنها تغيب عنهم في عالم آخر.
اقتربت ندى لتجلس على الجهة الأخرى تحمل أكواب الشاي.
- وأنا يا مشمش عملت لك الشاي اللي بتحبيه.
ربتت هدى على ذراعها لتجعلها تنتبه.
- مشمش… يلا عشان تاكلي.
أخيراً انتبهت لوجودهم لتلتفت نحو هدى ببطء لتجدها تبتسم وهي ترفع قطعة من الكعكة أمامها.
- دوقي يا بنتي عمايل أختك.
تمتمت بخفوت.
- ماليش نفس.
دعت هدى الانزعاج وقالت تمثل الغضب.
- نعم مالكيش نفس بقالي ساعة في المطبخ بعملها عشانك وبعدين تقولي ماليش نفس.
دي حتى ورد تعبت معايا كده تزعل مني.
لتصيح ندى تمثل الانفعال وتقول بسخط مفتعل.
- أي دا يا ست هدى شايفة الأسامي بتتسرق عيني عينك اسم ورد عاوزاه لبنتي شوفيلك اسم تاني.
فهمت شمس أنهم يقصدون صغارهم ليبدأن في تمثيل مشاجرة يجذبن فيها شقيقتين.
- لا يا حبيبتي بنتي أكبر وأحق بالاسم من بنتك.
قالتها هدى بثقة استفزت ندى لترد.
- لا أنا الأم الأكبر والاسم من حق بنتي سميها على اسم حماتك.
- لا أنا عاجبني اسم ماما ماتسميها أنت يا أختي على اسم حماتك.
- لا أنت.
- أنت.
ليظهر شبح ابتسامة على وجه شمس وهي تحاول الفصل بينهم.
ثم هتفت بصوت مبحوح.
- بس أنت وهي كفاية هو أنتو لسه عرفتوا هو بنت ولا ولد.
أشارت ندى نحو هدى وقالت.
- أنا حساها بنت أنت شكله ولد انسحبي يا هدى.
لتنظر لها هدى بتحدي وتقول.
- حتى لو كان ولد الاسم هيفضل محفوظ لبنتي.
لتنظر ندى نحو شمس تشتكي لها.
- شايفة يا شمس بت يا هدى هو عند والسلام.
لتقول بصوت متعب.
- بس يا بنات خلاص أنا لقيت لكم الحل واحدة تسمي ورد وواحدة تسمي ورد الشام وادلعها ورد أي رأيكم؟
نظرت هدى نحو ندى كأن الفكرة نالت استحسانهن.
- ورد الشام حلو كمان خلاص أنا موافقة.
لتستغل هدى الفرصة وتقرب قطعة كعكة من فمها وتقول.
- طب وحياة ورد الشام لتاكلي يا خالتي.
وصف هدى جعلها تبتسم لتمسك قطعة الكعكة بيد مرتعشة وتقضم جزء صغير.
جعل ندى تتشجع وتقرب كوب الشاي وتقول.
- لا كده ورد بنتي هتزعل لو مشربتيش الشاي يا خالتي.
ابتسمت بحزن وأخذت منها كوب الشاي ترتشف منه القليل.
لتبتسم ندى وهي تنظر لهدى بأمل.
حتى تصاعد رنين هاتفها لتترك شقيقتها وتتجه نحو الصالة.
التقطت الهاتف.
ونظرت لاسم المتصل خفق قلبها مع ظهور اسمه واستمرار اهتزاز الهاتف بين يديها لتجيب.
- الو.
- الو أزيك يا ندى.
- الحمد الله.
- إزي شمس النهاردة؟
- الحمد الله أحسن.
صمت يهدر أنفاسه ويسألها.
- وأنت أزيك عاملة إيه النهاردة لسة معدتك تعباكي.
- أحسن الحمد الله الدوا اللي بعتتهولك الدكتورة زميلتك كويس أوي وارتحت عليه.
ابتسم بخوف يخبره.
- طب كويس دكتورة رحمة ممتازة هاخد لك معاها ميعاد عشان نطمن على البيبي.
ابتسمت داخلها لاهتمامه فعلاقتهم متوترة منذ حادثة شمس وفارس.
- اتعشيتي امبارح ولا كسلت تسخني زي كل مرة.
ضحك على كلامها فهي أصبحت تحفظه.
- عاوزة الحق ولا ابن عمه؟
- لا ابن خالته.
وأتبعت جوابها بضحكة شاركها معها.
- كل ما تباتي عند شمس بكسل أعمل أي حاجة.
لتقول له معاتبة.
- طب ليه كده أنا عملت لك أكل في التلاجة ليه تبات من غير عشا.
تنهد بضيق من هم يجثم فوق صدره وهو يرى شقيقه ينهار أمام عينيه يحبس نفسه داخل غرفته ويمتنع عن الطعام والشراب كأنه يعاقب نفسه.
لكنه أجابها.
- مليش نفس الصراحة.
وبتنهيدة مماثلة أجابته بحسرة.
- عندك حق هو مين له نفس يأكل.
نهرها بحدة وبصوت لمست فيه خوفه عليها وعلى صغيرها.
- أوعي يا ندى تكوني مش بتاكلي كويس أنت حامل والتغذية مهمة في الشهور الأولى.
تهكمت ساخرة.
- خايفة على ابنك ما تخافش هدى وعلي بيزغطوني زي البطة أصله بيجي هنا كل وجبة يجبرها على الأكل ويجبرني آكل معاها عشان أفتح نفسها على الأكل.
فهم عتابها المبطن خلف ما تخبره به من اهتمام علي بشقيقتها.
- ندى أنا خايف عليكم أنتو الاتنين كوني مش بسأل لآني متأكد أنك عاقلة وهتحافظي على صحتك وصحته.
ابتسمت ساخرة تردد حديثه باستهزاء.
- أيوه أنا عاقلة عندك حق.
هز رأسه بندم وهو يردد.
- بتحبني يا علي بتحبني.
ترك علي ونهض عندما لمح هدى التي تنظر له بأشفاق رغم غضبها منه.
ليتقدم نحوها بخطوات سريعة ويقول متوسلاً.
- هدى هي بتسمع كلامك كلميها خليها تسامحني.
- وحياتك يا هدى.
ليهز لها رأسه مؤكداً.
- أنا عارف أني غلطت بس والله أنا توبت يا هدى.
- حتى اسألي علي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو علي كأنه يستنجد به.
على التي وزعت نظرها بينه وبين علي بحيرة.
أشارت لعلي بعينها كي ينقذها من هذا الموقف.
- هدى أنا بحبها والله العظيم بعشقها خليها تسامحني.
- أنا روحي فيها ما أقدرش أعيش من غيرها.
تساقطت دموع هدى رغم محاولتها الصمود.
لكن حزنها على الاثنين تفاقم حتى لم تعد تتحمل رؤيته ينهار هكذا.
اقترب علي منه وشعور الآسى يتملكه على صديق عمره الذي يراه.
كأنه أصابه مس من الجنون.
هل هذا فارس القوي المغرور الذي لايهمه أحد يقف ذليل أمام هدى يتوسلها.
لقد أذله الحب.
أمسك يده وأحاط بيده الأخرى كتفه يسحبه نحو الخارج.
- تعالى يا فارس تعالى يا حبيبي سيبها تهدى وهي هتسامحك لما تعرف الحقيقة.
كلمات علي أعطته الأمل لينظر له مبتسم بلهفة.
- يعني هتسامحني يا علي مش كده؟
وكطفل صار يخبره بما يرضيه ليجعله ينصاع لأوامره.
- أيوه هتسامحك بس تعالى خلينا نروح الفيلا عشان ترتاح.
ردد كلمات علي كالمجنون بلا وعي.
- أيوه… أيوه هتسامحني لما تعرف الحقيقة وأن اللي حصل غصب عني.
أخذ يردد تلك الكلمات وكأنه يواسي قلبه ويقنعه حتى غادر مع علي.
ظلت هدى تنظر لأثره ولا تدري أتشفق عليه أم على شقيقتها أم على الاثنين معاً.
ثلاثة أيام مرت على تلك المواجهة حاولت فيهن هدى وندى إخراجها من حالة الحزن والشرود بشتى الطرق.
أعدن كعكة الشاي التي تحبها وكوب الشاي الذي تعشقه ودخلتا غرفتها لتجداها تجلس شاردة الذهن كالعادة.
نظرت هدى نحو ندى التي حركت رأسها بقلة حيلة.
لترسم ندى ابتسامة حزينة تداري خلفها قلقها على حال شقيقتها.
واقتربت من سريرها محاولة مداعبتها.
- بنت يا مشمش عملت لك الكيكة اللي بتحبيها.
لتجلس بجانبها وتنظر لندى مع استمرار شرود شمس التي يبدو أنها تغيب عنهم في عالم آخر.
اقتربت ندى لتجلس على الجهة الأخرى تحمل أكواب الشاي.
- وأنا يا مشمش عملت لك الشاي اللي بتحبيه.
ربتت هدى على ذراعها لتجعلها تنتبه.
- مشمش… يلا عشان تاكلي.
أخيراً انتبهت لوجودهم لتلتفت نحو هدى ببطء لتجدها تبتسم وهي ترفع قطعة من الكعكة أمامها.
- دوقي يا بنتي عمايل أختك.
تمتمت بخفوت.
- ماليش نفس.
دعت هدى الانزعاج وقالت تمثل الغضب.
- نعم مالكيش نفس بقالي ساعة في المطبخ بعملها عشانك وبعدين تقولي ماليش نفس.
دي حتى ورد تعبت معايا كده تزعل مني.
لتصيح ندى تمثل الانفعال وتقول بسخط مفتعل.
- أي دا يا ست هدى شايفة الأسامي بتتسرق عيني عينك اسم ورد عاوزاه لبنتي شوفيلك اسم تاني.
فهمت شمس أنهم يقصدون صغارهم ليبدأن في تمثيل مشاجرة يجذبن فيها شقيقتين.
- لا يا حبيبتي بنتي أكبر وأحق بالاسم من بنتك.
قالتها هدى بثقة استفزت ندى لترد.
- لا أنا الأم الأكبر والاسم من حق بنتي سميها على اسم حماتك.
- لا أنا عاجبني اسم ماما ماتسميها أنت يا أختي على اسم حماتك.
- لا أنت.
- أنت.
ليظهر شبح ابتسامة على وجه شمس وهي تحاول الفصل بينهم.
ثم هتفت بصوت مبحوح.
- بس أنت وهي كفاية هو أنتو لسه عرفتوا هو بنت ولا ولد.
أشارت ندى نحو هدى وقالت.
- أنا حساها بنت أنت شكله ولد انسحبي يا هدى.
لتنظر لها هدى بتحدي وتقول.
- حتى لو كان ولد الاسم هيفضل محفوظ لبنتي.
لتنظر ندى نحو شمس تشتكي لها.
- شايفة يا شمس بت يا هدى هو عند والسلام.
لتقول بصوت متعب.
- بس يا بنات خلاص أنا لقيت لكم الحل واحدة تسمي ورد وواحدة تسمي ورد الشام وادلعها ورد أي رأيكم؟
نظرت هدى نحو ندى كأن الفكرة نالت استحسانهن.
- ورد الشام حلو كمان خلاص أنا موافقة.
لتستغل هدى الفرصة وتقرب قطعة كعكة من فمها وتقول.
- طب وحياة ورد الشام لتاكلي يا خالتي.
وصف هدى جعلها تبتسم لتمسك قطعة الكعكة بيد مرتعشة وتقضم جزء صغير.
جعل ندى تتشجع وتقرب كوب الشاي وتقول.
- لا كده ورد بنتي هتزعل لو مشربتيش الشاي يا خالتي.
ابتسمت بحزن وأخذت منها كوب الشاي ترتشف منه القليل.
لتبتسم ندى وهي تنظر لهدى بأمل.
حتى تصاعد رنين هاتفها لتترك شقيقتها وتتجه نحو الصالة.
التقطت الهاتف.
ونظرت لاسم المتصل خفق قلبها مع ظهور اسمه واستمرار اهتزاز الهاتف بين يديها لتجيب.
- الو.
- الو أزيك يا ندى.
- الحمد الله.
- إزي شمس النهاردة؟
- الحمد الله أحسن.
صمت يهدر أنفاسه ويسألها.
- وأنت أزيك عاملة إيه النهاردة لسة معدتك تعباكي.
- أحسن الحمد الله الدوا اللي بعتتهولك الدكتورة زميلتك كويس أوي وارتحت عليه.
ابتسم بخوف يخبره.
- طب كويس دكتورة رحمة ممتازة هاخد لك معاها ميعاد عشان نطمن على البيبي.
ابتسمت داخلها لاهتمامه فعلاقتهم متوترة منذ حادثة شمس وفارس.
- اتعشيتي امبارح ولا كسلت تسخني زي كل مرة.
ضحك على كلامها فهي أصبحت تحفظه.
- عاوزة الحق ولا ابن عمه؟
- لا ابن خالته.
وأتبعت جوابها بضحكة شاركها معها.
- كل ما تباتي عند شمس بكسل أعمل أي حاجة.
لتقول له معاتبة.
- طب ليه كده أنا عملت لك أكل في التلاجة ليه تبات من غير عشا.
تنهد بضيق من هم يجثم فوق صدره وهو يرى شقيقه ينهار أمام عينيه يحبس نفسه داخل غرفته ويمتنع عن الطعام والشراب كأنه يعاقب نفسه.
لكنه أجابها.
- مليش نفس الصراحة.
وبتنهيدة مماثلة أجابته بحسرة.
- عندك حق هو مين له نفس يأكل.
نهرها بحدة وبصوت لمست فيه خوفه عليها وعلى صغيرها.
- أوعي يا ندى تكوني مش بتاكلي كويس أنت حامل والتغذية مهمة في الشهور الأولى.
تهكمت ساخرة.
- خايفة على ابنك ما تخافش هدى وعلي بيزغطوني زي البطة أصله بيجي هنا كل وجبة يجبرها على الأكل ويجبرني آكل معاها عشان أفتح نفسها على الأكل.
فهم عتابها المبطن خلف ما تخبره به من اهتمام علي بشقيقتها.
- ندى أنا خايف عليكم أنتو الاتنين كوني مش بسأل لآني متأكد أنك عاقلة وهتحافظي على صحتك وصحته.
ابتسمت ساخرة تردد حديثه باستهزاء.
- أيوه أنا عاقلة عندك حق.
هز رأسه بندم وهو يردد.
- بتحبني يا علي بتحبني.
ترك علي ونهض عندما لمح هدى التي تنظر له بأشفاق رغم غضبها منه.
ليتقدم نحوها بخطوات سريعة ويقول متوسلاً.
- هدى هي بتسمع كلامك كلميها خليها تسامحني.
- وحياتك يا هدى.
ليهز لها رأسه مؤكداً.
- أنا عارف أني غلطت بس والله أنا توبت يا هدى.
- حتى اسألي علي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو علي كأنه يستنجد به.
على التي وزعت نظرها بينه وبين علي بحيرة.
أشارت لعلي بعينها كي ينقذها من هذا الموقف.
- هدى أنا بحبها والله العظيم بعشقها خليها تسامحني.
- أنا روحي فيها ما أقدرش أعيش من غيرها.
تساقطت دموع هدى رغم محاولتها الصمود.
لكن حزنها على الاثنين تفاقم حتى لم تعد تتحمل رؤيته ينهار هكذا.
اقترب علي منه وشعور الآسى يتملكه على صديق عمره الذي يراه.
كأنه أصابه مس من الجنون.
هل هذا فارس القوي المغرور الذي لايهمه أحد يقف ذليل أمام هدى يتوسلها.
لقد أذله الحب.
أمسك يده وأحاط بيده الأخرى كتفه يسحبه نحو الخارج.
- تعالى يا فارس تعالى يا حبيبي سيبها تهدى وهي هتسامحك لما تعرف الحقيقة.
كلمات علي أعطته الأمل لينظر له مبتسم بلهفة.
- يعني هتسامحني يا علي مش كده؟
وكطفل صار يخبره بما يرضيه ليجعله ينصاع لأوامره.
- أيوه هتسامحك بس تعالى خلينا نروح الفيلا عشان ترتاح.
ردد كلمات علي كالمجنون بلا وعي.
- أيوه… أيوه هتسامحني لما تعرف الحقيقة وأن اللي حصل غصب عني.
أخذ يردد تلك الكلمات وكأنه يواسي قلبه ويقنعه حتى غادر مع علي.
ظلت هدى تنظر لأثره ولا تدري أتشفق عليه أم على شقيقتها أم على الاثنين معاً.
ثلاثة أيام مرت على تلك المواجهة حاولت فيهن هدى وندى إخراجها من حالة الحزن والشرود بشتى الطرق.
أعدن كعكة الشاي التي تحبها وكوب الشاي الذي تعشقه ودخلتا غرفتها لتجداها تجلس شاردة الذهن كالعادة.
نظرت هدى نحو ندى التي حركت رأسها بقلة حيلة.
لترسم ندى ابتسامة حزينة تداري خلفها قلقها على حال شقيقتها.
واقتربت من سريرها محاولة مداعبتها.
- بنت يا مشمش عملت لك الكيكة اللي بتحبيها.
لتجلس بجانبها وتنظر لندى مع استمرار شرود شمس التي يبدو أنها تغيب عنهم في عالم آخر.
اقتربت ندى لتجلس على الجهة الأخرى تحمل أكواب الشاي.
- وأنا يا مشمش عملت لك الشاي اللي بتحبيه.
ربتت هدى على ذراعها لتجعلها تنتبه.
- مشمش… يلا عشان تاكلي.
أخيراً انتبهت لوجودهم لتلتفت نحو هدى ببطء لتجدها تبتسم وهي ترفع قطعة من الكعكة أمامها.
- دوقي يا بنتي عمايل أختك.
تمتمت بخفوت.
- ماليش نفس.
دعت هدى الانزعاج وقالت تمثل الغضب.
- نعم مالكيش نفس بقالي ساعة في المطبخ بعملها عشانك وبعدين تقولي ماليش نفس.
دي حتى ورد تعبت معايا كده تزعل مني.
لتصيح ندى تمثل الانفعال وتقول بسخط مفتعل.
- أي دا يا ست هدى شايفة الأسامي بتتسرق عيني عينك اسم ورد عاوزاه لبنتي شوفيلك اسم تاني.
فهمت شمس أنهم يقصدون صغارهم ليبدأن في تمثيل مشاجرة يجذبن فيها شقيقتين.
- لا يا حبيبتي بنتي أكبر وأحق بالاسم من بنتك.
قالتها هدى بثقة استفزت ندى لترد.
- لا أنا الأم الأكبر والاسم من حق بنتي سميها على اسم حماتك.
- لا أنا عاجبني اسم ماما ماتسميها أنت يا أختي على اسم حماتك.
- لا أنت.
- أنت.
ليظهر شبح ابتسامة على وجه شمس وهي تحاول الفصل بينهم.
ثم هتفت بصوت مبحوح.
- بس أنت وهي كفاية هو أنتو لسه عرفتوا هو بنت ولا ولد.
أشارت ندى نحو هدى وقالت.
- أنا حساها بنت أنت شكله ولد انسحبي يا هدى.
لتنظر لها هدى بتحدي وتقول.
- حتى لو كان ولد الاسم هيفضل محفوظ لبنتي.
لتنظر ندى نحو شمس تشتكي لها.
- شايفة يا شمس بت يا هدى هو عند والسلام.
لتقول بصوت متعب.
- بس يا بنات خلاص أنا لقيت لكم الحل واحدة تسمي ورد وواحدة تسمي ورد الشام وادلعها ورد أي رأيكم؟
نظرت هدى نحو ندى كأن الفكرة نالت استحسانهن.
- ورد الشام حلو كمان خلاص أنا موافقة.
لتستغل هدى الفرصة وتقرب قطعة كعكة من فمها وتقول.
- طب وحياة ورد الشام لتاكلي يا خالتي.
وصف هدى جعلها تبتسم لتمسك قطعة الكعكة بيد مرتعشة وتقضم جزء صغير.
جعل ندى تتشجع وتقرب كوب الشاي وتقول.
- لا كده ورد بنتي هتزعل لو مشربتيش الشاي يا خالتي.
ابتسمت بحزن وأخذت منها كوب الشاي ترتشف منه القليل.
لتبتسم ندى وهي تنظر لهدى بأمل.
حتى تصاعد رنين هاتفها لتترك شقيقتها وتتجه نحو الصالة.
التقطت الهاتف.
ونظرت لاسم المتصل خفق قلبها مع ظهور اسمه واستمرار اهتزاز الهاتف بين يديها لتجيب.
- الو.
- الو أزيك يا ندى.
- الحمد الله.
- إزي شمس النهاردة؟
- الحمد الله أحسن.
صمت يهدر أنفاسه ويسألها.
- وأنت أزيك عاملة إيه النهاردة لسة معدتك تعباكي.
- أحسن الحمد الله الدوا اللي بعتتهولك الدكتورة زميلتك كويس أوي وارتحت عليه.
ابتسم بخوف يخبره.
- طب كويس دكتورة رحمة ممتازة هاخد لك معاها ميعاد عشان نطمن على البيبي.
ابتسمت داخلها لاهتمامه فعلاقتهم متوترة منذ حادثة شمس وفارس.
- اتعشيتي امبارح ولا كسلت تسخني زي كل مرة.
ضحك على كلامها فهي أصبحت تحفظه.
- عاوزة الحق ولا ابن عمه؟
- لا ابن خالته.
وأتبعت جوابها بضحكة شاركها معها.
- كل ما تباتي عند شمس بكسل أعمل أي حاجة.
لتقول له معاتبة.
- طب ليه كده أنا عملت لك أكل في التلاجة ليه تبات من غير عشا.
تنهد بضيق من هم يجثم فوق صدره وهو يرى شقيقه ينهار أمام عينيه يحبس نفسه داخل غرفته ويمتنع عن الطعام والشراب كأنه يعاقب نفسه.
لكنه أجابها.
- مليش نفس الصراحة.
وبتنهيدة مماثلة أجابته بحسرة.
- عندك حق هو مين له نفس يأكل.
نهرها بحدة وبصوت لمست فيه خوفه عليها وعلى صغيرها.
- أوعي يا ندى تكوني مش بتاكلي كويس أنت حامل والتغذية مهمة في الشهور الأولى.
تهكمت ساخرة.
- خايفة على ابنك ما تخافش هدى وعلي بيزغطوني زي البطة أصله بيجي هنا كل وجبة يجبرها على الأكل ويجبرني آكل معاها عشان أفتح نفسها على الأكل.
فهم عتابها المبطن خلف ما تخبره به من اهتمام علي بشقيقتها.
- ندى أنا خايف عليكم أنتو الاتنين كوني مش بسأل لآني متأكد أنك عاقلة وهتحافظي على صحتك وصحته.
ابتسمت ساخرة تردد حديثه باستهزاء.
- أيوه أنا عاقلة عندك حق.
هز رأسه بندم وهو يردد.
- بتحبني يا علي بتحبني.
ترك علي ونهض عندما لمح هدى التي تنظر له بأشفاق رغم غضبها منه.
ليتقدم نحوها بخطوات سريعة ويقول متوسلاً.
- هدى هي بتسمع كلامك كلميها خليها تسامحني.
- وحياتك يا هدى.
ليهز لها رأسه مؤكداً.
- أنا عارف أني غلطت بس والله أنا توبت يا هدى.
- حتى اسألي علي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو علي كأنه يستنجد به.
على التي وزعت نظرها بينه وبين علي بحيرة.
أشارت لعلي بعينها كي ينقذها من هذا الموقف.
- هدى أنا بحبها والله العظيم بعشقها خليها تسامحني.
- أنا روحي فيها ما أقدرش أعيش من غيرها.
تساقطت دموع هدى رغم محاولتها الصمود.
لكن حزنها على الاثنين تفاقم حتى لم تعد تتحمل رؤيته ينهار هكذا.
اقترب علي منه وشعور الآسى يتملكه على صديق عمره الذي يراه.
كأنه أصابه مس من الجنون.
هل هذا فارس القوي المغرور الذي لايهمه أحد يقف ذليل أمام هدى يتوسلها.
لقد أذله الحب.
أمسك يده وأحاط بيده الأخرى كتفه يسحبه نحو الخارج.
- تعالى يا فارس تعالى يا حبيبي سيبها تهدى وهي هتسامحك لما تعرف الحقيقة.
كلمات علي أعطته الأمل لينظر له مبتسم بلهفة.
- يعني هتسامحني يا علي مش كده؟
وكطفل صار يخبره بما يرضيه ليجعله ينصاع لأوامره.
- أيوه هتسامحك بس تعالى خلينا نروح الفيلا عشان ترتاح.
ردد كلمات علي كالمجنون بلا وعي.
- أيوه… أيوه هتسامحني لما تعرف الحقيقة وأن اللي حصل غصب عني.
أخذ يردد تلك الكلمات وكأنه يواسي قلبه ويقنعه حتى غادر مع علي.
ظلت هدى تنظر لأثره ولا تدري أتشفق عليه أم على شقيقتها أم على الاثنين معاً.
ثلاثة أيام مرت على تلك المواجهة حاولت فيهن هدى وندى إخراجها من حالة الحزن والشرود بشتى الطرق.
أعدن كعكة الشاي التي تحبها وكوب الشاي الذي تعشقه ودخلتا غرفتها لتجداها تجلس شاردة الذهن كالعادة.
نظرت هدى نحو ندى التي حركت رأسها بقلة حيلة.
لترسم ندى ابتسامة حزينة تداري خلفها قلقها على حال شقيقتها.
واقتربت من سريرها محاولة مداعبتها.
- بنت يا مشمش عملت لك الكيكة اللي بتحبيها.
لتجلس بجانبها وتنظر لندى مع استمرار شرود شمس التي يبدو أنها تغيب عنهم في عالم آخر.
اقتربت ندى لتجلس على الجهة الأخرى تحمل أكواب الشاي.
- وأنا يا مشمش عملت لك الشاي اللي بتحبيه.
ربتت هدى على ذراعها لتجعلها تنتبه.
- مشمش… يلا عشان تاكلي.
أخيراً انتبهت لوجودهم لتلتفت نحو هدى ببطء لتجدها تبتسم وهي ترفع قطعة من الكعكة أمامها.
- دوقي يا بنتي عمايل أختك.
تمتمت بخفوت.
- ماليش نفس.
دعت هدى الانزعاج وقالت تمثل الغضب.
- نعم مالكيش نفس بقالي ساعة في المطبخ بعملها عشانك وبعدين تقولي ماليش نفس.
دي حتى ورد تعبت معايا كده تزعل مني.
لتصيح ندى تمثل الانفعال وتقول بسخط مفتعل.
- أي دا يا ست هدى شايفة الأسامي بتتسرق عيني عينك اسم ورد عاوزاه لبنتي شوفيلك اسم تاني.
فهمت شمس أنهم يقصدون صغارهم ليبدأن في تمثيل مشاجرة يجذبن فيها شقيقتين.
- لا يا حبيبتي بنتي أكبر وأحق بالاسم من بنتك.
قالتها هدى بثقة استفزت ندى لترد.
- لا أنا الأم الأكبر والاسم من حق بنتي سميها على اسم حماتك.
- لا أنا عاجبني اسم ماما ماتسميها أنت يا أختي على اسم حماتك.
- لا أنت.
- أنت.
ليظهر شبح ابتسامة على وجه شمس وهي تحاول الفصل بينهم.
ثم هتفت بصوت مبحوح.
- بس أنت وهي كفاية هو أنتو لسه عرفتوا هو بنت ولا ولد.
أشارت ندى نحو هدى وقالت.
- أنا حساها بنت أنت شكله ولد انسحبي يا هدى.
لتنظر لها هدى بتحدي وتقول.
- حتى لو كان ولد الاسم هيفضل محفوظ لبنتي.
لتنظر ندى نحو شمس تشتكي لها.
- شايفة يا شمس بت يا هدى هو عند والسلام.
لتقول بصوت متعب.
- بس يا بنات خلاص أنا لقيت لكم الحل واحدة تسمي ورد وواحدة تسمي ورد الشام وادلعها ورد أي رأيكم؟
نظرت هدى نحو ندى كأن الفكرة نالت استحسانهن.
- ورد الشام حلو كمان خلاص أنا موافقة.
لتستغل هدى الفرصة وتقرب قطعة كعكة من فمها وتقول.
- طب وحياة ورد الشام لتاكلي يا خالتي.
وصف هدى جعلها تبتسم لتمسك قطعة الكعكة بيد مرتعشة وتقضم جزء صغير.
جعل ندى تتشجع وتقرب كوب الشاي وتقول.
- لا كده ورد بنتي هتزعل لو مشربتيش الشاي يا خالتي.
ابتسمت بحزن وأخذت منها كوب الشاي ترتشف منه القليل.
لتبتسم ندى وهي تنظر لهدى بأمل.
حتى تصاعد رنين هاتفها لتترك شقيقتها وتتجه نحو الصالة.
التقطت الهاتف.
ونظرت لاسم المتصل خفق قلبها مع ظهور اسمه واستمرار اهتزاز الهاتف بين يديها لتجيب.
- الو.
- الو أزيك يا ندى.
- الحمد الله.
- إزي شمس النهاردة؟
- الحمد الله أحسن.
صمت يهدر أنفاسه ويسألها.
- وأنت أزيك عاملة إيه النهاردة لسة معدتك تعباكي.
- أحسن الحمد الله الدوا اللي بعتتهولك الدكتورة زميلتك كويس أوي وارتحت عليه.
ابتسم بخوف يخبره.
- طب كويس دكتورة رحمة ممتازة هاخد لك معاها ميعاد عشان نطمن على البيبي.
ابتسمت داخلها لاهتمامه فعلاقتهم متوترة منذ حادثة شمس وفارس.
- اتعشيتي امبارح ولا كسلت تسخني زي كل مرة.
ضحك على كلامها فهي أصبحت تحفظه.
- عاوزة الحق ولا ابن عمه؟
- لا ابن خالته.
وأتبعت جوابها بضحكة شاركها معها.
- كل ما تباتي عند شمس بكسل أعمل أي حاجة.
لتقول له معاتبة.
- طب ليه كده أنا عملت لك أكل في التلاجة ليه تبات من غير عشا.
تنهد بضيق من هم يجثم فوق صدره وهو يرى شقيقه ينهار أمام عينيه يحبس نفسه داخل غرفته ويمتنع عن الطعام والشراب كأنه يعاقب نفسه.
لكنه أجابها.
- مليش نفس الصراحة.
وبتنهيدة مماثلة أجابته بحسرة.
- عندك حق هو مين له نفس يأكل.
نهرها بحدة وبصوت لمست فيه خوفه عليها وعلى صغيرها.
- أوعي يا ندى تكوني مش بتاكلي كويس أنت حامل والتغذية مهمة في الشهور الأولى.
تهكمت ساخرة.
- خايفة على ابنك ما تخافش هدى وعلي بيزغطوني زي البطة أصله بيجي هنا كل وجبة يجبرها على الأكل ويجبرني آكل معاها عشان أفتح نفسها على الأكل.
فهم عتابها المبطن خلف ما تخبره به من اهتمام علي بشقيقتها.
- ندى أنا خايف عليكم أنتو الاتنين كوني مش بسأل لآني متأكد أنك عاقلة وهتحافظي على صحتك وصحته.
ابتسمت ساخرة تردد حديثه باستهزاء.
- أيوه أنا عاقلة عندك حق.
هز رأسه بندم وهو يردد.
- بتحبني يا علي بتحبني.
ترك علي ونهض عندما لمح هدى التي تنظر له بأشفاق رغم غضبها منه.
ليتقدم نحوها بخطوات سريعة ويقول متوسلاً.
- هدى هي بتسمع كلامك كلميها خليها تسامحني.
- وحياتك يا هدى.
ليهز لها رأسه مؤكداً.
- أنا عارف أني غلطت بس والله أنا توبت يا هدى.
- حتى اسألي علي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو علي كأنه يستنجد به.
على التي وزعت نظرها بينه وبين علي بحيرة.
أشارت لعلي بعينها كي ينقذها من هذا الموقف.
- هدى أنا بحبها والله العظيم بعشقها خليها تسامحني.
- أنا روحي فيها ما أقدرش أعيش من غيرها.
تساقطت دموع هدى رغم محاولتها الصمود.
لكن حزنها على الاثنين تفاقم حتى لم تعد تتحمل رؤيته ينهار هكذا.
اقترب علي منه وشعور الآسى يتملكه على صديق عمره الذي يراه.
كأنه أصابه مس من الجنون.
هل هذا فارس القوي المغرور الذي لايهمه أحد يقف ذليل أمام هدى يتوسلها.
لقد أذله الحب.
أمسك يده وأحاط بيده الأخرى كتفه يسحبه نحو الخارج.
- تعالى يا فارس تعالى يا حبيبي سيبها تهدى وهي هتسامحك لما تعرف الحقيقة.
كلمات علي أعطته الأمل لينظر له مبتسم بلهفة.
- يعني هتسامحني يا علي مش كده؟
وكطفل صار يخبره بما يرضيه ليجعله ينصاع لأوامره.
- أيوه هتسامحك بس تعالى خلينا نروح الفيلا عشان ترتاح.
ردد كلمات علي كالمجنون بلا وعي.
- أيوه… أيوه هتسامحني لما تعرف الحقيقة وأن اللي حصل غصب عني.
أخذ يردد تلك الكلمات وكأنه يواسي قلبه ويقنعه حتى غادر مع علي.
ظلت هدى تنظر لأثره ولا تدري أتشفق عليه أم على شقيقتها أم على الاثنين معاً.
ثلاثة أيام مرت على تلك المواجهة حاولت فيهن هدى وندى إخراجها من حالة الحزن والشرود بشتى الطرق.
أعدن كعكة الشاي التي تحبها وكوب الشاي الذي تعشقه ودخلتا غرفتها لتجداها تجلس شاردة الذهن كالعادة.
نظرت هدى نحو ندى التي حركت رأسها بقلة حيلة.
لترسم ندى ابتسامة حزينة تداري خلفها قلقها على حال شقيقتها.
واقتربت من سريرها محاولة مداعبتها.
- بنت يا مشمش عملت لك الكيكة اللي بتحبيها.
لتجلس بجانبها وتنظر لندى مع استمرار شرود شمس التي يبدو أنها تغيب عنهم في عالم آخر.
اقتربت ندى لتجلس على الجهة الأخرى تحمل أكواب الشاي.
- وأنا يا مشمش عملت لك الشاي اللي بتحبيه.
ربتت هدى على ذراعها لتجعلها تنتبه.
- مشمش… يلا عشان تاكلي.
أخيراً انتبهت لوجودهم لتلتفت نحو هدى ببطء لتجدها تبتسم وهي ترفع قطعة من الكعكة أمامها.
- دوقي يا بنتي عمايل أختك.
تمتمت بخفوت.
- ماليش نفس.
دعت هدى الانزعاج وقالت تمثل الغضب.
- نعم مالكيش نفس بقالي ساعة في المطبخ بعملها عشانك وبعدين تقولي ماليش نفس.
دي حتى ورد تعبت معايا كده تزعل مني.
لتصيح ندى تمثل الانفعال وتقول بسخط مفتعل.
- أي دا يا ست هدى شايفة الأسامي بتتسرق عيني عينك اسم ورد عاوزاه لبنتي شوفيلك اسم تاني.
فهمت شمس أنهم يقصدون صغارهم ليبدأن في تمثيل مشاجرة يجذبن فيها شقيقتين.
- لا يا حبيبتي بنتي أكبر وأحق بالاسم من بنتك.
قالتها هدى بثقة استفزت ندى لترد.
- لا أنا الأم الأكبر والاسم من حق بنتي سميها على اسم حماتك.
- لا أنا عاجبني اسم ماما ماتسميها أنت يا أختي على اسم حماتك.
- لا أنت.
- أنت.
ليظهر شبح ابتسامة على وجه شمس وهي تحاول الفصل بينهم.
ثم هتفت بصوت مبحوح.
- بس أنت وهي كفاية هو أنتو لسه عرفتوا هو بنت ولا ولد.
أشارت ندى نحو هدى وقالت.
- أنا حساها بنت أنت شكله ولد انسحبي يا هدى.
لتنظر لها هدى بتحدي وتقول.
- حتى لو كان ولد الاسم هيفضل محفوظ لبنتي.
لتنظر ندى نحو شمس تشتكي لها.
- شايفة يا شمس بت يا هدى هو عند والسلام.
لتقول بصوت متعب.
- بس يا بنات خلاص أنا لقيت لكم الحل واحدة تسمي ورد وواحدة تسمي ورد الشام وادلعها ورد أي رأيكم؟
نظرت هدى نحو ندى كأن الفكرة نالت استحسانهن.
- ورد الشام حلو كمان خلاص أنا موافقة.
لتستغل هدى الفرصة وتقرب قطعة كعكة من فمها وتقول.
- طب وحياة ورد الشام لتاكلي يا خالتي.
وصف هدى جعلها تبتسم لتمسك قطعة الكعكة بيد مرتعشة وتقضم جزء صغير.
جعل ندى تتشجع وتقرب كوب الشاي وتقول.
- لا كده ورد بنتي هتزعل لو مشربتيش الشاي يا خالتي.
ابتسمت بحزن وأخذت منها كوب الشاي ترتشف منه القليل.
لتبتسم ندى وهي تنظر لهدى بأمل.
حتى تصاعد رنين هاتفها لتترك شقيقتها وتتجه نحو الصالة.
التقطت الهاتف.
ونظرت لاسم المتصل خفق قلبها مع ظهور اسمه واستمرار اهتزاز الهاتف بين يديها لتجيب.
- الو.
- الو أزيك يا ندى.
- الحمد الله.
- إزي شمس النهاردة؟
- الحمد الله أحسن.
صمت يهدر أنفاسه ويسألها.
- وأنت أزيك عاملة إيه النهاردة لسة معدتك تعباكي.
- أحسن الحمد الله الدوا اللي بعتتهولك الدكتورة زميلتك كويس أوي وارتحت عليه.
ابتسم بخوف يخبره.
- طب كويس دكتورة رحمة ممتازة هاخد لك معاها ميعاد عشان نطمن على البيبي.
ابتسمت داخلها لاهتمامه فعلاقتهم متوترة منذ حادثة شمس وفارس.
- اتعشيتي امبارح ولا كسلت تسخني زي كل مرة.
ضحك على كلامها فهي أصبحت تحفظه.
- عاوزة الحق ولا ابن عمه؟
- لا ابن خالته.
وأتبعت جوابها بضحكة شاركها معها.
- كل ما تباتي عند شمس بكسل أعمل أي حاجة.
لتقول له معاتبة.
- طب ليه كده أنا عملت لك أكل في التلاجة ليه تبات من غير عشا.
تنهد بضيق من هم يجثم فوق صدره وهو يرى شقيقه ينهار أمام عينيه يحبس نفسه داخل غرفته ويمتنع عن الطعام والشراب كأنه يعاقب نفسه.
لكنه أجابها.
- مليش نفس الصراحة.
وبتنهيدة مماثلة أجابته بحسرة.
- عندك حق هو مين له نفس يأكل.
نهرها بحدة وبصوت لمست فيه خوفه عليها وعلى صغيرها.
- أوعي يا ندى تكوني مش بتاكلي كويس أنت حامل والتغذية مهمة في الشهور الأولى.
تهكمت ساخرة.
- خايفة على ابنك ما تخافش هدى وعلي بيزغطوني زي البطة أصله بيجي هنا كل وجبة يجبرها على الأكل ويجبرني آكل معاها عشان أفتح نفسها على الأكل.
فهم عتابها المبطن خلف ما تخبره به من اهتمام علي بشقيقتها.
- ندى أنا خايف عليكم أنتو الاتنين كوني مش بسأل لآني متأكد أنك عاقلة وهتحافظي على صحتك وصحته.
ابتسمت ساخرة تردد حديثه باستهزاء.
- أيوه أنا عاقلة عندك حق.
هز رأسه بندم وهو يردد.
- بتحبني يا علي بتحبني.
ترك علي ونهض عندما لمح هدى التي تنظر له بأشفاق رغم غضبها منه.
ليتقدم نحوها بخطوات سريعة ويقول متوسلاً.
- هدى هي بتسمع كلامك كلميها خليها تسامحني.
- وحياتك يا هدى.
ليهز لها رأسه مؤكداً.
- أنا عارف أني غلطت بس والله أنا توبت يا هدى.
- حتى اسألي علي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو علي كأنه يستنجد به.
على التي وزعت نظرها بينه وبين علي بحيرة.
أشارت لعلي بعينها كي ينقذها من هذا الموقف.
- هدى أنا بحبها والله العظيم بعشقها خليها تسامحني.
- أنا روحي فيها ما أقدرش أعيش من غيرها.
تساقطت دموع هدى رغم محاولتها الصمود.
لكن حزنها على الاثنين تفاقم حتى لم تعد تتحمل رؤيته ينهار هكذا.
اقترب علي منه وشعور الآسى يتملكه على صديق عمره الذي يراه.
كأنه أصابه مس من الجنون.
هل هذا فارس القوي المغرور الذي لايهمه أحد يقف ذليل أمام هدى يتوسلها.
لقد أذله الحب.
أمسك يده وأحاط بيده الأخرى كتفه يسحبه نحو الخارج.
- تعالى يا فارس تعالى يا حبيبي سيبها تهدى وهي هتسامحك لما تعرف الحقيقة.
كلمات علي أعطته الأمل لينظر له مبتسم بلهفة.
- يعني هتسامحني يا علي مش كده؟
وكطفل صار يخبره بما يرضيه ليجعله ينصاع لأوامره.
- أيوه هتسامحك بس تعالى خلينا نروح الفيلا عشان ترتاح.
ردد كلمات علي كالمجنون بلا وعي.
- أيوه… أيوه هتسامحني لما تعرف الحقيقة وأن اللي حصل غصب عني.
أخذ يردد تلك الكلمات وكأنه يواسي قلبه ويقنعه حتى غادر مع علي.
ظلت هدى تنظر لأثره ولا تدري أتشفق عليه أم على شقيقتها أم على الاثنين معاً.
ثلاثة أيام مرت على تلك المواجهة حاولت فيهن هدى وندى إخراجها من حالة الحزن والشرود بشتى الطرق.
أعدن كعكة الشاي التي تحبها وكوب الشاي الذي تعشقه ودخلتا غرفتها لتجداها تجلس شاردة الذهن كالعادة.
نظرت هدى نحو ندى التي حركت رأسها بقلة حيلة.
لترسم ندى ابتسامة حزينة تداري خلفها قلقها على حال شقيقتها.
واقتربت من سريرها محاولة مداعبتها.
- بنت يا مشمش عملت لك الكيكة اللي بتحبيها.
لتجلس بجانبها وتنظر لندى مع استمرار شرود شمس التي يبدو أنها تغيب عنهم في عالم آخر.
اقتربت ندى لتجلس على الجهة الأخرى تحمل أكواب الشاي.
- وأنا يا مشمش عملت لك الشاي اللي بتحبيه.
ربتت هدى على ذراعها لتجعلها تنتبه.
- مشمش… يلا عشان تاكلي.
أخيراً انتبهت لوجودهم لتلتفت نحو هدى ببطء لتجدها تبتسم وهي ترفع قطعة من الكعكة أمامها.
- دوقي يا بنتي عمايل أختك.
تمتمت بخفوت.
- ماليش نفس.
دعت هدى الانزعاج وقالت تمثل الغضب.
- نعم مالكيش نفس بقالي ساعة في المطبخ بعملها عشانك وبعدين تقولي ماليش نفس.
دي حتى ورد تعبت معايا كده تزعل مني.
لتصيح ندى تمثل الانفعال وتقول بسخط مفتعل.
- أي دا يا ست هدى شايفة الأسامي بتتسرق عيني عينك اسم ورد عاوزاه لبنتي شوفيلك اسم تاني.
فهمت شمس أنهم يقصدون صغارهم ليبدأن في تمثيل مشاجرة يجذبن فيها شقيقتين.
- لا يا حبيبتي بنتي أكبر وأحق بالاسم من بنتك.
قالتها هدى بثقة استفزت ندى لترد.
- لا أنا الأم الأكبر والاسم من حق بنتي سميها على اسم حماتك.
- لا أنا عاجبني اسم ماما ماتسميها أنت يا أختي على اسم حماتك.
- لا أنت.
- أنت.
ليظهر شبح ابتسامة على وجه شمس وهي تحاول الفصل بينهم.
ثم هتفت بصوت مبحوح.
- بس أنت وهي كفاية هو أنتو لسه عرفتوا هو بنت ولا ولد.
أشارت ندى نحو هدى وقالت.
- أنا حساها بنت أنت شكله ولد انسحبي يا هدى.
لتنظر لها هدى بتحدي وتقول.
- حتى لو كان ولد الاسم هيفضل محفوظ لبنتي.
لتنظر ندى نحو شمس تشتكي لها.
- شايفة يا شمس بت يا هدى هو عند والسلام.
لتقول بصوت متعب.
- بس يا بنات خلاص أنا لقيت لكم الحل واحدة تسمي ورد وواحدة تسمي ورد الشام وادلعها ورد أي رأيكم؟
نظرت هدى نحو ندى كأن الفكرة نالت استحسانهن.
- ورد الشام حلو كمان خلاص أنا موافقة.
لتستغل هدى الفرصة وتقرب قطعة كعكة من فمها وتقول.
- طب وحياة ورد الشام لتاكلي يا خالتي.
وصف هدى جعلها تبتسم لتمسك قطعة الكعكة بيد مرتعشة وتقضم جزء صغير.
جعل ندى تتشجع وتقرب كوب الشاي وتقول.
- لا كده ورد بنتي هتزعل لو مشربتيش الشاي يا خالتي.
ابتسمت بحزن وأخذت منها كوب الشاي ترتشف منه القليل.
لتبتسم ندى وهي تنظر لهدى بأمل.
حتى تصاعد رنين هاتفها لتترك شقيقتها وتتجه نحو الصالة.
التقطت الهاتف.
ونظرت لاسم المتصل خفق قلبها مع ظهور اسمه واستمرار اهتزاز الهاتف بين يديها لتجيب.
- الو.
- الو أزيك يا ندى.
- الحمد الله.
- إزي شمس النهاردة؟
- الحمد الله أحسن.
صمت يهدر أنفاسه ويسألها.
- وأنت أزيك عاملة إيه النهاردة لسة معدتك تعباكي.
- أحسن الحمد الله الدوا اللي بعتتهولك الدكتورة زميلتك كويس أوي وارتحت عليه.
ابتسم بخوف يخبره.
- طب كويس دكتورة رحمة ممتازة هاخد لك معاها ميعاد عشان نطمن على البيبي.
ابتسمت داخلها لاهتمامه فعلاقتهم متوترة منذ حادثة شمس وفارس.
- اتعشيتي امبارح ولا كسلت تسخني زي كل مرة.
ضحك على كلامها فهي أصبحت تحفظه.
- عاوزة الحق ولا ابن عمه؟
- لا ابن خالته.
وأتبعت جوابها بضحكة شاركها معها.
- كل ما تباتي عند شمس بكسل أعمل أي حاجة.
لتقول له معاتبة.
- طب ليه كده أنا عملت لك أكل في التلاجة ليه تبات من غير عشا.
تنهد بضيق من هم يجثم فوق صدره وهو يرى شقيقه ينهار أمام عينيه يحبس نفسه داخل غرفته ويمتنع عن الطعام والشراب كأنه يعاقب نفسه.
لكنه أجابها.
- مليش نفس الصراحة.
وبتنهيدة مماثلة أجابته بحسرة.
- عندك حق هو مين له نفس يأكل.
نهرها بحدة وبصوت لمست فيه خوفه عليها وعلى صغيرها.
- أوعي يا ندى تكوني مش بتاكلي كويس أنت حامل والتغذية مهمة في الشهور الأولى.
تهكمت ساخرة.
- خايفة على ابنك ما تخافش هدى وعلي بيزغطوني زي البطة أصله بيجي هنا كل وجبة يجبرها على الأكل ويجبرني آكل معاها عشان أفتح نفسها على الأكل.
فهم عتابها المبطن خلف ما تخبره به من اهتمام علي بشقيقتها.
- ندى أنا خايف عليكم أنتو الاتنين كوني مش بسأل لآني متأكد أنك عاقلة وهتحافظي على صحتك وصحته.
ابتسمت ساخرة تردد حديثه باستهزاء.
- أيوه أنا عاقلة عندك حق.
هز رأسه بندم وهو يردد.
- بتحبني يا علي بتحبني.
ترك علي ونهض عندما لمح هدى التي تنظر له بأشفاق رغم غضبها منه.
ليتقدم نحوها بخطوات سريعة ويقول متوسلاً.
- هدى هي بتسمع كلامك كلميها خليها تسامحني.
- وحياتك يا هدى.
ليهز لها رأسه مؤكداً.
- أنا عارف أني غلطت بس والله أنا توبت يا هدى.
- حتى اسألي علي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو علي كأنه يستنجد به.
على التي وزعت نظرها بينه وبين علي بحيرة.
أشارت لعلي بعينها كي ينقذها من هذا الموقف.
- هدى أنا بحبها والله العظيم بعشقها خليها تسامحني.
- أنا روحي فيها ما أقدرش أعيش من غيرها.
تساقطت دموع هدى رغم محاولتها الصمود.
لكن حزنها على الاثنين تفاقم حتى لم تعد تتحمل رؤيته ينهار هكذا.
اقترب علي منه وشعور الآسى يتملكه على صديق عمره الذي يراه.
كأنه أصابه مس من الجنون.
هل هذا فارس القوي المغرور الذي لايهمه أحد يقف ذليل أمام هدى يتوسلها.
لقد أذله الحب.
أمسك يده وأحاط بيده الأخرى كتفه يسحبه نحو الخارج.
- تعالى يا فارس تعالى يا حبيبي سيبها تهدى وهي هتسامحك لما تعرف الحقيقة.
كلمات علي أعطته الأمل لينظر له مبتسم بلهفة.
- يعني هتسامحني يا علي مش كده؟
وكطفل صار يخبره بما يرضيه ليجعله ينصاع لأوامره.
- أيوه هتسامحك بس تعالى خلينا نروح الفيلا عشان ترتاح.
ردد كلمات علي كالمجنون بلا وعي.
- أيوه… أيوه هتسامحني لما تعرف الحقيقة وأن اللي حصل غصب عني.
أخذ يردد تلك الكلمات وكأنه يواسي قلبه ويقنعه حتى غادر مع علي.
ظلت هدى تنظر لأثره ولا تدري أتشفق عليه أم على شقيقتها أم على الاثنين معاً.
ثلاثة أيام مرت على تلك المواجهة حاولت فيهن هدى وندى إخراجها من حالة الحزن والشرود بشتى الطرق.
أعدن كعكة الشاي التي تحبها وكوب الشاي الذي تعشقه ودخلتا غرفتها لتجداها تجلس شاردة الذهن كالعادة.
نظرت هدى نحو ندى التي حركت رأسها بقلة حيلة.
لترسم ندى ابتسامة حزينة تداري خلفها قلقها على حال شقيقتها.
واقتربت من سريرها محاولة مداعبتها.
- بنت يا مشمش عملت لك الكيكة اللي بتحبيها.
لتجلس بجانبها وتنظر لندى مع استمرار شرود شمس التي يبدو أنها تغيب عنهم في عالم آخر.
اقتربت ندى لتجلس على الجهة الأخرى تحمل أكواب الشاي.
- وأنا يا مشمش عملت لك الشاي اللي بتحبيه.
ربتت هدى على ذراعها لتجعلها تنتبه.
- مشمش… يلا عشان تاكلي.
أخيراً انتبهت لوجودهم لتلتفت نحو هدى ببطء لتجدها تبتسم وهي ترفع قطعة من الكعكة أمامها.
- دوقي يا بنتي عمايل أختك.
تمتمت بخفوت.
- ماليش نفس.
دعت هدى الانزعاج وقالت تمثل الغضب.
- نعم مالكيش نفس بقالي ساعة في المطبخ بعملها عشانك وبعدين تقولي ماليش نفس.
دي حتى ورد تعبت معايا كده تزعل مني.
لتصيح ندى تمثل الانفعال وتقول بسخط مفتعل.
- أي دا يا ست هدى شايفة الأسامي بتتسرق عيني عينك اسم ورد عاوزاه لبنتي شوفيلك اسم تاني.
فهمت شمس أنهم يقصدون صغارهم ليبدأن في تمثيل مشاجرة يجذبن فيها شقيقتين.
- لا يا حبيبتي بنتي أكبر وأحق بالاسم من بنتك.
قالتها هدى بثقة استفزت ندى لترد.
- لا أنا الأم الأكبر والاسم من حق بنتي سميها على اسم حماتك.
- لا أنا عاجبني اسم ماما ماتسميها أنت يا أختي على اسم حماتك.
- لا أنت.
- أنت.
ليظهر شبح ابتسامة على وجه شمس وهي تحاول الفصل بينهم.
ثم هتفت بصوت مبحوح.
- بس أنت وهي كفاية هو أنتو لسه عرفتوا هو بنت ولا ولد.
أش
رواية بنات ورد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رشا عبد العزيز
خرجت من القطار الذي حملها نحو تلك المحافظة البعيدة لتخطو أول خطواتها نحو المجهول.
وقفت على أعتاب ذلك القطار ونظرت حولها لتبتسم وهي ترى تلك الصبية التي تلوح لها بيدها بقوة ثم قفزت في مكانها كي تجعلها تنتبه.
"اهمدي وبطلي تنطيط، كيف العيال الصغيرة أنتِ؟ مش شايفه الناس حوالينا."
قالها ذلك الشاب الواقف بجانبها.
التفتت نحوه لتعبس وجهها وتقول بهمس متذمرة:
"هو يعني كان لازم أمي تلزم عليا أن ألغتت دا يكون معاي."
تحركت شفتها بستهزاء تقلد كلام والدتها:
"بخاف عليكي أنتِ كبرتي يافرحه."
تجاهلت حديثه وعادت تلوح وهي تنادي على شمس:
"يا دكتورة …شموسة."
خطت شمس خطوات سريعة نحوها لتتقدم فرحه منها تحتضنها مرحبة:
"ياميت أهلا وسهلاً بالدكتورة."
بادلتها شمس العناق:
"اهلاً يافرحة وحشتيني."
"وأنتِ كمان والله ياغالية."
خرجت شمس من أحضانها لتتجه نظراتها نحو الشاب الذي يقف بجانبها بتساؤل.
فهمت فرحة نظراتها لتخبرها:
"دا جابر أبن عمي ياشموسة."
"الحمدالله على السلامة يادكتورة."
قالها جابر وهو ينظر نحو شمس مرحباً.
"متشكرة."
عادت بنظراتها نحو فرحة تسألها بشوق:
"خالتي نعمة أزيها؟"
"بخير الحمد الله دي هتفرح جوي لماتشوفك."
لتتسك مقبض الحقيبه تسحبه من يدها وتشير نحو جابر:
"سيبي الشنطة جابر هجيبها ورانا."
امتعض وجهه من طريقة أمرها ليزفر أنفاسه بقلة حيله يهمس بما وصل لمسامعها:
"الصبر منك يار"ب.
تبتسم وهي تتأبط ذراع شمس وتسيران معاً وهي تسألها عن شقيقاتها.
***
كان ينظر لهم بنظرات ضائعة يحاول استيعاب مايخبروه به. رحلت ولبلد آخر حتى هاتفها أغلق. هل تعاقبه بالهجر وما أقساه من عقاب؟ دموعه التي تجمدت في محجريه وقلبه الذي يأن بصمت. لم يعد يتحمل مايحدث له. عنيدة وقاسية حتماً عقابها سيكون مؤلم.
كان ينظر لآثار دموع شقيقتاها بخزي. حرمهم من شقيقتهم التي هربت منه.
كان الجميع ينظر له ينتظرون ردة فعله على ماحدث. اخفض عينه بندم أصبح يخنقه. عصيان دموعه التي باتت قريبه جعلها تقطر أمام الجميع تفضح ضعفه في بعدها. لكنه مسح عينه وأنفه ورفع عينه نحو شقيقاتها برجاء وأسف ليقول بصوت مختنق:
"عارف ان كلمة أسف ملهاش معنى بعد الي حصل ومش هتغير الي عملتو بس ماعادش بأيدي حاجة غيرها."
ضغط على أنفه يكتم عبراته وقال متوسلاً دون أن تواجه عينيه عيونهم:
"جايز الي بيشفعلي عندكم أن الي حصل غصب عني."
"مفيش حاجة أسمها غصب عني، أنت شربت كاسك بأرادتك."
جمله قالتها ندى بحده بعد أن اشتعل قلبها حزنا على شقيقتها لتلتقي عينيها بعين طارق الذي أشاح نظره عنها كأنه يهرب من الحقيقة التي جلدت فارس رغم علمه بها لكن محقة هي فيما قالت.
أومئ برأسة موافقاً وأخرج هاتفه من جيبه يضعه على الطاولة أمامهم:
"عندك حق بس ياريت تسمعي الكلام دا وتعرفي اني كنت رايح أنهى علاقتي بيهم وهمه خدعوني."
ضغط على زر التشغل ليظهر فديو يسرد فيه حازم تفاصيل ماحدث ماجعل علي وطارق ينظرون اليه نظرات لوم على تلك الرفقة التي لطالما حذروه منها.
انتهى الفديو لينظر فارس لندى ويقول:
"أنا بحبها ياندى بحبها أوي وكنت ناوي أتغير عشانها دا أنا حتى فكرت أكمل تعلمي عشان أكون مناسب ليها وعشان متخجلش في يوم لماتقول قدام الناس أنا دكتورة و جوزي معندوش شهادة. صدقيني ياندى شمس هي روحي الي راحت وسابتني ميت بالحياه."
صمتت ندى لاتعلم بماذا تجيبه. أتكرهه ام تشفق عليه وهي تبصر صدق حديثة.
ساد الصمت القات*ل بينهم قبل ان يقول بصوت ملئه الرجاء وغلفه الامل:
"ممكن أطلب منكم أني أعيش هنا عاوز احس بوجودها على الأقل هنا فيه مكانها الي لسة مليان بريحته."
تفاجئ الجميع من طلبه ونظرت ندى نحو شقيقتها لاتعلم بماذا تجيب لتلتقي عينها بعين طارق التي توسلتها أن توافق. التفتت نحو هدى التي أومئت لها بالموافقة لتحسم امرها وتخبره:
"واحنا موافقين اعتبر البيت بيتك لحد ماترجع."
ابتسم لها ابتسامة باهته عبر فيها عن امتنانه ودهش الجميع عندما وجدوه ينهض مباشرة ويقول:
"عن اذنكم."
واتجه نحو غرفتها وعيونهم تتبعه ليدخل غرفتها ويغلق الباب.
راقبت ندى علي الذي اتجة نحو هدى وضمها اليه يمسح على ذراعها برفق يواسيها. ورغما عنها تملكتها الحسرة. أين هو ولم يكلف نفسه حتى بمواساتها. كان يلاحظ نظراتها نحو شقيقتها وزوجها وأغمض عينيه. وهو يفكر في هذا الشرخ الذي حصل بينهم. اقترب منها هو الآخروفي خضم عواصف افكارها شعرت بيده تربت على يدها بحنان يحتضنها بين يديه. التفتت نحوه لتجده يبتسم ابتسامة مهزوزة.
ارتبكت وتبعثرت مشاعرها تختلط ببعضها لاتعلم هل تشعر بسعاده أم الحزن أم الحنان ولكن ترجمت كل هذه المشاعر بدموع ترقرقت في عينيها ليمد يده وهو يمرر إبهامه اسفل عينها يزيل تلك الدموع الدافئه ويعاتبها:
"خلاص ياندى كفايه عياط."
وكطفلة تشكو لوالدها ماتشعر به:
"هتوحشني."
شدد من ضمه ليدها وعاد يبتسم:
"خليها تهدى ياندى كدة أحسن لها."
"خايفة ماترجعشلي."
يحرك رأسه يؤكد لها وقد عاد يمسح دموعها التي أبت التوقف:
"هترجع صدقيني متخافيش شمس قويه."
صمتت وعينها معلقة بعينه لتسأله بأمل:
"تفتكر؟"
داعب وجنتها بحنان يطمئنها:
"اكيد مش هتفضل هربانه طول العمر."
اما في الداخل:
اتجه نحو سريرها وأصبح يتلمس مكانها وتمدد على السرير يحتضن وسادتها يستنشق عطرها العالق عليها.
اخذ نفساً عميقاً يعبئ رئته بعطرها وهو يردد:
"وحشتيني، روحتي فين ياشمسي؟"
***
"وصلت إلى ذلك المنزل القديم في إحدى القرى لتنزل من سيارة الأجرة فتغرس قدمها في تراب تلك الأرض الزراعية. تخبطت افكارها لاتعلم هل ماتفعله صحيح أم أنها غرست نفسها في الخطأ كما غرست قدمها في التراب.
اقتربت لتخرج تلك السيدة الطيبه تستقبلها تفتح لها ذراعيها وبخطى متشوقة اتجهت نحوها ترتمي بين ذراعيها.
"خالتي نعمة وحشتيني."
نعمة التي كانت تضمها بقوة:
"أهلاً ياغالية يابنت الغالييين."
أخرجتها من أحضانها تقبل وجنتيها:
"وحشتيني يابنتي تعاليل."
لتضع يدها خلف ظهرها تحثها على الدخول وتسألها عن شقيقاتها:
"أدخلي ياغاليه أخبار أخواتك أي؟"
دخلت شمس على استحياء نحو الداخل تبعتها نعمة وفرحة التي أشارت لجابر بأمر:
"هات الشنطة."
امتعض وجهه ليجذبها من ذراعها يصرخ بها بغضب:
"ما أنا مش خدام عند جنابك يافرحة."
هانمثم سلمها الحقيبة بقوه وقال:
"امسكي وراية شغل يامخبولة اتأخرت."
هزت رأسها وتمتمت بخفوت وهي تدعي الإزعاج:
"اخص على الرجالة الي بتخلي الستات تشتغل مكانه."
نظر لها بسخط وقال ساخراً وهو يدير رأسه يميناً ويساراً:
"هما فين الستات مش شايفهم؟!"
ليضرب رأسها بخفه ويقول يشاكسها:
"أنتِ ناقصك شنب وتبقي شبه أبوي."
ليع بس وجهها بضيق وكادت أن ترد عليه لكن أجفلها صوت صراخه:
"شلي يابنت وبلاش دلع ماسخ."
"ظالم وعديم رجولة."
تمتم بها وهي تنظر لآثره وتجز على أسنانها بغضب بعد أنا غادر وتركها تحمل الحقية عند الباب.
لتسحب الحقية نحو الداخل بضيق.
قضت ليلتها في هذا المكان بحرج رغم ان نعمة احتضنتها واستقبلتها بحفاوة كانت تتوقعهالكن لاتعلم لماذا خجلت من وجودها معهم وشعرت بالغربه والحنين لبيتها مكانها وشقيقاتها.
فتحت عينها بكسل فقد جافاها النوم ولم تستطع أن تنام سوى بضعة ساعات قليلة. تحاملت على نفسهاونهضت لتبتسم وهي تستمع لزقزقة الطيور وتشم رائحة الفطائر الريفية تتغلغل لأنفاسها بمتعه تعيد لها الذكريات فنعمة كانت دوماً ترفدهم بالفطير الفلاحي لانها تعلم بعشق ورد له فكلما زارتهم جلبت لها مجموعه من الفطائر.
نهضت متحمسة لتذوقه فتحت الشباك تنظر إلى تلك المساحة الخضراء بجانب المنزل القديم التي تزرعها الخالة نعمة بمجموعة من الخضار والنباتات الورقية.
أخذت نفساً عميقاً لتستمع الى تلك المعركة الناشبة بين فرحة وجابر:
"لمي إلسانك يابت أحسن اجطم رجبتك."
"ياسلام وهو يعني الي جولته غلط ما أنت طول عمرك مواعيدك زفت."
"زفت على دماغك يامخبولة بجولك جبت طالبات امي وطالباتكم عشاك كدة اتأخرت امسكِ يابنت وبلاش طولت لسان على الصبح."
ارتدت شمس حجابها وخرجت تشاهد هذا الشجار لذي لايزال ناشباً بينهما لكنه توقف عندما راها ليقول بحرج:
"صباح الخير يادكتورة."
"صباح الخير ياجابر كويس اني شفتك كنت عاوزك تدليني على الوحدة الصحية عشان استلم شغلي بكرة."
هز رأسه وقال :.
"أنا هاجي معاكِ يادكتور بكرة ادلك على المكان متشليش."
"همل."
تقول له بأمتنان:
"متشكرة ياجابر."
نظرت إلى فرحة المحتقن وجهها وقالت بأبتسامة:
"صباح الخير يافرحة."
ارتخت ملامحها وقالت تبادلها الإبتسامة:
"صباح الخير ياشموسة."
"أنت جيبت ياجابر."
كان هذا صوت نعمة القادم من غرفته ليهتف يجيبها:
"ايوة ياخالة."
"كتر خيرك يابني."
قالتها نعمة وهي تخرج من غرفتها لترى شمس الواقفة على استحياء فتتسع ابتسامتها:
"ياصباح الفل والياسمين على عيونك يابنتي."
"تسلمي ياخالة صباح النور."
لتتجه أنظارها نحو جابر الذي هرول نحوها عندما رأها بعد أن رمق فرحة بنظرة استياء:
"صباح الخير ياخالة جبتلك الحاجة."
قالها يمد لها يدة بكيس الأغراض لتدعو له وهي تلتقط منه الكيس:
"كتر خيرك يابني."
"أنتِ تؤمري مع السلامة."
قالها مغادراً ليتوقف قليلا أمام فرحة التي تربع يدها على صدرها بغضب وعينها تتبعه بضيق:
"مع السلامة يامخبولة."
تسارعت أنفاسها لتنفثهابغضب لكنه أسرع خطاه ايضاً لتفرغ غضبها في باب المنزل الذي أغلقته خلفه بقوة جعلت والدتها تجفل من صوت اغلاقه لتلومها موبخة:
"أنتِ يامجنونه حد يجفل الباب كدة."
لتحول نظرها نحو شمس قائلة:
"عملتك الفطير الي بتحبيه اغسلي وشك وتعالي نفطر سوا."
جلست على الأرض أمام المنضدة القصيرة(الطبلية) لتضع نعمة أمامها الفطير والعسل.
رغم حماسها لتناوله لكن لاح طيفه أمامها وذكرى ذلك اليوم الذي قضته معه تطرق رأسها وهي تتذكر كم ضحكو واستمتعو سوياً وكيف كان يطعمها بيده بين الحين والآخر رغم خجلها لكنها كانت سعيدة.
اختنقت بضطراب لكن صوت نعمة أعادها إلى الواقع:
"كلي يابنتي يله جبل مايبرد سمي بسم الله."
مدت يدها ببطئ واقتطعت قطعة صغيرة تدسها في العسل ثم رفعتها تدسها بفمها لتمضغها بصعوبه وكأن العسل أصبح مراً. بالكاد استطاعت ابتلاعها تداري تلك الدموع التي تهددها بالسقوط وضربات قلبها الذي يخفق بألم. وهي تتذكر كيف كان يعاملها كطفلته الصغيره. كل شيء أنهار في لحظه وأصبحت تلك الذكريات شراب للحزن بدل ان تكون دواء للسعادة.
***
"فتح عينه وأجفانه ترفض الانصياع ليضغط أكثر من مرة عليها حتى استطاع فتح عينه. ربما وسادتها التي يحتضنها كانت هي السبب في نومة كل تلك المدة. عاد يحتضنها بقوه ويستنشق عطرها بهيام.
التقط هاتفه ليرى رسالته التي لايعلم عددها. لم تصلها ا ذن لايزال هاتفها خارج التغطية.
نهض بحسد مثقل واتجه نحو الخارج تدور عينه في المكان ليرى طيفها يعانق خياله كلما تحرك في أركان تلك الشقة التي شهدت أجمل أيامه وأقساها. ليتجه نحو تلك الغرفة التي كانت مخصصة له خطى داخلها عينه تبحث عن شيء أخفاه منذ مدة. بحث بين أغراضه ليبتسم بلهفة عندما وجده ولم يكن سوى رباطة شعرها التي أخفاها عنها في إيطاليا ليقرّبها من أنفه يستنشق عطرها ويقبلها عدت مرات ليرتديها في يده فتحيط معصمه بأحكام. رفع يده أمام عينيه ثم عاد يقبله.
ليدور سؤال في عقله:
"ياترى البعاد هيطول ياشمس؟"
طرقات على الباب وصوت الجرس أفاقه من شروده. نهض يتجه نحو الباب ليفتحه فيجد علي يقف أمامه.
يرسم ابتسامة اتسعت عندما رأه:
"أبو الفوارس ازيك عامل أي؟"
"الحمد الله أدخل ياعلي."
سبقه نحو الداخل ليدخل علي ويغلق الباب خلفه. اتجه فارس نحو المطبخ ليهتف:
"تشرب شاي ياعلي."
"أشرب يافارس."
أجابه علي وهو يجلس على أحدى الارائك في الصاله. وقف يعد الشاي ليخرج أكواب ووضعها على الطاولة ثم أحضر علبه السكر ليبتسم وهو يتذكر جملتها:
"أنا مابحبش سكر كتير."
ليتنهد بيأس ويقول:
"حياتي من غيرك ملهاش طعم."
عاد يحمل أكواب الشاي ليضعها امام علي الذي بدى عليه الاظطراب. جلس فارس بجانبه وسأله بريبة:
"مالك ياعلي شكلك عاوز تقول حاجة."
مد علي يده في جيب سترته وأخرج الظرف الذي اعطته له شمس ليمد يده يسلمه لفارس:
"شمس وصتني اسلمك دا قبل ما تمشي."
التقطه منه بلهفة ينظره له ليفتحه ويخرج تلك الرسالة التي بداخله.
أمسك تلك الورقة بيد مرتعشة وعينيه تتنقل بين حروفها بشوق تخلله القلق. ارتجف قلبة بخوف من مضمونها. وسقطت كل أماله كلما غاص بكلماتها:
"الحكايه كدة انتهت يا أبن عمي وأظن النهاية كانت واضحة من البداية بس أنا غبية وصدقت أن النهاية هتكون بشكل تاني.
على العموم اتفاقنة لسة زي ماهو ووعدي ليك هنفذو. ورثي مقابل الطلاق. بس ياريت نغير بنود الاتفاق. طلقني دلوقت وأوعدك ان الورث من نصيبك. مستعدة لكل الضمنات."
أصبحت الرؤية ضبابية أم عينه ترفض الرؤيا بعد أن قرأ تلك الكلمة التي احرقت قلبة. ام دخان هذا القلب المحترق حجبت كلماتها الباقية عن ناضره يرفض تصديق او حتى استيعاب ما يقرأه. غبية هي عندما تخيلت أن أموال الدنيا بأكملها ممن أن تعادل عنده شعرة من شعرات رأسها.
أغمض عينيه يعتصرها بقوة عله يستطيع قرأت الباقي.
فتحهاليجد أن كلماتها الأخيرة كانت أقسى ماكتبت:
"متشكرة يا أبن عمي عشان أكدتلي اني كنت على حق. مفيش حاجة أسمها حب. والحب هو سبب تعاسة الإنسان وألمه."
جعد تلك الورقه وعتصرها بين يديه بقوة لتحتد عينيه يهمس بتحدي:
"أسف ياحبيبتي الاتفاق دا ماعادش له وجود. انت هتفضلي مراتي لحد ما أموت."
كانت تقف في المطبخ تعد الطعام عندما سمعت صوت طرقات على الباب. أغلقت الموقد واتجهت نحو الباب.
بتفكر بدهشه من يطرق باب جناحهم في هذا الوقت. فتحت الباب لتقف متسمرة وهي تجد والدة علي تقف أمام الباب:
"ازيك ياهدى؟"
أربكتها المفاجئه لتتلعثم وهي تقول:
"اهلا …اهلا يا ماما اتفضلي."
أزاحت جسدها مبتعدة عن الباب لتدخل والدة علي نحو الداخل وتجلس على الأريكة.
وقفت هدى أمامها وقالت بأحترام:
"نورتينا ياماما تحبي تشربي أي؟"
لوحت بيدها رافضة وأشارت نحو هدى للجلوس:
"مش عاوزه حاجة اقعدي."
جلست هدى على الكرسي القريب منها تنظر بدهشة لتلك الأكياس التي وضعتها أمامها بأستغراب.
زال وحلت محله البهجة عندما وجدتها تخرج ملابس أطفال حديثي الولادة تتسم بالون الأبيض تمد يدها وتريها إياها:
"احنا مانعرفش أي هو نوعه لكن أنا بحب اللون الأبيض للمولود الجديد. علي كان بيلبس أبيض بس أول متولد. شفتهم في المول وحبيتهم أوي.."
التقطت هدى الملابس تتطلع لهم بشغف تمرر اصابعها عليهم وتتلمس نعومة القماش لتلسع الدموع عينها وهي تمرر قماشها على خدها تتحسس نعومتها وتستنش عطر الأطفال الذي تحمله. خفق قلبها بشوق لتلك اللحظه التي ستحمل بها صغيرها وتستنشق عطره.
نظرت نحو والدة علي التي رغم انها ترسم الجمود على وجهها لكن عينيها تنطق بالفرحة لتسألها ببرود:
"عجبوكي؟"
"لتمسّكها هدى تضعها امام عينيها مبتهجة وهي تقول بأمتنان:
"حلوين اوي اوي ياماما متشكره."
لتبتسم والدة علي وهي تتذكر حالها و فرحتها عندما كانت في نفس موقفها.
***
"جلست على الكرسي وسط العشب والزرع ورائحة الريحان الذي زرع في احد أركان الحديقة تضرب أنفاسها وتنعشها. أحكمت غلق وشاحها حول جسدها بعد أن داعبتها نسائم الرياح الباردة لتنظر نحو السماء تطالع تلك النجوم التي تلألأت في تلك الليلة الصافية لتضحك بخفة وهي تتذكر كلام هدى عندما كانو صغار فقد كانت تختار نجمه وتخبرهم أنها صاحبتها لتعود في اليوم التالي تبحث عنها فتجدها قد اختفت. فتصرخ بعلو صوتها تسأل النجوم الأخرى عن نجمتها التي اختفت..
تطلعت نحو النجوم بتمعن لتقول وكانها تتوسلها:
"ياترى اخواتي يقدرو يشوفوك."
ليزوغ بصرها نحو الفراغ كأنها تسأل النجوم:
"ياترى عملو أي بعد ماسافرت؟"
"أنتِ هنا وأنا بدور عليك."
كان هذا صوت فرحة القادمة نحوها لتلتفت لها شمس مبتسمة.
"الجو حلو قلت أقعد شوية."
"عندك حج الجو حلو جوي."
تربعت تجلس على الأرض وتحرك يدها على العشب الرطب بجانبها:
"تعرفي ياشموسة رغم اني بعشج الأرض لكن نفسي أعيش في القاهره نفسي أشوف الشوارع الجميله و البنايات العاليه والمحلات الكتيرة نفسي البس زي البنات هناك."
ثم أغمضت عينها وعادت تفتحها وتقول بتمني:
"ياسلام لو أتجوز واحد من القاهره يخرجني من الصعيد."
ضحكت شمس على حديثها وقالت:
"بس الحياه في الصعيد جميلة وهادية."
تنهدت بقلة حيلة وقالت بحسرة:
"نفسي اشوف دنيا ياشموسه أعيش زي البنات الي بشوفهم على النت نفسي احب واتحب."
ثم التفتت نحو شمس لتسألها مستفسرة:
"هو أنت اتجوزتي عن حب والا صالونات."
تبخرت ابتسامتها التي كانت تزين وجهها وابتلعت غصه بطعم الخذلان وهي تقول:
"اتجوزت ابن عمي."
نظرت فرحة شفتها بسخط وقالت متهكمة:
"يعني جواز قرايب…"
أومئت رأسها بموافقة لتعاود فرحة سؤالها:
"طب بتحبو بعض؟"
ضغطت فرحه على جرحها النازف من دون قصد لتتوتر وتغير مجرى الحديث حين قالت:
"انت مكملتيش تعليم ليه يافرحة.؟!"
زمت شفتها بعبوس طفولي وقالت بأنزعاج:
"أنا بكره المدرسة عافرت في تالته إعدادي وطلعت منها بالعافيه قلت خلاص بسك ياعلام."
"طب ماكنتي كملتي جايز كنت قدرتي تروحي الجامعة."
شهقت بتعجب ثم لطمت على صدرها تمثل المفاجئة:
"يلهوي بنتنا تروح الجامعه وتعيش في سكن الطالبات لايمكن ابداً."
ثم تمتمت بأنفعال ساخرة:
"عيلتنا افكارها غريبه مع أن ولاد أعمامي كلهم عندهم شهادة بس البنات كبيرهم تعليم متوسط."
قطبت شمس حاجبيها وقالت بأستغراب:
"افتكرت الحجات دي بطلت في الصعيد!"
"إهي بطلت عند ناس وناس لا لسه دماغها ناشفة شايلين التفكير بتاع زمان."
مطت شمس شفتها ورفعت كتفها بعدم معرفه لتقول بتفكير:
"جايز …"
ثم أردفت تسألها:
"يعني جابر عنده شهادة؟"
أجابتها فرحة وهي تتلاعب بالعشب الذي قطفته تقطعه لأجزاء صغير وتجيب عليها:
"ايوه خريج تجارة بس جابر بيشتغل في الأرض بيجول دي ورث اجدادنا لو محافظناش عليها مين الي هيحافظ عليها."
نظرت لها شمس وقالت بأستحسان:
"طب والله جدع وكلامة صح."
عبس وجه فرحة من مدحها له وقالت متذمرة:
"جدع بس غتت ودمه تقيل."
ضحكت شمس على وصفها وعبوس وجهها.
***
"جلست تصحح أوراق تلاميذها وتشاهد مسلسلها المفضل عندما سمعت هاتفها يعلن عن وصول رسائل. لتلتقطه بلهفة ظناً منها أنها شمس لكن وجدتها من رقم غريب فتحتها بضطراب.
ليقبض قلبها بضيق وهي تقرأ محتواها:
"مساء الخير ياعروسة وحشتيني. إزيك وازي الدكتور المحترم. طارق فكرة اللون الكحلي عليه يجنن طالع وإلا نجوم السيما."
ابتلعت ريقها بخوف لكنها تذكرت ان طارق ارتدى بدلة بالون الرمادي الغامق لتتنهد بطمئنان وتلقي الهاتف بعيداً عنها.
ليمر بعض الوقت وتسمع صوت المفتاح ليدخل استدارت تنظر إليه لتتسع عينها وهي تجدة يرتدي سترة بالون الكحلي.
تجهت نحوه وسألته بحيره:
"هو انت مش خرجت وانت ألابس بدلة بلون تاني؟"
قطب حاجبيه يلومها:
"طب قوليلي الحمد الله على السلامة."
ارتبكت بأحراج وقالت متلعثمة:
"الحمد الله على السلامة …بس جاوبني على سؤالي."
ارتفع حاجبيه بدهشة من إصرارها لكنه أجابها:
"أبداً. ياستي هشام دكتور زميلي عجبو الجاكت بدلت معاه عشان كان عاوز يقابل بيها خطبتو."
قالها وهو يجلس على الكرسي ويخلع حذائه بتعب.
تسلل الشك لقلبها للحظات قبل أن تنفض تلك الأفكار وتقنع نفسها أن من يراقبها قد رأه وأرسل لها تلك الرسالة.
تطلعت إليه وابتسمت تخبر قلبها الذي يعشقه:
"طارق محترم مستحيل يعمل حاجة غلط."
رواية بنات ورد الفصل الثلاثون 30 - بقلم رشا عبد العزيز
صباح أشرق عليها بأمل وجديد. في ذلك المكان البعيد، فتحت عينيها وهمت بالنهوض، تقنع نفسها أنها ستعود من جديد. شمس التي تركض خلف طموحها ومستقبلها، وستنزع عنها عباءة الحب وتجرد قلبها من تلك المشاعر ولو بالقوة. لن ترضخ لذلك القلب الغبي الذي أطاح بكرامتها. سيعود عقلها يمسك زمام الأمور من جديد.
كانت تكرر تلك الكلمات على نفسها، تقنع عقلها بأنه الأقوى، وتدعس على خافقها كي ينساق خلف عقله. درس تلقنه كل يوم لذلك القلب كي يحفظه وينسى عناده وتخاذله.
ارتدت ملابسها وحملت أوراق تكليفها لتجد هاتفها الذي لم تفتحه منذ يومين. التقطته بتردد، لكنها أعادته مكانه مرة أخرى. لن تضعف، فلا مجال للتراجع عن قرار حُسم منذ أن حطت قدماها محطة القطار.
خرجت لترحب بها نعمة كعادتها.
"يا صباح الفل والورد والياسمين على ست البنات."
"صباح الخير يا خالة."
"يلا تعالي افطري معايا، حماتك بتحبك."
قالتها نعمة وهي تشير لها نحو الطعام الموضوع أمامها.
"الله يرحمها."
همست بها شمس ليخفق ذلك القابع بين أضلعها وهي تتذكر انهياره بين يديها حزناً على والدته. لتنهره موبخة ذلك القلب الذي يرفض تعلم الدرس.
"يلا يا شمس، الوكل هيبرد."
جلست تتناول هذا الإفطار الشهي لتجد فرحة تحضر أطباقاً إضافية فيها بيض مسلوق وبعض الجبن.
"صباح الخير يا شموسة."
"صباح الخير يا فرحة."
كانت تتناول الإفطار وتنظر إلى ساعة يدها بين الحين والآخر.
"مواعيده زفت، هو كده دايماً."
ضحكت شمس على وصفها وفهمت من تقصد.
"يا ستي كتر خيره إنه هيجي معايا."
قطبت نعمة حاجبيها وقالت مستفهمة.
"إنتو تقصدوا مين؟"
"جابر الغتت، هو فيه غيره."
قالتها فرحة بسرعة لتلاقي التوبيخ المباشر من والدتها.
"اتلمي يابت، متجوليش الكلام العفش ده على ابن عمك، دا كتر خيره شايلنا فوج راسه وشايف طلباتنا من يوم ما أخوكِ فرج سافر."
حشرجت اللقمة في فمها لتبتلعها بصعوبة بعد ذكرهم لاسمه. كم كانت سعيدة عندما علمت بسفره. فرج ذلك الصبي الصغير الذي كان السبب في وفاة والدها عندما أنقذه ليرحل هو. ورغم أنه كان صغير ولا يعي شيئاً، لكنها كانت تحس بالغضب كلما ذكر اسمه.
طرقات على الباب أعادتها من ذكرياتها لتركض فرحة نحو الباب تفتحه فتجده أمامها يقف بابتسامته السمجة.
"صباح الخير."
لتجيبه باقتضاب.
"أهلاً."
"الدكتورة جاهزة؟"
"أيوه."
استفزته طريقة حديثها ليصرخ بها.
"مالك يا بت بتجاوبي كده ليه؟"
"ماليش."
"فرحة ياحببتي تحبي أديكي كف أرجعلك إعداداتك من جديد بدل ما أنتي عمالة تجطعي كده."
قالها ملوحاً بكف يده لتشهق هي معترضة.
"ليه إن شاء الله تديني كف، كنت عيلة عشان أسكت إياك."
"صباح الخير يا جابر."
صوت شمس المبتسمة أنهت الحرب الدائرة بين الاثنين.
"صباح الخير يا دكتورة، اتفضلي."
قالها مشيراً إلى سيارة الأجرة التي تقف أمام الباب لتتجاوزه شمس متجهة نحو السيارة. فالتفت هو نحو فرحة يشير لها بيده متوعداً.
"ماشي يا فرحة، حسابك بعدين."
استدار لتخرج هي لسانها مستهزئة بوعيده، حتى عاد يلتفت نحوها بشكل مفاجئ لتضع يدها على فمها بسرعة.
ركب السيارة مع شمس، لكن عيناه كانت تتبعها بحنق لتدخل إلى المنزل وتغلق الباب خلفها ليتمتم بهمس.
"ماشي يا فرحة."
وصلت إلى الوحدة الصحية التي كانت عبارة عن بناية بسيطة لتدخل إلى المكان المخصص فتجد طبيباً يجلس على مكتبه مندمجاً مع بعض الأوراق.
"صباح الخير."
رفع عيناه عن الأوراق التي يطالعها وخلع عنه النظارة الطبية يضعها جانباً.
"صباح النور."
لتعرف شمس نفسها وهي تمد يدها له بأوراق تكليفها.
"أنا الدكتورة شمس حسين الجوهري، دكتورة مكلفة في الوحدة هنا عندكم."
نهض الطبيب مرحباً بها وهو يلتقط منها الأوراق.
"أهلاً يا دكتورة، اتفضلي، أنا دكتور وائل مسؤول الوحدة هنا."
"أهلاً يا دكتور."
جلست شمس قليلاً حتى أنهى وائل أوراقها ليدخلها على المكان الذي ستباشر عملها فيه.
وصلت إلى حيث أشار لها لتجد فتاة ممتلئة قليلاً ترتدي زياً طبياً، كانت ملامحها جميلة. تجلس تقطب جرحاً في جبهة فتاة هزيلة الجسد، شاحبة الملامح رغم صغر سنها.
لتسمع الفتاة الممتلئة توبخها.
"إنت يا ولية مش هتتعظي غير لما يجيب أجلك."
لترد الأخرى بوهن.
"وانا هاعمل إيه يا زهرة بس، أهلي كل ما اشتكيلهم يقولوا استحملي، هتتطلقي بعد سنة جواز."
"يا جميلة، أنتي كل مرة بتنضربي أوحش من اللي قبلها يا بنتي، خايفة في مرة يجيب أجلك."
"وانا إيه اللي في إيدي أعمله، وهو كل ما يتعصب يضربني."
لتصيح بها زهرة غاضبة.
"يا ولية دا أنتِ مساطة مرتين على يده، مستنية إيه."
تساقطت دموعها بقهر لتقول.
"أهلي بيقولوا راجل ومرته عادي، وغطى عليه مدام مكفيكي أكل وشرب، استحملي مسيره يتغير."
ربطت رأسها بالشاش تتمتم بانفعال.
"حطيت إيدي في الشج منك ومن أهلك اللي ما عندهمش رحمة دول، مستنيين إيه ترجعيلهم بكفن."
لتقول بسخرية حزينة.
"عايزين يخلصوا من حِمْلي."
"يجوموا يحطوكِ في النار، هي جت على لجمتك يابت."
نظرت لها وخرجت كلماتها بعجز.
"أهلي شايلين هم كلام الناس أكتر ما هم شايلين هم وجع."
نظرت لها زهرة بأشفاق وقالت لها وهي تربت على كتفها.
"ربنا يهديه ويصلح حاله، قاسم البغل ده."
ابتسمت جميلة ابتسامة باهتة وشكرتها.
"متشكرة يا زهرة، ربنا ما يحرمني منك يارب."
التفت جميلة لتغادر لتجد شمس تقف أمامها.
"صباح الخير."
التفتت زهرة نحو مصدر الصوت.
"صباح النور، أهلًا…."
"عن إذنك…"
"مع السلامة."
قالتها جميلة وغادرت لتهتف زهرة خلفها.
"خلي بالك من نفسك يا بت."
ثم حولت نظرها نحو شمس.
"شمس حسين الجوهري…دكتورة تكليف عندكم."
شقّت ابتسامة كبيرة وجه زهرة وهي تلقي عليها التحية.
"يا ألف أهلًا وسهلًا يا دكتورة…أخيرًا يا دكتورة، دا احنا كنا مستنينك، فيه نقص في عدد الدكاترة هنا."
بادلتها شمس الابتسامة.
"أهلًا بيك…واديني جيت يا ستي."
***
وقف طارق بعيداً يشاهده وهو يخرج من قسم شؤون الموظفين ويبدو العبوس على وجهه. تأكد أنه جاء يبحث عنها ومن المؤكد أن الموظف استمع لطلبه ولم يخبره بمكانها بعدما أوصاه هو بذلك. اعتصره قلبه وتآكله الحزن وهو يجد شقيقه بوجه شاحب وعيون ذابلة، لكنه ربط على قلبه بحزم يوصي قلبه بعدم الضعف كي لايخذلها هو أيضاً، ليدعو بهمس.
"ربنا يهديكم ويصلح حالكم."
كان ينهك نفسه بالعمل كي يتمكن من النوم عندما يعود. ربما إجهاد العمل يجبر عينيه على النوم. دخل الشقة في وقت متأخر، أخذ حماماً دافئاً ثم اتجه نحو غرفتها لينام هناك كما اعتاد منذ أن طلب من ندى وهدى المكوث في منزلهم. أصبح سريرها ووسادتها الملاذ الآمن بالنسبة له، لم يعد يستطيع النوم إلا وهو يحتضن وسادته.
دخل إلى الغرفة واتجه نحو ذلك الدب الموضوع بالقرب من طاولة القراءة. بدأ يتلمسه ويتذكر كم كانت سعيدة عندما أحضر لها هذه الدمية. ضغط على زر التشغيل وابتسم بحزن وهو يسمع اعترافه بحبها. ثم لفت انتباهه صندوق موضوع على الطاولة. سحب الكرسي وجلس، جذب الصندوق نحوه وفتحه ليجد نسخة من القرآن الكريم. التقطه وقبله ثم وضعه جانباً عندما لمح تلك الورقة المطوية والموضوعة تحته. رفعها يقرّبها من أنفه ويستنشق عبيرها. فتحها ليرتجف قلبه وتتجمع الدموع بعينيه وهو يقرأ الدعاء الذي كتبته عليها.
(يارب أهدي فارس وأصلح حاله، يارب أنا بحبه أوي أوي، يارب ابعده عن الحرام، يارب نفسي أقوله إني بحبه بس خايفة، يارب أصلح حاله عشان نبتدي أنا وهو صفحة جديدة ونعمل العيلة اللي بنحلم بيها إحنا الاتنين، يارب يكون عوضي عن حنان أبويا زي ما ماما دعتلي وأكون عوضه عن حنان أمه.)
(يارب لما أفتح الورقة دي تاني يكون حاله أتغير.)
تساقطت دموعه على تلك الورقة وهو يقول.
"حالنا اتغير يا شمس وبعدنا عن بعض وأنا السبب يا روحي. للدرجة دي كنتِ بتحبيني وأنا أذيتك يا قلب حبيبك."
أعاد قراءة الدعاء ثم مسح دموعه وأمسك المصحف، فتح أول ورقة وقرأ سورة الفاتحة كأنه يعلن بداية جديدة لنفسه.
شهران مرا على تلك الأحداث. لقد اشتاقت لأخواتها، فهي لم تتصل بهم منذ أن غادرت، وطريقة التواصل من خلال نجوى التي اتصلت بها مرات قليلة، تغلق بعدها الهاتف بمجرد أن تطمئن على شقيقاتها.
داهمها ذلك الدوار مرة أخرى وأقلقها غياب الدورة الشهرية، لكنها أوعزت ذلك إلى تغير هرموني ربما حدث لها بسبب ضعف حالتها الصحية. لكن هناك فكرة مخيفة ظلت تطرق رأسها وتنفضها عنها عدة مرات بخوف. لا تريد التصديق.
نهضت بسرعة ليداهمها الدوار من جديد لتتمسك بطاولة مكتبها حتى استعادت توازنها. وابتعدت بوهن تائهة. سارت بلا وعي حتى اقتربت من صيدلية الوحدة لتطلب اختبار حمل. وغادرت نحو منزل الخالة نعمة.
دخلت غرفتها تحمل ذلك الاختبار بعد إجرائه ووضعته على الطاولة تنتظر النتيجة. جلست على السرير بعيداً. تلك الخمس دقائق من الانتظار مرت عليها كأنها دهر من الزمان. تسارعت أنفاسها باضطراب وارتجف جسدها كلما دنت نهاية الوقت. تمنت لو تستطيع إيقاف عقارب الساعة.
لكن المدة انتهت ويدها تتشبث بحافة السرير كأن قدمها تيبست. لملمت شجاعتها ونهضت لتمسكه بخوف. شهقة شقت صدرها بألم لتصعقها الصدمة. وضعت يدها على فمها وهزت رأسها يميناً ويساراً ترفض تصديق تلك الحقيقة. هي تحمل قطعة منه، زرع داخلها نطفته كما زرع جرحه في قلبها. صرخت بلا وعي.
"لا، مش ممكن… مش ممكن."
لترفع يدها تحاول ضرب بطنها بقوة عل ذلك الذي بدأ ينبض داخلها يتركها وتتخلص منه. هوت يدها لكنها تجمدت يدها وهي تعاتب نفسها.
"هتقتلي ابنك يا شمس."
لترفع يدها تلطم وجنتها بقوة عدة مرات كأنها تعاقب نفسها.
"مش هاقدر أعملها، مش هقدر."
انسابت دموعها بعجز واتجهت نحو السرير لتدفن رأسها في وسادتها وتصرخ بقوة علها تخرج ألمها.
"ليه مش راضي تسيبني في حالي؟ ليه؟"
صرخت بهستيريا وجسدها يرتعش من هول ما حدث. قدرها ارتبط بقدره رغماً عنها.
وصلت صرخاتها المكتومة إلى الخارج ليدب القلق في قلب نعمة التي هرولت نحوها بقلق. فتحت الباب لتنصدم وهي تجدها تدفن رأسها في وسادتها وصراخها يعلو وشهقات بكائها تفصل بين صرخة وأخرى. اتجهت نحوها برعب جلست على السرير وجذبتها نحو أحضانها تضمها تسألها بخوف.
"مالك يا ضنايا بتبكي ليه؟"
تشبثت بأحضان نعمة وزاد نحيبها وتدفن رأسها بين أحضانها لتصرخ بها نعمة بهلع.
"يا بنت اتكلمي، وحياة جلبي هيوجف."
للتخرج كلماتها بقهر.
"مش راضي يسيبني في حالي يا خالة."
قطبت حاجبيها وصاحت بغضب.
"هو مين يا بنتي، جوليلي هو مين واجطملك رقبته."
خرجت من أحضانها وحركت رأسها يميناً ويساراً وهي تضع يدها على فمها تكتم عبراتها.
"كنت فاكرة الحكاية انتهت، اتاريها بتبتدي…. كنت فاكرة إني هقدر أهرب منه، ربطني معاه غصب عنيا."
ازدادت حيرة نعمة لتقبض على كتفيها بقوة تجبرها على النظر إليها بعد أن شعرت أنها على أعتاب حالة من الانهيار والهستيريا لتقول لها متوسلة.
"يا بنتي ريحي جلبي وفهميني، ورحمة أمك أنا خايفة جوي. إنتِ بتتكلمي عن مين."
لتتأوه بحرقة وهي تخبرها علها تخرج النار التي نشبت في قلبها قبل جسدها لتغمض عينها بعد أن فاضت دموعها.
"آه… آه…. يا خالة، بتكلم عن حبيبي اللي دبح*ني."
لطمت نعمة صدرها بدهشة وقالت.
"يللهوي… يلللهوي… حبيبك ودبح*ك. إنتِ بتتكلمي عن مين، انطقي يابنت ورد."
نظرت لها نظرة ضائعة لتقول ما جعل نعمة تشهق وتضع يدها على فمها.
"أنا حامل يا خالة."
بهتت ملامح نعمة لتسألها مستفهمة.
"يا بتي إنتِ مش متجوزة؟ وجوزك مسافر زي ما قولتي، أمال إيه حكاية حبيبك دي، طمنيني يابنتي أنا الشيطان بيلعب في دماغي، أتكلمي يابت ورد."
ومن بين شهقاتها قالت بصوت بح من شدة البكاء.
"حامل من جوزي يا خالة."
وضعت يدها على صدرها وتنهدت بارتياح تحمد الله ثم قالت تلومها.
"أمال بتعيطي ليه عاد؟"
مسحت دموعها وقالت لها بخجل.
"أصلك متعرفيش الحمل دا حصل إزاي."
لتبدأ شمس بسرد حكايتها مع فارس، لتختم حديثها بكسرة.
"عرفتي ليه أنا بعيط يا خالة."
"بتحبيه يا بنتي؟"
سؤال طرحته نعمة بعد أن أبصرت عشقها له في وميض عينيها حتى لو أنكرته لسانها.
ضمت كف يدها ورفعته تضرب موقع قلبها كأنها توبخه.
"قلبي الغبي مش عارف يكرهه، ياريتني أقدر أخرج قلبي من بين ضلوعي وأدوس عليه عشان يبطل يحبه ويعشقه. ياريتني أقدر أكرهه."
لتضع يديها على وجهها وتنهار باكية.
اقتربت منها نعمة مرة أخرى وضمتها من جديد تواسيها لتسألها.
"ما تسامحيه يا بنتي، مش انتِ بتجولي مكانش واعي."
رفعت عيناها نحوها ببطء وقالت بقهر.
"بس أنا كنت واعية وشوفته وهو بينهش جسمي."
مدت نعمة يدها تمسح دموعها وتذكرها بوضعها الجديد.
"بس يا بنتي انتوا النهاردة بينكم عيل، ذنبه إيه؟"
ضاعت نظراتها بين الماضي والمستقبل لاتعلم بماذا تجيبها لتردد نعمة.
"طب ماهو دلوجت لازم يعرف إنك شايلة حتة منه."
"لأ."
قالتها بسرعة وحدة توقعتها نعمة من تلك العنيدة.
"مش هيعرف، دا ابني وأنا اللي هربيه، مش محتاجة وجوده معايا."
"أيوه بس هو هيعوز أبوه."
طرقت نعمة على الجزء الذي تحاول تناسيه، هل ستحرم صغيرها من والده كما حرمت هي من والدها؟ لكن كرامتها ركلت تلك الفكرة بعيداً، هي لن تحتاج لأب مثله لولدها.
"مش هاخليه يعوزه، أنا هاعوضه."
من لم يذق طعم الحلوى لن يعرف حلاوتها، سيعيش حياته من دون أب إذاً. لم يعرف جمال الحياة بوجوده. هكذا أقنعت نفسها.
تنهدت نعمة بيأس وعلمت أن جرحها لا يزال ينزف، فل تتركه للأيام، علَّ النسيان يداويه.
"ربنا يهديكي يا بنت ورد."
***
كان منغمس بين المراجع والكتب يستعد لإلقاء محاضرته بعد قليل. لملم أغراضه وارتدى نظارته الطبية، يراجع آخر الفقرات ثم وضع تلك الأوراق في حقيبته اليدوية وخرج من غرفته ليجدها تقف أمامه. قطب حاجبه بانزعاج وتحدث إليها بحدة.
"انتِ مش في المدرج ليه يا روان؟ مش عندك محاضرة دلوقتي؟"
توترت وقالت تشرح له.
"كنت عاوزة أسلم حضرتك البحث."
قالتها وهي تمد يدها له ببحث آخر. نظر لها ثم نظر للبحث وقال يوبخها.
"هو أنا مش قولت تلتفتي لدروسك أحسن."
ارتبكت ورسمت ابتسامة مهزوزة لتخرج حروفها متقطعة.
"اصل انت عارف حضرتك القناة وبصراحة المشاهدات زادت، لازم استمر وأنا عاوزة أنفع الناس يا دكتور."
تجاوزها وسار يخبرها.
"اتخرجي يا روان وانفعي الناس بعدين."
ارتجفت يدها بانفعال بعد أن سحبت خيوط الكذبة الجديدة من يديها، لكنها لم تيأس ولحقت به بخطى سريعة محاولة استعطافه.
"طب يا فندم ممكن تشترك حضرتك معايا وأعرض معلومات عن طريقك، مش شرط فيديو، ممكن معلومات كتابية وأنا هاعرضهم بطريقتك."
كان الجمود يسيطر على قسمات وجهه، لكنها استمرت في محاولاتها.
"يا دكتور أنا لو وقفت دلوقتي هخسر المتابعين وبصراحة القناة بتجيب ربح والربح دا بيروح لمستشفى الأورام. ارجوك يا دكتور متقطعش الخير دا عن الناس، اعتبرها حاجة إنسانية."
تأفف بحنق والتفت نحوها بسرعة وصاح بصوت عالي نسبياً.
"عاوزة إيه دلوقتي يا روان؟"
لمعت عيناها بخبث وقالت.
"تشترك معايا في القناة ولو ممكن رابط يقدر الناس يبعتولك أسئلة وتجاوب عليها، إيه رأيك يا دكتور؟"
صمت لحظات وعيناها معلقة به تنتظر إجابته.
"هشوف الحكاية دي بعدين، خليني ألحق محاضرتي."
ابتسمت ابتسامة انتصار بعد أن لاح لها موافقته لتدق أول مسمار في نعش سقوطها بين يديها وتخطو أول خطوة للوصول لمبتغاها.
***
ليمر شهر آخر على الجميع. فتحت عيناها بيأس بعد أن جافاها النوم وأبت عيناها أن يسرقها النعاس نحو النوم كي تخطف ولو دقائق منه كأنها تعانده.
نهضت بثقل، وضعت حجابها على رأسها بإهمال وسحبت ذلك الوشاح الصوفي الموضوع على حافة سريرها وأحاطت جسدها به لتخرج من الغرفة نحو باب المنزل القديم. فتحته ببطء لتغمض عينيها بعد أن أصدر صريراً كسر هدوء المكان لتوقفه بيدها حتى لا يوقظ صوته أولئك النائمين بعمق.
خرجت من فتحة الباب الصغيرة التي صنعتها تمرر جسدها بصعوبة من خلالها. خرجت لتستقبلها رائحة العشب الرطبة. أخذت نفساً عميقاً أغمضت عينيها تضم جسدها بيديها، سامحة لنسمات الهواء الباردة أن تداعب وجنتيها تنعشها علها تستطيع أن تطهر جروحها التي أبت أن تندمل رغم مرور تلك الأيام.
ظلت تغمض عيناها تستجدي من عقلها النسيان، حتى شعرت بتلك القطرة الباردة التي سقطت على وجنتها تغازلها بلطف. فتحت عينها لتجد السماء تمطر باستحياء كأن الشتاء يعلن رحيله، يحمل معه ذكرياتها وأحلامها وجراح لازالت تنزف، تعكر أي مذاق للسعادة.
فاحت رائحة التراب الذي لامسته قطرات المطر لتأخذ نفساً آخر وتزفره بشدة. ربما تخرج معه النيران المشتعلة في جسدها. ثم مدت يدها تلامس بطنها تتحسس ذلك الذي بدأ ينمو بين أحشائها ببطء. تستشعر وجوده وتبتسم بتلقائية. ابتسامة قهر وحسرة وطيف ذلك البعيد يزورها. تسارعت أنفاسها وصدى صوته يتردد في أذنها وهو ينادي عليها. ارتجف خافقها شوقاً له لتستفيق كرامتها تصفع ذلك الخائن وتذكره بما فعله بها، وهل يمنحه الغفران بعد أن ذ*بح روحها؟ رغم سماعها لمبررات نجوى وقصة ذلك التسجيل الذي سمعته ندى وهدى، لكن كل هذا لا يشفع ما فعله بها. ألم تطلب منه تركهم؟ ألم تتوسله أن يتغير؟ هو اختار العودة لهم وشرب كأسه الأخير معهم رغم وعده لها.
قطرات المطر التي كانت تسقط عليها كانت تسقط عليه في مكان آخر عندما كان يقف في منتصف الشارع كما وقفت هي ويفتح ذراعيه لتعانقه قطرات المطر الطفيف وكأنه يستعيد ذكرياته معها. كم اشتاق لها.
يهمس.
"وحشتيني…"
ثم نظر إلى السماء الماطرة وتمنى لو تستطيع هذه الأمطار أن تغسل أحزانه كما غسلت تلك الطرقات.
لفحت الرياح الباردة وجهه فارتعش جسده وبدأ بالسعال ليضحك هو يتذكر كيف اعتنت به في مرضه وكيف كان يتدلل عليها. أخذ نفساً عميقاً وزفره بقوة وأمنيات اجتاحت صدره ليتها تعود فتدلله.
***
حملت صورة السونار المطبوعة لجنينها وأخذت تتلمسها رغم أنها غير واضحة، لكنها كانت سعيدة بها. اليوم وصلت لشهرها الرابع واستطاعت أن تعرف أنها تحمل بين أحشائها فتاة. كانت سعيدة رغم أنها كانت تتمنى مولوداً ذكراً. أخذت تتبسم وهي تتذكر كيف يدللها علي ويهتم بها وهي تزيد من دلعها عليه. ثم اتسعت ابتسامتها وهي تتذكر فرحة عمها الذي تكفل بتحضيرات صغيرتها بالكامل، ووالدة علي التي لم تتخيل أنها ستفرح هكذا عندما علمت أن جنس الجنين فتاة، فأخبرتها أنها دائماً كانت تتمنى أن ترزق بفتاة.
انتشلتها من سعادتها طرقات على الباب لتتعجب. أعادت الصورة إلى ملف مراجعتها وتوجهت نحو الباب. فتحت الباب ووقفت تتطلع بدهشة.
"دعاء؟!"
لتقول لها بعتاب مزيف مدعية الانزعاج.
"أيوه دعاء اللي نسيتيها."
عانقتها هدى بحب لتمثل عليها الاشتياق وتبادلها العناق.
"حبيبتي يا دعاء، أنا مقدرش أنساكي."
"ما انت بقالك أربع شهور ناسياني ياهانم."
"اتفضلي."
قالتها هدى مشيرة لها نحو الداخل لتخل هدى تعتذر منها.
"معلش يا دعاء، أصلي مشغولة في البيت وعلشان."
دارت عين دعاء في المكان بحسرة. هذا المكان كان سوف يكون ملكها هي لو لم تخطف علي منها. جلست تخفي ألمها وحسرتها خلف ستار ابتسامتها الكاذبة.
"إزيك يا دعاء، إيه أخبارك عاملة إيه؟"
"الحمد لله، إنتِ أخبارك إيه، وحشتينا."
"الحمد لله… تشربي إيه."
هزت دعاء رأسها رافضة.
"ملوش لزوم، انتِ عارفة الدايت."
"لا إزاي ميصحش، ثواني عن إذنك."
رحلت هدى لتطلق دعاء العنان لعينها تتنقل بين أروقة الجناح حتى سقطت عينها على ذلك الملف الطبي. كادت أن تنهض وتلتقطه بعد أن تملكها الفضول لمعرفة محتوياته، لكن عودة هدى جعلها تعود مكانها تمثل الاسترخاء.
وضعت هدى فنجان القهوة أمامها لتسألها دعاء بخبث.
"أكيد إنتِ ملخومة مع خالتي، حاكم عرفاها ظالمة."
لتبتسم هدى وتقول مدافعة عنها.
"لا بالعكس، ماما صفاء بتراعي أوي وبتهتم بيا."
لتهز دعاء رأسها وتقول.
"إنتِ طيبة أوي، معقولة خالتي تهتم وتراعي؟ يا ستي قولي كلام غير ده، تلاقيكي بتداري عليها، اتكلمي ياحبيبتي وأنا هسمعك."
اندفعت هدى مدافعة عنها لتقول بلا وعي.
"لا والله صدقيني، بتساعدني وتهتم بيا من ساعة الحمل…."
صمتت تبتلع باقي كلماتها بعد أن أدركت تسرعها، لكن الأوان قد فات ووصلت الكلمة لمسامع دعاء.
لتتسع عيناها بدهشة تردد.
"إنتِ حامل؟"