تحميل رواية «بنات ورد» PDF
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى ليالي الربيع ومع نسمات الهواء الباردة، كانت ضحكات تلك الصغيرة ذات الاثنى عشر عامًا تعلو، تكسر صمت الشارع الذي تمر به مع والدها. تمشي معه متشابكين الأيدي، تقص عليه بفخر تفوقها الدراسي وعلاماتها العالية، ويثني هو عليها بكلماته الجميلة التي تنبع من قلب أب حنون. "برافو يا مشمش، عاوزك تكوني دايمًا كده شاطرة ومتفوقة عشان لما تكبري تكوني أحلى دكتورة بابا يرفع راسه بيه." هزت له رأسها مؤكدة على كلامه. "أيوه يا بابا، هكون دكتورة وأساعد الفقراء زي ما علمتني." قرص وجنتها وقال يشجعها. "حبيبتي الشطورة...
رواية بنات ورد الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رشا عبد العزيز
سقط فنجان القهوة الذي كانت تحمله وتدحرج متناثراً إلى أجزاء، كما ذهبت أحلامها هباءاً في الهواء.
ظلت تحدق بها، لقد ارتبطت بحبيبها أكثر، عقلها يرفض الاقتناع لتعيش صدمة غيابها عن الواقع.
لم تشعر حتى بالقهوة الساخنة التي انسكبت على يدها.
"دعاء، خلي بالك. أنتِ كويسة؟"
قالتها هدى وهي تقترب منها تحمل منديلاً.
تمسح يدها وتتفحصها لتنتبه أخيراً على حركة هدى وتنظر لها بارتباك لتقول بتلعثم:
"لا ما حصلش حاجة. آسفة بوظت السجادة بس الفنجان فلت مني."
ابتسمت لها هدى وقالت:
"ولا يهمك حبيبتي، فداكِ."
ثم ذهبت وعادت تحمل كريم مخصص للحروق لتمد يدها لها:
"أتفضلي، دا كريم هيبرد الحرق."
أخذت منها الكريم وبدأت تضعه ببطء وعينها شاردة في عالم آخر.
لم تستمع لكلام هدى، بل كل ما كان تفكر به أنها خسرت، خسرت حبيبها وحياة كانت تحلم بها.
كانت تراها تحرك شفتها بكلمات لم تفهمها، كانت تبصر فقط السعادة التي تعتلي وجهها، سعادتها المسروقة التي خطفتها هي منها، هكذا صور لها عقلها ما يحدث.
***
دخلت غرفتها في الوحدة الصحية لتجدها جالسة شاردة الذهن، على غير عادتها، فهي اعتادت عليها ثرثارة مبتهجة.
لتقترب منها وتحرك يدها أمام وجهها لترمش بعينها عندما انتبهت لها.
"أي يازهرة، الي واخذ عقلك يتهنا بولوت."
شفتها ساخرة وقالت بتهكم:
"أطمني، دماغي فااااااضيه خااااااالص."
ضحكت شمس على طريقة حديثها وجلست أمامها لتضيق عينها وتسألها:
"لا ماهو طريقة كلامك بتوحي أن فيه حاجة أكيد."
ضربت يدها الموضوعة على الطاولة وقالت تمازحها:
"اتكلمي يابنت."
تنهدت ببطء وقالت:
"مافيش."
نظرت لها نظرة جانبية وهزت رأسها تحثها على الحديث:
"عليا أنا بصي، أنا أعرفك من شهرين ومتأكدة أنك فيك حاجة."
لتقرص وجنتها الممتلئة وتقول:
"عيني بعينك ياشكولاتة."
"بجيتي فضوليه زيي يادكتورة ورغاية زيي؟ أنا خايفة لحد ما مدة تكليفك ماتنتهي تبجي بخدود زيي."
ضحكت شمس على كلامها وابتسمت هي ابتسامة باهتة.
لتقول شمس مازحة:
"أنا رغايه وفضوليه يا زهرة، ماشي ياستي مقبولة منك."
وزمت شفتها تمثل العبوس ل تنهض، لكن زهرة أمسكت يدها وقالت معتذرة:
"ماتزعليش مني يادكتورة، مش قصدي والله."
لتهز رأسها وتستمر في تمثيل الانزعاج لكي تجبرها على الحديث علها تخفف عنها:
"لإخلاص خلصت، أنا زعلت."
لتمسك يدها وتنظر لها برجاء:
"وحياتي يادكتورة ماتزعليش، اجعدي بس وأنا هحكيلك."
ابتسمت شمس وجلست تنظر لها بترقب.
ل تخفض عينها تخبرها بصوت مهزوز:
"فرح أبن عمي بكرة."
قطب حاجبيها تسألها مستفسرة:
"وهو فرح ابن عمك يخليكي زعلانة كدة؟"
ثم توقفت كأنها فطنت لشيء:
"أستنى، أوعي تقولي أنك بتحبي."
تنهدت تنهيدة طويلة لتخبرها بحرقة:
"كنا مكتوبين لبعض زي عوايدنا هنا في الصعيد، زهرة لسالم وسالم لزهرة. وكبرنا وأنا بسمع الكلام دا. وسافر سالم القاهرة عشان يدرس الهندسة ويبقى مهندس كبير واشتغل في شركة كبيرة. ورجع. أنا خلصت ثانوية التمريض. جدي طلب منه يتجوزني. في البداية وافق على الخطوبة واتخطبنا، بس كنت بحس إنه مضايج. كل ما أتكلم معاه يشخط فيا ويعيب في لبسي، كنت بضايق وبعمل جهدي عشان أعجبه. لحد ما سافرت أنا وأمي معاه القاهرة عشان أشتري جهازي. كنت فرحانة عشان هشوف القاهرة."
"كانت أمي نايمة لما ندهني وجال: أنا عاوز أتكلم معاكِ. لجتني وجف جدامي بكل جبروت وجال: أنا مش عاوزك يازهرة… أنا مش بحبك، أنتِ مش الست اللي أتمنى ارتبط بيها. لا مؤهلك التعليمي ولا شكلك عاجبني. أنا عاوز واحدة جميلة ورشيقة مش زيك كدة، وحد توزن كلامها وتعرف تتكلم، مش رغاية زيك. عشان كدة إحنا لازم نفسخ الخطوبة. وياريت تبلغي جدي إنك أنتِ مش عاوزاني، أنا مش عاوز جدي يغضب عليا. لكن أنتِ جدي بيحبك ومش هيرفضلك طلبات."
اتسعت عين شمس وهي تسمع لحديثها وتشعر بالأسى لأجلها لتكمل:
"الصدمة شلتني يادكتورة، مكنتش عارفة أعمل أي. حسيت إن قلبي اتكسر وكرامتي اتبهدلت."
لتنساب دموعها بقهر وهي تكمل:
"لكن كرامتي فوق أي شيء. أول ما رجعت الصعيد بلغت جدي إني مش عاوزاه. جدي غضب عليا هو وأمي وعمي ومراته، لكن أنا فضلت مصرة على رأيي، مش أنا اللي أهين نفسي عشان أتجوّز حد مش طايقني."
لتضحك بسخرية وحزن:
"تعرفي هو عمل إيه؟ عمل نفسه زعلان وطلب من جدي عشان يراضيه يخطبلو بنت عمي التانية اللي ساكنين القاهرة. فهمت بعد كدة إنهم بيحبوا بعض وإنها كانت معاه في نفس الشركة، حلوة ورشيقة زي ما قال. فهمت إنه استخدماني عشان يوصل للي هو عاوزه ويظهر قدام الكل الولد المطيع، وأنا البنت الوحشة."
مسحت دموعها بحرقة:
"أنا مش زعلانة على سالم يادكتورة، عشان سالم بعد اللي عمله خلاني كرهته وحمدت ربنا إني خلصت منه، واحد لعّاب زيه. أنا اللي حازز في نفسي وصفه ليا إني تخينة وإنه عاب في لبسي وطريقة كلامي. واللي مزعلني أكتر نظرة جدي ليا ونظرة أمي ليا نظرة كلها لوم وعتاب. بس أنا مش هقدر أقولهم إنه سابني عشان مش عجبه. مجاملة كرامتي ماتسمحليش يادكتورة."
ربتت على يدها بحنان وقالت تؤازرها:
"متعيطيش يازهرة، هو اللي خسران، خسر قلب طيب وبنت جدعة. وبعدين أنتِ حلوة يازهرة ومش تخينة أوي، أنتي مكلبظة شوية أه، لكن تخينة، أوعي تصدقي، هو كان عاوز يضغط عليكي بكلامه."
"ربنا يجبر بخاطرك يادكتورة."
"يابنتي أنا مش بقول غير الحقيقة. طب والله انتِ حلوة، بصي في المراية، عينيكي الواسعة، مناخيرك المسمسة. وبالعكس خدودك أحلى حاجة فيكي."
لتقرصها وتقول مازحة:
"ياريت يكون عندي خدود زي خدودك."
لتبادرها زهرة المزاح:
"لا متخافيش، على آخر التكليف هيكون عندك خدود، خليكي انتِ معاي بس."
لترفع شمس سبابتها أمامها وتقول بوعيد زائف:
"وعد."
"وعد."
واتبعت كلماتها بضحكات شاركتها فيها شمس.
***
وقف في ذلك المحل الذي استأجره مؤخراً بالقرب من محلاته يراقب عمل العمال في عمل الديكور ووضع اللمسات الأخيرة.
ليشرد ذهنه في ذكريات الماضي عندما كانت تتأبط ذراعه ويسيران سوياً كما اعتادا في أوقات فراغهما في الفترة الأخيرة قبل الحادث.
عندما مروا من إحدى الكافيهات ليقرروا الجلوس وشرب فنجان من القهوة.
اختار طاولة واختار الجلوس بجانبها لتبتسم وتدعي الانزعاج.
تنظر له نظرة جانبية لتشير إلى الكرسي المقابل لها وتقول ساخرة:
"فيه كرسي هنا."
انحنى نحوها وهمس لها كلماته ببطء:
"بحب أقعد جنبك ياروحي."
أربكتها كلماته لتتحمحم بحرج:
"احم… أنا عاوزة هوت شوكليت بلاش قهوة."
داعب أنفها بإصبعه وقال مبتسماً:
"انت تأمر ياجميل."
أشاحت وجهها عنه بضيق جعله يضحك بخفة على ملامح وجهها الحانقة.
وضع النادل أمامهم ما طلبوا وبدأ بارتشاف قهوته كما بدأت هي بارتشاف مشروبها بتلذذ.
عندما لمحت رجلاً يدخل إلى المكان يرتدي معطفاً أنيقاً لتلتفت نحو تخبره وهي تشير بعينها نحو الرجل:
"حلو أوي البالطو بتاع الراجل اللي دخل."
نظر حيث أشارت وعاد ينظر لها بوجه ممتعض ملأته الغيرة يوبخها:
"اتلمي يا بنت الجوهري، جوزك جنبك وأنتِ عمالة تبصي للراجل."
قطبت حاجبها وأسعدتها غيرته لتوكزه بذراعها وتقول موضحة:
"يابني قصدت البالطو مش الراجل."
"ركزت اخت ملامحه وقال بهدوء: "اه دا ماركة Zara بس كوالتي عالي سعرها يوصل ١٢ ألف جنيه."
اتسعت عينها بدهشة وقالت بصدمة:
"يااا غالية أوي."
ارتشف قهوته ونظر لها:
"طبيعي عشان ماركة."
عبس وجهها وقالت بحزن:
"طب الشباب الغلبان لو كان عاوز يلبس حاجة كويسة هيجيب منين؟"
"فيه ياحبيبي ماركات مقلدة يعني بتكون نفس الشكل أقل كوالتي وأرخص."
حدقت به ثم ضيقت عينها تسأله:
"طب ماتفتح محل زي دا، أهو على الأقل تساعد الناس الغلابة وأنت ذوقك حلو أكيد هتجيب حاجات تنفع شباب الجامعة."
"هي فكرة حلوة ومربحة، بس الماركة ليها زبونها وربحها حلو كمان."
نظرت إلى كوب الشوكولاتة وإلى أبخرته المتصاعدة التي بدأت تتناقص بعد أن تأثرت ببرودة الجو، كأنها تتذكر مشاهد من الماضي.
حتى شعرت بملمس يده وهو يمسك يدها بين يديه بحنان بعد أن لاحظ شرودها:
"مالك ياحبيبتي؟"
تنهدت بحزن وزفرت أنفاسها بقوة ثم التفتت نحو تخبره بحسرة:
"لما كنت في الكلية كنت بتكسف أطلب من أمي لبس جديد عشان كنت عارفة إن هي وندى هيقصوا على نفسهم عشان يجيبوا اللي أنا عاوزاه، مصاريف الكلية كانت تقيلة عليا."
ثم لمعت عينيها بالدموع واكملت:
"كنت بتجمد من البرد عشان ما أطلبش منهم بالطو أو جاكت."
اعتصر قلبه حزناً وإشفاقاً عليها ليضم كفها بين يديه ويريح عليها يده بحنان يقول مواسياً بفخر:
"حبيبتي، أنتِ بطلة وقدرتي تكملي وترفعي رأسهم."
ابتسمت لكلامه ودفء حنانه الذي وصلها من لمساته ليكمل وهو يرفع يدها نحو شفته يقبلها وينظر لها بعين تتوقد عشقاً يعدها:
"أوعدك ياشمس أن أعمل كل اللي في إيدي عشان أسعدك وأعوضك."
عاد من ذكرياته ليبتسم بسخرية وهو يهمس لنفسه يلومها بتهكم:
"وفيت بوعدك ليها يا ابن الجوهري."
دارت عينه في المكان وقال يعدها من جديد:
"بس هعمل بنصيحتك ياروحي وأساعد الشباب ولو بحاجة بسيطة."
***
جاورته على السرير لتجده مندمج مع هاتفه وكأنه يتكلم مع شخص ما.
دب الشك في قلبها لتقترب بجسدها منه حتى لامس كتفها كتفه، لكنه كان مندمج بشدة.
حركت عينها نحو شاشة هاتفه دون أن تلتفت لتجده يكتب وصفات طبية ويسجل نصائحه.
تنهدت بارتياح وابتعدت قليلاً تسأله:
"بتتكلم مع مين؟"
ليجيبها دون أن يبعد نظره عن شاشة الهاتف:
"دي قناة بيسألوني فيها المرضى عن نصايح طبية وأنا بجاوبهم."
استدارت بجسدها تجاهه:
"يعني النصايح بمقابل مادي وإلا مجاني؟"
لم تتزحزح عينه عن شاشة الهاتف مرة أخرى وكأنها متجمدة:
"أيوه، بس المقابل دا بيروح لمستشفى الأورام، يعني نوع من الإحسان، وساعات لدار أيتام."
هزت رأسها وتسطحت توليه ظهرها لتتهكم بهمس:
"إحسان؟ طب يا أخي أحسن للأهل بيتك، طب ما أنا كمان يتيمة."
زفرت أنفاسها بضيق تخرج تلك الغصة المكتومة.
هل يستكثر عليها حتى تلك الساعات القليلة التي يقضيها في المنزل؟
أغمضت عينها بقوة تتوسلها أن تنام كي تريح عقلها المشعل بالأفكار وقلبها الذي أتعبته تلك العلاقة الباردة.
كأنها تقف وسط طريق مجهول تلفحها رياح ديسمبر.
ظل مدة من الوقت يجيب على مجموعة من الأسئلة حتى بدأ أجفانه تثقل وتتشوه عنده الرؤية من أثر النعاس.
خلع نظارته الطبية ووضعها جانباً ثم أطفأ هاتفه ووضعه بجانبها ليتسطح.
التفت نحوها ليجدها توليه ظهرها.
فتعجب، لم يعتاد منها على ذلك، كانت دائماً تحرص على نومها على شقها الأيمن تطالعه بعينها حتى تغفو.
حاول أن يغمض عينيه وينام لكن عينه كانت تغفو وتفزع عدة مرات.
كان هناك شيء يقلقه أو ربما ينقصه.
ربما انشغاله بعمليات الغد، وربما تلك البرودة التي يشعر بها.
هكذا أخبره عقله ولم يشعر بنفسه إلا وهو يقترب منها ويحيط جسدها بذراعه يحتضنها.
وما أن وصلت لأنفاسه رائحتها حتى وجد عينيه تغمض وتنام كأنها وجدت ما كان ينقصها.
شعرت بيده التي تحيطها لتتنهد بحزن.
فلم تستطع عينيها أن تنام وهو بعيد عن ناظريها كما اعتادت أن تغفو وهي تتمعن بوجهه وعينها تحتضن ملامحه.
***
جلست مطأطأة الرأس بكسرة تنظر إلى يديها المتشابكة في حجرها بحزن.
تحيطها أعين النساء مابين مشفق و لائم.
وتتعالى همساتهن يطلقن الأقاويل عليها.
كانوا ينظرون إلى ابنة عمها تلك العروس الجميلة ثم يحولون نظرهم إليها يعدون الفروق بينهم وينعتون ابن عمها بالمحظوظ لأنه بقرارها قد تخلص منها واستبدلها بمن تفوقها جمالاً وشهادة.
كانت أصوات الغناء تخنقها وتلك الزغاريد كأنها سكاكين تضرب عمق قلبها.
تمنت لو تصرخ وتخبر الناس بالحقيقة، وأنها لم تكن سوى الشخص المرفوض، دمية استخدمها ابن عمها ليحصل على الرضا وينال حبيبة قلبه.
كانت هي ذلك الحجر الذي ألقاه ليصطاد عصفورين في آن واحد.
لكن لم يكن يهمها شيء سوى نظرات والدتها المصوبة نحوها بلوم.
كانت برأيها ستكون هي العروس اليوم لولا رفضها وغضب جدها رغم ابتسامته المزيفة.
تباً لكرامتها التي تكمم لسانها وتمنعها من قول الحقيقة.
تعالت صرخات النساء يعلن عن وصول العريس.
لتخونها عينها وتنظر باتجاهه فتجد السعادة مرسومة على وجهه.
تتبعته عينها حتى وصل عند عروسه التي كانت تبادله نظرات الحب والفرح متجاهلين ما فعلوه بها.
فحتى هي كانت تعلم أنها خطبت له قبلها، وربما تعلم خطته في التخلص منها.
التقى عينها بعينه لينظر إليها نظرة شماتة لن تنساها.
ونظرت عروسه لها بانتصار لتبتسم متهكمة وكأن عينها تحاورها: "غبية، لو كانت تعتقد أنها حزينة لخسارته."
بالعكس، هي اليوم تحمد الله أنها تخلصت من شخص مثله.
"زهرة."
صوت تعرفه أخرجها من شرودها لتلتفت إلى مصدر الصوت وتجد شمس تقف أمامها لتشهق بفرح وتحتضنها مرحبة بها:
"يا أهلا يادكتورة، نورتي."
"أهلا يازهرة."
حولت زهرة نظرها نحو تلك الصغيرة بجانب شمس لتجيب شمس عن تسائلها:
"دي فرحة بنت خالتي نعمة يازهرة، اللي حكيتلك عنها."
رحبت بها زهرة:
"يا أهلا… يا فرحة… اتفضلوا."
جلست شمس بجانب زهرة لتبدأ زهرة بسرد مشاعرها وحزنها لغضب والدتها وجدها منها.
كانت حزينة لأنه يخاصمها منذ وقت طويل وهذا ما يتعبها.
فجدها كان دوماً بمثابة والدها، فقد رباها واهتم بها منذ وفاة والدها.
ربتت شمس على يدها تواسيها:
"بكرة ينسوا يازهرة، لما ربنا يعوضك بالأحسن منه."
"يارب يادكتورة، يارب يسامحوني."
كانت هذه دعوتها قبل أن تبدأ بالكلام والثرثرة التي اعتادت شمس عليها.
تخبرها بتفاصيل حياة كل سيدة في العرس وشمس تستمع لها بإنصات، تضحك تارة وتندهش أخرى في محاولة منها لتجعلها تنسى ما يحيطها.
انتهى حفل الزفاف وخرجت شمس تمسك بيد فرحة التي أصابها الدور من ثرثرة زهرة:
"يللا، هوني دي بتتكلم كتير، يا جي عشرة ألف كلمة في الساعة، جابت لي صداع في نافوخي."
ضحكت شمس وقالت:
"بس بصراحة عسل، أنا بحبها أوي. طريقة كلامها بتخليكي تندمجي مع القصة لحد ما تكوني عايزة تعرفي النهاية. كانت تنفع مراسلة صحفية وإلا مذيعة أخبار."
قالت شمس كلماتها لتكمل ضحكاتها التي زادت عندما سمعت فرحة تعقب على حديثها:
"دا لو كان حدوتة واحدة مش عشرين."
"اتاخرتوا ليه بجى؟ دي الساعة اللي جلتو عليها، مفكرتوش في اللي الملطوع برة وجاعد يستناكم؟"
هتف بها جابر الذي كان يقف مربعاً يده على صدره ينظر لهم بحنق.
"وهو كان حد جلك تستنانا؟ مش انت اللي اصريت."
صاحت بها فرحة بغضب بادلها إياه وهو يجيب:
"أمال كنت عاوزاني أسيبكم تمشوا لوحدكم في الليل يافهيمة؟"
"خلاص استحمل بجى."
"بس يافرحة، جابر عنده حق. إحنا متأسفين ياجابر وكتر خيرك."
قالتها شمس تنهي ذلك النقاش بينهم، فرأسها لن يتحمل المزيد من الثرثرة، يكفيها ما سمعته من زهرة.
***
وقف أمام جده كالتلميذ المذنب الذي ينتظر عقابه.
قابله الجمود في وجه بدران الذي كان يحدق به معاتباً:
"اتأخرت يا ابن محسن."
تحشرج صوته ولم تسعفه الكلمات ليفضل الصمت وعينه المنخفضة تروي ندمه وحزنه:
"كنت فاكر إنك هتدور على حضني وتترمى فيه زي ما ترميت فيه لما خسرت أحلام، لكن أنت غيبت تلات شهور ويمكن أكتر ولسه فاكر إن عندك جد."
"كنت خايف."
خرجت تلك الكلمات المرتجفة منه بصدق، قابله صراخ بدران بلوم:
"عشان عارف إنك غلطان وضيعت الأمانة."
انحنى وأمسك كف يده يقبلها باعتذار:
"متأسف يا جدي، سامحني، غصب عني أقسم بالله."
سحب يده من بين يديه بعنف وواصل توبيخه:
"وهيفيد بإيه الأسف دلوقتي يا ابن محسن؟ أنت جاي للشخص الغلط، يا ابن الجوهري، اللي كان مفروض تتأسف منها. أهي سابتلك البلد وطفشت. ياما حذرتك من سكة الحرام، لكن أنت كنت سايق فيها وعارف الغلط وبتعمله. بقيت عدو نفسك يا ابن محسن، وبدل ما تقهرها قهرت نفسك."
رفع عينه الحمراء لتواجه عين بدران الحادة بدهشة ليكمل بدران ساخراً:
"إيه، متفاجئ ليه؟ كنت فاكر إني مش فاهمك يا ابن أحلام؟"
ذكره لاسم والدته جعله يفهم أنه يعرف سبب حقده على والده ليقول بحرقة:
"أديني خسرت أحلام تانية يا جدي، بس الخسارة المرة دي بتوجع أوي عشان أنا المرة دي لبست ثوب محسن وطلعت فعلاً ابنه."
ثم جثى على ركبته أمامه ونظر له بعين متوسلة:
"خدني بحضنك يا جدي، أنا تعبان."
أشفق بدران عليه واعتصره قلبه على صغيره الغالي.
أغمض عينه بقهر عندما وجده يضع رأسه على حجره.
همس بدران على شعره برفق ولام نفسه، كان يريد أن يصلح أخطائه في الماضي ليتسبب بأخطاء أكبر راح ضحيتها أحفاده اليوم.
أضاع الأمانة بأبشع الصور، قلوب تمزقت وأخرى احترقت بنار العشق.
وما ألمه أكثر أنه تسبب بأذى تلك الصغيرة التي لم تنس له جرح الماضي ليضيف لها جرح أكثر قسوة على يد حفيده الغالي.
نظر إليه يشعر بأنفاسه تختنق، كان يظن أنها ستستطيع إصلاحه، تلك الفتاة القوية ستستطيع إصلاح اعوجاجه وإعادته إلى سابق عهده.
كان يظن أنها ستكون دوائه الشافي، لكنه كان سكينها الناحر.
تباً لعناده وتجبره يجعله يخسر أغلى أحبابه مرة أخرى.
لماذا لم يتركهم يعيشوا حياتهم كما يشاؤون ولم يتحكم في مصيرهم؟
"هترجع يا جدي، مش كدة؟"
صوته الذي ملأه الرجاء كانه طفل يريد منه أن يطمئنه أن والدته ستعود في المساء وتأخذه.
زاد من حزنه ولومه لنفسه ليحاول أن يخرج صوته ثابتاً:
"هترجع يا ولد، أكيد. بلاش يبقى قلبك رهيف كدة. فين فارس الجوهري اللي كنت دايماً بقول، هو دا الخليفة بتاعي، يهودا اللي هيحافظ على اسمي."
رفع رأسه وتلاقت عيونهم:
"فارس ضاع من يوم ما شمسو غابت يا جدي."
تنهد ومسح على وجهه بحنان ثم قال بحكمة:
"شمسو هتشرق من جديد لو لقت فارس يستاهل ترجع عشانه."
وظل يحدق به يحاول تفسير كلماته، لكن بدران أكمل:
"ارجع يا فارس، ارجع يا ابني عشان شمس ترجع لك."
نهض بوهن وجلس بجانبه وصمته كان أبلغ من الكلام، يستوعب نصيحة جده.
***
كانت ممدة على سريرها عندما سمعت جرس الباب لتنهض ببطء متجه نحو الباب.
فتحته لتتفاجأ بدعاء تقف أمامها ترسم ابتسامة عريضة على وجهها وتحمل أكياس:
"صباح الخير."
"أهلا يادعاء، صباح النور، اتفضلي."
قالتها هدى تشير لها للدخول.
دخلت تتبعها هدى التي استغربت وجودها رغم أنها التقت بها في الأسبوع الماضي.
جلست وجلست هدى بالقرب منها لتضع أمامها الأكياس وتقول وهي تخرج منها ملابس أطفال حديثي الولادة:
"بصي، جبت لـ حبيب خالو اللي جاي."
أمسكت هدى تلك الملابس بسعادة تتفحصها بلهفة:
"الله، تسلم إيدك يا دعاء، يجننوا."
"حبيبتي، فرحت إنهم عجبوكي."
غلفت وجهها بابتسامة تخفي عنها احتراقها لتكمل خطتها التي جاءت من أجلها:
"طب ممكن تعملي لنا عصير ياهدى، عصير الفراولة اللي جبتهولي مرة في المدرسة، وأنا جايبة معداتي معايا."
لتضع أمامها كيس يحتوي حبات فراولة وآخر يحتوي علبة حليب وعلبة عسل:
"أتفضلي ياستي."
ضحكت هدى وقالت تلومها:
"يابنت عيب اللي أنتِ بتعمليه، حد يجيب الحاجة اللي هيتضاف بيها معاه."
ضربتها دعاء على ذراعها بخفة:
"إحنا أهل، عادي بينا الحاجات دي."
ابتسمت هدى ونهضت متجه نحو المطبخ.
غابت وعادت بعد قليل تحمل قدحين من العصير ووضعتها أمام دعاء.
لتنظر لها دعاء وتقول:
"هدى، ممكن كوباية مية لو سمحتي."
"من عنيا، حاضر."
رحلت هدى لتستغل هي الفرصة وتخرج من حقيبتها زجاجة تسكب محتواها في القدح المخصص لهدى وتعيد الزجاجة في حقيبتها مرة أخرى.
عادت هدى تعطي لها الماء لترتشف منه القليل وتبتسم بخبث وهي تقول لها:
"يلا، اشربي عصيرك الجميل."
ضحكت هدى وبدأت تشرب العصير.
بعد مدة من الوقت ابتسمت دعاء بانتصار وهي تجد هدى تشرب العصير حتى النهاية بعد أن حثتها هي على ذلك بحجة أنه مفيد لها، وهدى بطيبتها كانت تطيعها في كل ما تقوله.
تعرق جسدها وأنت بتخفت.
خشيت أن توقظه فقد تجاوز الوقت منتصف الليل.
تحاملت على نفسها وقبضت بكف يدها على الغطاء المحيط بجسدها تكتم آهاتها وتصبر نفسها تتحمل ولو قليلاً.
لكنها أحست بألم أقوى أسفل بطنها ضغطت عليها وعضت على شفتها بوجع حتى لم تعد تتحمل.
مع ازدياد الألم لتصرخ:
"آه… آه… الحقني ياعلي."
صراخها أفزعه من نومه لينتفض عندما وجدها تمسك بطنها وتصرخ ليسألها بقلق:
"مالك ياهدى؟"
لتجيبه من بين صراخاتها:
"بطني بتوجعني ياعلي، بطني بتتقطع."
نهض بسرعة واتجه نحوها أزاح الغطاء بسرعة وساعدها على الوقوف، لكن ما أن وقفت حتى شعرت بسائل دافئ يسيل منها لتتسع عينها بدهشة.
تتساقط دموعها وهي تمسك بطنها كأنها تتوسل صغيرتها أن لا تتركها لتصرخ بهستريا بعد أن أحست بالخوف من أن تصبح ظنونها حقيقة:
"لا… لا، لازم نلحقها ياعلي، هنخسرها ياعلي."
هز رأسه بعدم فهم، لكن ضغطها على بطنها جعله يستوعب ما تقوله ليحملها بسرعة ويتجه مباشرة إلى المستشفى.
وقف أمام غرفة الكشف.
بجامته المنزلية، وجهه شاحب يتملكه الخوف مما هو قادم.
ليسمع أصوات أقدام تهرول نحوه فوجد والدته تقترب منه وتسأله بلهفة:
"مالها مراتك يا ابني؟"
وكطفل صغير احتضنها بخوف باكياً:
"البيبي بخطر ياما."
شهقت بقوة وتجمد جسدها لتسقط يدها التي تحيط جسده بوهن كأنها شلت ولم تعد تستطيع السيطرة على أطرافها.
وصورة واحدة تتجسد أمامها ما حل بها في الماضي عندما فقدت صغيرها، وكأن الماضي عاد بكل أوجاعه.
لم يكن علي يشعر بوالدته، لكن حسن أحس بها ليسحبها من أحضان علي وسط دهشته ويجلسها على الكرسي.
لتجلس بجسدها الذي أثقله الحزن وعينها معلقة على باب الغرفة تتمنى أن تحدث معجزة تنقذه، أو يكون هذا مجرد كابوس ستستيقظ منه.
رواية بنات ورد الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رشا عبد العزيز
ارتعش جسدها وشلت قدمها فما عادت تستطيع أن تقف على قدمها وهي تسمع صراخها الرافض أن تسمع الحقيقة. لقد خسرت صغيرها. صرخاتها المنهارة وصوت علي المواسي لها أعاد لها شبح الماضي الغابر. شعور لا أحد سيعرفه سواها، فلقد ذاقته وتجرعت مرارته قبلها.
تساقطت دموعها بحرقة وهي تسمع توسلاتها لعلي أن يعيد صغيرها لها أو يخبرها أن ما تعيشه مجرد كابوس وستصحو منه.
انهار علي كما انهارت هي وهو يجدها تتشبث بأحضانه وتنظر له برجاء قائلة:
- قلي ياعلي إنهم بيكذبوا عليا، قلي أنها بخير وهتنور حياتي، قلي أني هكون أم ياعلي وحياتي.
لم يستطع كبح جماح دموعه التي تبكي صغيرته وحبيبته معاً ليحتضنها ويتشاركون البكاء معاً.
- يا أولاد متعملوش كده، صلوا على النبي، بكرة ربنا يعوض عليكم إن شاء الله، أنتو لسه صغيرين.
قالها حسن الذي تمزق قلبه لما حدث، لكنهم استمروا بالنحيب حتى اقترب حسن من ولده يحرك يده على ظهره.
- أهدى يابني، الله ما أعطى والله ما أخذ، مالكمش نصيب وربنا هيعوضكم.
تدخلت الطبيبة تعاين حالتها. أشار لها حسن بتوسل أن تفعل شيئًا. نظرت لهم بأشفاق وقالت:
- أستاذ علي لوسمحت ممكن أشوف المريضة أطمن على حالتها.
ابتعد مرغماً عنها رغم تشبثها به ورفضها ابتعاده لتتحدث الطبيبة معها بروية بعد إشارتها للممرضة بإحضار دواء معين.
- مدام هدى أنا عارفة إن اللي حصل صعب، بس إحنا نحمد ربنا إننا قدرنا نوقف النزيف قبل ما نخسر الرحم، يعني إنتِ عندك فرص تانية وأنتِ بنوتة صغيرة لسه، الحياة قدامك. احمدي ربنا.
لم تكن تعي ولاتسمع ما يقال لها. قلبها الذي احترق قهراً وتسارعت ضرباته بجنون كانه يريد الهروب من جسدها ليتخلص من هذا الألم الذي يجثو عليه حتى شعرت أنها تختنق.
انتبهت الطبيبة لحالة الانهيار وعدم التقبل التي تمر بها لتشير للممرضة أن تعطيها حقنة المهدئ. انتظرتها حتى تأكدت أنها أغلقت عينها لتزفر أنفاسها بارتياح وتلتفت نحو علي.
- دورك كبير ومهم في حالتها، هي محتاجة تستوعب عشان تقدر بعد كده تتخطى، وأظن أنت فاهم كلامي يادكتور.
أومأ علي لها بعد أن مسح دموعه.
- هنعمل تحاليل عشان نعرف سبب اللي حصل.
ثم أكملت تخبره بدهشة.
- أنا تفاجئت بصراحة، آخر كشف كان الوضع ممتاز، عشان كده عاوزين نعرف أي سبب اللي حصل.
هز علي رأسه بتفهم لتخرج الطبيبة ويتجه هو نحو حبيبته يجلس بجانبها ويتأملها بحزن.
خرج حسن نحو زوجته التي تخفض عينها وتئن من شدة البكاء. جلس بجانبها ورفع يده يحيط كتفها يعلم ما تشعر به الآن فقد عاش معها نفس الأحداث بذات المشاعر. انتبهت لوجوده لتلتفت نحوه تنظر له بعين ضائعة وتهمس له بصوت مختنق.
- وجع الماضي رجع تاني ياحسن.
مسح دموعها وتنهد بحزن.
- نصيبنا ياصفاء نعمل أي، الحمد لله.
***
وقفت أمام بوابة ذلك القصر تنظر له بأنبهار ورعب في ذات الوقت، فقصر الهواري يعود لأكبر العائلات في القرية. اتجهت نحو الحرس تخبرهم بهويتها.
- أنا الممرضة زهرة، بعتني دكتور وائل من الوحدة الصحية، فيه مريضة محتاجة محاليل.
- استنى هنا.
قالها أحد الرجال ضخام الجثة مما جعلها تتسمر مكانها بخوف دون كلمة حتى أخبرها بسماحهم لها بالدخول. سارت نحومدخل القصر وكانت رأسها تلتفت يميناً ويساراً تتأمل حديقة القصر الجميلة وتبتسم وهي ترى تلك الزهور الجميلة.
- دي مزرعة ورد مش جنينة.
ظنت أن الطريق طويل لكن بضعت خطوات جعلتها تصل إلى البوابة الداخلية ليفتح لها الخدم.
- يا حلاوة يا ولاد، والله يابت يازهرة وبقيتي بيفتحلك بيبان.
كانت تتمتم بها لنفسها قبل أن يجفلها صوت خشن.
- إنتِ الممرضة؟
التفتت نحو مصدر الصوت وبلعت ريقها بأضطراب وهي تلمح شخص طويل عريض المنكبين، يمتلك عين حادة وأنف دقيق وشعره الأسود الكثيف يعطيه رهبة، يرتدي جلباب كحلي وعباءة. ظلت تحدق به حتى أعاد سؤاله.
- إنت الممرضة؟
هزت رأسها وقالت:
- أيوه، أصل دكتور وائل بعتني، قال إنه فيه…
لم يمهلها إكمال حديثها حتى سار يشير لها أن تتبعه.
- تعالي.
نظرت إلى ظهره وهو يتقدمها وهمست بأنزعاج.
- يما أي الراجل المخيف ده.
اتبعت خطواته السريعة بخطوات متعثرة تحاول اللحاق به قبل أن تتوه في هذا القصر الضخم. ليدخل غرفة فيها فتاة صغيرة ضعيفة الجسد ممدة على السرير.
- شوفي شغلك، هي دي المريضة.
لتقول بأقتضاب.
- حاضر.
وقف يراقبها، يراقبها وهي تعلق المحاليل في يد الصغيرة وتقيس حرارتها تتفحصها. لا ينكر أنها محترفة ودقيقة في عملها. فتحت الصغيرة عينها بتعب تسأله.
- أنا فين؟
ليسرع نحوها ويقول:
- إنتِ هنا، جار عامك ياحبيبة عمك.
انتبهت لخوف الفتاة لتراودها أفكار سخيفة وغبية.
- هي تقربلك أي؟
- بنت أخويا.
- أمال شكلها خايفة منك ليه؟
قالتها بشك ممزوج بالغضب. نظر لها بحنق وقال يوبخها.
- وإنتِ مالك، شوفي شغلك.
لتبدأ بالثرثرة وهي تمسح على خد الصغيرة.
- مالي أي، مش يمكن تكون خاطفها من أهلها، والا جايز ضربها او مجوعها…
- بس كفايه، أي التحليل الغبي ده.
هتف بها الرجل بحنق وقسمات وجهه لا تنم على خير، ورغم أنها ترتعب لكنها أكملت سؤالها.
- آه… أمال تفسر بأيه خوفها منك؟
زفر أنفاسه بغضب وقال جوابه بصوت عالي نسبياً.
- عشان أبوها وامها عملوا حادثة و…
ثم صمت عندما وجد الصغيرة تتطلع إليه بترقب، فهو لم يستطع إخبارها أن والديها قد رحلا. ليقول بارتباك.
- هما في المستشفى، ولما يبقوا كويسين هنروح لهم، مش كده يادودي.
تبع كلماته الأخيرة بابتسامة متألمة. فهمت هي ما يخفيه خلفها لتشعر بالإشفاق على تلك الصغيرة. فتحتضنها وتهدئها واستمرت بجانبها حتى غفت الصغيرة مرة أخرى.
خرجت لتجده ينتظرها في صالة القصر ينفث دخان سجائر بتوتر، ويبدو أنها ليست السجارة الأولى لأن الدخان يملئ المكان. اقتربت منه لينهض عند رؤيتها يسألها بقلق.
- إزيها دلوقتي؟
- الحمد لله نامت، بس عاوزه أبلغك إن البنت محتاجة غذا، لازم تأكل خضرة وفواكه، هتقولي مش بتحبهم هقولك لازم تأكل، هتقولي مش بترضى هقول اغصبوها، هتقولي ما أقدرش عشان وضعها، هقول حالتها تعبانة وجسمها محتاج غذا.
كانت مستمرة في الحديث وهي تميل برأسها يميناً ويساراً دون أن تعطيه فرصة في الرد. حتى أنفعل من ثرثرتها، لكنه استطاع أن يسيطر على نفسه ونظر لها بحنق.
- مكنتش هقول كل الرغي ده، كنت هقول هنعمل بنصيحتك وخلاص.
انزعجت من أسلوبه وقررت أن تغادر. فنعتها بالثرثارة يزيد من قساوة ذلك الجرح الذي تحاول نسيانه.
- ربنا يشفيها… فتك بعافية.
وانسحبت متجهة نحو الخارج بخطى سريعة حتى استوقفها صوته.
- استنى.
زفرت أنفاسها بقوة وتوقفت وهي تشعر بخطواته تقترب منها.
- إنتِ هتمشي من غير ما تاخدي حسابك؟!
استشاطت غضباً من طريقة حديثه واستدارت تنظر له بضيق.
- مش شاكرة دكتور وائل قال إن الحساب مدفوع وهو هيحاسبني. أنا ماليش صالح بالدكتور، هو عاوز يعمل جميلة معايا. امسكي.
قالها يمد لها يده بالنقود، لكنها ظلت تنظر للنقود دون أن تحرك يدها لتأخذها حتى صاح بها بصوت أجفلها.
- امسكي بقولك، مش راجل الهواري اللي يتبقشيش عليه.
توسعت عينها بدهشة وابتلعت ريقها بخوف. هل هذا هو الشخص الذي كانت دائما تسمع عنه؟ فقد اشتهر برجاحة عقله فلا يوجد خلاف إلا وأُستدعي لحله. يهابه الكبير قبل الصغير حتى ذاع صيته بقوته وصلابته.
- بس لو أخدتها جايز الدكتور يزعل ويلومني، وجايز يعتبرني مستغلة، وجايز يعاتبني، وجايز…
- بس كفايه، امسكي من غير كتر كلام.
هتف بها بحدة لتخطف النقود وتفر من أمامه بخطى سريعة.
كانت تراقب انهيارها بين أحضان شقيقتها بأشفاق، وعاد جرح الماضي ينزف داخلها. رغم أن علاقتها بهدى ليست قوية، لكنها اليوم تدرك أن لا أحد سيشعر بما تشعر به مثلها. جرح لم تتمناه لعدوها، خصوصاً وهي تدرك لهفة هدى لذلك الصغير القادم.
- بنتي راحت ياندى، كنت فرحانة بيها واقتنعت بالاسم مشمش ورد الشام، حتى فكرت أكتبه على هدومها. بس راحت قبل ماتلبسهم.
ضمّتها ندى بحزن وبدأت تواسيها.
- أهدي ياهدى ياروحي، ربنا هيعوضك ياروحي، انت لسه صغيرة.
استمرت تبكي فكلام ندى لم يقنعها.
وقف فارس يواسي صديقه خارج الغرفة.
- ربنا يعوض عليكوا ياعلي.
- أنا مش عارف أزعل عليها وألا على بنتي اللي كنت بستناها.
ربت فارس على كتفه.
- لازم تكونو قوي ياعلي عشانها.
التفت علي نحوه وقال بصوت امتلأ بالخوف.
- أنا خايف عليها، هدى شكلها مش طبيعي ومش متقبلة اللي حصلها.
- متلومهاش ياعلي، الفقد صعب أوي.
قالها بحرقة وهو يشعر بألم عندما أحس بغيابها بين أخواتها، كانت ستكون بجانبهم لولا فعله.
عادت إلى المنزل بروح مثقلة وقلب احترق حتى بات رماداً ولم يعد ينفعه دواء ولا مواساة. ساعدها علي على أن تسندها حتى استلقت على السرير ليدثرها. قلبه كان يتمزق وهو يرى وجهها الشاحب وعينها المتورمة من كثرة البكاء شاردة الذهن كحالها منذ الصباح الباكر. جلس أمامها يمسح على وجنتها بحنان.
- حبيبي أجبلك غطا كمان وألا كده كويس؟
لم تجبه وظلت عينها تنظر نحو المجهول. تنهد بيأس ونهض متجهاً نحو الباب بعد أن سمع صوت الجرس. فتح الباب ليجد والدته ومعها العاملة تحمل طعاماً لهما. لتسأله والدته بلهفة.
- إزي هدى النهاردة يابني؟
اختنق صوته يخبرها بقلق.
- تعبانة أوي ياما، أنا خايف عليها.
ربتت والدته على كتفه تطمئنه.
- متخافش يابني، هي محتاجة وقت بس عشان تقدر تستوعب.
أومأ برأسه لتشير والدته للعاملة أن تضع الطعام على الطاولة في الصالة وترحل، ثم أمسكت يد علي تجره نحو الطعام وتجلسه أمامه.
- تعالى كل ياحبيبي.
- مليش نفس يا أمي.
تلومه قائلة وهي تضع ملعقة الطعام في يده عنوة.
- لازم تاكل عشان تقاوم، أنت لازم تكون قوي عشانها.
امتثل لكلامها وبدأ يأكل ببطء لتحمل هي طبق الحساء وتتجه نحو غرفة هدى. دخلت لتجدها شاردة كأنها في عالم آخر. أغمضت عينها وهي بعد أن صورة أخرى منها لتتنهد وهي لا تعلم كيف تقنعها بما لم تستطع الاقتناع به هي. وضعت الطبق جانباً وجلست بجانبها على السرير.
- هدى.
لكنها لم تجبها لتبتسم ابتسامة شاحبة وتمسك يدها.
- أنا عارفه يابنتي إنك سامعاني وحاسة باللي إنتِ حاسة بيه، شعور مر مش هيقدر يوصفه إلا اللي ذاقه، وأنا ذقته قبلك ياهدى وفضلت أتعافى منه فترة عشان أقدر أقاوم. أنا يابنتي تعبت وجربت الإحساس ده مش مرة واحدة تلات مرات قبل ما ربنا يكرمني بعلي، يمكن عشان كده بحبه أكتر من روحي عشان علي كان حلم أتحقق بعد خيبات.
شددت من ضم يدها بين يديها.
- خلي عندك أمل يابنتي وصدقيني ربنا هيعوضك وإن شاء الله يفرحك زي ما فرحني بعلي. اصبري ياهدى اصبري واحتسبي وخلي عندك أمل في ربنا.
- هدى أنا آسفة يابنتي، أنا يمكن أكون تعبتك بس غصب عني، حبي لعلي جنوني، لكن صدقيني أنا تمنيت أشوف حفيدي منك وبتمنى أشوفه منك، وأوعدك أكون معاكِ زي أمك وأكتر.
وعندما ذكرت والدتها سالت دموعها الحارة على وجنتها تحرقها شوقاً لها. كم تمنت وجودها اليوم معها لترتمي بين أحضانها لتجد والدة علي تفتح ذراعيها لها في دعوة لاحتضانها لترمي نفسها بين أحضانها تبكي.
علق عينه بها بقلق وهو يجدها تخرج من الغرفة وتعود بطبق الطعام نحوه.
- ها يا أمي أكلت؟
وضعت الطبق مع الأطباق الأخرى وجلست بجانبه تخبره بحزن.
- أكلت لقمتين بالعافية وخدت الدوا ونامت.
نظر لها وأخبرها بامتنان.
- متشكر يا أمي.
ربتت على فخذه وقالت:
- دا واجبي ياحبيبي، ربنا يشفيها ويعوضكم يارب.
كانت عينه تحمل هماً أكبر تفطنت لها هي لتسأله.
- مالك ياحبيبي؟
أغمض عينه بوهن ثم فتحها ونظر لها بضياع.
- الدكتورة بتقول إن هدى حصلها كده نتيجة تناولها لعقار سبب لها النزيف.
توسعت عينها بدهشة ونظرت له بعدم استيعاب. أمسكت ذراعه تحاول فهم ما يقوله.
- يعني إيه يابني؟
- يعني اللي حصلها مش طبيعي، هدى أخدت دوا، الدكتورة بتقول العقار ده فموي، يعني هدى يا أكلت يا شربت حاجة فيها الدوا ده.
- بس إزاي يابني، البنت ماكنتش بتخرج الفترة الأخيرة، واللي أعرفه إنها حتى مش بتجيب أكل من بره.
ثم صمتت قليلاً ونظرت له بضطراب.
- وأنا والله يا ابني مستحيل…
لم يتركها تكمل حديثها ليضع أصابعه على فمها بعتاب.
- كده يا أمي تفكري بيه كده؟ إنتِ متصورة إني ممكن أشك فيكِ؟ دا أنا أشك بنفسي ولا أشك فيكِ.
ليزفر أنفاسه بقوة ويضع رأسه بين راحتيه.
- أنا هتجنن، مش عارف الدوا ده جاها منين وإزاي.
ثم رفع رأسه بسرعة كأنه تذكر شيئاً.
- أمي خلي بالك، هدى مش لازم تعرف بالكلام ده، لغاية ما نفهم الكلام اللي قلتو. سيبيه بيني وبينك.
***
دخل الوحدة الصحية بهيبته يمسك يده المربوطة بقطعة قماش ابتلت بالدماء من شدة نزيف جرحه. ليستقبله دكتور وائل.
- راجح بيه، سلامتك ألف سلامة.
- الله يسلمك، عاوز حد يشوفلي الجرح.
- آه طبعاً، ثواني.
لينادي عليها.
- زهرة… يا زهرة…
لتخرج من غرفته التمريض مهرولة حتى تباطأت خطواتها عندما رأته يقف أمامها.
- أيوه يادكتور.
- شوفي يازهرة جرح راجح بيه لو محتاج تقطيب.
ابتلعت ريقها برهبة سوف تضطر للتعامل معه. أشارت إليه نحو غرفة الإسعافات. جلست تقطب جرحه وبرغم أنه أخبرها أنه ليس بحاجة لمخدر فهو يستطيع التحمل، لا تعلم أجبر أم غرور أم بخل، لكنها كانت تجده يعتصر عينه بألم. لتهلس لنفسها ساخرة.
- ما كنت خدت مخدر بدل البهرجة الكدابة.
انتهت لتربطها بشاش وقالت له.
- بلاش تحركها.
هتقولي شغلي هقولك استحمل.
هتقولي جرحك هيفك ويلتهب.
هتقول مش هتعبها.
- خلاص يا آنسة فهمت، وكنت هقول حاضر من البداية.
لوت شفتها بسخط تهمس متهكمة.
- راجح الهواري يقول حاضر، عجايز.
رغم أن همسها قد وصله لكنه فضل الصمت حتى استمع لتعليماتها.
- متشكر.
لتقول له محذرة.
- متنساش حكاية الحركة ضروري.
- ما قلنا حاضر، هي حكاية.
قالها بانفعال جعلتها تشير نحو غرفة دكتور وائل بحنق.
- الدكتور هيكتبلك الدوا.
اتجه نحو غرفة الطبيب وأثناء سيره نظر ليده المربوطة وابتسم على ثرثرتها.
***
خمسة أشهر مرت. كان يجلس في المطبخ يحيطه السكون لا يقطعه سوى صوت الشيخ عبد الباسط يصدح مرتلاً الآيات ليمنحه الطمأنينة. فهو يعتبرها دواء لصفاء روحه. منذ أن عاد من رحلة العمرة وهو يشعر بارتياح كأنه ولد من جديد. كان يتمنى لو كانت معه لترى التزامه وتغيره. أمسك هاتفه ينشر تلك الرسالة التي ينشرها لها كل يوم علها تراها.
وفي الصعيد.
أمسكت هاتفها تتصفح المواقع بتلك الصفحة المزيفة التي تستخدمها لتتخفى بها حتى تدخل صفحته لتعرف أخباره وتقرأ تلك الرسائل التي ينشرها. كانت تعلم أنها موجهة لها. فتحت صفحته لتقرأ رسالته.
(عودي حبيبتي، فما عاد قلبي يطيق البعاد. عودي حبيبتي، فروحي قد مزقها الفراق. وشوقي إليك فاق احتمالي حبيبتي.)
لسعت عينها الدموع وتنهدت بشوق. رغم كتمانه لكنه يشعل فؤادها. قلبت صورة ترى جسده الذي نقص وزنه وشحوب وجهه الذي يظهر جلياً في تلك الصور. مدت يدها نحو بطنها تمسح عليها كأنها تتلمس جنينها تستمد منه قوتها وتشحن صبره. تمسكت تلك الصور تقربها وتحرك. أناملها على وجهه بشوق حتى نهرتها كرامته. أغلقت الهاتف ووضعته تحت وسادتها. واستلقت تشعر بالهموم تثقل كاهلها. لا تعلم بسبب حالة شقيقتها التي لا تزال داخل حالة من الاكتئاب. هذا ما علمته من ندى وما شعرت به عندما اتصلت بها وحدثتها. ورغم أنها ادعت غير ذلك، لكن صوتها كان يحمل الكثير. شعرت بحركة صغيرها القوية لتضع يدها على بطنها المنتفخة تستشعر حركته وتهمس له موبخة بعد أن آذتها إحدى حركاته.
- متبقاش غتت يا ابن فارس، طالع غتت زي أبوك.
تنهدت وهي تمسح على بطنها. ورغم أن لسانها لم ينطق بشيء، لكن قلبها صرخ شوقاً له.
***
اتكأت على الجدار تستند عليه في خطواتها وعينها منخفضة تنظر لخطواتها المثقلة. أتعبها الحزن لتضع يدها على بطنها المنتفخة كأنها تستمد قوتها من صغيرتها. قطعت إحدى الممرات واستمرت بالسير كالتائه ليلمحها من بعيد فيهرول نحوها راكضاً بقلق يسألها بلهفة.
- ندى مالك؟ إنتِ تعبانة؟ أي اللي جابك؟
سماعها لصوته جعلها ترفع عينها نحوه ببطء وعينها تعاتبه. ليعاود سؤالها بعد أن طال صمتها.
- مالك ياندى؟ طمنيني أرجوك؟
لتجيبه ببرود.
- النهاردة موعد زيارة الدكتورة.
حرك عينه بتفكير ليسألها.
- هو النهاردة أي؟
- خمسة عشر.
ليضرب كف بكف ويقول معتذراً.
- أسف ياندى، شكلي نسيت. طب ما فكرتنيش ليه؟
ابتسمت ساخرة بحزن وقالت.
- إنت قلت إن عندك عمليات ومرضتش أأخرك.
ل ينظر نحو ساعة يده ويقول.
- فعلاً العملية بعد ربع ساعة… طب تحبي نأخر موعدك لغاية ما أخلص العملية الأولى؟
هزت رأسها نافية.
- ملوش داعي، روح على شغلك يا طارق، أنا هخلص وأروح عادي.
وقف بتردد ينظر إلى الساعة وإليها يلوم حاله كيف لم ينتبه لموعدها مع الطبيب رغم أنه من اختاره وأكد عليها الموعد بعد الاتفاق مع طبيبتها.
- خلاص يا طارق، أنا هدبر نفسي.
لسانها نطق مخالفاً لنظرات عينها التي تعاتبه ليتنهد بحيرة حتى وجد أحد الممرضين يهرول نحوه منادياً.
- دكتور طارق، العملية هتبدأ كمان شوية.
نظر لها نظرة اعتذار وقال.
- أسف ياندى.
هزت رأسها تزعم تفهمها.
- أبقى طمنيني عليكِ.
- حاضر.
صوتها الباهت جعله يوقن أنها تخفي تأثرها وتدعي عكس ما تقول، فقد أصبحت خلال تلك الشهور واضحة بالنسبة له. تركها ورحل لتنظر لآثره بحسرة.
- إمتى يا طارق هكون أهم حاجة في حياتك، لإمتى هفضل آخر اهتماماتك.
عاد إلى المنزل في وقت متأخر بعد وصول حالة طارئة استدعت بقاءه في المستشفى لوقت متأخر. بحث عنها لكنه لم يجدها. وجد طعامه المعد في الفرن وورقة وضعت على الطاولة كتب عليها.
- الأكل في الفرن، معلش أنا تعبانة مقدرتش استناك.
طريقة هروبها صار يحفظها رغم أنه يخشى المواجهة التي سيكون فيها الطرف الملام والمخطئ. اتجه نحو غرفة النوم ليجدها مستلقية على السرير تدعي النوم كعادتها. أبدل ملابسه واستلقى بجانبها ليمسح على شعرها بحنان ويقبل رأسها.
- ندوش، إنتِ صاحية؟
كانت تتمنى لو تستطيع الاستمرار في الكذب لكن حركة عيونها المرتبكة ستفضحها لتهمهم.
- اممممم.
- طمنيني، قالت أي الدكتورة؟
- الحمد لله.
أجابته دون أن تفتح عينها فمسح على وجنتها برقة يسأله.
- يعني دودو حبيبة باباها بخير؟
لتجيبه باقتضاب.
- أيوه.
- الحمد لله.
- اتعشيت؟
ابتسم على حنانها. فرغم غضبها منه لاتنسى واجباتها معه. تعامله كأنها والدته وهو صغيرها المدلل، حتى بجامته المنزلية وجدها معدة له مسبقاً. طقوس كثيرة تفعلها لأجله جعلته يتعود عليها ويتدلع أكثر.
- مليش نفس.
فتحت عينها بوهن وقالت تعاتبه.
- ليه كده؟ أنا جهزتلك العشا.
ليقرص وجنتها ويقول يمازحها وهو يضرب أنفها بأصبع. يعد لها الأسباب.
- ما إنتِ عارفة إني كسلان ومتعود على الدلع ومبعرفش آكل لوحدي.
امتعض وجهها وهمت بالنهوض.
- هسخنلك الأكل، بس أنا تعشيت، مش هقدر أتعشى تاني.
لكنه جذبها يمنعها من النهوض واحتضنها يتمتم.
- متتعبش نفسك، أنا مش عاوز عشا.
تلومه وهي داخل أحضانه.
- بس إنت تعبان، كده غلط.
لكنه شدد من احتضانها وقال وهو يتثاءب ويغمض عينه.
- أنا عاوز أنام.
ابتسمت هي أيضاً وأغمضت عينها، فدفء أحضانه ينجح دائماً في منحها الأمان والراحة. نغزة قلبه موبخاً، تبحث عن راحته دائماً حتى وهو يجلب لها الألم. ثم شدد من احتضانها كأنه يطمئن قلبه برضاها ويعترف لنفسه أنه أصبح يدمن قربها. ليقبل رأسها وقلبه يهمس له أنه يحبها. ف تلك الشهور الماضية وما مروا به كانت كفيلة في زرع ذلك الحب في قلبه.
***
سارت بخطواتها المترنحة نحو عيادته تحمل ترمس القهوة بعد أن أخبرتها سماح بتعطل آلة صنع القهوة الخاصة بهم، ولعلمها بعشقه للقهوة أعدت له القهوة ووضعتها في ترمس ثم نزلت إليه. لتستقبلها سماح.
- أهلا ياندوش.
التقطت منها القهوة وقالت شاكرة.
- أنقذتينا، دا لسه دكتور طارق طالب فنجان.
ثم غمّزت لها بخبث وهمست.
- استني خلينا نعمله اختبار نشوفو هيعرف قهوتك.
ابتسمت ندى بتوتر وخشيت أن تحرج أمام صديقتها، لكن سماح تحمست وصبت فنجان القهوة واتجهت نحو مكتبه لتغمز لندى مرة أخرى قبل أن تدخل. لوضع الفنجان أمامه وقالت.
- اتفضل يادكتور.
رفع نظره نحوها بدهشة ليسألها مستفسراً.
- إنتِ عرفتي تصلحي المكنة؟
لتكتم سماح ضحكاتها وتقول.
- لا، اشتريت وحدة جديدة.
قطب حاجبه وقال بتعجب.
- اشتريتيها إمتى؟
جاهدت ضحكاتها واستمرت في كذبتها.
- طلبتها دليفري، دوق واديني رأيك.
رفع الفنجان نحو أنفه يستنشق رائحتها ثم ارتشف القليل لتزداد دهشته، فمذاقها كان يشبه مذاق قهوة ندى. عادة يرتشف القليل مرة أخرى ليتأكد من مذاقها. اتسعت عينه يسألها.
- نوعها أي المكنة الجديدة؟
لتنفلت ضحكتها هذه المرة بعد أن شعرت بحيرته لتشير له نحو الخارج.
- تعالي شوفها بنفسك يادكتور، أصلي نسيت اسمها.
نهض بسرعة واتجه نحو الباب ليفتحه فتتسع ابتسامته عندما رآها ليسرع بخطواته نحوها.
- ندى، كنت متأكد أنها قهوتك.
ابتسمت بخجل عندما رأت سماح تقف خلفه وتغمز لها. استندت على مقبض الكرسي ونهضت تقول بتلعثم.
- سماح قالت إن المكنة عطلانة وأنا عرفاك متعرفش تشتغل من غير فنجان القهوة.
لمعت عينه بحب لاهتمامها ومعرفتها بأدق تفاصيله.
- تسلم إيدك، تحفة.
ليحيط كتفها بذراعه يحثها على السير.
- كويس إنك جيتي عشان أعملك شوية فحوصات.
ثم نظر نحو سماح.
- الكشف الجاي إمتى؟
- كمان نص ساعة يادكتور.
ليحول نظره نحوها.
- كويس، أعتقد كفاية، يلا تعالي.
لتسير بجانبه بخجل من نظرات سماح المبتسمة وقبل أن يدخلا سالته سماح مازحة.
- وأجرة الكشف يادكتور؟
ليضحك هاتفاً.
- قيديها على حساب جوزها.
لتضحك سماح وندى معاً.
أمسك يدها يساعدها في الاستلقاء بحذر على سرير الفحص الطبي الموجود في عيادته. استندت على يده وضغطت على شفتيها تتحكم بحركتها، فثقل جسدها مع صغيرتها جعل حركتها أكثر صعوبة.
- على مهلك ياندوش، وأنا معاكِ.
استلقت على السرير وبدأ هو بأجراء بعض الفحوصات لها كضغط الدم ثم معدل وسرعة ضربات القلب. أشرقت ابتسامة كبيرة تنير وجهها عندما شعرت بركلات صغيرتها وسماعه يتنقل فوق موضع قلبها الذي بدأ يخفق بسرور. لتتأوه وتضع يدها على بطنها عندما زادت قوة ركلاتها. انتبه هو لذلك ليضع يده بالقرب من يدها يشاركها مستمتعاً بحركة صغيرته. واتسعت ابتسامته يخبرها.
- شكل دودو فرحانة إنها موجودة في عيادة باباه.
مشاعر جميلة ولحظات كانت لأجل أجمل اهتمامه ولمساته أنعشت قلبها المتعطش. حتى خشيت أن ينتبه لنبضاتها المتسارعة ويفضحها قلبها العاشق.
- هنعمل رسم قلب ياندوش عشان نطمن على القلب، هو أنا الحمد لله مطمن بس زيادة أمان.
ثم بدأ بأجراء هذا الفحص. وما أن انتهى اعتدلت في رقودها وساعدها على ارتداء ملابسها وحجابها.
ظل يحدق بها وهي تثبت حجابها كم هي جميلة وكأنه يراها بشكل آخر اليوم. هل قلبه الذي باتت تملكه هو السبب أم زادها الحمل جمالاً؟ انتبهت لتحديقه بها لتبتسم بخجل وتسأله.
- بتبصلي كده ليه؟
- إنتِ حلوة أوي ياندى.
جاءت إجابته بسرعة صادقة، فقد نطقها قلبه قبل لسانه. لتتورّد وجنتيها وعقدت سعادتها لسانها عن الكلام. لكن تلك السعادة لم تدوم وتحولت ملامحها للعبوس عندما سمعته يقول مازحاً.
- بس بيقولوا إن الحامل في بنت بتحلو، يعني بنتي هي السبب.
تبع كلماتها بضحكة استفزتها لتلكم ذراعه وهي تقول بأنزعاج.
- يعني بنتك هي السبب؟ لا أنا حلوة من غير بنتك يادكتور.
قهقه ضاحكاً وهو يدعك ذراعه وينظر لوجهها المحتقن وهي تشيحه بعيداً عنه. ليمسك ذقنها بأنامله ويعيد وجهها لتقابل عينه عينها. ويخبرها بنبرة صوت تكاد تجزم أنها تسمعها للمرة الأولى.
- إنتِ قمر ياندى مع بنتي أو من غيرها.
أثلج قلبها وصفه وتفاجئت به يحيط وجهها ويقترب منها يقبل وجنتها. لكنه انتفض مبتعداً عنها بعد أن سمعوا طرقة على الباب ليفتح بسرعة وتصدر شهقة قوية من تلك التي دخلت فجأة ووقفت متسمرة تنظر لهم.
رواية بنات ورد الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رشا عبد العزيز
أتسعت عيناه بتعجب، هل وصلت بها جرأتها أن تأتي لعيادته بل وتقتحمها بهذا الشكل؟ فعلتها حررت شياطين غضبه ليهب واقفًا ويصرخ بها:
- أنتِ إزاي تدخلي كده؟
رؤيتها لمشهد قبلته مزق قلبها. لم تتوقع أن تراه بلحظة حميمية هكذا مع من تبدو زوجته.
ارتعش جسدها وهي ترى نظراته الغاضبة وعروقه النافرة تنذرها أنها تجاوزت خطوطها الحمراء.
أبتلعت ريقها وقالت متلعثمة، تشير نحو الباب:
- والله يا دكتور أنا خبطت على الباب بس الظاهر إنك مسمعتنيش.
ضغطت على حروف كلمتها الأخيرة كأنها تلمح لوضعه الذي رأته.
أقتربت خطواته منها وازدادت ثورة غضبه بعد كلامها ليصرخ بها موبخاً:
- ولما خبطتي مش تستني حد يسمحلك تدخلي؟ هي وكالة من غير بواب!
لترفع يدها تحاول أن تشرح له وتقول وهي تمثل الحرج وتستحضر دموعها الكاذبة لكي تستعطفه:
- والله يا دكتور ما كانش قصدي، أنا آسفة.
ثم أدعت الأنخراط في البكاء وترفع صوت شهقاتها لتثير أستعطافه.
أجتذب صوت صراخه مسامع سماح التي هرولت نحو غرفته ووقفت تنظر لروان بدهشة وتوزع نظراتها بينها وبين طارق:
- فيه إيه يا دكتور؟
وما أن رآها حتى قال يلومها وهو يشير نحو روان:
- الأنسة دخلت إزاي يا سماح؟
- أنا آسفة يا دكتور، أنا يا دوب دخلت الحمام من دقايق وماشفتهاش.
لتسرع هي بالدفاع عن نفسها:
- أنا مشفتش المدام بس والله خبط الباب يا دكتور، أنا مش قليلة رابيه عشان أدخل من غير ما أخبط.
قالت كلماتها وأسترسلت في البكاء تحاول أن تجعله يشعر بذنب أو الأسف.
الاتهامه لم تهزه دموعها ولم تؤثر به حتى شعر بيد ندى تمسك ذراعه:
- خلاص يا طارق، هدي نفسك، حصل خير.
زفر نفسًا طويلًا وهدأت ثورة غضبه مضطرًا بعد أن رأى قدوم المرضى الذين وجده يقترب بفضول.
ولأنه لا يريد إثارة الأقاويل والريبة عن عيادته سألها:
- جاية عاوزة أي؟
لتمد له يدها ببعض الأوراق وتقول بمكر تدعي القهر:
- دي شهادات تقدير من مركز الأيتام باسم حضرتك وكشوفات إيداع مبالغ ربح القناة في مستشفى الأورام، جبتهم عشان تشوفهم عشان تتأكد.
نظر إلى الأوراق وقال متهكمًا:
- وأنا من إمتى شككت في كلامك؟
وأردف يسألها بحدة:
- وبعدين كان ممكن تديني الورق ده في الجامعة، جاية هنا ليه؟
كان أختراع الكذبة أمرًا هينًا عليها لتقول بصوت مثلت فيه الحزن:
- كنت قريبة من عيادة حضرتك، قلت أسلمهم هنا.
لوت سماح شفتيها بستةجان وهي تنظر لها وهمست مستنكرة:
- تلاكيك بنات آخر زمن.
همست له ندى من جديد:
- خلاص يا طارق.
ليشير نحو سماح بأمر:
- سماح، خذي الورق.
واتبع ذلك نظرة مستنكرة نحو روان ليقول باقتضاب بعد أن رفع يده يشير نحو الباب:
- متشكر، مع السلامة يا روان.
خرجت بخطوات متوعدة وهي تردد مع نفسها بإصرار:
- ماشي يا طارق، أما خليتك تحبني، أما خليتك تسيبها وتجيني راكع.
أما هو فطلب من سماح أن تؤخر الكشف عشرة دقائق ريثما يلتقط أنفاسه.
جلس يمسح على وجهه بقوة ويزفر أنفاسه بضيق.
أقتربت منه ووضعت يدها على كتفه:
- أهدى يا طارق.
نفخ بتأفف كأنه يحاول أن يطفئ نيران غضبه التي أوقدتها تلك المتبجحة.
ضغطت على كتفه وسألته بتردد:
- هي من البنت دي؟
رفع نظره نحوها وأخبرها بأضطراب:
- دي طالبة عندي وهي مسؤولة القناة الخيرية اللي حكيتلك عنها.
عينه كانت معلقة بها يترقب ردة فعلها فقد خشي أن لا تصدقه، لكنها خالفت مخاوفه ومسحت على شعره قائلة:
- خلاص أهدى، أنت عندك مرضى ومحتاج تركز، وباين البنت مقصدتش.
ليقول معترضًا على وصفها بأنفعال:
- دي تافهة وغبية.
وأمسك يدها يحاول أن يساعدها في الجلوس بعد أن أسعده تفهمها وأهتمامها وأطرب قلبه ثقتها به.
جلست بجانبه تمسح على يده بهدوء وعينها تحدق به بقلق:
- أجيب لك ميه تشربي؟
ألتفت نحوها مبتسمًا ليداعب وجنتها بحنان:
- تعرفي يا ندى، ساعات بحس إنك بتخافي عليا زي الأم اللي تخاف على ابنها.
تورّدت وجنتها واخفضت عينها بخجل.
تحركت يده يحيط كتفها ويجذبها نحوه يقبل جبينها:
- ربنا يحفظك لي.
لترفع يدها تسحب يده وتضعها على بطنها المنتفخة:
- ويحفظ لك ليا وليها.
أنحنى يقبل وجنتها ويقول ضاحكًا:
- دي بدل اللي الضاعت.
ضحكت وقالت تمازحه:
- لا كده أنا لازم أمشي قبل ما حد يطب علينا وعشان تشوف شغلك.
ثم نهضت بمساعدته وغادرت المكان ليتنهد بأرتياح ويضع يده على قلبه، فها هي تثبت له كل يوم أنها تستحق أن تمتلك هذا القلب.
***
دخل إلى قصره لتجذب مسامعه صوت ضحكات والدته التي تجلجلت حتى أثارت دهشته. فلم يسمعها تضحك منذ وفاة شقيقه.
أقترب من غرفتها ليجد صوتها يخالط صوتًا آخر يبدو أن هناك ضيوفًا معها. وكلما اقترب اتضحت هوية ذلك الضيف فلم تكن سوى تلك الممرضة التي أصبحت تتردد على منزلهم في الآونة الأخيرة بسبب مرض والدته.
وقف على أعتاب غرفتها ليرى ذلك المشهد الذي لم يكن غريبًا عليه فقد تكرر أمامه أكثر من مرة.
تلك الفتاة الثرثارة تحتضن أبنة شقيقه وتداعبها والأخرى منسجمة معها بسعادة.
تحمحم قبل دخوله لتبتعد عن الصغيرة وتستقيم واقفة ما أن رأته:
- أحم... مساء الخير.
- مساء النور يا غالي.
- كيفك يا ست الكل؟
قالها منحنياً يقبل رأس والدته ثم حول نظره نحو تلك التي تقف تنظر لهم بأستحياء:
- كيف صحتها النهاردة؟
لتجيب بحرج:
- الحمد الله أحسن بكتير بس لو التزمت أكتر هيكون أحسن، ولو سمعت كلامي هتتعافى بسرعة، ولو رضيت تأكل الأكل الصحي هيفرق كتير، ولو بطلت السكر يكون عظمة على عظمة.
كان يقف يستمع لها ويغمض عينه متنهدًا بقلة حيلة يود لو يصرخ بها أن تتوقف.
صوتها يثير حنقه حتى رحمته والدته عندما ضحكت قائلة:
- والله الأكل اللي بتقولي عليه ده ماسخ ومفهوش طعم، يا جي أي جنب الأكل البلدي بتاعنا.
ضحكت بخفة وقالت ساخرة وهي تشهر يدها أمامها وتعد على أصابعها:
- عندك حق يا حجة، يا جي أي جنب الأكل اللي بينقط سمنة ومليان سكر وملح وبيجيب تصلب شرايين وانسداد أوردة وضغط وسكر ودهون على الكبد.
- واه... حيلك يا بتي، كل ده.
قالتها والدة راجح وهي تلوح لها بيدها أن تتوقف لتبتسم زهرة وهي تهز رأسها مؤكدة:
- وحياة عيونك الحلوة كل ده.
- يجبر بخاطرك يا زهرة يا بتي بس العينين الحلوة راحت بعد ما راح الغالي.
قالتها بعين دامعة جعلت زهرة تلوم نفسها لتغير دفة الحديث:
- أنا ماشية يا حجة، خلي بالك من توتو الحلوة.
- لسه بدري يا بتي.
- بدري من عمرك يا غالية، أمي زمانها عاملة غاغة.
لتنظر لها بلوم وتقول تنهرها:
- ولا غاغة ولا حاجة، أنتِ جولي بس كنت عند الحاجة أم راجح وشوفي مين هيفتح خشمو معاكي.
أبتسمت لها زهرة بود وقالت:
- تسلمي يا حجة، ربنا يطول في عمرك ويديكي الصحة.
لتقرص وجنته الصغيرة وتقول:
- توتو خلي بالك من نفسك، ناكل كويس فاكهه والخضار ونبعد عن الحلويات، ولو قولتي مش بحبه.
لتتوقف هي وتكمل الصغيرة:
- هقولك مفيدة عشان صحتك.
ثم أكملت:
- ولو قلتي مش بحبها هقولك.
لترد الصغيرة:
- استحملي عشان صحتك.
وتابعت:
- ولو قولتي مش هقدر هقولك.
لترد الصغيرة:
- هزعل منك.
ليضحك الاثنان معًا تشاركهما الحاجة تحية. كان يراقبهم بوجه ممتعض ويهمس ساخطًا:
- يا ساتر يارب، نشرت الفيروس في العيلة.
همت بالمغادرة، نظرت نحو الحاجة تحية وقالت برجاء:
- مش هوصيكي، بلاش سكر يا سكر.
ضحكت الحاجة تحية وهزت رأسها:
- حاضر.
لتحمل حقيبتها وتغادر. وما أن غادر حتى قال بتذمر:
- واه... البنت دي مبتسكتش، كيف الجطر، أكنها بالعة راديو.
وما أن أكمل جملته حتى سمع:
- نسيت أديكي علبة الدوا الأحتياطي يا حجة.
ليلتفت نحوها ويجدها تقف عند باب الغرفة الدموع تلمع بين جفنيها ومن اختناق صوتها تأكد أنها سمعت ما قاله.
تقدمت بخطوات مسرعة تعطي الدواء لوالدته التي كانت تنظر لها بحرج تتبعها نظرات لائمة له:
- كتر خيرك يا بنتي.
التقطت منها علبة الدواء لتفر هي من أمامهم هاربة قبل أن تفضحها دموعها أمامهم.
- ليه كده يا ابني حرام عليك، دي البنت طيبة وزي العسل، دا أنا مش بضحك ولابرتاح في الكلام إلا معاه.
تصنع الجمود وقال بلا مبالاة رغم أنه أحس بالإحراج والندم:
- وأنا أيش عرفني أنها هترجع؟
خرجت من القصر بخطوات راكضة تمسح دموعها الساخنة براحة يدها وتعاتب لسانها بقسوة:
- مش هتبطل الداء اللي فيك دا، خلتنا مسخرة للي يسوى واللي ما يسواش، كان عنده حق، طلعت الناس كلها شايفاني راديو.
ثم توقفت فجأة والتفتت تنظر إلى القصر متهكمة:
- بقى أنا راديو؟ يا ضفة الدولاب عشانا وشفنا حيطة بتتمسخر.
عادت تكمل سيرها وهي تهمس سرًا وتنعته بأبشع الشتائم حتى لمحتها تسير تجاهها وجهها يحمل كدمات جديدة:
- بت يا جميلة أي اللي حصل لوشك يا حزنية؟
لترد بصوت مكسور:
- زي كل مرة...
لتلومها بقسوة وهي تتلمس جراحها والأخرى تتأوه بوجع:
- أنتِ يا ولية هتفضلي ساكتة لحد ما يجيب أجلك!
لتقول بعجز وألم تشكو لها بعين باكية:
- روحت اشتكيت لأخويا وقال أرجعي بيت جوزك وأنا هبقى أتكلم معاه.
لتنفعل زهرة وتضع يدها على خصرها ساخرة:
- هيكلمو إمتى إن شاء الله؟ إذا كان هو أصلاً بيخاف منه!
نظرت لها بخوف وقالت بصوت مرتعب وهي تضع يدها على كتفها:
- زهرة أنا خايفة يعرف إني اشتكيت منه ويعملي حاجة.
أستشاطت غضبًا وعضت على أصبعها بغيظ:
- أخ... لو كنت راجل بس كنت ضربته علقة عدمت العافية عشان يبطل يستقوى على اللي أضعف منه. يا أخي تفووو... على راجل فاكر الرجولة بضرب مراته.
ثم نظرت لها وقالت بحزم:
- بت تعالي معايا وأنا هحميكي وهخلي جدي عثمان يشهد كبارات البلد عليه.
صمتت تنظر لها بشرود تتخيل عواقب هذا الفعل ومصيرها لو علم بذلك لتهز رأسها بعنف رافضة:
- لا لا يا زهرة مش هقدر أعملها.
ثم وضعت يدها على بطنها وقالت بأمل:
- زهرة أنا حامل، جايز لما يعرف ينصلح حاله.
كررت حديثها بسخرية:
- ينصلح حاله.
لتزفر أنفاسها بشدة وتقول بيأس:
- جايز يا جميلة.
لتربت جميلة على ذراعها وتتركها مسرعة:
- أنا اتأخرت لازم أرجع قبل ما يرجع، فتك بعافية يا أختي.
ظلت زهرة تنظر لأثرها بحزن وتتمنى أن يتحقق أملها.
***
دخل إلى شقته التي سكن الحزن أركانها وتوطد الألم تفاصيلها. كانت تغرق في ظلام دامس. الأمن بصيص نور يأتي من غرفتهم.
زفر أنفاسه بثقل، فكل تلك الشهور التي مضت لم تنجح في جعلها تنسى ولم تخفف وطأة الألم الذي جثى على صدرها فأخذ منها مأخذه. من يراها يشعر أن عمرها زاد سنين في تلك الشهور. فعينها ذابلة ووجهها فقد الحياة ونسي ثغرها كيف يبتسم.
فتح باب الغرفة ليجدها تجلس على السرير تضع رأسها بين قدميها وتضمها إلى صدرها وبجانبها ملابس تلك الصغيرة الراحلة.
أغمض عينه وبدأ يستجمع قوته التي بدأ يفقدها شيئًا فشئ.
أقترب منها وجلس على السرير يتلمس خصلات شعرها مناديًا:
- هدى حبيبتي.
رفعت رأسها نحوه بوهن وقالت بصوت متعب:
- علي جيت إمتى يا حبيبي؟
مسح على وجهها ومرر أبهامه تحت عينها يمسح آثار الدموع معاتبًا:
- لسه واصل... وبعدين يا هدى أنتِ مش وعدتيني تبطلي عياط؟ أحنا مش اتفقنا؟
أرتجفت شفاهها واهتزت اجفانها التي أثقلتها دموعها وهي تنظر له بقلة حيلة:
- مش قادرة يا علي.
أحاط وجهها بيديه وعاد يمسح دموعها:
- يا روحي حاولي وخلي ثقتك بربنا كبيرة.
نظرت اليه برجاء وقالت متوسلة وهي تضع يدها فوق يده التي تحيط وجهها:
- خلينا نجرب يا علي وبلاش نستنى، إن عاوزه أكون أم تاني.
- حببتي الدكتور قالت ست شهور على الأقل بعد الإجهاض عشان ترتاحي.
عادت تحاول تترجاه وتحاول أستعطافه:
- طب نغير الدكتورة وحياتي يا علي وحياة بنتي اللي راحت.
تبعت كلمتها الأخيرة انهيارها بالبكاء ليحتضنها محاولًا التخفيف عنها:
- خلاص يا روحي هنعمل كل اللي أنتِ عاوزاه بس بشرط.
خرجت من أحضانه بسرعة وقالت وهي تمسح دموعها بلهفة:
- أي هو؟
قرص وجنتها وقال مبتسمًا:
- أشوف ضحكتك اللي وحشتني.
لتبتسم ابتسامة باهتة فرفع سبابته برفض:
- تؤ... تؤ... عاوز ضحكة حبيبتي اللي بعشقها.
لتضحك من بين دموعها:
- أيوه كده خلي وشك ينور بيها وتنور بها دنيتي.
- بحبك يا علي.
قالتها بعفوية كأنها تشكره على مساندتها:
- وأنا كمان بحبك يا روح علي.
ثم نهض يجذب يدها ويحثها على النهوض:
- يله غيري هدومك وتعالي أنا عازمك على العشا.
- بس...
عبس وجهه وقال بحدة:
- يله يا هدى ومش هقبل أي رفض.
وقبل أن تفتح فمها بأعتراض وجدته يحملها لتهتف بتعجب:
- بتعمل أي يا مجنون؟
- هاخذك المطعم بالبجامة لو رفضتي.
لتقهقه ضاحكة وتقول برجاء:
- لا يا علي والله هغير أهو، نزلني بس.
لينزلها وما أن لامست قدمها الأرض حتى هرولت نحو الحمام بسرعة ليضحك على فعلتها ويتنهد بأرتياح أنه استطاع أن يجعلها تبتسم وتضحك.
***
ساقته قدمه نحو الوحدة الصحية ولا يعلم هل حضوره مجرد شعور بالذنب أم شي آخر.
دخل الوحدة وأتجه بخطواته نحو غرفة الممرضين فصوت ثرثرتها كان كفيلاً بأن يدله على مكانها حتى استوقفه صوت أحدهم:
- راجح بيه أهلاً بحضرتك.
التفت ليجد دكتور وائل يقف وينظر له بتلك الإبتسامة السمجة، ذلك المغفل أفسد خطته في رؤيتها.
أجابه برتباك بعد محاولات في تبرير سبب وجوده ليدعك جبهته ويقول:
- أهلاً يا دكتور... كويس إني لقيتك، عندي صداع جامد خايف يكون الضغط عالي والا حاجة.
نظر لها وقال مسرعًا وهو يشير نحو غرفته:
- اتفضل يا بيه هقيسهولك حالاً.
نظر له بضيق أخفاه خلف ابتسامته المزيفة وتبعه بأستسلام.
أجرى له وائل الفحص وطمأنه أنه بخير وليس هناك داعي للخوف.
خرج بعد أن سئم من ابتعاد وائل عنه أو تركه. فوقف يشكره أمام باب غرفته ليجدها تخرج من الغرفة برفقة صديقتها. وجهها يحمل ابتسامة عريضة تناقصت حتى اختفت ما أن رأته يقف أمامها.
لكنها تجاهلت وجوده وتجاوزته بعد أن رمقته بنظرة جانبية ممتعضة.
جعلته يشعر بالأنفعال من طريقة تجاهلها.
خرج من الوحدة يأخذ نفسًا عميقًا ويخرجه دفعة واحدة كأنه يطرد هذا الغضب الذي يستغرب شعوره به ولا يجد له مبررًا. فماذا توقع أن ترحب به أو أن تلقي السلام عليه.
***
بعد يومين في بيت الحاجة نعمة.
وقفت بجانب وائل وهو يجري لها الفحص بعد اضطراب وضعها. وما أن انتهى حتى وجدت جابر يدخل ويسأله بلهفة كأنه يسأل عن والدته:
- طمني يا دكتور ملها أمي الحجة؟
ربت وائل على كتفه وقال بعملية:
- لا اطمن، هو شوية ارتفاع في الضغط وكمان أنا لازم أشوف حكاية المرارة، ياريت تعملوا التحاليل. أن بلغت دكتورة شمس وهي هتفهمكم.
قالها وائل وهو يحول نظره نحو شمس التي تهز له رأسها تؤيد كلامه ثم شرع يلقي بعض الإرشادات لهم.
كانت شمس تراقب احتقان وجه جابر الذي لم تخفى عليه نظرات وائل الجريئة نحو ابنة عمه التي كانت جالسة بجانب والدتها ولا النظرات التي خطفتها ابنة عمه نحو هذا الطبيبة.
هزت شمس رأسها بعجز وهي تنظر إلى وائل ذو العيون الزائغة فلم تسلم سيدة من نظراته الجريئة. حتى قررت إنهاء هذا الوضع:
- متقلقش يا دكتور أنا موجودة إن شاء الله أعتمد عليه.
أربكته حدة شمس ليتلعثم قائلاً:
- آه طبعاً، عن إذنكم.
خرج برفقة جابر تتبعه أعين فرحة بأعجاب لم تستطيع إخفاءه لتسأله شمس وعينها معلقة على أثره:
- هو دكتور وائل ساكن القاهرة؟
أجابتها شمس باقتضاب:
- أيوه.
ثم جلست بجانب نعمة تسألها بقلق:
- أحسن دلوقتي يا خالة؟
ابتسمت بوهن وقالت تطمئنها:
- الحمد الله.
عادت شمس تنظر إلى فرحة التي كانت شاردة وتبتسم ببلاهة. تسلل الخوف إلى قلبها أن تكون نظرات ذلك الوقح قد زرعت شيئًا من الوهم في عقلها المراهق.
***
منذ أن ذهبت إلى العيادة وطردها بتلك الطريقة وهي تحاول استعادة ثقته ورضاه.
اعتذرت أكثر من مرة وأقنعته أنها لم تقصد فعلتها تلك حتى استطاعت إقناعه.
طرقت باب غرفته في الجامعة ودخلت بعد أن أذن لها بالدخول.
رفع وجهه عن الأوراق التي كان يطالعها وقال:
- خير يا روان، عاوزة أي؟
أقتربت من مكتبه وقالت وهي تحمل الأوراق:
- قلت أجيب لك شهادات الشكر والتقدير، المكتب هنا أحسن ما أخذها العيادة ويحصل سوء تفاهم زي المرة اللي فاتت.
تقطبت حاجبه بأستغراب ثم خلع عنه نظارته الطبية وقال بتعجب:
- شهادات تاني ليه؟
حدة صوته هذه المرة جعلتها تسرع بالتفسير وهي تحرك يدها نافيه:
- لا يا دكتور أصل المرة دي من مستشفى الأورام بعد الإيداع، ممكن حضرتك تشوفه عشان تتأكد، دول حتى باعثين لك هدية معايا.
أزدادت دهشته ونهض من مكتبه تجاهها وهو يسألها:
- هدية أي؟ أنا مش مبلغك إن الاستشارات دي مجانية.
أقتربت منه تعطيه الأوراق وتخبره موضحة:
- لا يا فندم، اقرأ حضرتك دي رسالة شكر مرفقة بهدية.
التقط منها الأوراق وبدأ بقرأتها فوجدها رسالة شكر فعلًا من مستشفى الأورام، لكن ليس هناك ذكر لهدايا.
كان مندمجًا بقرأت الأوراق عندما باغتته برش عطر عليه وقالت مبتسمة:
- بصراحة الهدية مني، البرفان ده عجبك؟ أصل حضرتك ساهمت برفع مشاهدات القناة، ودا أقل تقدير.
تراجعت خطوتين إلى الوراء وبهتت ملامحها عندما وجدت عينه تتسع بغضب، فلم يستوعب كمية الجرأة التي جعلتها تتجاوز حدودها معه إلى هذا الحد.
خرجت كلمات أسفها متقطعة:
- آسفة يا دكتور، ما كانش قصدي أني أضايقك، كنت عاوزة بس آخذ رأيك في البرفان و...
لم يمهلها إكمال حديثها يصرخ بها موبخًا:
- أنتِ مين سمحلك أنك تتجاوزي حدودك بالشكل ده؟ أوعي يكون شغلي معاك أو تغافلي عن أخطائك صورت لك إننا بقينا أصحاب فمحيتي حدودك معايا؟ فوقي!
يصرخ بها فأنتفضت:
- أنا هنا الدكتور وأنتِ طالبة عندي، وإذا كان على شغل القناة فأنا منسحب منه ومش عاوز الخير اللي يجي منها خلاص، أطلعي من مكتبي ومش عاوز أشوفك تدخلي هنا تاني.
هزت رأسها رافضة بانهيار مفتعل:
- لا يا دكتور أرجوك، أنا والله ما كانش قصدي، أعتذر والله بس بلاش تقطع سبيل الخير.
حجة اتخذتها لأستعطافه فأبتعاده عن القناة يعني ابتعاده عنها لتبكي وهي تتوسله:
- خلاص أنا مش هدخل المكتب تاني، أعتذر بس بلاش القناة.
قالتها وهي تمسح دموعها وتدعي الحزن.
كانت أنفاسه متسارعة تخرج نيران غضبه معها ليمسح على وجهه ويقول لها مشيرًا نحو الباب:
- اخرجي يا روان.
ضمت قبضتيها ووضعتها أمام فمها برجاء:
- يعني سامحتني يا دكتور؟ والله ما كانش قصدي، آسفة.
أغمض عينيه وزفر طويلة خرجت منه وهو يكرر:
- اخرجي يا روان.
لتحاول مرة أخيرة علها تفلح:
- هخرج بس قلي إنك سامحتني ومش هرجع هنا تاني.
ظل يحدق بها يبدو أنها مصرة لينصاع لها كي يتخلص من إلحاحها:
- خلاص يا روان سامحتك بس اخرجي ومتجيش المكتب تاني، أنت فاهم؟
ضغط على كلماته الأخيرة بحدة جعلتها تخرج بسرعة وتغلق الباب خلفها ليزفر أنفاسه متأففًا، فهذه الفتاة يبدو أنها أصبحت تتمادى، يجب أن يضع حدًا لها ولتصرفاتها المجنونة.
أما هي فما أن خرجت حتى مسحت دموعها الكاذبة وابتسمت بخبث فقد حققت مبتغاها ورشة العطر سوف توصل رسالتها وتحقق أهدافها.
كانت تمسك هاتفها بيد مرتعشة، تلك الرسائل التي كانت تتجاهلها سابقًا أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا تصف لها ملابس زوجها ومواقف خاصة به تزرع في داخلها الشكوك أنه يخونها. وآخرها رسالة تخبرها أن حبيبة زوجها قد أهدته عطرًا يمكنها أن تشمه على ملابسه.
حاولت نفض تلك الأفكار لكنها ظلت تسكن رأسها تستنزف صبرها وتحرق تعقلها حتى شعرت بوصولهما. أن دخل ركضت نحوه تحتضنه. ورغم أنه أسعده تصرفها، لكن آثار ريبته في ذات الوقت فلم يتعود منها على احتضانه هكذا أو التمسح به هكذا.
غرست أنفها بين ثنايا رقبته تتحرى حقيقة تلك الرسالة لتسري إلى أنفاسها رائحته التي صدمتها.
ارتدت إلى الوراء خطوتين مبتعدة عنه تنظر إليه بعين متسعة.
حركتها المفاجئة أثارت دهشته وزادتها نظرته لتسأله بصوت مرتجف:
- ريحة البرفان بتاعك متغيرة.
لعن في سره تلك البجحة وجرأتها التي بدأ يمقتهالكن سؤالها أربكه ليرد دون مواجهة عينها مدعيًا انشغالها في خلع حذائه:
- آه فعلًا، كنت عاوز أغير البرفان بتاعي، هشام نصحني بالنوع ده جربته لكن بصراحة معجبنيش.
ثم رفع عينه لتصطدم بعينها التي كانت تحدق بعينيه كأنها تقتنص الحقيقة أم الكذب من بين حروفه:
- أنت أي رأيك حلو؟
تاهت لاتعلم بماذا تجيبه، عقلها بدأ يستجيب لتلك الشكوك التي تزرعها زيادة تلك الرسائل التي بدأ تضرب ثباتها وتزعزع ثقتها به.
عدم أجابتها أثار قلقه أن تكون كذبته لم تنجح في إقناعها ليعاود سؤاله:
- ندى، روحت فين؟ عجبك البرفان؟
- لا.
أجابته سريعة وحادة لاتعلم أهي له أم لعقلها الذي بدأ يعرض عليها مشاهد خيانته بأشكال مختلفة.
لم تكن اليوم كما عهدها، نظراتها تشي له بعدم اقتناعها وصوتها يشوبه القلق.
نظر إلى رباط حذائه الذي فتحه تواً، فانسابت خيوطه متباعدة عن بعضها كأن خيوط تلك الحياة التي كان يحيكها بدقة كما تعود حتى أعتقد أنه أتم غرزها.
ولما يبقى سوى أحكام عقده لتفك ذاك النسيج، تظهر صورة الحياة المثالية التي رسمها في خياله، لكن يبدو أن أحد غرزه قد حلت تنذر بأنفلات الخيوط من يديه وأنفراط عقده.
رواية بنات ورد الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رشا عبد العزيز
سكون الليل الذي اعتاد عليه صار صديقه الصامت. لم يعد يسمع سوى حركته وهدير أنفاسه. صوت صرير ذلك السرير أزعجه، لينهض يبحث عن مفك يساعده في تثبيت ذلك البرغي المتخلل. خرج يبحث في المطبخ عنه وعاد.
يرفع الملاءة ويبحث. أحنى رأسه بعد أن فتح كشاف الهاتف ليضيء تلك العتمة، حتى استطاع إيجاده وتثبيته. ليصدر عنه تأوه بعد أن ارتطم رأسه بحافة السرير وسقط المفك من يده، يصدر صوتًا يكسر ذلك الصمت. رفع يده يدعك رأسه وأخرجه بانتباه أكبر، ولكن عينيه لمحت ذلك الصندوق أسفل سريرها، وأنتابه الفضول لمعرفة محتوياته. مد يده وانحنى أكثر يسحبه باتجاهه.
وما أن خرج الصندوق حتى اضطربت نظراته. مسح التراب الذي تراكم عليه، ومع كل حركة كان التراب يتطاير ويعيد عليه مشاهد من الماضي ليتأكد أنه صاحب الصندوق. أزال الغطاء ليظهر فستان زفافها الذي اختاره بنفسه.
ارتعشت يده وهي تمر على تفاصيله، ليستعين بيده الأخرى ويرفعه. ثم أحنى رأسه يستنشقه. "يكفيه أنه لامس جسدها وضمه بحنان طيلة تلك الليلة." أخذ يمرمغ أنفه داخل طيات قماشه يبحث عن رائحتها التي علقت به، أو ربما هذا ما خيل له. أسند ظهره على حافة السرير وسحب فستانها نحو أحضانه، يضمه إلى صدره بقوة. وكلمة واحدة أفلتت من شفاهه.
"وحشتيني."
لا يعلم المدة التي استغرقها في شروده، حتى وعى لحاله. وبدأ يطوي ذلك الفستان يحاول إعادته لمكانه، لكن انتبه أن الصندوق لم يحتوي فستانها فقط. هناك كيس هدايا بلاستيكي فيه مجموعة من الأغراض البسيطة. أعاد الفستان وأخذ الكيس وفتحه. هناك أشياء من ذكرياتهم معًا. لتخرج آه مكتومة من صدره تشق ذلك الصمت، والحقيقة تكشف أمامه. هذه ذكرياتها معه اختصرتها في هذا الصندوق. لقد اعتبرته ماضيًا، ربما ذكرى في خانة النسيان.
بدأ يقلب الأشياء ويتفحصها، لتلامس يده تلك التذكرة وتسحبه نحو ذلك المشهد الذي لم ينساه، ليستعيده كما حدث وهم يقفون أمام إحدى دور العرض.
أحدهم ينظر للآخر بعناد.
"شمس، اسمعي كلامي. الأكشن أحلى."
رمقته بنظرات تحدي وقالت بإصرار.
"وأنا عاوزة عائلي أو رومانسي."
رفع سبابته يشير لها بوعيد.
"هتندمي. دا توم كروز عامل شغل جامد في الفيلم."
ربعت يدها على صدرها وقالت بمكابرة وهي تهز رأسها رافضة.
"لأ... لأ. مش هأندم وأنا مصرة."
رفع كتفيه بقله حيلة وقال بلا مبالاة.
"براحتك."
جلست بجانبه تترقب بشغف أن تشاهد ذلك الفيلم الذي نصحتها به هدى. انتشر الهدوء وانخفضت الأضواء وبدأ يظهر العنوان وأسماء الممثلين. التفتت نحوه لتجده مندمجًا مع علبة الفشار يتناول حباتها بملل. ابتسمت على مظهره وعادت تطالع تلك الشاشة العملاقة. كانت عينها تتسع تارة وتغلق أخرى، تبتسم وتعبس تجاري أحداث ذلك الفيلم الذي نالت مشاهده الأولى استحسانها. استرخت بجسدها على المقعد مع تباطؤ وتيرة الأحداث لتشعر به يضع حبات الفشار أمام فمها ويطعمها. كانت تلتقط حبات الفشار بشفاهها من بين أصابعه وتستغرب عدم رفضه. لكن عللت ذلك بسبب اندماجها.
بدأ الأحداث تأخذ منحى مختلفًا وبدأت الرتابة تطغى على سياق الفيلم لتجده يهمس بتذمر.
"شكلي هأنام لحد الفيلم ما يخلص."
ثم تنهد بيأس يلومها بعتاب.
"قلت لك هتندمي... كان زمانه بنشوف أكشن وحماس."
حركت عينها بضيق ونظرت له نظرة جانبية تستهجن حديثه. أزاح جسده قليلاً نحو الأسفل وأراح مرفقه على مقبض الكرسي ليسند رأسه على كتفها. يدعي النوم. وقبل أن تهتف معترضة.
"أدفعي ضريبة عنادك."
لا تعلم سبب هدوئها وعدم ثورتها واستنكارها. ربما تلك المشاعر التي توغلت تستوطن قلبها. عينها تمردت عليها وتسللت تخطف النظرات نحوه مستغلة غلقه لأجفانه. عينها التي أشهرت العصيان عليها باتت تتأمل تفاصيله. بلوت جمل صورته كأن تفاصيله أصبحت تريحها بعد أن كانت تزعجها. موسيقى الفيلم الهادئة منحت تلك اللحظة سحرًا مختلفًا. حتى أبعدت عينها عنه بسرعة عندما بدأت عينيه ترمش ليفتح عينيه بملل. لكن فجأة استقطبت أنظاره تلك المشاهد الرومانسية ليعتدل ويقول مشاكساً لها.
"شكل الفيلم هيحل."
لتلعن غباءها وإصغائها لنصيحة هدى. عندما ظهرت مشاهد رومانسية بين البطل والبطلة. فلتفتت نحوه بخجل. أزداد عندما وجدته يحدق بها ويده تتسلل وتحيط خصرها يضمها إليه في مشهد يحاكي ما يشاهده في شاشة السينما. اتسعت عينها وهي تجده يمسك يدها الأخرى ويقبلها. يردد اعتراف البطل لحبيبته ويهمس لها بهيام.
"بحبك يا شمس."
عاد من ذكرياته يردد تلك الكلمة مبتسمًا.
"بحبك يا شمس."
ليبتسم بقهر ويعيد التذكرة مكانها في الصندوق ويدفعه تحت السرير مرة أخرى. أصبح يعيش على ذكرياتهم معًا فقط.
خمسة أيام وهي حبيسة غرفتها. عقلها يرفض تصديق ما حصل. هل حقًا رحلت رفيقتها؟ رغم أن قلبها توقف أمامها وهي من مدت يدها تغلق عينيها المفتوحة إلى الأبد. وأزاحت تلك الدماء التي أغرقت وجهها. رحلت جميلة وتخلصت من هذا العالم القاسي. رحلت كي ترتاح من ظلم البشر. رحلت وهي تحمل أملًا بالتغيير.
انسابت الدموع ببطء من عينها المتحجرة لتتدحرج ترسم طريقًا على وجنتها تلسعها بحرقة الألم. وبدأت تعتصر قبضت يدها وتفتحها. ورياح الغضب تعصف بخلايا جسدها وهي ترى زوجها المجرم يقف ينظر إلى جثتها الهامدة بعد أن أبرحها ضربًا فقتلها نزيف لم يستطيعوا إيقافه، ولم تستطع إمكانياتهم البسيطة أنقاذ روحها. كم ودت لو أمسكته ومزقته إربًا. ولولا إمساك شمس بيدها لكانت فعلتها. الشرطة من رحمته من تهورها وانقضاضها عليه.
دخلت والدتها عليها لتجدها تجلس على سريرها تضم قدمها إلى صدرها وتحيطها بذراعيها وتسند رأسها على الجدران بجانب السرير كأنها تحاول رمي همها عليه. كانت شاردة وعينها تنظر إلى المجهول. لم تشعر حتى بجلوس والدتها بجانبها حتى أحست بيدها تربت على كتفها وتقول.
"وبعدين يابنتي هتفضلي كده لحد إمتى؟ يابنتي استغفري ربك. جميلة راحت للي أحسن مني ومنك."
"ياريتها كانت سمعت كلامي."
دموعها سبقت كلماتها لتخرج مختنقة بحرقة دون أن تلتفت إلى والدتها كأنها تعاتب طيفها.
"يابنتي دا قدرها."
رفعت يدها تمسح دموعها بعنف لترتعش شفاهها وتخرج كلمات بقهر وهي تلتفت نحو والدتها.
"هما اللي قتل*وها يا ماما."
"وحدي الله يابنتي. فيه حد يقتل ضناه؟"
كلمات والدتها أوقدت تلك النار التي تحاول أن تكتمها لتصرخ.
"ولما يسيبوها يضربها وهما بيتفرجوا عليها ويقولوا ليها لها اصبري؟"
تنهدت والدتها بحزن ومسحت على رأسها علها تمنحها السكينة.
"وهما يعني كان يعرفوا إنه هيقت*لها؟ دي أمها مقطعة نفسها بالعياط ياحبة عيني."
"لو شفتيها بس."
وقالت مستنكرة.
"كتر خيرها بعد أي."
"زهرة الكلام معادش منه فايدة. ادعيلها يابنتي."
قالتها والدتها بعد أن أصابها الإحباط وتأكدت أن محاولاتها ميؤوس منها. لتنهض وتتركها تعود لأحزانها.
أصابها الملل من وجودها في المنزل وضجرت من حالة الرتابة التي لازمت أيامها لتقرر أن تحاول العودة إلى العمل. لعله العمل يشغلها عن كثرة التفكير. أمسكت الهاتف وحاولت الاتصال بها. انتظرت بضعة ثواني حتى أجابتها.
"هدى! مش معقول. إزيك. عاملة إيه؟"
أسعدتها حفاوته لتقول.
"الحمد لله. إزيك يادعاء. وحشاني."
ابتسمت بخبث ومثلت الحب ببراعة وبنبرة شوق مصطنعة أخبرتها.
"إنتِ كمان وحشاني يا حبيبتي."
"طب مدام وحشاني ممكن أشوفك؟"
غمرتها السعادة. لم تتوقع أن خطتها ستنجح بل ستساعدها هي على استكمالها.
"حبيبتي أكيد. اختاري الوقت والمكان وهتلاقيني قدامك."
"آه... والله يا ريت. عاوزة أخرج من جو البيت شوية."
"خلاص ياروحي أي وقت تكوني مستعدة أنا جاهزة."
لتخبرها بامتنان.
"متشكرة أوي يادعاء."
وهل تتوقف الحياة عند نقطة وداع؟ أم هل يحجبنا الفراق عن العودة؟ سنعود مرغمين وتسير عجلة الحياة حتى لو استنكرنا سيرها وحاولنا الوقوف بين عقارب الساعة كي نمنعها من الحركة. سنعود لكن ليس كما كنا. سنفقد جزءًا من روحنا. سيتغير طعم الحياة. سيصبح حتى حلوها مرًا. سننسى لكن سيعود طيفهم يذكرنا أننا فقدناهم.
هكذا سارت بخطواتها تجر أقدامها جراً تجبرها على التقدم رغم امتناعها. فذلك الشرخ في قلبها لم تداويه تلك الأيام القليلة. كلما تقدمت خطوة داهمتها الذكريات. فلم تكن جميلة. مجرد شخص عابر في حياتها. كانت جارتها وصديقتها. تقاسما سنين العمر سوياً حتى فرقتهما الأقدار. سارت تقنع نفسها أن ما حدث قدرها. لكن شيئًا داخلها يرفض ويستنكر. لتتباطأ خطواتها كلما اقتربت من منزلها. كم تمنت لو كانت اتخذت طريقًا آخر وتجنبت فيه المرور من أعتاب دارها. أغمضت عينيها وتمسكت بحقيبتها تحاول اجتياز المكان. لكن صوت أخوتها ووالدتها الذين يقفون عند باب دارهم جعلها تتسمر وترفض قدمها التحرك. وجودهم أشعل فتيل غضبها. ولم تستطع السكوت أكثر. ولم تعِ إلا ولسانها ينطق بما يجول بخاطرها. فتهتف بحرقة.
"يارب تكون استريحتوا لما مات*تتجهم."
وجه أخوتها وظلت والدتها تنظر لزهرة بعين دامعة.
"خلاص. اديكوا خلصتوا منها."
صرخ أخوتها مستنكرين حديثها.
"إنتِ بتقولي إيه يا مخبول؟ ماتحترمي نفسك."
أصابها التحدي ولتصرخ تخرج ألمها المكتوم.
"بقول الحقيقة اللي انتوا بتنكرها. مش انتوا سبتوها يضربها. مش انتوا اللي قلتوا لها اصبري واستحملي. أهو موتها خلاص."
صراخ أخوتها وصراخها هي. اجتذب المارة ليتفرج الناس حولهم يشاهدون حرب الألسنة مابينها وبينه. ليركض أحد الصبية نحو دار جدها يخبره أنها داخل تلك المعركة. ليهرول نحوها. ذلك التجمهر أجذب شخصًا آخر كان يمر من ذات الطريق ليجذبه انتباه تجمهر الناس. فيترجل من سيارته ويذهب نحوه. وما أن اقترب حتى أصابته الدهشة وهو يجدها تقف وتصرخ بوجههم. ورأى وصول جدها الذي وقف أمامها وصاح متعجبًا.
"بت يا زهرة بتعملي إيه أنتِ؟ اتجننتِ؟"
رفعت أنظارها المشتعلة نحو جدها وأشارت بيدها تخيره.
"هما السبب. هما اللي قتل*وها يا جدي. قلتوا صاحبتي."
اتسعت عينه ينهرها بانفعال.
"زهرة اتلمي وروحي الدار وبلاش كلام ماسخ. الناس في مصيبة."
لكنهما استمرت كأنها مغيبة. تضرب بعاداتهم وتقاليدهم عرض الحائط. لا تعي لوقوفها وصراخها وسط الشارع وبين جمهرة من الرجال.
"مش ماسخ يا جدي. دي ماما استنجدت بيهم بس هما سابوه يضربها و..."
عاد يصيح بها بغضب.
"اسكتي."
استمرت تصرخ بعناد.
"مش هسكت. خلي الناس يشوفوا الرجالة اللي معرفوش يحموا أختهم."
"آخرسسسسي."
صرخ بها جدها بغضب شديد وهو يرفع يده كي يصفعها. أغمضت عينها تستعد لاستقبال تلك الصفعة. لكنها سمعت صوت ينادي بصوت عالٍ.
"حج عثمان."
لتتجمد يد جدها في الهواء.
"مش إحنا اللي نضرب حريمنا ولا نعاقبهم وسط الشارع."
فتحت إحدى عينيها بحذر. فذلك الصوت لم يكن غريبًا. نظرت حيث ينظر جدها لتجده يقترب بهيبته يحمل عصا في يده وتزين كتفيه تلك العباءة السوداء. ابتلعت ريقها بخوف وندم عندما وجدت جدها يطأطأ رأسه بحرج ويقول بخفوت.
"راجح بيه."
لتجده يوزع نظره بينهم ويقول.
"خذ حفيدتك يا حج عثمان وحاسبها في بيتكم."
نظر لها بلوم وتوعد قبل أن يتجه نحو أهل جميلة يقدم لهم الاعتذار على ما فعلته حفيدته. أما هي فكأن صوته أيقظها لتعي فداحة فعلتها وتشعر بالخزي. كادت أن تنحني لتجمع أغراضها التي تناثرت من حقيبتها عندما أسقطتها أثناء الشجار. ليوقفها صوته وهو يظهر عصاه أمامها يمنعها من الانحناء.
"ما توطيش."
ثم دارت أنظاره لينادي على أحد الصبية الذي يعرفه.
"ولد يا جودة لم الحاجة."
أطاع الصبي أوامره ليلملم أغراضها ويعطيها حقيبتها.
"متشكرة."
كلمة واحدة فقط قالتها ثم انصرفت منكسة الرأس. تبعها جدها. لكن قبل أن يتجاوزه أمسك ذراعه وقال برجاء بسيط.
"طول بالك يا حج عثمان. البنت شكلها حزينة على صاحبتها واللي جرالها. بلاش تقسي عليها."
ابتسم الحجاج عثمان بسخرية وقال بتهكم.
"أنا أقسى عليها؟ دي هي اللي قاسية علي."
ربت راجح على كتفه وقال برجاء مضاعف.
"معلش ياحج استحملها المرة دي."
هز عثمان رأسه بموافقة ثم تركه ورحل. لينفض الجمع من حوله. لكن عينه ظلت مرتكزة باتجاه معين يشعر بأشفاق عليه.
دخلت غرفتها وجلست على السرير يتملكها الخوف تستعد لعقاب جدها الذي لا تعلم كيف سيكون. وسط كلمات التوبيخ التي استقبلتها بها والدتها. انتفضت بخوف وهي تسمع صوت عصاه يضرب الأرض بعنف يدل على غضب صاحبها. وشعرت بوقوفه عند باب غرفتها ليرتجف جسدها بذعر وعينها منخفضة نحو يديها المرتعشة بين أحضانها لتمسك إحداهما بالأخرى تستجدي الثبات أمامه. عاصفة الغضب القادمة.
"زهرة."
صوته لم يكن غاضبًا فقط كان منكسرًا. جعلها تجفل وترفع عينها نحوه بتلقائية.
"تاني مرة بتكسريني وتوطي رأسي. مكنتش عارف إني رخيص عندك كده."
كلمات ألقاها عليها بعتاب ونظرات عينيه تحكي ألمًا جارحًا. أتبعه مغادرته وإغلاقه لباب غرفتها. ظلت عينها معلقة على باب غرفتها بتعجب. ليته ضربها أو أهانها. كلماته كانت عقابًا قاسيًا كسيوف ضربت صدرها ومزقت نظراته فؤادها. نبرة صوته المعاتبة كانت كسياط جلدتها بلا رحمة. لينزلق جسده نحو الأرض. تضع تضم قدميها إلى صدرها وتخبئ وجهها براحتي يديها تبكي مرددة.
"ما عاش اللي يكسرك يا جدي."
دخل الوحدة الصحية يسند صدره المصاب يشد على يده. على كتفه ويحتضن خصره باليد الأخرى يساعده على السير حتى وصلوا إلى غرفة الأطباء لينادي على شمس التي لمحها تقف في الغرفة.
"الحقيني يادكتورة."
التفت شمس التي كانت مندمجة في ترتيب بعض الأوراق لتركض نحوه رغم ثقل خطواتها وتسأله بخوف. عندما وجدت وجه الآخر يغرق بالدماء.
"ماله يا جابر؟"
"رجله فجأة تزحلقت ولا إيه؟ بيقع فجأة من فوق الجرار بس الظاهر راسه ضربت عند حافته عملتله جرح كبير."
هزت رأسها بتفهم وهي تتحرك حركات سريعة تجمع أدواتها وتساعده.
ما في الخارج دخلت بخطوات مترددة تحمل بيدها ذلك الكيس القماشي بحذر وتسير تتلفت يمينًا ويسارًا تقرأ تلك اللافتة التوضيحية علها تعرف مكان غرفتها. كانت تسير كالتائهة حتى اصطدمت به عند خروجه من أحد الغرف وترتد إلى الوراء بحرج. لتندهش ويملأها الحرج عندما علمت هويته. أما هو فرسم ابتسامة عريضة على وجهه غيبت امتعاضه من الاصطدام في بادئ الأمر. لكن عندما رآها نسي امتعاضه ليسألها.
"إنتِ مش قريبه دكتورة شمس؟"
هزت رأسها باستحياء وقالت بتلعثم راق له.
"آيوة. أنا جيت أدور عليها. أمي بعتالها أكل معايا."
حرك أنفه وقال يمازحها.
"آه باين من ريحته إنه جميل. هو أنا مليش نصيب فيه زي الدكتورة؟"
خفضت عينها بتوتر ولم تعلم بماذا تجيبه لتخرج كلماتها متقطعة.
"آه... أكيد."
ضحك على خجلها وقال بجرأة.
"حلو أوي. هقولها قربتك القمر عزمتني."
تفاجئت من جرأته واحمر وجهها خجلًا. رغم أن وصفه أعجبها لكنها لم تتعود على هذا الأسلوب.
"إنتِ بتعملي إيه هنا؟"
صوت أجفلها لترفع ناظرها تطالع صاحب الصوت الذي تعرفه جيدًا لتجده يقف وشرارة الغضب تجدح في عينيه تنذر بهيجانه. لتقول بهلع وارتباك.
"جبت الأكل للدكتورة."
أمسك ذراعها وجرها خلفه بعنف متجاهل نظرات الاستنكار من هذا الطبيب السمج حتى خرج خارج الوحدة. لتنفض يدها بغضب وقد أحست بالإهانة من سحبه لها بهذه الطريقة.
"إنت بتجرني كده ليه؟ فاكرني بهيمة؟ إياك."
"بهيمة وبجرة وحمارة كمان لو مش عاجبك."
نظرت له بتحدي وقالت.
"احترم نفسك يا جابر."
عاد يمسك عضدها ويهزها بغضب.
"أحترم نفسي مش لما تحترمي نفسك أنتِ. الأول واقفة تتباهي وتتمايصي مع الدكتور. ولا همك."
تلعثمت وقالت تشير لنفسها تستهجن حديثه.
"أنا أتمايص يا جابر؟"
جز على أسنانه وصاح بها بانفعال.
"آيوة أنتِ يا هانم... وبعدين أنا مش نبهتك عليك إني أنا اللي آخد الأكل للدكتورة. إيه اللي جابك؟"
ارتعشت من صراخه ولومه لها لتقول مفسرة.
"اتأخر. قولت أجيبه أنا."
"اتأخرت ولا جيتي عشان تشوفي..."
أبتلع باقي حديثه متداركًا تهوره. هل سيخبرها أنه يغار عليها وأن لديه شك بأنها فضولها ساقها لترى ذلك الطبيب مرة أخرى وربما تكون معجبة به. هل سيهين كرامته ويخبرها أنه يغار عليها وهي تكرهه أصلاً.
"ارخت قبضته حول يدها وقال بحدة.
"خليكِ هنا. هودي الأكل للدكتورة وراجع. أوعي تتحركي."
تركها وهم بالدخول ليستوقفه صوتها وهي تسأله بقلق تشير نحو ملابسه.
"إيه الدم اللي على جلابيتك يا جابر؟"
"حاجة بسيطة وعدت."
قالها مقتضبًا وسحب الكيس منها بعنف ليسير بخطوات سريعة نحو الداخل.
كانت شاردة الذهن لا تفهم شيئًا من حديث سماح التي جلست تثرثر دون توقف تشرح لها تطورات والتجهيزات لحفل زفافها القريب. ثم انتقلت تسرد لها مواقف في عيادة طارق تشيد له مجددًا بأخلاقه وتعاملة المحترم مع المرضى. أغمضت عينيها بقوة علها توقف تلك المطارق التي تضرب رأسها. أفكار بشعة تخنق روحها. فلم تعد تلك الرسائل ترحمها. كلما بنت معاملته لها جدران الثقة ورممتها. جاءت تلك الرسائل تهدمها. تنهدت بأرهاق تدعك جبهتها.
"مالك ياندى؟ شكلك مش طبيعي. أنتِ تعبانة؟"
التقطت حقيبتها بوهن وعَلقتها على كتفها وهي تهز رأسها تؤكد لسماح حديثها.
"آيوة. شكلي هستأذن. الصداع تعبني."
ساعدتها سماح في النهوض وعينها تجرب قسمات وجهها بقلق.
"أكلم الدكتور؟ يوصلك؟"
"طارق مشغول دلوقتي. أنا هطلب أوبر. متشليش هم."
نظرت لها سماح بلوم.
"يابنتي خذي إجازة. أنتِ شكلك تعبانة."
ضغطت ندى على يدها التي تسندها وهي تغمض عينيها بألم وتعقد حاجبيها بعد أن شعرت بنغزات تضرب رأسها. حركتها زادت من قلق سماح.
"مالك ياندى؟ هتقدري تمشي؟ عاوزاني أجي معاكي أوصلك؟"
ابتسمت لها ندى ابتسامة باهتة تطمئنها.
"متخافيش. أنا كويسة."
وقفت سماح تراقبها حتى غادرت في سيارة الأجرة.
فتحت باب شقتها وما أن دخلت تعجبت من صوت إشعارات الهاتف التي توالت بتكرار مفرط تنبهها بوصول مجموعة من الرسائل دفعة واحدة. اتجهت نحو الأريكة بخطوات مسرعة وجلست بثقل. تفتح حقيبتها وتخرج منها هاتفها لترتعش يدها. اتسعت عيناها وهي تشاهد تلك الصور. شهقت قهرًا شقت سكون المكان لتشعر بقلبها يتحطم إلى أشلاء صغيرة تبعثرت تحت وطأة الخذلان. بدأت تحرك إصبع يدها المرتجف على شاشة الهاتف لتتسع عينها وهي تتنقل بين الصور. قلبها يرفض التصديق وعقلها ينهره مستنكرًا. فالحقيقة واضحة أمامها لا تحتاج إلى إنكار. لقد انهار كل شيء. تهشمت حياتها وسقطت أحلامها أمام عينيه. بعد أن بدأت ترى لمعة الحب في عينيه. اليوم تشعر بخنجر الخيانة يغرس في قلبها. شلت قدمها عن الحركة ولم تعد قادرة على الحركة. لا تعلم الوقت الذي ظلت فيه جالسة على الأريكة. يأبى جسدها الحركة. عينها شاخصة نحو الهاتف تعيد تلك الصور أمام ناظريها كي تقنع قلبها الرافض بخيانته.
وبعد عدة ساعات على ذات الوضع سمعت صوت مفتاحه في الباب. دخل ليجدها في وضعها هذا فيصيبه الفزع والخوف. خطواته الراكضة جعلته أمامها في لحظات. يجثو على ركبتيه يمسك يديها ويسألها بقلق.
"ندى مالك؟ فيه إيه؟ أنتِ كويسة؟"
رفعت عينيها التي صبغتها دموعها بلون الأحمر لتواجه عينه بعتاب وهي تقول بصوت مختنق بكت من شدة البكاء.
"إيه دا؟"
رفعت شاشة الهاتف أمام نظره. ليمسكه بدهشة ونهض يجلس على الكرسي القريب يتفحص الصور. عينها كانت معلقة به تترقب جوابه. ساد الصمت فترة طويلة وهو يتنقل بين الصور. قسمات وجهه يرتسم عليها الغضب وهو يحرك أصابعه يكبر ويصغر تلك الصور. حتى سئمت من صمته فقالت مستهزئة بقهر.
"إيه يا دكتور؟ هي الصور مش واضحة؟"
زفر نفسًا طويلاً وقال بكسرة.
"لأ واضحة يا ندى. واضحة."
ألتصرخ بحرقة.
"يعني معترف بخيانتك ليا؟"
"ندى أنا مش خاين."
صرخ بها بصوت عالٍ جعلها تنتفض. ثم نهض مقتربًا منها يعطيها الهاتف ويقول بحسرة.
"ياخسارة ياندى. أنتِ شايفةني واطي ومستهتر للدرجة دي؟ أمسكي يابنت عمي أمسكي. شوفي دليل خيانتي إيه. عيل صغير هقولك إنها مفبركة ومتعدل عليها. ولو تحبي آخدك دلوقتي عند أي حد بيفهم في الحاجات دي هيأكد لك كلامي."
ليكمل متهكمًا بحزن.
"بس أنتِ ياندى مقدرتش تشوفي دا. عارفة ليه؟ عشان أنتِ معندكيش ثقة فيا. شفتيني خاين من مجرد صور مزيفة."
صرخ بكلماته الأخيرة وهي لا تزال تمسك هاتفها وعينها متسعة بصدمة. كانها تجمدت تحاول أن تتحرى صدقه. وقلبها يلومها مقدمًا. ماذا ستفعل لو كان صادقًا ولم يخنها؟ أرتعشت يدها وأنسابت دموعها وهي تسأله بصوت مرتعش شابته ارتعاش خلايا جسدها.
"والرسائل اللي بتوصلني وبتوصفلي لبسي وريحتك؟"
مسح على وجهه بغضب يشتم تلك الحقيرة التي صنعت شرخًا بينهما. ماذا يخبرها؟ وتصرفات تلك المتبجحة التي أصبحت واضحة بالنسبة له. لكن كيف يخبرها ويزيد إثباتًا لشكوكه؟ تنهد يرتب كلماته بتعقل كي يقنعها.
"عادي يا أستاذة. أي حد عاوز يفرق بينا طبيعي يعمل كدة. وحضرتك اديتيله الفرصة دي وصدقتيه."
"وعاوزني أعمل إيه؟ وأنا شايفة صور جوزي مع ست تانية."
قالتها بضعف ألمه. ليعود ويجثو أمامها ويمسك يدها برجاء.
"بصيلي ياندى."
وضعت عينيها الذابلة بمواجهة عينيه.
"ندى أنا عمري ما خونتك ولا هخونك. صدقيني ياندى. ولو كنت عملتها كنت هقولك والله."
شدد على يدها بقوة وتوسلها.
"بلاش ياندى. بلاش تخلي حد يفرق مابيننا. اللي بيبعت الرسائل دي عاوز يوصل لكدة. بلاش ياندى تخليه يوصل للي هو عاوزه."
ليحول نظره نحو بطنها المنتفخة.
"وحياة بنتنا. فكري. ولو عاوزاني أنا آخدك دلوقتي لأي حد يأكد لك إن الصور دي مزيفة."
عينها التي تورمت أجفانها كانت تراقبه في صمت. أتعبها ما يحدث. ذلك التيه أصبح يسجنها داخل بحور من الشك. صمتها الطويل جعله يشعر بنوع من الخيبة. هي لم تصدقه أو تحاول ذلك. نهض وقال لها بحزم.
"فكري ياندى... واحسبيها صح. ولو أنتِ مش مصدقاني أنا مستعد لأي قرار."
ثم تركها ورحل. لم يتحرك أي جزء منها. ظلت على حالها كأنها تمثال من الإسمنت القاسي.
دخل هو إلى الحمام وفتح صنبور الماء لتنهمر الماء البارد على جسده بقوة. تمنى لو استطاع هذا الماء أن يطفئ ذلك اللهب المشتعل. ضرب الجدار أمامه عدة مرات يتمنى لو يسحق تلك الغبية. ماذا تريد منه؟ ليلومه عقله. هل هو غبي بعد تصرفاتها تلك؟ ألم يفهم ماذا تريد؟ وتذكر تلك المسكينة التي تحملت ذلك الجنون. لكن لماذا يلومها ويطلب منها أن تصدقه؟ وهو لم يمنحها الحب والأمان. هو بخل حتى في كلمة "حبيبتي". حتى اعتراف الحب يخشاه. ولا يعلم لماذا؟ هل ما عاشه والداه هو السبب؟ أم عمليته المفرطة؟ هل يخاف من الحب؟ خلل أصابعه في خصلات شعره ليسري الماء بينها. يغسل ذلك الماضي الذي دمر حياته. لم يكن فارس هو الضحية الوحيدة لما حدث. هل ينسى ضرب والده له وهو يدافع عن والدته؟ هل ينسى بكائها بين أحضانه تشكو له رغم صغر سنه؟ هل ينسى كدماتها التي تشوه وجهها؟ أم احتضانه جثتها وتوسله لها أن تعود؟ سند بكفيه على الجدار وسمح لدموعه أن تنهمر مع قطرات الماء. لم يكن يريد الزواج ولولا شرط جده وخوفه من خسارة حلمه لما فعلها. آه... خرجت من فمه بحرقة. لم يكن يريد أن يكون جرحها الجديد. ولكن هاهو يقت*لها دون أن يرق دمها. جعلها شبح امرأة تمنت الحياة. آه... أهتز جسده من انهياره وتعالت شهقاته المكتومة التي خالطت صوتها صوت الماء المرتطم على الأرض.
"سامحيني ياندى. غصب عني. آذيتك."
ليصمت فيصرخ قلبه.
"أنا حبيتك ياندى. والله حبيتك."
خرج من الحمام وارتدى ملابسه يبحث عنها فلم يجدها في مكانها. ذهب نحو غرفة صغيرته ليجدها غافية على السرير هناك وتحتضن ملابسها. يبدو أنها تطلب من صغيرتها أن تواسيها. اقترب منها بخطوات مترددة وخلع عنها حذاءها الذي لا تزال ترتديه ودثرها بالغطاء. أشفق عليها يبدو أن البكاء أنهكها. ثم انحنى يمسح على خصلات شعرها ليطبع قبلة رقيقة على جبينها ووجنتها وقال بتمني.
"يارب تصدقيني ياندى."
رواية بنات ورد الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم رشا عبد العزيز
خرج من الحمام وأرتدى ملابسه يبحث عنها فلم يجدها في مكانها.
ذهب نحو غرفة صغيرته ليجدها غافية على السرير هناك وتحتضن ملابسها.
يبدو أنها تطلب من صغيرتها أن تواسيها.
اقترب منها بخطوات مترددة وخلع عنها حذائها الذي لازالت ترتديه.
ودثرها بالغطاء.
أشفق عليها، يبدو أن البكاء أنهكها.
ثم أنحنى يمسح على خصلات شعرها ليطبع قبله رقيقة على جبينها ووجنتها.
وقال بتمني:
- يارب تصدقيني ياندى.