الحمد لله أني قدرت أوصل البيت من غير ما يمسكني، يخربيتك يابن المشلحة. رواء دخلت البيت وهي بتتنفس بسرعة، مش مصدقة أنها قدرت تهرب من شباك تيام اللي كانت عينيه وهيئته بيقولوا أنه ناوي على حاجة أكبر من التهزيء والرفد، بس هي مستنتش لما تشوف رد فعله، خدت بعضها وجريت بكل سرعتها من البنك كله. مالك يا رواء؟ واقفة عند الباب كأنك هربانة من حد! انتبهت على صوت والدها اللي كان خارج من المطبخ ولابس المريلة، وبعدين هتفت بهدوء:
مفيش حاجة يا بابا، حضرتك كنت بتعمل إيه؟ رد كارم والدها وهو بيخلع المريلة: أبداً يا بنتي، لقيت نفسي فاضي قلت أما أغسل المواعين وأعمل الأكل عقبال ما تيجي. قربت منه ومسحت بإيدها على دراعه، وقالت بابتسامة: فيك الخير يا حاج كارم يا أبو المجدعة. ضحك على طريقتها العفوية: طيب ادخلي غيري هدومك عشان نأكل سوا.
دخلت بسرعة أوضتها ورمت شنطتها على السرير ودخلت الحمام. خرجت بعدها بشوية وسمعت تليفونها بيرن. خرجته من الشنطة وشافت اسم دينا صاحبتها على الشاشة، ردت بسرعة من غير ما تفكر، وأول كلمة قالتها: اترفدت صح؟ قولي إنه رفدني واخلصي متسكتيش! هو انتي مدّياني فرصة أتنفس حتى يا بنتي! وبعدين لأ متتخضيش أوي كده. بس شكله كده ناويلك على نية سودة وبصراحة حقه. خلصت كلامها وفضلت تضحك، وهتفت رواء بحنق:
انتي فرحانة فيا يا جزمة. وبعدين ما يقدرش يعملي حاجة لسبب بسيط، إني مش هرجع البنك ده تاني، وهنجح لبابا بأي حاجة. دينا لسه بتضحك وردت: بصراحة منظرك كان عرة أوي وإنتي بتجري منه، وهتبقي بلا كرامة لو رجعتي تاني. اتفو عليكي، طبعًا مبسوطة انتي عشان الجو هيحلالك من غيري، بس ده بعدك. قالت بسخرية: آه بصراحة، أصلك كنتي التوب في البنك وأنا معرفش! جزت أسنانها بغيظ: يا كلبة بديل.
رواء مبتروحش البنك بقالها 3 أيام، محرجة من اللي حصل، وكمان خايفة من رد فعل تيام اللي هزأتها قدام البنتين الموظفين. خرج من مكتبه ونزل تحت وخرج بره البنك، وكان فيه واحد بيتقدم عليه: اتفضل يا تيام باشا، عربيتك اتصلحت وبقت ميت فل وعشرة. أداه مفتاح العربية ورد عليه تيام: على الله بس متوقفش تاني. عيب يا سعادة البيه، ده أنا حودة والأجر على الله. ماشي يا حودة لما نشوف.
تيام سلم عليه وشكره وبعدين دخل البنك تاني، وهو بيمشي ورايح ناحية السلم عشان يطلع مكتبه. انتبه على يمينه إن مكتب رواء فاضي، وقف مكانه واتحرك ناحية الغرفة. ودينا لما شافته داخل وقفت وهو سأل: الآنسة اللي هنا برضو مجاتش؟ هزت راسها بالنفي، وردت بتوتر: لأ لسه، أصلها تعبانة شوية. عرف إنها بتداري على صاحبتها، رد بتصنع: آه، ربنا يشفيها. بس ابقي قولي لها المفروض تاخد إجازة مرضية ولا إيه؟
آه يا فندم أكيد، هي قالت لي بس أنا نسيت. تمام، شوفي شغلك. دينا اتنفست بقوة وقعدت مكانها على الكرسي وتمتمت بتفكير: ربنا يسترها معانا، ويهديكي يا رواء. قاعدة في الصالون، ماسكة المصحف وبتسمع للأولاد قرآن. وبعد ما الولد خلص صدّق: شاطر يا حصب الله، خد الشيكولاتة دي. أنا اسمي إياد مش حصب الله، قلت لك مية مرة. شش، حصب الله أحلى. يلا يا سكينة سمعي ولو غلطتي تاني هرقعك كف خماسي ينسيكي عبعال.
البنت بدأت تسمع بصوت ترتيل، وادتها برضو شيكولاتة، هي وباقي الأطفال اللي سمعوا. كلكم شاطرين، كل ما تحفظوا أكتر كل ما هخلي بابا يغرقكم شيكولاتة. حنين: طب يلا اقري الربع عشان نمشي. فتحت المصحف وبدأت بالبسملة وبعدين تعمقت في آيات الله البينات من سورة يس، وكان صوتها مرتل، عذب وجميل ويدخل القلب. لحد ما انتهت وكل الولاد سقفوا لها من حلاوة تجويدها. حيّتهم بإيدها ببلاهة:
تشكرات تشكرات. ابقوا اكتبوا اللي تحفظوه في كراسة من غير ما تبصوا في المصحف. ردوا كلهم بالإيجاب، وبعدين مشيوا. وبعد شوية أبوها دخل البيت: العيال خلصوا ولا إيه يا رواء؟ آيوة يا بابا، والنبي بلاش تستغل قعدتي في البيت وكل يوم تجيب لي عيلين فوق دماغي. ضربها بخفة على راسها وقال: أولاً اسمها "بالله عليك" مش "والنبي". ثانياً ده ثواب يا بنتي، ووقتك بتستغليه في حاجة مفيدة تاخدي عليها حسنات. ردت بعفوية:
آيوة يا بابا، منا بروح المقرأة، يعني أنا من حقي أستمتع بلحظات فرفشة وهشتكة برضو. ضحك بصوت عالي ومسك صدره: الله يحظك يا رواء ضحكتيني، وماله يا بنتي اتهشتكي براحتك. بس لما أعرف انتي مبتروحيش الشغل ليه؟ قالها وهو بيرمُقها بخبث، وهي قلبت عينيها بحيرة وتوتر: مـ.. مفيش يا حاج، أنا ليا إجازات وبخلصهم. ماشي هعمل نفسي مصدق، خشي يلا جهزي السفرة وأنا هروح أسخن الأكل. قشدة يا حاجوجتي.
في نفس اليوم بالليل خرجت رواء برة شقتهم، للشقة اللي قصادهم وفضلت تخبط على الباب وتنادي بصوت عالي: بت يا شمياء، شماشميوا! افتحي. فضلت تخبط على الهوا لأنها مكانتش منتبهة إن الباب اتفتح، وضربت وش شيماء بكف إيدها، وصرخت بألم: مش تفتحي يا عمية، شيلتي وشي! لا مؤاخذة يسطا... وبعدين لاحظت إنها بهدوم البيت وتابعت: انتي لسه مجهزتيش! ادخلي غيري يا حيوانة هنتأخر وأنا ما صدقت أبويا يوافق أنزل المول.
مش هينفع، أصل سيف رفض إني أنزل. عوجت فمها باستنكار ساخر: نعم يا روح خالتك! ويطلع مين سيف ده؟ ده انتوا يدوب قاريين فاتحة، يعني مالوش أي حكم عليكي. غوري غيري عشان ننزل. قالت كلمتها الأخيرة بتذمر وهي عاقدة إيديها على صدرها، وردت شيماء بسرعة: طيب طيب، خلاص اهدي هروح ألبس بسرعة. آه كدة صنف يخاف ولا يختشي. شيماء زمّت شفايفها وبعدين قفلت الباب في وشها ورواء وقفت مذبهلة.
بعد دقايق وصلوا الاتنين مول كبير، ودخلوا محل ملابس وخدوا وقت يتفرجوا، وشيماء عجبها دريس ودخلت البروفة تقيسه، وسابت رواء تنقي وتختار اللي عايزاه. وفعلاً شافت دريس عاجبها، وكان في مراية برة وقفت قدامها تشوف شكله عليها من فوق هدومها. همست لنفسها: ده حلو أوي، لو طرحة أوف وايت هيبقى تحفة. إنتي بتتكلمي مع نفسك؟ سكتت فجأة أول ما سمعت صوته وراها. التفتت باندفاع ولقيت تيام واقف وسألت بغرابة: انت بتعمل إيه هنا؟ وجاي ورايا ليه!
بتراقبني حضرتك؟ رد بسرعة بتوضيح: إيه إيه، حيلك وأنا أراقبك بتاع إيه؟ أنا شوفتك صدفة وأنا بتمشى في المول. وعايز إيه يعني؟ رد بخبث: أبداً، أصل كنت عايز آجي أقولك سلامتك. سلامتي على إيه! هو أنا عيانة؟ تصنع الدهشة: إيه! يعني انتي مش تعبانة؟ عقدت إيديها بحنق: لأ مش تعبانة. أما دينا صاحبتك بتكذب عليا ليه وبتقول لي إنك مش بتيجي البنك عشان تعبانة؟ تمتمت بهمس وهي بتفكر: دينا!
آه مهو أنا فعلاً كان عندي شوية صداع، بس خفيت الحمد لله. جزّ أسنانه بيحاول يتمالك نفسه: مصدعة! ولا عاملة نفسك كده عشان مكسوفة وخايفة تيجي البنك بعد عملتك السودة. شاورت بإيديها باستنكار: أخجل وأخاف ليه! يكونش انت بعبع بتخوف الناس وأنا معرفش! بحنق: لأ مش بُعبع، بس بعد اللي عملتيه المفروض تترفدي لأنك تطاولتي عليا وشتمتيني وقولتي إني حمار! أولاً أنا مقلتش حمار، قولت يا حمار يا بغل يعني موضحتش النوع. بتذمر:
إنتي كمان بتعيديها؟ طب إيه رأيك إنك مش هتعتبّي البنك تاني، وشوفي لك واسطة تشغلك في زريبة عشان ده مقامك. قال كلامه وسابها بعصبية، وهي وقفت تهز نفسها وضربت برجلها على الأرض بقوة. وكانت خرجت شيماء من البروفة: يلا يا رواء خشي قيسي. مردتش عليها لأنها كانت سرحانة وعيونها مليانين شرار. تابعت شيماء: إنتي يا زفتة بكلمك، اخلصي عشان منتأخرش. اتحركت رواء ناحية البروفة وهي على أعصابها، وشيماء استغربت رد فعلها.
وصلت البيت ودخلت أوضتها بتذمر وملامح وشها غضبانه. رمت الشنط على السرير ومسكت تليفونها ورنت على دينا، والتانية ردت بعد ثوان معدودة: انتي يا حيوانة، مقولتليش ليه إنك قولتي لمدير الزفت تيام إني ما بجليش عشان تعبانة؟ آه صحيح، نسيت أقولك أنا خدت لك إجازة مرضية لحد ما ترجعيه. هتفت بنرفزة: أهي مفيهاش رجعة تاني، لأنه هزأني ورفدني خالص، استريحتِ؟ طب ممكن تهدي وتفهمني حصل إيه؟!
تاني يوم رواء راحت البنك ودخلت وطلعت على مكتب تيام على طول. وقف بضيق لما شافها: إنتي إزاي تدخلي كده؟ اتقدمت ناحيته وعلى وشها علامات الغضب: انت اللي إزاي تفصلني من غير وجه حق! طلع من ورا مكتبه وهو بيبصلها بنظرات مش مفهومة وبعدين رد بهدوء مصطنع: لما واحدة زيك تقلل من احترامها معايا، من غير حتى ما تعتذر أقل واجب لازم أرفدها! هتفت بازدراء: إيه واحدة زيك دي! هو انت شايفني جاية من الشارع!
وبعدين هو انت فاكر نفسك مالك البنك، ده انت حتة مدير معفن لا راح ولا جه. وديني لأروح أعملك شكوى في نقابة العاملين. شاور على نفسه وهتف بنبرة حادة: أنا معفن! لأ الظاهر إنها هربت منك، امشي أخرجي بره وأعلى ما في خيلك اعمليه. انت بتطردني من وكالة اللي خلفوك ولا إيه! مش طالعة ومش هترفد رغماً عن أنفك الطويل ده.
التفتت بضهرها وبتتحرك ناحية الباب ولسه هتخرج. تيام ملامح وشه اتغيرت وعروقه برزت، ومن غير ما يشعر مسك فازة وهو باصص على رواء بغل ورفعها بإيده و...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!