في فترة قصيرة، امتلأ المكان برجال الإطفاء والشرطة التي أخرجت جميع العائلة بعد أن فارقوا جميعهم الحياة. فتحت ياسمين عينها على أمل أن يكون ما حدث كابوساً حلمت به، ولكن عندما رأت منظر القصر بهذا الشكل، أخذت تصرخ وتبكي بأعلى صوتها. اقترب أحد رجال الشرطة إليها. الشرطي: البقاء لله يا بنتي، وعايزك تيجي تتعرفي على الجثث قبل ما ندفنهم. ياسمين: بتقول إيه يا حضرة الضابط؟ تدفنوا مين؟
أنا أهلي عايشين، بس هما دلوقتي نايمين عشان كانوا تعبانين. هما أصلاً مش بيقدروا يروحوا ويسيبوني أنا لوحدي، وعارفين إني مش أقدر أعيش من غيرهم ولا يوم واحد. الشرطي: البقاء لله يا بنتي، وكل نفس ذائقة الموت، والموت مكتوب على كل نفس، وأخيرنا كلنا هنموت. ياسمين بصراخ: وأنا قلتلك أهلي لسه عايشين، مش بتفهم ليه؟ وقبل أن يقوموا بنقل الجثث، جرت ياسمين وهي تحتضن أباها. ياسمين: قوم يا بابا، أنا عارفة إنك لسه عايش.
وأخذت تهز في جميع أفراد العائلة وهي تقول بصوت عالٍ وعينيها مليئة بالدموع: عمي محمد، خالتي صفية، مالكم مش بتردوا عليا ليه؟ قوم يا محمود، قوم يا عمار أنت ومصطفى، أنا عارفة إنك بتحب الهزار، أكيد أنت اللي قلتلهم يعملوا كده. سارة، أنتِ عارفة إني مش بستحمل الهزار التقيل. خالد، أنت إزاي توافق على حاجة زي كده؟ وبعدين ليه لافف وشك كله بشاش؟ وليه كلكم لابسين أبيض؟ أكيد ده مش كفن، صح؟
والنبي كفاية لحد كده يا هند. مروان، أنت حبيب عمتو، صح؟ ليه مش راضي ترد عليا؟ ليه؟ ليه كده يا ربي؟ عيلتي كلهم يروحوا مني؟ ليه مكنتش أنا مكانكم، أو حتى معاكم؟ ليه حد يرد فيكم يقولي؟ سبتوني لوحدي ليه؟
وفي وسط أجواء الحزن والأسى التي كانت تملأ المكان، كانت هناك من يتقدم وقلبه يرفرف من الفرحة، فقد كان يعتقد أنه سيرى عائلته التي اشتاق لهم كثير. وما إن وصل إلى القصر حتى صدم من هذا المنظر المفجع، فقد رأى أخويه مكفنين، وأبناؤهم الذين تركهم وهم صغار مكفنين أيضاً، ورأى ياسمين التي كانت تصرخ بجوارهم، ومنظر القصر الذي أصبح أسود من شدة الحريق. تقدم مهران وأخذ يهز في أخيه سامح.
مهران: قوم يا خوي، قوم يا محمد. إيه اللي بتعملوه ده أنتم وعيالكم؟ أنا جتلكم قلت أعلمكم مفاجأة، بقى تسيبوني كده؟ ثم ابتعد وأسند رأسه على الحائط بانهيار. ليتقدم منه محمدين قائلاً بشماتة: محمدين: اشتقتلك قوي يا مهران، كنت مختفي فين؟ فاكرني مش هاخد تار ولدي؟ ياك ده أنا خدته بعيلتك كلهم أهو. أنا ولعت فيهم بسببك أنت، خليتني عايش سنين وقلبي مولع ومحروق على ولدي اللي قتلته يوم فرحه. مهران وهو بالكاد
يقوى على الكلام وسط دموعه: مهران: أنت إيه يا خي؟ مش عندك قلب تموت ناس بريئة كده من غير ذنب؟ طب طالما حقك كان معايا أنا، ليه موتهم هما؟ كنت موتني أنا مكانهم. محمدين: وأنت كنت فاكرني مش كنت بدور عليك؟ ده أنا قعدت خمس سنين، لفيت الدنيا كلها ومش لقيتك، فعملت اللي عملته عشان أحرق قلبك عليهم، ومش هتقدر تاخد حقك مني بأي شكل. ولو بلغت الحكومة مش هتستفيد حاجة لأنهم مش هيلقوا ولا إثبات ضدي.
مهران: والله يا محمدين، له أدفعك تمن قتلك خواتي وعيالهم من غير ذنب غالي قوي يا محمدين. ليمسح مهران دموعه ويحتضن ياسمين. مهران: أنا عمك مهران يا بتي، والله لخلي اللي عمل كده ويتمك وقتل عيلتي يتمنى الموت ألف مرة ما يلاقي. ياسمين: هما كده ماتوا يا عمي؟ يعني؟ مهران: خلاص يا بتي، هما راحوا لمكان أحسن من اللي إحنا عايشين فيه، وكل واحد فينا مكتوب عليه الموت، ومش هيفيدهم غير دعانا ليهم، ونقولهم إن شاء الله في الجنة.
ياسمين أخذت تبكي بحرقة شديدة في حضن عمها بعد أن تقبلت حقيقة وفاة عائلتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!