بتتجمد مكانها، قلبها بدأ يدق بسرعة، وكل حاجة حواليها كانت بتتلوغش. حسّت إن الزمن وقف، وفقط هي ويزيد في المكان ده. يزيد بابتسامة هادية: مساء الخير.. ازيك ي هنا. هنا بتتعدل في قعدتها وبترد بهدوء: الحمد لله. يزيد بابتسامة أكبر: بصي المرة دي طالع بشويش ازاي. هنا بضحك: أيوه جدا... م أنا متخضتش برضو اهو الحمد لله. يزيد بيبص ليها، وفي عينيه تعبير مش قادر يخبّيه. هنا بتبص في عينيه بترتبك أكتر، قلبها بيدق أسرع.
يزيد بيقعد على الكرسي في بلكونته قصاد هنا. بيحس بارتباك هنا، فبيقطع السكوت. يزيد بجدية: كان فيكي حاجة امبارح وقت الحريقة... عندك فوبيا من النار؟ هنا بعيون اهتمام واتكلمت بتلقائية: اا ا لاء كنت خايفة بس... اتخضيت لما لقيت.. صويت في الشارع كله. يزيد: بس الحمد لله ربنا عدّاها على خير. هنا بصوت هادي: اها الحمد لله. يزيد لتاني مرة عينه تفضحه من غير ما يقصد، ويبص لهنا بنظرة فيها لمعه.
هنا تحاول تبعد عينيها عنه وتحوّل نظرها للفراغ قدامها، لكن نظرة يزيد كانت تلاحقها وكأنها تحفر جوا قلبها. حاولت تقوم لكن مش لاقية طريقة تستأذن بيها، كانت مش قادرة تخفي التوتر اللي بقى ظاهر عليها. يزيد يقطع السكوت لتاني مرة: كنتي بتسمعي حاجة قبل ما اطلع؟ بتسمعي إيه؟ هنا بملامح جدية: اها ده بودكاست فنجان، بحبهم أوي هما وأحمد عامر... امم بيفيدوني. يزيد: "اممم متعودة تسمعيهم يعني." هنا: أيوه.
يزيد: هبقى أجرب أسمعهم يمكن يفيدوني أنا كمان. هنا: اا أكيد. بيتنهد يزيد بعمق وبيقول: هقولك حاجة بس متقوليش عليا متسرعة. هنا بخفوت التوتر: قول. يزيد: أول مرة شوفتك فيها هنا في البلكونة لما اتخانقنا، قولت لنفسي بعدها دا إحنا شكلنا هنبقى جيران مش متفاهمين خالص. وكمل بضحك: بس شكلنا هنبقى غير كده. هنا حسّت بشوية ارتباك، قلبها كان بيدق بسرعة وهي مش عارفة ترد على كلامه. كانت حاسة إن الجو بينهم بدأ يتغير. هنا: "إزاي يعني؟
مش فاهمة... يزيد: "يعني... يعني ساعات لما بنقابل حد لأول مرة، بنفكر في مليون حاجة عنهم، بس بعدين بنكتشف إن اللي كنا فاكرينه مش هو اللي في الحقيقة. وإننا حكمنا عليهم غلط من أول مرة." هنا بصت ليه وقالت ببطء: "معنى كده إنك حكمت عليا بإيه؟ يزيد بضحك: لا ب ولا حاجة. هنا مغيره الموضوع بتبص لكوبايه النسكافيه اللي في إيدها وترجع تبص ل يزيد تلاقيه لسا مصلط نظره عليها. هنا: اعملك كوباية نسكافيه؟
(هنا كانت فاكرة إنه هيرفض ف تستأذن وتدخل جوا وتخلص من توترها، لكن بيفجأها يزيد برضه) يزيد: امم ماشي مع إني لسا شارب شاي بس ماشي. هنا اتفاجأت بكلامه، وكأنها مش متوقعة إنه يوافق كده بسهولة. كانت عاوزة تهرب من الموقف، لكن يزيد فاجأها برضه الهادي. هنا: ماشي... خمس دقايق بس. يزيد حرك راسه بالإيجاب.
حاولت تقوم بسرعة، لكن قلبها كان لسه بيدق وتوترها كان واضح على ملامحها، لدرجة إنها حست إن كل خطوة بتاخدها كانت زي رحلة طويلة. هي مش عارفة ليه حاسة كده ولا فاهمة إيه اللي بيحصلها. وهي بتحضر النسكافيه، فكرت في كلامه... هل فعلاً هو فكر فيها بطريقة وفهمها غلط زي ما هي كمان فهمته غلط وكانت فكراه قليل الذوق ولا إيه دار في عقله. لما رجعت بالكوبايه، لقيت يزيد لسه قاعد مكانه، مبتسم ابتسامة خفيفة. قالت: "اتفضل... النسكافيه."
(المسافة بين البلكونتين مش كبيرة.. بحيث لو مد إيديهم هيطول وياخد من الكوبايه) بيقوم يزيد يقف ويمد ايده ياخد منها الكوبايه، بس لما بيقرب بتحس هنا بتوتر في إيدها ترتعش. يزيد وهو بياخد الكوبايه: شكراً..... مكمل بسرعة: حسابك. بترجع هنا تقعد على الكرسي بتاعها ولكن مش بتبص ل يزيد. بتبص لكوبايه النسكافيه بتاعتها اللي شبه بردت لكن بتضطر تشربها عشان تخفي ارتباكها.
يزيد أخد رشفة من النسكافيه وهو بيبص عليها بعينيه اللي مش قادر يخفي فيها حاجة. ابتسم ابتسامة خفيفة، وبعدها قال: يزيد: "حلو." هنا بابتسامة: بجد؟ يزيد: أيوه والله جميل.. تسلم إيدك. هنا: شكراً.
هنا ابتسمت بخجل، وكان واضح عليها التوتر، بس حاولت تخفيه علشان ما تبينش قدام يزيد. كانت عارفة إن الجو بينهم بدأ يبقى مختلف، وأي كلمة أو حركة ممكن تأثر عليه. يزيد كان قاعد قدامها، وفي عينيه كانت لسه في لمعة، ونظراته كانت بتلاحقها مش قادر يخفيها. يزيد بملامح جدية: وانتي في سنة كام ي هنا؟ استغربت هنا السؤال بترد على طول: أنا في ٢ كلية علوم. يزيد بإعجاب للإجابة: امم علوم دي كلية ممتازة. هنا حسّت
بشوية ارتياح: "أيوه، الحمد لله." يزيد ابتسم بخفة وهو بيشرب من كوبايته: العلوم دي مجال كبير، وهتكون ليكي فرص كويسة قدام إن شاء الله. هنا بلهجة خفيفة: "إنت بقى بتدرس إيه؟ كانت عاوزة تفتح موضوع جديد علشان مترجعش تحس بتوتر تاني. يزيد بضحك: أنا يستي مخلص كلية هندسة.. هنا: هندسة... مشاء الله.. أسمع إنها كلية صعبة أوي. يزيد: يعني الحمد لله عدت.. وأهو شغال دلوقتي. هنا بهدوء: ربنا يوفقك.
يزيد وهو يشرب آخر شوية من كوبايته، وبعدها نظر ليها بعينين فيهما لمعة غامضة: "آمين ويوفقك انتي كمان." بعد لحظات من الصمت اللي عدت عليهم، كل واحد بيفكر هو إيه اللي بقى مرتاح بالطريقة دي وكأنهم كانوا فعلاً محتاجين الحديث ده. هنا بتقطع السكوت وبتقول بصوت متقطع: طب أنا هدخل أنا. يزيد: طيب. وبيمد ايده بالكوبايه فاضيه.... تصبحي على خير.. وشكراً مرة تانية ع النسكافيه. هنا بهدوء: وانت من اهل الخير.. العفو ع إيه.
واتجهت هنا ل أوضتها بخطوات ثابتة وبتقفل الباب بهدوء بعد ما تبص يزيد بنظرة أخيرة فيها لمعه عين وارتياح. بيقف يزيد بعد ما تدخل بدقيقتين يتنهد بعمق ويبتسم ابتسامة واضحة جداً وكأنها مبسوط إنه فضفض بشوية كلام. صباحاً بعد نوم عميق من الطرفين. يزيد بيصحي بنشاط بياخد الدش بتاعه ويلبس ويمسك أجندة فيها حاجات تخص الشغل. بيرتب أولوياته وبيجهز للنزول.
كان بيفكر في كل لحظة قضاها مع هنا. كان فيه حاجة غريبة في طريقة كلامها، وفي نظراتها، وفي التوتر اللي كان بيظهر عليها رغم إنها كانت بتحاول تخفيه. كان عارف إنه مش لوحده في الشعور ده، ولكن كان محتار يكتشف. بيخرج برا أوضته بيلاقي رضوي وأولادها ووالدته قاعدين يفطروا. رضوي: حماتك بتحبك، كنت لسا هصحيك تفطر معانا. زينب بثقة: لازم تحبه، م كده كده بتحبه من غير حاجة. يزيد بضيق: خلاص ي ماما.
زينب: لاء مش خلاص، هو إحنا مش هننتهي من الموضوع ده؟ إنت ليه مش عاوز تاخد خطوة بقا؟ يزيد بضيق وخنقة وصوت عالي نسبياً: عشان أنا مش عاوزها، إيه هتجوزها غصب عني مثلاً؟ زينب: ولو متجوزتهاش ي يزيد مش هتتجوز غيرها وهتبقي ولا ابني ولا أعرفك. يزيد بنظرة غضب وحزن... مش بيلاقي كلام يقوله. بتدخل رضوي في الحوار بهدوء. رضوي: اهدي ي ماما، يزيد من حقه يختار اللي هيتجوزها.
زينب: إحنا اتكلمنا في الموضوع ده ألف مرة وأنا اللي عندي قولته، يزيد مش هيتتجوز غير "نيرة". (نيرة: أحد أقارب يزيد وبتموت فيه وبتتمنى يبقي ليها) رضوي: ي ماما يزيد مش بنت ده شاب مش هنقدر نغصبه على جوازة مش عاوزها. زينب بزعيق: وأنا مش هغير كلامي ي رضوي. يزيد: أبويا الله يرحمه لو كان عايش ماكنتيش قولتي كده. وكمل وهو بيقوم من ع الأكل: وأنا لو هقعد طول عمري من غير جواز مش هتجوزها. يزيد بيلتفت للباب،
وقال بأعلى صوته: "انتوا مش هتفهموا، مش هقدر أعيش مع واحدة مش عاوزاها مش مرتاحلها. مش كل حاجة الحياة بتتلخص في جواز، أنا عندي حاجات تانية بفكر فيها." زينب كانت عينيها مليانة غضب، لكن صوتها كان منخفض شوية لما ردت عليه: "مش هتقدر تبقى لوحدك طول عمرك، مش هتعيش من غير ما تكون مع واحدة. أنا مش قادرة أصدق اللي بتقوله ده." يزيد وهو واقف، ابتسم ابتسامة مُرّة وقال: "وأنا عاوز واحدة أنا اللي أختارها وأحس معاها إني مبسوط."
وكمل بسخرية: مش واحدة مفروضة عليا. رضوي حاولت تهدئ الأجواء بعد الموقف ده وقالت لزينب بصوت هادي: "هو مش ضد الجواز ي ماما، بس هو عايز يكون مرتاح في اختياره، مش المفروض نضغط عليه." يزيد لما سمع كده، اتنهد بعمق وهو في طريقه للخارج. كان حاسس بالضغط من كل الاتجاهات، وضغط أمه والحياة كان شيء مش سهل عليه. لكن في قلبه، كان عنده يقين إن ده مش الصح، هو لازم يكون مرتاح.
النهارده كان يوم مختلف في حياته. مش بس مع أسرته، لكن كمان مع "هنا"، الجارة اللي كانت دماغه مشغولة بيها من ساعة ما اتقابلوا. الجو كان غير طبيعي بينهم. وكان حاسس إن في شيء بيجمعهم رغم كل الحواجز. هو خرج بسرعة علشان يهرب من البيت والمشاكل، لكن قلبه كان لسه مشغول بحاجات تانية. إزاي هيقدر يقنع والدته إنه مش عاوز نيرة. بيتجه لشغله اللي بيعمله بعدم تركيز لكن إحساس بيخليه يشتغل بكل قوته كأنه بيفرغ طاقة الغضب في الشغل.
هو كان حاسس إنه عايش في صراع داخلي بين اللي عايز يعمله وبين اللي الكل بيضغط عليه. فتح جهاز الكمبيوتر وحاول يركز في المهام اللي قدامه، لكنه كان مش قادر يمنع نفسه من التفكير في هنا، الجارة اللي كانت زي اللغز اللي مش قادر يحله. كان بيحس بشيء من الراحة والانبساط لما يفتكرها. وكل ما يحاول يركز في شغله، كل ما صورة هنا تظهر قدامه. عند هنا.
لما صحيت كانت حاسَّة بنوع من الارتياح لكن في نفس الوقت كان في شيء من القلق جواها. قررت لما تفوق وتشوف والدتها محتاجة منها إيه، تروح تكلم صحبتها القريبة منها ممكن تقدر تفضفض معاها وتريح قلبها من التوتر اللي عايشة فيه. كانت دايمًا اللي بتفهمها من غير ما تتكلم كتير. بتكون عايشة في بلدها الأولي اسمها (سهيلة نفس سن هنا بس ف كلية صيدلة ومخطوبة وبتحب هنا جدا) هنا: ست الكل أمولة. أمل: كنت لسا بفكر فيكي.
هنا بتمايل: ليه جايبالي عريس؟ أمل: اتنيلي ي موكوسة.. قومي البسي وانزلي يلا بابا جاي النهارده وعاوزة أعمل أكلة حلوة. هنا: طب أنزل أروح فين ي ماما وبعدين مش إنتي قولتي يمني هتبتدي تنزل بقا؟ أمل: يمني أختك خدت عُدي وطلعوا يلعبوا فوق. هنا: طيب هندهالها تنزل. أمل: لاء إنتي اللي هتروحي. هنا بتعجب: يعني إنتي بتعاندي معايا ي ماما؟ أمل: أيوه، ويلا عشان تيجي على طول. هنا بنفر: أوووف حااااضر حاااضر.
بتدخل أوضتها وتجهز. بتلبس جيبة سمرا عليها شميز أسود بتحطه داخل الجيبة. وجاكيت جينز فوقهم وطرحة نبيتي. بتاخد موبايلها والفلوس. وأمل تقولها الحاجات اللي محتاجاها. وبعدين بتبدأ تنزل في اتجاهها للسوق. بعد خطوات بتحس هنا بارتباك بسبب زحمة الشارع لكن بتحاول تكون هادية وتجيب كل حاجة أمل قالتلها عليها.
لكن في لحظة بتوقف هنا. بتلاحظ إن تلفونها مش في إيدها. قلبها بيخفق من الخوف. بتدور عليه في كل حتة معاها في الأكياس مش بتلاقيه. بتحس بتوتر أزيد. بتروح بسرعة جدا المحل اللي كانت فيه بتسأل عليه لكن مش بتلاقيه. عينيها بتتملي بالدموع والخوف. بتسأل كذا حد من الشارع لو كان لو موبايل لكن بعد تدوير ربع ساعة مش بتلاقيه نهائي. بتاخد ركن وتسند على الجدار وتعيط بخفوت بوش شاحب.
مش عارفة تتصرف إزاي. كانت في حالة من الذهول، وكل اللي في ذهنها كان موبايلها اللي ضاع أو اتسرق مش محددة. لكن بعد خمس دقايق بيجي في بالها يزيد وإنه قالها إن المحل بتاعه في الشارع اللي جنب السكة. بتلاقي نفسها بتشد الأكياس وتطلع تجري على المكان. بتسأل كذا حد لحد ما بتوصل بعد دقيقتين. بتشوف يافطة كبيرة مكتوب عليها (الـيـزيـد) بتاخد نفس برعشة. قلبها كان في رجليها من الخوف والتوتر.
. لكن لما شافت يزيد واقف ورا الكاونتر، حست بشوية اطمئنان، يمكن لأنه كان الشخص الوحيد اللي تعرفه في البلد دي ومحدش جه في بالها غيره. لوهلة حست بالتردد قبل ما تدفع الباب وتدخل. إيديها بترتعش. بتفتح ببطء. يزيد أول ما يلاقي الباب بيتفتح واللي بتدخل عليه، هنا عينه بتوسع باستغراب شديد من شكلها وعينها الحمرا من كتر العيط ووشها الشاحب. يزيد وهو بيقرب منها: هنااا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!