أشرقت الشمس على أحد منازل القرية لتتعامد أشاعتها على قارئة كتاب الله بعد أن أدت فرضها. "صدق الله العظيم." الحمد لله، الساعة 9. يادوب ألحق أسلم على الجيران وأروح المقابر لبابا وماما قبل السفر. يا رب ساعدني واقف جنبي في الحياة الجديدة اللي داخله عليها. ليقطع صوت دعائها الهاتف المنير باسم جدها، نوح الهلالي. ليتحدث بنبرة خشنة جامدة: العربية بالسواق هتكون تحت بيتك الساعة 10.30، فياريت تكوني جاهزة.
لترد بنبرتها الهادئة: وعليكم السلام... حاضر، هكون في انتظارها. -ماشي، كويس، سلام. ليغلق الخط. لتقول لنفسها: لمي، هو مش طايقني، عايزني أعيش معاه ليه. ربنا يرحمك يا بابا أنت وماما، الحياة من غيركوا وحشه أوي. وخرجت للذهاب إلى المقابر ولتوديع جيرانها. *** في قصر عائلة الهلالي. الجد نوح بهدوء: طبعاً كلكوا عارفين أن نور بنت عمكم هاشم هتيجي تعيش معانا هنا من النهاردة. رجاء تتعاملوا معاها كويس، مفهوم؟ أيمن (عم نور)
هي هتوصل على امتى علشان نكون في استقبالها؟ الجد نوح: إن شاء الله على الساعة 12 الظهر. معتز (ابن عم نور) أنا آسف يا جدي، هيكون عندي اجتماع مهم. هسلم عليها لمي أخلص الشغل. الجد نوح بتفهم: من غير أسف، عذرك معاك. يلا روح أنت شركتك علشان متتأخرش أكتر من كده. ثم نظر إلى سيلين: عرفت إنك واخده إجازة النهاردة من المدرسة. سيلين (ابنة عم نور الصغرى) بفرح طفولي:
طبعاً أخدت إجازة علشان أستقبل نور. الصراحة أنا مبسوطة أوي، هيكون عندي بنت عم هلعب معاها ونخرج ونفرح وكده يعني. تحدثت رنيم (ابنة عم نور الكبرى) بسخرية: وإيه بقى اللي حدفها علينا دي؟ تربية قرية يعني فلاحة، هتعيش معانا إزاي في القصر وهي متعرفش حاجة عن عيشة الطبقة المخملية؟ تابعت والدتها (نرمين) على قولك، فلاحة. الجد نوح بغضب: اخرسي، مش عايز أسمع صوتك، فاهمة؟
وياكي يا رنيم أعرف إنك اتكلمتي معاها بأسلوب مش كويس أو قولتي كلام من الوسخ بتاعك ده، ومش هعيد كلامي تاني، فاهمة؟ ويلا قومي من وشي. رنيم وهي تمثل البكاء ونهضت باتجاه غرفتها: بتزعقلي علشان واحدة مشفتهاش غير مرتين في حياتك. أنا زعلانه أوي يا جدو. أيمن بعصبية: نرمين، قومي عقلي بنتك بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبكوا. يلااا.... حقك عليا يا بابا، امسحها فيا أنا. الجد نوح:
خلاص يا أيمن، اللي حصل حصل. تعالى يا سيلين معايا، عايزك في حاجة مهمة. سيلين وهي تميل رأسها بالموافقة: حاضر يا جدي. *** في غرفة رنيم. رنيم: شوفتي يا ماما، بيزعقلي علشان واحدة جربوعة فلاحة وبيقولي أنا رنيم الهلالي، كلامي وسخ. نرمين: مش عارفة إيه الضجة دي كلها أصلاً، وهي واحدة فلاحة مبتفهمش حاجة. ثم تابعت بخبث: بس متقلقيش، إن شاء الله هطفشها من هنا. رنيم: يارب يا ماما، ويا ريت في أسرع وقت. *** الساعة 10.30 في القرية.
الحاجة نوال ببكاء: هتوحشيني يا نور يا بنتي. ابقي اسألي علينا، متنسيناش. نور محتضنة الحاجة نوال: مش هنساكي يا خالتي وهجيلك على طول. كفاية عياط بقى علشان عينيكي. الحاجة نوال بابتسامة: حاضر يا بنتي. خلي بالك من نفسك... ولد يا محروس، تعال ساعد الراجل في تنزيل الشنط. محروس بحزن: حاضر يا خالتي نوال. والله يا أبلة نور، أنا وباقي عيال البلد زعلانين أوي علشان مش هتقعدي معانا وتدينا دروس تاني. نور مرت يدها
على وجنته لتمسح دموعه: بس بس، في راجل برضه يعيط؟ مينفعش... والله أنا زعلانه أكتر منكم. هنعمل إيه؟ بس متقلقش، هاجي أقعد معاكم من وقت للتاني، اتفقنا. عم محمد السواق: يلا يا هانم علشان منتأخرش على الحاج نوح. نور: حاضر، جايه أهو... سلام يا خالتي نوال، سلام يا محروس، أشوفكم على خير.
وصعدت إلى السيارة وتجمعت الدموع في عينيها عندما شاهدت جميع أهل القرية يودعونها، وبكاء الأطفال على فراق أستاذتهم وصديقتهم نور. وبكت على تركها لطفولتها وذكرياتها. مهما كانت صغيرة إلا أنها مهمة بالنسبة لها. وانطلقت السيارة إلى حياة جديدة لا تعلم نور عنها شيئاً. *** بكيت وهل بكاء القلب يجدي؟ فراق أحبتي وحنين وجدي!! فما معنى الحياة إذا افترقنا؟؟ وهل يجدي النّحيب فلست أدري!! فلا التّذكار يرحمني فأنسى
ولا الأشواق تتركني لنومي.................................................................... *** في قصر عائلة القاسم. ناظر إلى المرآة يداعب شعره الغزير لتزداد وسامته، ويضع من عطره الثمين لتنتشر راحته في جميع أنحاء الغرفة. ليرتفع صوت طرق الباب. ليقول بصوته الرجولي الجذاب: ادخل. تدخل والدته الغرفة، وعندما رأته ظهرت ابتسامة على ثغرها: هو في حد بيزداد وسامة كل يوم بالشكل ده ولا ابني بس؟ ليبتسم ويقول:
يمكن مثلاً علشان أنا ابن عصمت هانم الدمنهوري. عصمت: مش يمكن علشان أنت تميم القاسم... المهم، الساعة داخلة على 11 وأنت لسه في البيت واتأخرت على الشركة. تميم: عادي، مفيش شغل كتير. وعندي اجتماع الساعة 12، هروح بدري ليه. عصمت: اممم، يلا بينا ننزل تحت، أبوك عايزك في موضوع مهم. تميم: يلا بينا يا عصمت هانم. *** في الأسفل. منير (والد تميم) تميم، عملت إيه في المول الجديد بتاعنا إحنا وعيلة الهلالي؟ تميم بجدية:
بالنسبة للمول، النهاردة في اجتماع مع معتز الهلالي وهنتكلم في جميع أبعاد المشروع. منير: حلو، ياريت تبلغني بكل جديد بخصوص المشروع ده. تميم محرك رأسه ليدل على الموافقة: تمام، كل الورق بخصوص المشروع هيبقى عندك نسخة منها. ثم وجه نظره لوالدته: هي بسمة فين؟ ملهاش صوت النهارده. عصمت: راحت الجامعة، وراها محاضرة مهمة. هانت آخر سنة ليها وتتخرج. تميم: تمام... أنا هروح الشركة علشان الاجتماع. سلام. منير وعصمت: سلام. ***
في سيارة نور. توقفت السيارة أمام قصر عائلة الهلالي. فنظرت بصدمة طفولية: واو، هو القصر ده حقيقي ولا خيالي زي الكرتون؟ أبتسم عم محمد السائق على براءتها الطفولية: أيوا حقيقي يا ست هانم. وفتحت أبواب القصر لتنطلق السيارة داخل القصر وتزداد دهشة نور كلما اقتربت من الباب الرئيسي. لتتحدث بنبرة طفولية: يا عم محمد، أنت متأكد إن هو ده المكان؟ أنا خايفة مش هنزل. ممكن يطردوني، أنا أرجع بيتي بكرامتي أحسن. لا لا، أنا خايفة مش هنزل.
ضحك عم محمد: يا ست نور، والله هو ده القصر بتاع عيلة الهلالي. متخافيش، محدش هيعملك حاجة. ويلا انزلي علشان وصلنا. نزلت نور من السيارة وتقدمت بخطوات بطيئة لتقف أمام الباب وتمد يديها ليرن الجرس ويعلن وصول نور. لتفتح لها الخادمة سعاد لتقول: إنتي مين؟ لتقول نور بتوتر: أنا نور هاشم الهلالي. سعاد بفرحة: العتب على النظر يا ست هانم. اتفضلي، العيلة كلها مستنية وصولك. اتفضلي معايا.
سارت نور خلف سعاد وهي تتأمل هذا القصر الخيالي بالنسبة لها حتى وصلت لمكان تجمع العائلة. فوقفت شارده تنظر إلى وجوههم. ليقطع صوت شرودها الجد نوح: تعالي يا نور. تقدمت نور حتى وقفت أمام جدها. حتى ضمها في حضنه وقال: شبه أبوكي يا نور، نفس لون عيونه بالظبط (زرقاء ممزوجة ببعض الخضرة) نور بابتسامة هادئة: آه، نفس لون عيونه، الله يرحمه. الجد نوح: دي رنيم بنت عمك، أكبر منك بسنة. لتقول: أهلاً يا رنيم. رنيم:
أهلاً أهلاً يا نور. معلش أصل مش بحب أحضن ناس أقل مني. نرمين: معاكي حق يا رنيم، ناس بيئة. ليقطع صوتها سيلين: وأنا سيلين، صغيرة العيلة وآخر العنقود. وأنا ممكن أحضنك عادي، ولا في مشكلة؟ لتبتسم نور: طبعاً يا قمر، هاتى بوسة بقى، وإنتي سكرة كده. سيلين بفرح: ينفع نبقى أصحاب؟ ونظرت لها بعيون طفولية: ها، ينفع ولا لأ؟ بتضحك نور على مظهرها الطفولي: أكيد طبعاً ينفع، أنا حبيتك أصلاً. لتضمها إلى حضنها مرة أخرى. ليقطع صوتهم أيمن:
مش هتسلمي على عمك ولا إيه؟ لتذهب نور باتجاهه، وعندما رأته عن قرب تجمعت الدموع في عينيها. وقال أيمن: هتعيطي ليه دلوقتي؟ نور بابتسامة صغيرة على ثغرها: حضرتك شبه بابا بالظبط. أيمن وهو يحتضنها: آه شبهه، مش إحنا توأم؟ يبقى لازم نكون شبه بعض، ولا إيه؟ نور: آه، آه أكيد. الجد نوح: سعاد، خدي نور على أوضتها فوق تستريح شوية من السفر. سيلين بفرحة: أنا هوديها وأقعد معاها شوية. الجد نوح بهدوء:
مش دلوقتي يا سيلين، سيبيها تستريح شوية وبعد كده اقعدوا مع بعض. سيلين بغضب طفولي: خلاص، ماشي. شوية وهجيلك يا نور، اتفقنا. نور: اتفقنا يا قمر. لتنطلق نور مع سعاد حتى تصل إلى غرفتها وتتركها سعاد أمام الغرفة. لتفتح الباب لتجد أمامها غرفة كبيرة لم تكن في مخيلتها. لتدور جميع أنحائها. لتصعد على السرير تقفز عليه كطفلة ثم قالت: خلاص، أنا كبرت. مينفعش كده، ولا أت نطط شوية مش هيحصل حاجة. ثم ذهبت لتفتح حقيبتها لتفرغها.
وتزداد دهشتها عندما تفتح الدولاب لتجده مملوء بملابس قيمة للغاية: الله، إيه الهدوم دي، شكلها حلو جداً. وظلت نور تلهو وترقص في عالمها الجديد. *** "مهما كبر سنك سيظل داخلك طفل صغير يريد الخروج ليلهو قليلاً" *** في الأسفل. الجد نوح بغضب: ممكن أفهم إيه اللي عملتيه يا رنيم إنتي وأمك؟ رنيم بحزن مصطنع: إنت مش شايف يا جدو، شكلها عامل إزاي وأنا لسه حاطة ميك أب وخايفة يبوظ، الصراحة. لتتابع نرمين:
وأنا لسه لابسة فستان جديد وخايفة أوسخه، الصراحة. الجد نوح بصوت عالٍ نسبياً: أيمن، خد مراتك وبنتك وشوفلك صرفة معاهم علشان بعد كده هتصرف تصرف مش هيعجبكوا. أيمن بعصبية: تعالوا معايا، أما نشوف أخرتها معاكم إيه... يارب صبرني. ليخرجوا. تتجه سيلين إلى جدها لتقول: ها، يا نوح يا قمر، إنت عجبتك؟ ليهمس الجد في أذنيها: مش قولتك نوح دي بيني وبينك، مش قدام الكل. وأه يا ستي عجبتيني، وبعد ما تخلصي ليكي مكافأة حلوة. لتقول سيلين بفرح:
حاضر، مش هقولك نوح غير بينا إحنا الاتنين بس. ومتقلقش، كله هيمشي تمام علشان المفاجأة. لتتابع بحيرة: بس هو ليه خلتني أعمل كده؟ كنت عرفت إنت لوحدك وخلاص. ليرد الجد نوح بحزن: مقدرش أقولك دلوقتي يا سيلو، بس هتعرفي بعدين. طبعت سيلين قبلة على وجهه وقالت: أنا هروح أنا بقى، ربنا يخليك ليا يا قمر. ليبتسم الجد: ويخليكي يا قمر. *** في شركة القاسم. ينظر تميم للورق أمامه ويجلس معتز أمامه منشغل أيضاً بقراءة الأوراق. ليقول:
كده المكان هيكون على البحر، بس إزاي مول على البحر؟ مش خطر شوية؟ ليتحدث تميم بجدية: هو خطر، بس إحنا هنشيل الرمل وتقريباً هنعمل أرض صلبة، فهيكون كويس. معتز: أنا فاهم، وكمان منظر البحر هيكون جذاب جداً والناس هتكون مستمتعة. بص، أنا هتفق مع نص الماركات والنص التاني عليك. تميم: أوكي. وبعد الاتفاق هنجمع كل مندوبين الماركات هنا ونمضي الورق النهائي، ولا إيه؟ معتز: بالظبط كده، علشان يبقى كله واضح. مبروك علينا المول الجديد.
تميم: الله يبارك فيك. من بكرة المهندسين والعمال هيكونوا في الموقع للتنفيذ. معتز: على بركة الله. أنا همشي بقى، ورايا شغل لسه في الشركة. عايز حاجة؟ تميم: لا، شكراً. ثم خرج معتز متجهاً إلى شركته. أما تميم ظل يقرأ بعض الورق الخاص بالمشروع. *** في غرفة نور. ارتفع صوت طرقات الباب. لتقول نور: ادخل. لتفتح سيلين الباب لتتفاجئ ب ....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!